مقدمة

الحدود

«أقنعتْني التقارير التي كتبتُها على مدى أكثر من ثلاثة عقود بأننا جميعًا بحاجةٍ إلى استعادة إدراكنا للزمان والمكان الذي ضاع في عصر الطائرة النفاثة وثورة المعلومات.»

المؤلف

ثمَّة مكانٌ جيد لفهم الحاضر، ولطرح الأسئلة حول المستقبل، وهو أديم الأرض، مع السفر فوقها بأبطأ ما يمكن.

عندما ظهرت في الأفق الثُّلَّة الأولى من التلال المقبَّبة، والممتدة صعودًا من الصحراء المستوية في شمال العراق، لتنتهي في سلاسل من القمم الجبلية التي يبلغ ارتفاعها عشرة آلاف قدم والمكسوَّة بأشجار البلُّوط والرماد الجبلي، ألقى سائقي الكردي نظرةً إلى الوراء على السهل الفسيح المنبسط، وهو يمص لسانه بازدراء، وقال: «عربستان»، ثم غمغم — وهو ينظر باتجاه التلال — قائلًا: «كردستان»؛ ومن ثم تهلَّل وجهه. كان ذلك في العام ١٩٨٦م، في ذروة العهد الخانق لصدام حسين؛ ومع ذلك فبمجرد أن اخترقنا مزيدًا في الوديان الشبيهة بالسجون والصدوع المنيعة، اختفت فجأةً اللوحات الضخمة التي تحمل صور صدام، والتي كانت معلَّقة في كل مكان، وكذلك اختفى الجنود العراقيون. أما من حلَّ محلَّهم فهم البشمركة peshmergas الأكراد الذين يحملون أحزمة الكتف العريضة، ويعتمرون العمائم ويرتدون السراويل الفضفاضة وأحزمة الخصر العريضة. ووفقًا للخريطة السياسية، لم نكن قد غادرنا دولة العراق أبدًا. لكن هذه الجبال كانت قد وضعت حدًّا لحكم صدام حسين؛ وهي حدود لم يُتغلب عليها إلا باتباع الأشد تطرفًا من التدابير.

في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وبسبب غضبه من الحرية التي منحتها هذه الجبال للأكراد على مدى عقود وقرون، قرر صدام في النهاية شن هجوم واسع النطاق على كردستان العراق؛ في حملة الأنفال الشائنة التي أسفرت عن مقتل ما يقدَّر بنحو ١٠٠ ألف من المدنيين. من الواضح أن الجبال لم تكن محدَّدة؛ لكنها عملت بالفعل بمنزلة ستارٍ خلفيٍّ — أو الحقيقة الأصلية — لهذه الدراما المأساوية. وبسبب هذه الجبال، انفصلت كردستان الآن فعليًّا عن الدولة العراقية إلى حدٍّ كبير.

تمثِّل الجبال قوة واقية؛ فكثيرًا ما توفر الحماية ضمن ممراتها الضيقة لحضارات الشعوب الأصلية ضد إيديولوجيات العصرنة الشرسة التي كثيرًا ما ابتُليت بها السهول، على الرغم من أنها وفرت في عصرنا الحاضر ملاذًا للمقاتلين الماركسيين وكارتلات (عصابات) المخدرات.١ في هذا السياق، كتب عالم الأنثروبولوجيا بجامعة ييل جيمس سي سكوت Scott قائلًا: «يمكننا فهم شعوب التلال بأفضل صورة باعتبارها مجتمعات من الهاربين، المطاريد، الآبقين الذين، ظلوا على مدى ألفَي سنة يفرون من الاضطهاد الذي تمثِّله مشروعات صنع الدول في الوديان»؛٢ لأن السهول كانت هي المكان الذي أنشب فيه النظام الستاليني لنيكولاي تشاوشيسكو Ceausescu أنيابه في عموم السكان. وخلال صعودي لجبال الكاربات عدة مرات في ثمانينيات القرن العشرين، رأيت علامات قليلة على العمل الجماعي collectivization. تتحدد هذه الجبال التي تمثِّل الباب الخلفي لوسط أوروبا بالمساكن المصنوعة من الخشب والحجر الطبيعي أكثر مما تتحدد بكتل الخرسانة والحديد الخردة، وهي العناصر المادية المفضلة للشيوعية الرومانية.
إن جبال الكاربات المحيطة برومانيا ليست أقل من جبال كردستان من حيث كونها حدودًا. وعند دخولي منطقة الكاربات من جهة الغرب، من سهول بوسطا Puszta المجرية الجرداء والخاوية على نحوٍ مهيب، والتي تميزها تربة فاحمة السواد وأمواج من العشب الأخضر الليموني، شرعتُ في مغادرة العالم الأوروبي للإمبراطورية النمساوية-المجرية السابقة، حيث شققت طريقي تدريجيًّا إلى الأراضي الأفقر اقتصاديًّا من الإمبراطورية التركية العثمانية السابقة. وفي نهاية المطاف، ما مكن الاستبداد الشرقي لتشاوشيسكو، والذي كان أكثر قمعيةً بكثير من الشيوعية العشوائية في المجر، هو استحكامات جبال الكاربات.
ومع ذلك، لم تكن جبال الكاربات منيعة على الاختراق؛ فقد ازدهر التجار طوال قرون في ممراتها العديدة، حيث هم حمَلة السلع والثقافة الرفيعة، بحيث يمكن أن يترسخ بعيدًا عنها مظهر مؤثر لأوروبا الوسطى، في مدن وبلدات مثل بوخارست وروسة Ruse، لكن الجبال كانت تشكِّل تدرجًا لا يمكن إنكاره، وهو الأول في سلسلة ممتدة باتجاه الشرق، تنتهي أخيرًا في الصحراء العربية وصحراء كاراكوم Kara Kum.
وفي العام ١٩٩٩م، ركبت سفينة شحن طوال الليل من العاصمة الأذربيجانية باكو، الواقعة على الجانب الغربي من شاطئ بحر قزوين، إلى ميناء كراسنوفودسك Krasnovodsk في تركمانستان، الذي يقع على الشاطئ الشرقي، وهو بداية ما أطلق عليه الساسانيون الفرس في القرن الثالث الميلادي اسم تركستان Turkestan. استيقظت لأجد نفسي عند خط ساحلي ضيق يضم عددًا من البيوت الصغيرة البيضاء مقابل منحدرات بلون الموت الطيني. صدرت الأوامر لجميع الركاب بالاصطفاف في رتل واحد تحت درجة حرارة تقترب من ٣٨ مئوية أمام بوابة تفتيش لا يوجد فيها سوى شرطي وحيد عمد إلى فحص جوازات سفرنا. وبعد ذلك مررنا إلى سقيفة جرداء حارقة، حيث اتهمني شرطي آخر بتهريب المخدرات، عندما اكتشف أقراص بيبتو-بيسمول الذي أتناوله لعلاج الحموضة. أخذ الشرطي مصباحي اليدوي وأفرغ بطارياته التي تبلغ شحنتها ١٫٥ فولت على الأرض الترابية. كانت تعبيرات وجهه قاتمة ووحشية مثل المنظر الطبيعي المحيط بنا. كانت البلدة التي تلوح على مبعدة من السقيفة عديمةَ الظل ومسطحة بشكلٍ يبعث على الكآبة، مع القليل من التلميحات المعمارية على وجود ثقافة مادية. شعرت فجأةً بالحنين إلى باكو، بما تحتويه من الجدران الفارسية التي تعود إلى القرن الثاني عشر وقصور الأحلام التي بناها بارونات النفط الأوائل، والتي تزينها الأفاريز وتماثيل الجرغول gargoyles، مما يُعطي مظهرًا خادعًا للغرب، وهو الذي — على الرغم من جبال الكاربات، والبحر الأسود، وجبال القوقاز الشاهقة — يرفض أن يموت تمامًا. وعندما ارتحلت شرقًا، تبخرت أوروبا بالتدريج أمام عيني، حيث أشارت الحدود الطبيعية المتمثِّلة في بحر قزوين إلى المرحلة الأخيرة، التي تدل على بلوغنا صحراء كاراكوم.
وبطبيعة الحال، لا تُظهر الجغرافيا الحالة اليائسة لتركمانستان. وبدلًا من ذلك، فهي لا تدل إلا على بداية الحكمة في البحث عن نمط تاريخي: ذاك المتعلق بالغزوات المتكررة من قِبل البارثيين Parthians، والمغول، والفرس، والروس في أثناء الحقبة القيصرية، والسوفييت، ومجموعة كبيرة من القبائل التركية في مقابل طبيعة جرداء غير محمية. لم يكن هناك سوى الحد الأدنى من الوجود لأية حضارة؛ لأن أيًّا منها لم تُتح له فرصة غرس جذور عميقة على نحوٍ دائم، وهو ما يساعد في تفسير انطباعاتي الأولى عن المكان.
ارتفع مستوى الأرض أثناء صعودنا إلى الأعلى، فما بدا قبل لحظات ككتلة واحدة من الحجر الرملي قد تفكَّك إلى متاهة من قيعان الأنهار المجوَّفة والمنعطفات التي تعكس ظلالًا من اللونين الرمادي والكاكي. وعلى قمة كل تلة، كانت هناك أرض سبخة منخفضة تكتسب لونًا أحمر أو مائلًا إلى الأصفر عندما تسقط أشعة الشمس على المنحدرات العليا الشاهقة من زاوية مختلفة. اخترقت الحافلة نسمات من الجو البارد — وهي أول نفحات أتلقَّاها من هواء الجبال النقي بعد الغلاف الرقيق من الحرارة الذي يميز مقاطعة بيشاور Peshawar الحدودية في شمال غرب باكستان.٣ وفي حدِّ ذاتها، إن أبعاد ممر خيبر ليست بالمدهشة؛ إذ يقل ارتفاع أعلى قممه عن سبعة آلاف قدم، كما أن الارتفاع نادرًا ما يكون حادًّا. ومع ذلك، فخلال أقل من ساعة في العام ١٩٨٧م، انتقلت عبر عالم بركاني سفلي محصور من الصخور والوديان المتعرجة؛ من الأرضية الاستوائية المورقة لشبه القارة الهندية إلى القفار الباردة الجرداء لوسط آسيا؛ من عالم من التربة السوداء، والأقمشة ذات الألوان الزاهية، والمطبخ الحار والغني إلى عالم آخر من الرمال، والصوف الخشن، ولحم المعز.
ولكن مثل منطقة جبال الكاربات، التي اخترق التجار ممراتها، فإن جغرافية الحدود بين أفغانستان وباكستان تقدم لنا دروسًا مختلفة: فما كان البريطانيون أول من أطلق عليه اسم «الحدود الشمالية الغربية» من الناحية التاريخية، ليس حدودًا على الإطلاق، وفقًا للأستاذة في جامعة هارفارد سوجاتا بوس، لكنه يمثِّل القلب من «متصل» continuum «هندو-إيراني» و«هندو-إسلامي»، وهو سبب كون أفغانستان وباكستان تمثِّلان كُلًّا عضويًّا واحدًا، يسهم في عدم تماسكهما الجغرافي كبلدين منفصلين.٤
بالإضافة إلى ذلك، فقد كان هناك مزيد من الحدود المصطنعة؛ لقد عبرت جدار برلين إلى برلين الشرقية مرتين، في عامَي ١٩٧٣ و١٩٨١م. كان الحاجز الخرساني الذي يبلغ ارتفاعه اثنتي عشرة قدمًا، والذي يعلوه أنبوب واسع، يقطع منظرًا شبيهًا بأفلام الأسود والأبيض من أحياء المهاجرين التركية واليوغوسلافية الفقيرة على جانب ألمانيا الغربية، والمباني المهجورة التي لا تزال جدرانها تحمل آثار قذائف الحرب العالمية الثانية على جانب ألمانيا الشرقية. كان في وسعك تسلُّق الجدار ولمس أي جزء منه تقريبًا على الجانب الغربي، حيث كانت الكتابة على الجدران graffiti؛ أما حقول الألغام وأبراج الحراسة فكانت جميعها تقع على الجانب الشرقي.
وبقدر السريالية التي بدا عليها في ذلك الوقت فِناء السجن هذا، والمكون من تضاريس حضرية، فلا يسع المرء أن يتشكك فيه إلا من الناحية الأخلاقية؛ لأن الافتراض المهيمن على هذا العصر هو أن الحرب الباردة لم تنتهِ بعد. وبصفةٍ خاصَّة بالنسبة إلى أمثالي، الذين نشئوا خلال فترة الحرب الباردة لكنهم لا يمتلكون أي ذكريات على الإطلاق من الحرب العالمية الثانية، فإن السور — مهما كان وحشيًّا واعتباطيًّا — قد بدا سرمديًّا مثل سلسلة من الجبال. لم تظهر الحقيقة إلا من خلال الكتب والخرائط التاريخية لألمانيا التي شرعتُ — بالمصادفة المحضة — في الاطلاع عليها خلال الأشهر الأولى من العام ١٩٨٩م، عندما كنت في زيارة إلى بون لتغطية موضوعٍ لإحدى المجلات. كانت لدى الكتب والخرائط قصةٌ لترويها؛ في أثناء احتلالهم لقلب أوروبا بين بحر الشمال وبحر البلطيق وجبال الألب، فإن الألمان، وفقًا للمؤرخ غولو مان Mann، كانوا دائمًا مثل قوة ديناميكية محبوسة ضمن «سجن كبير»، يرغبون في الخروج منه. ولكن بسبب انسداد جهتَي الشمال والجنوب بفعل المياه والجبال، فإن الخروج يعني الاتجاه شرقًا وغربًا، حيث لا توجد عوائق جغرافية. «إن ما ميَّز الطبيعة الألمانية طوال مائة عام هو افتقارها إلى الشكل، وعدم موثوقيتها»، هذا ما كتب مان، في إشارة إلى الفترة المضطربة ما بين ستينيات القرن التاسع عشر وستينيات القرن العشرين، التي تميزت أيضًا بتوسع أوتو فون بسمارك Bismarck وبالحربين العالميتين.٥ لكن الأمر نفسه يمكن أن يقال على حجم ألمانيا وشكلها على الخريطة طوال تاريخها.
وفي الواقع، كان الرايخ الأول، الذي أسسه شارلمان Charlemagne في العام ٨٠٠، بمنزلة فقاعة متنقلة هائلة من الأراضي التي شملت، في وقتٍ أو آخر، النمسا وأجزاء من سويسرا، وفرنسا، وبلجيكا، وهولندا، وبولندا، إيطاليا، ويوغسلافيا. بدا أن أوروبا في سبيلها إلى أن تُحكم انطلاقًا مما يتوافق الآن مع ألمانيا. ولكن بعد ذلك جاء مارتن لوثر Martin Luther، الذي انشق عن المسيحية الغربية بحركة الإصلاح؛ وهو الأمر الذي أشعل بدوره شرارة حرب الثلاثين عامًا، التي دارت رحاها على التراب الألماني في المقام الأول؛ وبالتالي، جرى اغتصاب أوروبا الوسطى. وكلما تعمقت في القراءة — عن التزاوج الذي وقع في القرن الثامن عشر بين بروسيا والنمسا تحت حكم آل هابسبورغ، وعن الاتحاد الجمركي في القرن التاسع عشر بين العديد من الولايات الألمانية، وحركة التوحيد التي قادها بسمارك في أواخر القرن التاسع عشر انطلاقًا من بروسيا — صار من الواضح أكثر أن جدار برلين كان مجرد مرحلة أخرى ضمن هذه العملية المستمرة من التحوُّل الإقليمي.

إن الأنظمة التي انهارت بعد وقت قصير من سقوط جدار برلين — في تشيكوسلوفاكيا، والمجر، ورومانيا، وبلغاريا، وفي بلدان أخرى — كانت بلدانًا عرفتها من كثب من خلال العمل والسفر. للوهلة الأولى، كانت تبدو منيعة للغاية، ومثيرة لقدر هائل من الخوف؛ لذا كان انهيارها المباغت بمنزلة درس مَعلَمي بالنسبة إليَّ، ليس فقط بخصوص عدم الاستقرار الكامن في جميع الأنظمة الدكتاتورية، ولكن حول كيف أن الحاضر، مهما بدا سرمديًّا وساحقًا، هو زائل لا محالة. أما الشيء الوحيد الثابت فهو موقع شعبٍ ما على الخريطة. وهكذا، ففي أوقات الاضطرابات، تزداد أهمية الخرائط. ومع تغيُّر الأرضية السياسية تحت أقدامنا بسرعة، فإن الخريطة — على الرغم من أنها ليست محدَّدة — فهي تمثِّل بداية استبصار أي منطق تاريخي حول ما يمكن أن يحدث لاحقًا.

كان العنف هو الانطباع السائد عن المنطقة المنزوعة السلاح (DMZ) بين الكوريتين. وفي عام ٢٠٠٦م، رأيت الجنود الكوريين الجنوبيين يقفون متجمدين في أوضاع الاستعداد لممارسة التايكوندو، حيث كانت قبضتا وساعدا كلٍّ منهم مضمومة وهم يحدِّقون في وجوه نظرائهم من جنود كوريا الشمالية. وللقيام بهذه المهمة، انتقى كل جانب أطول جنوده وأكثرهم إثارة للرهبة. لكن الكراهية المعروضة رسميًّا وسط الأسلاك الشائكة وحقول الألغام يُحتمل أن تُصبح تاريخًا في المستقبل المنظور. فعندما ننظر إلى سيناريوهات تقسيم البلدان الأخرى في القرن العشرين — مثل ألمانيا، وفيتنام، واليمن — يتَّضح أنه مهما طال التقسيم، فإن قوى الوحدة الوطنية ستنتصر في نهاية المطاف، بطريقةٍ غير مخطط لها وأحيانًا عنيفة ومتسارعة الخطى. إن المنطقة المنزوعة السلاح، مثل جدار برلين، تمثِّل حدودًا اعتباطية لا تستند إلى أي منطق جغرافي، تقسم أمة عرقية عند نقطة اتُّفق أن يتوقف عن القتال عندها جيشان متحاربان. وبنفس الطريقة التي جرت بها إعادة توحيد ألمانيا، يمكننا أن نتوقع، أو على الأقل ينبغي أن نخطط لقيام كوريا كبرى موحدة. ومرةً أخرى، من المرجَّح أن تسود قوى الثقافة والجغرافيا عند نقطة ما. إن الحدود التي يصنعها البشر، والتي لا تتوافق مع منطقة من الحدود الطبيعية، تكون غير حصينة على نحوٍ خاص.
عبرت أيضًا الحدود البرِّية من الأردن إلى إسرائيل، ومن المكسيك إلى الولايات المتحدة؛ وسأتحدث أكثر عن هذه الحدود وغيرها في أجزاء لاحقة من الكتاب. أما الآن، فأود أن أصطحبكم في رحلة أخرى — من نوع مختلف جذريًّا — عبر صفحات مختارة من التاريخ والعلوم السياسية، وهي التي بقيت صامدة طوال عقود، بل قرون في بعض الحالات، والتي سيتيح لنا تركيزها على الجغرافيا قراءة خريطة التضاريس (الخريطة المجسمة relief map) على نحوٍ أفضل؛ ومن خلال ذلك، ستساعدنا على إلقاء لمحة خاطفة، على الرغم من كونها غير واضحة المعالم، على ملامح السياسة المستقبلية. إن الفعل نفسه — المتمثِّل في عبور العديد من الحدود — هو ما أثار فضولي العميق حول مصير الأماكن التي مررت عبرها.
أقنعتني التقارير التي كتبتها على مدى أكثر من ثلاثة عقود بأننا جميعًا بحاجة إلى استعادة إدراكنا للزمان والمكان، الذي قد ضاع في عصر الطائرة النفاثة وثورة المعلومات، حيث تمكَّنت نخبة صنَّاع الرأي العام من التنقل عبر المحيطات والقارات خلال ساعات؛ مما يسمح لهم بالتحدث بفصاحة عما وصفه الصحافي المتميز بصحيفة نيويورك تايمز توماس فريدمان Friedman باسم «العالم المسطَّح». وبدلًا من ذلك، فسأعرض على القراء مجموعة من المفكرين غير العصريين من دون ريب، والذين يناهضون بشدة فكرة أن الجغرافيا لم تعد مُهمة. وسأتناول أفكارهم بشيء من التعمق في النصف الأول من هذه الرحلة من أجل تطبيق حكمتهم في النصف الثاني منها، من حيث ما وقع وما يمكن أن يحدث في جميع أنحاء أوراسيا — من أوروبا إلى الصين، بما في ذلك الشرق الأوسط الكبير وشبه القارة الهندية. إن معرفة ما قد فُقِد بالتحديد من رؤيتنا للواقع المادي، واكتشاف كيف فقدناه؛ ومن ثم استعادته من خلال إبطاء وتيرة سفرنا ومن خلال الملاحظة ذاتها؛ عن طريق الاستفادة من المعارف الواسعة للعلماء الذين صاروا الآن في رحاب الله؛ هذا هو الهدف من هذه الرحلة.
إن الجغرافيا، المشتقة من كلمة يونانية تعني في الأساس «وصف الأرض»، ترتبط في كثير من الأحيان بالإيمان بالجَبرية fatalism؛ وبالتالي فهي موصومة: فالتفكير جغرافيًّا يعني تقليص الخيارات البشرية، كما يقال. ولكن من خلال دراسة أدوات مثل خرائط الإغاثة والدراسات السكانية، أود فقط أن أضيف طبقة أخرى من التعقيد على التحليلات التقليدية للسياسة الخارجية؛ وبالتالي إيجاد وسيلة أعمق وأقوى للنظر إلى العالم. ليس عليك أن تكون مؤمنًا بالحتمية الجغرافية لكي تدرك أن الجغرافيا تمتلك أهمية حيوية. وكلما ازداد انشغالنا بالأحداث الجارية، ازدادت أهمية الأفراد واختياراتهم؛ ولكن كلما ازداد تدبُّرنا لما وقع في القرون الغابرة، ازداد اقتناعنا بأن الجغرافيا تؤدِّي دورًا مُهمًّا.

يُعد الشرق الأوسط مثالًا حيًّا على ذلك. في أثناء كتابتي لهذه السطور، كانت المنطقة من المغرب إلى أفغانستان واقعة في خضمِّ أزمة تتعلق بالسلطة المركزية. لقد صار النظام القديم المكوَّن من الأنظمة الاستبدادية واهيًا، على الرغم من كون الطريق نحو ديمقراطية مستقرة لا يزال ملتويًا. تميزت المرحلة الأولى من هذا الاضطراب الشديد بهزيمة الجغرافيا بفعل تقنيات الاتصالات الجديدة. عملت القنوات الفضائية والشبكات الاجتماعية عبر الإنترنت على خلق مجتمع واحد من المتظاهرين في جميع أنحاء العالم العربي: بحيث استلهم دعاة الديمقراطية في أماكن متباينة مثل مصر، واليمن، والبحرين ما بدأت شرارته في تونس. وبالتالي، كان هناك عدد من القواسم المشتركة في الأوضاع السياسية في كل هذه البلدان. ولكن مع تواصل الثورة، بات واضحًا أن كل بلد قد صاغ روايته الخاصَّة لها، والتي تتأثر بدورها بتاريخه العميق وبجغرافيته المتميزة. وكلما ازدادت معرفة المرء بتاريخ وجغرافية أي دولة بعينها في الشرق الأوسط، تناقص اندهاشه من مسار الأحداث هناك.

قد يكون من قبيل المصادفة جزئيًّا فقط أن بدأت الاضطرابات في تونس. تُظهر خريطة العصور الكلاسيكية القديمة تركُّزًا للمستوطنات في الموقع الذي تحتله تونس اليوم، جنبًا إلى جنب مع الفراغ النسبي الذي يميز ما صار اليوم الجزائر وليبيا. ولكونها تمثِّل لسانًا ناتئًا في البحر الأبيض المتوسط قريبًا من صقلية، كانت تونس هي المركز الديموغرافي لشمال أفريقيا ليس فقط في ظل القرطاجيين والرومان، ولكن تحت حُكم الوندال Vandals، والبيزنطيين والعرب خلال العصور الوسطى، والأتراك. وفي حين كانت الجزائر الواقعة إلى الغرب منها وليبيا جارتها من الشرق مجرد تعبيرات جغرافية غامضة، كانت تونس تمثِّل عنقودًا من الحضارة القديمة العهد (أما بالنسبة إلى ليبيا، فقد كانت منطقتها الغربية المتمثِّلة في إقليم طرابلس Tripolitania موجَّهة نحو تونس عبر التاريخ، بينما كانت منطقتها الشرقية المتمثِّلة في إقليم برقة Cyrenaica — أي بنغازي — موجهة دائمًا نحو مصر).
وطوال ألفَي سنة، كلما ازداد القرب من قرطاج Carthage (وهو الموقع التقريبي لتونس في العصر الحديث) زاد مستوى التطور. ولأن التمدن urbanization في تونس بدأ منذ ألفَي سنة، فإن الهوية القبلية المبنية على البداوة — والتي قال مؤرخ القرون الوسطى ابن خلدون إنها تعرقل الاستقرار السياسي — كانت ضعيفة وفقًا لذلك. وفي الواقع، بعد أن تمكَّن الجنرال الروماني سكيبيو Scipio من هزيمة هانيبال Hannibal في العام ٢٠٢ قبل الميلاد على مشارف مدينة تونس، حفر خندقًا لترسيم الحدود، أو ما عرف باسم الحفرة الملكية fossa regia، التي كانت تشير إلى حدود الإقليم المتحضر. ولا تزال الحفرة الملكية وثيقة الصلة بالأزمة الراهنة في الشرق الأوسط. ولكونها لا تزال مرئية في بعض الأماكن، فهي تمر من طبرقة على الساحل الشمالي الغربي التونسي جنوبًا، أما من جهة الشرق، فهي تنعطف مباشرة إلى صفاقس، وهي ميناء آخر على البحر الأبيض المتوسط. تتميز البلدات الواقعة وراء هذا الخط بعدد أقل من بقايا الآثار الرومانية، وتنزع اليوم لأن تكون أشد فقرًا وأقل تطورًا، مع ارتفاع تاريخي في معدلات البطالة. أما بلدة سيدي بوزيد، حيث بدأت الثورة العربية في ديسمبر ٢٠١٠م، عندما عمد بائع للفاكهة والخضراوات إلى إضرام النار في نفسه باعتباره عملًا من أعمال الاحتجاج، فتقع وراء خط سكيبيو بقليل.

ليست هذه قدرية؛ فمهمتي لا تتجاوز توفير سياق جغرافي وتاريخي للأحداث الجارية: بدأت الثورة العربية من أجل الديمقراطية فيما كان، من الناحية التاريخية، المجتمع الأكثر تقدمًا في العالم العربي — وهو الأقرب جغرافيًّا إلى أوروبا — ومع ذلك فقد بدأ أيضًا على وجه التحديد في جزء من ذلك البلد جرى تجاهله منذ العصور القديمة؛ وبالتالي عانى التخلف.

من شأن هذه المعرفة أن تضيف عمقًا إلى ما كان يحدث في أماكن أخرى: سواء كان ذلك في مصر، وهي عنقود قديم آخر من الحضارة، وهي التي تمتلك تاريخًا طويلًا بوصفها دولة، مثلها في ذلك مثل تونس؛ أو اليمن، وهي القلب الديموغرافي لشبه الجزيرة العربية، والتي أفسدت محاولاتِ الوحدة فيها تضاريسُها الجبلية المترامية الأطراف، والتي عملت على إضعاف الحكومة المركزية وبالتالي زيادة أهمية الكيانات القبلية والجماعات الانفصالية؛ أو سوريا، التي يحمل شكلها المشذَّب على الخريطة في داخله أقسامًا مبنية على العرق والهوية الطائفية. تشهد الجغرافيا بأن تونس ومصر متماسكتان من الناحية الطبيعية؛ في حين تتَّسم ليبيا، واليمن، وسوريا بكونها أقل تماسكًا. ويترتب على ذلك أن تونس ومصر استلزمتا أشكالًا معتدلة نسبيًّا من الاستبداد للمحافظة على وحدة كلٍّ منهما، في حين أن ليبيا وسوريا تطلَّبتا ضروبًا أكثر تطرفًا. وفي الوقت نفسه، جعلت الجغرافيا اليمن دائمًا مكانًا يصعب حُكمه على الإطلاق. كانت اليمن تمثِّل ما أطلق عليه العالمان الأوروبيان اللذان عاشا في القرن العشرين، إرنست غلنر Gellner، وروبير مونتاني Montagne، اسم المجتمع «المُجزَّأ» segmentary، وهو ثمرة طبيعة شرق أوسطية تعصف بها الجبال والصحاري. ولكونه يتأرجح بين المركزية والفوضى، يتجسد هذا المجتمع وفقًا لصياغة مونتاني في نظام «يستنزف الحياة من منطقة ما»، على الرغم من أنه بسبب الهشاشة المتأصلة فيه، فقد فشل في إقامة مؤسسات دائمة. فهناك تتَّسم القبائل بقوَّتها والحكومة المركزية بضعفها؛٦ وبالتالي فإن الصراع من أجل بناء أنظمة ليبرالية في مثل هذه الأماكن لا يمكن فصله عن مثل هذه الحقائق.
ومع تراكم الاضطرابات السياسية، حيث يبدو العالم أكثر صعوبة في السيطرة عليه، مع أسئلة لا تنتهي عن الكيفية المفترضة لاستجابة الولايات المتحدة وحلفائها، فإن الجغرافيا تقدم وسيلة لفهم جزء على الأقل مما يعنيه كل ذلك. ومن خلال دراسة الخرائط القديمة، والتعاطي مع الجغرافيين والمفكرين الجيوسياسيين من العصور السابقة، أريد أن أرسِّخ الحقائق العالمية في القرن الحادي والعشرين بقدر ما فعلت عند هذه الحدود بدايةً من أواخر القرن العشرين. وحتى إذا استطعنا إرسال أقمار صناعية إلى المجموعة الشمسية الخارجية — وحتى لو صارت الأسواق المالية والفضاء الإلكتروني لا تعرف حدودًا — فإن جبال الهندوكوش Hindu Kush لا تزال تشكِّل عائقًا هائلًا.
١  Jeremy Black, Maps and History: Constructing Images of the Past (New Haven: Yale University Press, 1997), p. 85.
٢  James C. Scott, The Art of Not Being Governed: An Anarchist History of Upland Southeast Asia (New Haven: Yale University Press, 2009), p. ix.
٣  تمت تسمية هذه المقاطعة لاحقًا باسم خيبر باختونخوا Khyber Pakhtunkhwa.
٤  Sugata Bose, A Hundred Horizons: The Indian Ocean in the Age of Global Empire (Cambridge: Harvard University Press, 2006), p. 56.
٥  Golo Mann, The History of Germany Since 1789, translated by Marian Jackson (London: Chatto & Windus, 1968), pp. 525 and 880, 1987 Peregrine edition.
٦  Ernest Gellner, Muslim Society (New York: Cambridge University Press, 1981), pp. 38, 41, 180 187.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥