الفصل الأول
من البوسنة إلى بغداد
«أي حرب يمكن أن تكون أكثر عدلًا من هذه؟»
المؤلف
لاستعادة إحساسنا بقيمة الجغرافيا، علينا أولًا أن نتعرف على تلك اللحظة في التاريخ
الحديث، والتي فقدنا فيها هذا الإحساس على نحوٍ أشد عمقًا، وأن نفسر سبب خسارتنا هذه؛
ومن ثم توضيح كيف أثَّر ذلك على افتراضاتنا عن العالم. وبطبيعة الحال، فقد حصل هذا
الفقدان بشكلٍ تدريجي، لكن اللحظة التي استفردتها، والتي بدت فيها تلك الخسارة أكثر حدَّةً،
وقعت بعد سقوط سور برلين على الفور. وعلى الرغم من كونه حدودًا اصطناعية كان ينبغي
لانهيارها أن يحسِّن احترامنا للجغرافيا ولخريطة التضاريس — وما يمكن أن تتنبأ بحدوثه
هذه الخريطة في بلدان البلقان المجاورة، وفي الشرق الأوسط — فقد أعمتنا إزالة سور برلين
عن العوائق الجغرافية الحقيقية التي لا تزال تقسمنا، والتي لا تزال تنتظرنا.
لقد وجدنا أنفسنا فجأةً في عالم أدَّى فيه تفكيك الحدود التي صنعها الإنسان في ألمانيا
إلى افتراض أن كل الانقسامات البشرية يمكن التغلب عليها؛ وأن الديمقراطية ستنتصر في
أفريقيا والشرق الأوسط بنفس السهولة التي فعلت بها ذلك في أوروبا الشرقية؛ وأن
العولمة
globalization — التي سرعان ما ستصير كلمة
رائجة — لم تكن أقل من اتجاه أخلاقي للتاريخ ونظام للأمن الدولي، وليس ما كانت تمثِّله
في
الواقع؛ أي مجرد مرحلة اقتصادية وثقافية من مراحل التنمية. لنتدبر معًا ما يلي:
إيديولوجية دُحرت لفورها، حتى مع اعتبار الأمن الداخلي في الولايات المتحدة وأوروبا
الغربية أمرًا مفروغًا منه، كما ساد ما يُشبه السلام عمومًا. ولأنه التقط روح العصر
ببصيرة ثاقبة، نشر نائب المدير السابق لموظفي تخطيط السياسات في وزارة الخارجية
الأمريكية، فرانسيس فوكوياما
Francis Fukuyama، مقالًا
قبل بضعة أشهر من سقوط سور برلين، حمل عنوان «نهاية التاريخ»، معلنًا فيه أنه على الرغم
من أن الحروب والثورات ستستمر، فإن التاريخ بالمعنى الهيغلي
Hegelian١⋆
قد انتهى الآن؛ لأن نجاح
الديمقراطيات الليبرالية الرأسمالية قد أنهى الجدل حول ماهية نظام الحكم الأفضل للبشرية.
٢
وبالتالي، كان الأمر مجرد مسألة صياغة للعالم بحيث يكون أقرب من صورتنا
نحن، أحيانًا عن طريق نشر القوات الأمريكية؛ مثل عمليات الانتشار التي نتجت عنها خسائر
قليلة نسبيًّا في تسعينيات القرن العشرين.
كانت هذه الدورة الفكرية الأولى لحقبة ما بعد الحرب الباردة، بمنزلة عصر للأوهام: كان
ذلك وقتًا اعتُبرت فيه كلمات مثل «واقعي» و«براغماتي» بمنزلة ازدراء؛ إذ كانت تدل على
نفور صاحبها من التدخل الإنساني في الأماكن التي كانت المصلحة الوطنية، وفقًا لتعريفها
التقليدي والضيق، تبدو فيها بعيدة المنال. كان الأفضل في تلك الأيام أن تكون من
المحافظين الجدد
neoconservative أو من الأمميين
الليبراليين، الذين كان يُنظر إليهم على أنهم أناس أذكياء طيبون، والذين لا يريدون سوى
وقف الإبادة الجماعية
genocide في البلقان.
٣⋆
بَيْد أن هذه الفورة من المثالية
idealism في الولايات
المتحدة لم تكن غير مسبوقة؛ فالانتصار في الحرب العالمية الأولى أفضى إلى رفع راية
«الولسونية»
Wilsonianism، وهي مفهوم يرتبط بالرئيس
وودرو ويلسون، وهو الذي — كما اتَّضح لاحقًا — لم يضع في اعتباره إلا القليل من الأهداف
الحقيقية لحلفاء أمريكا في أوروبا، فضلًا عن اعتبارٍ أقل لواقع بلدان البلقان والشرق
الأدنى، وهي التي — كما أظهرت الأحداث التي وقعت في عشرينيات القرن العشرين — كانت
الديمقراطية والتحرر من هيمنة إمبراطورية الأتراك العثمانيين فيها تعني — في الأساس —
زيادة ضيقة الأفق في الوعي العرقي في الأجزاء المنفردة من السلطنة القديمة. حدثت ظاهرة
مماثلة لذلك بعد انتصار الغرب في الحرب الباردة، وهي التي اعتقد كثيرون أنها ستؤدي ببساطة
إلى تحقُّق الحرية والرخاء تحت راية «الديمقراطية» و«الأسواق الحرة». أشار كثيرون إلى
أنه حتى أفريقيا، وهي أفقر القارات وأقلها استقرارًا، وهي التي تعاني مزيدًا من التكبيل
المتمثِّل في أكثر حدود العالم افتعالًا وأقلها منطقية، قد تكون بدورها على أعتاب ثورة
ديمقراطية كأن انهيار الإمبراطورية السوفييتية في قلب أوروبا كان يحمل معنًى ساميًا لأقل
دول العالم تقدمًا، والتي يفصلها عنها بحر وصحراء وتبعد عنها آلاف الأميال، لكنها ترتبط
عبر التلفاز.
٤ ومع ذلك، وكما حدث تمامًا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، فقد
استهلَّ انتصارنا في الحرب الباردة قدرًا من الديمقراطية والسلام العالمي أقل من الصراع
التالي من أجل البقاء، والذي سيرتدي فيه الشر أقنعة جديدة.
وفي الواقع، أن الديمقراطية وحكومات أفضل ستبدأ في الظهور في جميع أرجاء أفريقيا،
لكن
ذلك سيمثِّل صراعًا طويلًا وصعبًا، مع تنامي الفوضى (في حالة العديد من بلدان غرب
أفريقيا)، والعصيان المسلَّح، والشر البواح (في حالة رواندا) لفترات طويلة خلال هذه
الأثناء. ستقطع أفريقيا شوطًا طويلًا في تعريف العقد
decade الطويل ما بين التاسع من نوفمبر ١٩٨٩م،
والحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م، أو بين سقوط سور برلين وهجمات القاعدة على البنتاغون ومركز
التجارة العالمي؛ وهي فترة الاثني عشر عامًا التي شهدت موجات من القتل الجماعي
والتدخلات الإنسانية المتأخرة وهي تُحبط أحلام المثقفين المثاليين، حتى عندما أدَّى نجاح
تلك التدخلات في نهاية المطاف إلى رفع شعور المثاليين بالتفوق إلى آفاق سيثبت لاحقًا
كونها كارثية في العقد الذي بدأ بعد الحادي عشر من سبتمبر.
وفي هذا العقد الجديد الذي
بدأ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، سنرى أن الجغرافيا، وهي التي مثَّلت عاملًا مُهمًّا
من
دون شك في البلقان وأفريقيا في تسعينيات القرن العشرين، ستعمل على تدمير النوايا
الأمريكية الجيدة في الشرق الأدنى على نحوٍ تامٍّ. إن الرحلة من البوسنة إلى بغداد، التي
بدأت بحملة جوية وأرضية محدودة في الجزء الغربي الأكثر تقدمًا من الإمبراطورية التركية
السابقة في البلقان، وانتهت بغزو شامل بقوات المشاة في الجزء الشرقي الأقل تقدمًا في
بلاد ما بين النهرين، من شأنها أن تكشف حدود العالمية الليبرالية
liberal universalism، وفي أثناء ذلك تُضيف بُعدًا
جديدًا لخريطة التضاريس.
بدأت الحرب الباردة بالفعل في ثمانينيات القرن العشرين، قبل سقوط سور برلين، مع إحياء
مصطلح «أوروبا الوسطى»
Central Europe، وهو الذي عُرِّف
لاحقًا من قِبل الصحافي والباحث بجامعة أكسفورد، تيموثي غارتون آش
Ash، على أنه «تمييز سياسي-ثقافي ضد الشرق السوفييتي».
٥ كانت أوروبا الوسطى، أو
Mitteleuropa
بالألمانية، فكرة مفاهيمية أكثر من كونها حقيقة جغرافية؛ فهي تمثِّل إعلانًا للذكرى؛
أي
تذكير بحضارة أوروبية قوية، فوضوية على نحوٍ لذيذ، ورومانسية، وهي التي تذكِّر المرء
بالشوارع المرصوفة بالحصى والسقوف الجملونية، وبالمشروبات الغنية وبمقاهي فيينا،
وبالموسيقى الكلاسيكية، وبتقليد إنساني متحضِّر ولطيف، منغمس في الفنون الانفعالية
المزعجة والفكر الحداثي. وهي تستحضر الإمبراطورية النمساوية المجرية وتذكِّر بأسماء مثل
غوستاف ماهلر
Mahler، وغوستاف كليمت
Klimt، وسيغموند فرويد
Freud، كما تفيض بالتقدير العميق لأمثال إيمانويل
كانط
Kant، والفيلسوف الهولندي اليهودي باروخ سبينوزا
Spinoza. وفي الواقع، أن «أوروبا الوسطى»، كانت
تعني — من بين أمور أخرى كثيرة — العالم الفكري المهدد بالانقراض لليهود قبل ويلات
النازية والشيوعية؛ كما كانت تعني التنمية الاقتصادية، مع استحضار قوي لذكرى إقليم
بوهيميا قبل الحرب العالمية الثانية، باعتبار أنه كان يتمتع بمستوًى من التصنيع يتفوق
على نظيره في بلجيكا. كان ذلك يعني، مع كل انحطاطاتها ومساوئها الأخلاقية، منطقة من
التسامح النسبي بين الأعراق المتعددة تحت مظلة إمبراطورية آل هابسبورغ الحميدة على
الرغم من كونها مختلة على نحوٍ متزايد. وفي المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة، وصف
أوروبا الوسطى بإيجاز بليغ أستاذ جامعة برينستون البروفيسور كارل شورسكه
Schorske في كتابه الكلاسيكي المقلق وذي الرؤية
القاتمة، فيينا في نهاية القرن: السياسة والثقافة، والكاتب الإيطالي كلاوديو ماغريس
Magris في كتاب أدب الرحلات الرائع الذي ألَّفه
بعنوان «الدانوب». وبالنسبة إلى ماغريس، فإن أوروبا الوسطى هي إحساس «يعني الدفاع عن
برنامج بعينه ضد أي برنامج شمولي». أما بالنسبة إلى الكاتب المجري جيورجي كونراد
Konrád والكاتب التشيكي ميلان كونديرا
Kundera، فإن «أوروبا الوسطى» هي شيء «نبيل»، وهي
«مفتاح عمومي» لتحرير الطموحات السياسية.
٦
كان الحديث عن «أوروبا الوسطى» في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين يعني القول
بأنها ثقافة تتألف — في حدِّ ذاتها — من جغرافية راسية بقدر رسوخ سلسلة من الجبال، أو
بقدر
ما أحدثته فيها الدبابات السوفييتية. ولأن فكرة أوروبا الوسطى كانت بمنزلة انتقادٍ حادٍّ
لجغرافية الحرب الباردة، والتي كانت أفرزت مصطلح «أوروبا الشرقية» للدلالة على ذلك النصف
من أوروبا الذي يدين بالشيوعية ويُدار من موسكو. وقد قيل بحقٍّ إن ألمانيا الشرقية،
وتشيكوسلوفاكيا، وبولندا، والمجر كانت جميعها تمثِّل جزءًا من أوروبا الوسطى؛ وبالتالي
لم
يكن ينبغي تسليمها إلى سجن الدول الشيوعية السابقة ولا إلى حلف وارسو. وبعد بضع سنوات،
ويا للسخرية! عندما اندلعت الحرب العرقية في يوغوسلافيا، فإن «أوروبا الوسطى» بدلًا من
أن تكون مصطلحًا يعني التوحيد، سوف تمثِّل أيضًا إشارة تدل على الانقسام؛ مع تفكُّك
وانفصال «دول البلقان» في أذهان الناس عن أوروبا الوسطى، والتي أصبحت، في الواقع، جزءًا
من الشرق الأدنى الجديد/القديم.
كانت منطقة البلقان مرادفًا للإمبراطوريتين التركية والبيزنطية القديمتين، مع سلاسل
جامحة من الجبال التي عملت على إعاقة تنميتها، في ظل مستوًى معيشي أدنى عمومًا،
يرجع إلى عقود وقرون بالمقارنة مع أراضي إمبراطوريتَي هابسبورغ وبروسيا السابقتين في
قلب
أوروبا. وخلال العقود الأحادية اللون من الهيمنة الشيوعية، كانت دول البلقان مثل
رومانيا وبلغاريا، في الواقع، تعاني درجة من الفقر والقمع غير معروفة في النصف الشمالي
«الوسط أوروبي» من الإمبراطورية السوفييتية. كان الوضع معقَّدًا، بطبيعة الحال. كانت
ألمانيا الشرقية هي الأكثر احتلالًا بالفعل من بين الدول التابعة؛ وبالتالي كان نظامها
الشيوعية من بين الأكثر تشددًا، وحتى يوغوسلافيا — التي لم تكن رسميًّا عضوًا في حلف
وارسو — كانت تسمح بدرجةٍ من الحرية، وخاصَّة في مدنها، وهو أمر لم يكن معروفًا في
تشيكوسلوفاكيا، على سبيل المثال. ومع ذلك، وبصفة عامة، فإن أمم الإمبراطوريات التركية
والبيزنطية السابقة في جنوب شرق أوروبا لم تُعانِ بسبب أنظمتها الشيوعية قدرًا من
الاستبداد يقل عن مثيله في النسخة الشرقية، كأنه غزو مغولي ثانٍ، في حين أن أمم أوروبا
آل هابسبورغ الكاثوليكية السابقة كانت تُعاني في الأساس بسبب حُكم أقل خباثة: مزيج كئيب
من
درجات متفاوتة من الشعبوية الاشتراكية الراديكالية. وفي هذا السياق، فإن السفر من المجر
الليبرالية نسبيًّا، وإن كانت شيوعية، في ظل حكم يانوس كادار
Kádár إلى رومانيا تحت الحكم الشمولي لنيكولاي
تشاوشيسكو كان مثالًا نموذجيًّا في هذا الصدد. وقد قمت بهذه الرحلة كثيرًا في ثمانينيات
القرن العشرين: أثناء مرور قطاري برومانيا آتيًا من المجر، ساءت جودة مواد البناء فجأةً؛
ونهب المسئولون حقائبي وأجبروني على دفع رشوة لإدخال آلتي الكاتبة؛ كما اختفى ورق
التواليت من المرحاض وأظلمت الأضواء الخافتة. صحيح أن منطقة البلقان كانت شديدة التأثر
بوسط أوروبا، لكنها كانت متأثرة بالقدر نفسه بالشرق الأوسط الذي يبعد عنها بالمسافة نفسها.
كانت السهوب المغبرة بساحاتها العامة القاتمة — والمستوردة من الأناضول — تمثِّل واحدةً
سمات
الحياة في كوسوفو ومقدونيا، حيث كان من الصعب العثور على ملامح الحياة الاجتماعية
المتحضرة لبراغ وبودابست.
ومن ثم، لم يكن الأمر من قبيل المصادفة، أو ناتجًا كليًّا عن أعمال أفراد أشرار، أن
اندلع العنف وسط الخليط العرقي في يوغوسلافيا وليس، مثلًا، في دول وسط أوروبا غير
العرقية كالمجر وبولندا. وقد كان للتاريخ والجغرافيا، بدورهما، دورٌ في ذلك.
ولكن من خلال النظر إلى أوروبا الوسطى باعتبارها قبلة الأنظار الأخلاقية والسياسية،
بدلًا من كونها قبلة جغرافية، طرح المثقفون الليبراليون مثل غارتون آش — وهو أحد الأصوات
الأكثر بلاغةً التي ظهرت خلال هذا العَقد — رؤيةً ليس لأوروبا فقط، ولكن للعالم؛ والتي
اتَّسمت بكونها اشتمالية inclusive وليست تمييزية. وفي
هذا المنظور، ليست بلدان البلقان وحدها التي يجب ألَّا تُترك فريسة للتخلف والهمجية،
بل
ولا أي مكان آخر: أفريقيا، على سبيل المثال. من شأن سقوط سور برلين أن يؤثر ليس فقط على
ألمانيا، لكنه، بدلًا من ذلك، كان لا بد من أن يطلق العنان لحلم أوروبا الوسطى بوضوح
في
جميع أرجاء العالم. كانت هذه المقاربة الإنسانية
humanist جوهر نظرة كونية تقول بأن الليبراليين
الأمميين والمحافظين الجدد قد ساهموا — على حدٍّ سواء — في صياغة تسعينيات القرن العشرين.
أذكر أنه قبل أن يصبح معروفًا بتأييده للحرب على العراق، كان بول وولفويتز
Wolfowitz من دعاة التدخل العسكري في البوسنة
وكوسوفو، وكان في الواقع متحالفًا مع ليبراليين مثل غارتون آش في مجلة نيويورك ريفيو
أوف بوكس New York Review of Books اليسارية التوجه.
تعود جذور الطريق إلى بغداد إلى التدخلات في البلقان خلال تسعينيات القرن العشرين، التي
عارضها الواقعيون والبراغماتيون، حتى بعد أن ثبت أن هذه الحملات العسكرية في يوغوسلافيا
السابقة قد حققت نجاحًا لا يمكن إنكاره.
لا يمكن فصل التوق إلى إنقاذ المسلمين في البوسنة وكوسوفو عن التوق إلى استعادة أوروبا
الوسطى، سواء باعتبارها مكانًا حقيقيًّا أو متصورًا بصورةٍ مؤثرة، وهو الذي سيُظهر كيف
أن
الأخلاق والإنسانية، في نهاية المطاف، هي ما يقدس الجمال. (على الرغم من أن غارتون آش
نفسه كان متشككًا في الجهود المبذولة لجعل أوروبا الوسطى مكانًا مثاليًّا، فإنه أدرك
الفائدة الأخلاقية الإيجابية التي يمكن أن يطبَّق عليها مثل هذا الاستمثال
idealization). سجَّلت الكتابات الإنسانية لإشعيا
برلين
Berlin الروح الفكرية لتسعينيات القرن العشرين.
وفي مذكراته المؤرِّخة للفترة التي قضاها في ألمانيا الشرقية،
٧ كتب غارتون آش: «كنت أقول
Ich bin ein
Berliner، وتعني بالألمانية أنني أشبه إشعيا برلين». أما الآن وقد
اندحرت الشيوعية وتكشَّف زيف اليوطوبيا الماركسية، كان إشعيا برلين بمنزلة الترياق
المثالي للنظريات الواحدية
monistic العصرية التي
اجتاحت الحياة الأكاديمية على مدى العقود الأربعة السابقة. أما برلين، الذي كان يدرس
في
جامعة أكسفورد، والذي تزامنت حياته مع القرن العشرين، فقد دافع دائمًا عن البراغماتية
البرجوازية و«التنازلات المماطِلة» بشأن التجريب السياسي.
٨ كان برلين مبغضًا للجوانب الجغرافية والثقافية، وجميع الأشكال الأخرى
للحتمية
determinism، رافضًا تسليم أي شخص وأي فرد
لمصيره المحتوم. تمثَّلت آراؤه، التي عرضها بالتفصيل في العديد من المقالات والمحاضرات
على مدى عمره، غالبًا باعتباره صوتًا أكاديميًّا وحيدًا في البرِّية، في توليفة مثالية
من المثالية
المعتدلة التي طبَّقها ضد الشيوعية، وفكرة أن الحرية والأمن متاحان لبعض الشعوب فقط وليس
لغيرها. كانت فلسفته ومثال أوروبا الوسطى متوافقين تمامًا. ولكن وعلى الرغم من أن مفهوم
أوروبا الوسطى كان واضحًا، كما شرحه هؤلاء المثقفون المتَّسمون بالحكمة والبلاغة، فقد
كانت في الواقع قضية نبيلة، وهي التي يجب أن تؤدِّي باستمرار دورًا في السياسات الخارجية
لجميع الدول الغربية كما سأوضح لاحقًا، لكنها تواجه عقبةً أجد نفسي مجبرًا أيضًا على
تناولها.
ولأنه لا تزال هناك مشكلة مع هذه الرؤية السامية، ثمَّة حقيقة قبيحة عملت في كثير
من
الأحيان على مر التاريخ على تحويل مفهوم أوروبا الوسطى إلى شيء مأساوي؛ فأوروبا الوسطى،
وببساطة، ليس لها واقع على خريطة التضاريس. (استشعر غارتون آش هذا بحدسه في عنوان إحدى
مقالاته: «هل توجد أوروبا الوسطى بالفعل؟»).
٩ وهنا يدخل إلى الصورة الحتميون الجغرافيون، الذين يتَّسمون بالفظاظة
والتجهُّم مقارنة بالصوت اللطيف لإشعيا برلين: خاصَّة الصوت الذي ينتمي إلى العصر الإدواردي
للسير هالفورد ج. ماكيندر
Mackinder وتلميذه جيمس
فيرغريف
Fairgrieve، اللذين اعتبرا أن فكرة أوروبا
الوسطى تعاني «عيبًا جغرافيًّا مميتًا». يخبرنا ماكيندر وفيرغريف بأن أوروبا الوسطى،
تنتمي
إلى «منطقة الحشود»
crush zone التي تقع بجوار أوروبا
البحرية، بكل «مصالحها المحيطية»، و«المنطقة المركزية لأوراسيا بمنظورها القاري».
وباختصارٍ، فمن الناحية الاستراتيجية، لم يكن هناك «أي متسع» لأوروبا الوسطى في نظر
ماكيندر وفيرغريف.
١٠ أما الاحتفاء بأوروبا الوسطى، والتساهل الذي له ما يبرره تجاه ذلك من قِبل
المثقفين الليبراليين، كما أشارت إليه كتابات ماكيندر وفيرغريف، فيشير إلى وجود فترة
إرجاء للجغرافيا السياسية؛ أو على الأقل الرغبة في الحصول على واحدة. ومع ذلك، فإن سقوط
سور برلين لم يؤدِّ إلى إنهاء الجغرافيا السياسية؛ وبالأحرى لم يستطع إنهاءها؛ فكل ما
فعله هو الانتقال بها إلى مرحلة جديدة. لا يمكنك أن تتمنى ببساطةٍ زوال صراعات الدول
والإمبراطوريات عبر الخريطة.
سأقوم باستكشاف كتابات ماكيندر، لا سيما فرضيته عن «المنطقة المركزية»
Heartland، وبالتفصيل في موضعٍ لاحق. ويكفي أن أقول
الآن إنها، على الرغم من طرحها منذ أكثر من مائة سنة، فقد أثبتت كونها وثيقة الصلة على
نحوٍ ملحوظ بديناميات الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة.
وعند تفكيكهما إلى أبسط منطق لهما، فقد دارت الحربان العالميتان حول ما إذا كانت ألمانيا
ستهيمن أم لا على المنطقة المركزية لأوراسيا، والتي تقع إلى الشرق منها، في حين ركزت
الحرب الباردة بهيمنة الاتحاد السوفييتي على شرق أوروبا — وهي الحدود الغربية للمنطقة
المركزية التي وصفها ماكيندر. وبالمناسبة، فإن أوروبا الشرقية السوفييتية هذه كانت تضم
في نطاقها ألمانيا الشرقية، وهي بروسيا التاريخية، التي تمثَّلت دوافعها الإقليمية
تقليديًّا في التوسع شرقًا باتجاه المنطقة المركزية، في حين احتوى الجزء الداخلي من
تحالف الناتو NATO المحيطي ألمانيا الغربية، التي كانت
كاثوليكية من الناحية التاريخية، وذات فكر صناعي وتجاري، بتوجهها المنصبِّ نحو بحر الشمال
والمحيط الأطلسي. يجادل الجغرافي الأمريكي الذي اشتهر خلال فترة الحرب الباردة، شاول
ب.
كوهين Cohen، بأن «المنطقة الحدودية التي تفصل بين
ألمانيا الشرقية والغربية … هي واحدة من بين الأقدم في التاريخ»، فهي المنطقة التي كانت
تفصل بين الفرنجة والقبائل السلافية في العصور الوسطى. وبعبارةٍ أخرى، فلم يكن هناك سوى
قليل من الاصطناع فيما يتعلق بالحدود بين ألمانيا الشرقية والغربية. كان ألمانيا
الغربية، وفقًا لكوهين، تمثِّل «انعكاسًا بارزًا لأوروبا البحرية»، في حين تنتمي ألمانيا
الشرقية إلى «عالم القوة البرِّية القارِّية».
دعم كوهين تقسيم ألمانيا باعتباره أمرًا «سليمًا من الناحية الجيوسياسية وضروريًّا
من
الناحية الاستراتيجية»؛ لأنه يعمل على استقرار المعركة الدائمة بين المنطقتين البحرية
وتلك المركزية لأوروبا.
١١
وفي العام ١٩١٩م، كتب ماكيندر ببصيرة ثاقبة أن «الخط المارَّ عبر ألمانيا …
هو نفس الخط الذي افترضنا، بناءً على أسباب أخرى، أن يرسم الحدود الاستراتيجية بين
المنطقة المركزية وبين الأراضي الساحلية.»
١٢
وبالتالي، ففي حين أن تقسيم برلين نفسها كان مصطنعًا، كان تقسيم ألمانيا
أقل اصطناعًا. تحدَّث كوهين عن وسط أوروبا كونها «مجرد تعبير جغرافي يفتقر إلى أي جوهر
جيوسياسي».
١٣
وبالتالي فإن توحيد ألمانيا، وفقًا لهذا المنطق، لن يؤدِّي إلى انبعاث أوروبا
الوسطى، بل سيؤدي ببساطة إلى معركة متجددة حول أوروبا؛ وبالتالي حول المنطقة المركزية
لأوراسيا: وبعبارةٍ أخرى، ففي أي اتجاه ستتأرجح ألمانيا؛ إلى الشرق باتجاه روسيا، مع
عواقب وخيمة على كلٍّ من بولندا، والمجر، والبلدان الأخرى التي كانت تدور في فلك روسيا
في
السابق، أم إلى الغرب باتجاه المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ مما يمثِّل انتصارًا
للنطاق البحري؟ ما زلنا نجهل الإجابة عن هذا السؤال؛ لأن فترة ما بعد الحرب الباردة لا
تزال في مراحلها المبكرة. لم يكن في وسع كوهين ولا غيره أن يتوقع بدقةٍ الطبيعة
«المتجنِّبة للحرب»
debellicized لألمانيا الموحدة
اليوم، والتي يوجد «نفورها من الحلول العسكرية» عند مستوًى عميق من ثقافتها؛ الأمر الذي
قد يساعد في المستقبل على استقرار أو زعزعة الاستقرار في القارة، وهو أمر يتوقف على الظروف.
١٤ وبالتحديد لأنهم احتلوا وسط أوروبا باعتبارهم قوة برِّية، فقد أظهر الألمان دائمًا
وعيًا حادًّا بالجغرافيا والاستراتيجية كآلية للبقاء؛ وهو أمر قد يستعيده الألمان
مجددًا؛ مما سيسمح لهم بالتحرك بعيدًا عن السلمية الظاهرية
quasi-pacifism التي ينتهجونها الآن. وفي الواقع،
هل يمكن لألمانيا الموحدة والليبرالية أن تصبح قوة موازِنة في حدِّ ذاتها — بين المحيط
الأطلسي والمنطقة المركزية لأوراسيا — مما يسمح بترسيخ تفسير جديد وجريء لثقافة أوروبا
الوسطى؛ وبالتالي يزود مفهوم أوروبا الوسطى بثقل جيوسياسي؟ ومن شأن ذلك أن يمنح
المفكرين من أمثال غارتون آش مصداقية أكثر من ماكيندر وكوهين. وباختصارٍ، فهل ستتمكن
أوروبا الوسطى، كمثال على التسامح والحضارة الراقية، من البقاء على قيد الحياة في وجه
الهجمات التي ينطوي عليها صراع القوى العظمى الجديدة؟ فمن المؤكد أن مثل هذه النزاعات
ستقع في هذا القلب الأوروبي. إن الثقافة النابضة بالحياة لوسط أوروبا في نهاية القرن
التاسع عشر، والتي بدت مُغرية للغاية من موقع المراقبة لأواخر القرن العشرين، كانت في
حدِّ ذاتها ثمرة لواقع إمبراطوري وجيوسياسي عديم العاطفة ومحدد الاتجاه؛ أي النمسا تحت
حكم آل هابسبورغ. ترتكز الليبرالية في نهاية المطاف على السلطة: ربما كانت سلطة حميدة،
ولكنها تظل سلطة على الرغم من ذلك.
لكن التدخلات الإنسانية في تسعينيات القرن العشرين لم تكن غافلة عن الصراعات حول
السلطة، كما لم تكن أوروبا الوسطى تشكِّل رؤية خيالية في أعينها. وبدلًا من ذلك، فإن
استعادة أوروبا الوسطى عن طريق وقف القتل الجماعي في منطقة البلقان كانت بمنزلة صرخة
هادئة ومستبصرة للتوظيف السليم للقوة العسكرية الغربية، من أجل الحفاظ على معنى
الانتصار في الحرب الباردة. وبعد كل شيء، فما كان السبب الرئيسي للحرب الباردة في نهاية
المطاف، باستثناء جعل العالم آمنًا للحرية الفردية؟ وفي إشارة إلى الحماسة التي تناول
بها المثقفون من أمثاله حرب البلقان،
١٥ كتب مايكل إيغناتييف
Ignatieff، وهو مؤرخ
ومفكر وكاتب سيرة إشعيا برلين: «بالنسبة إلى الأمميين الليبراليين، أصبحت البوسنة بمنزلة
الحرب الأهلية الإسبانية لعصرنا الحالي.»
كانت الدعوة إلى الفاعلية الإنسانية
human agency —
وإلى هزيمة الحتمية — تتَّسم بالإلحاح في عقولهم. وفي هذا السياق، يتذكر المرء مقطعًا
من
رواية جويس، عوليس
Ulysses، يرثي فيه ليوبولد
بلوم «الظروف الجينية التي يفرضها القانون الطبيعي»: «الأوبئة المهلكة»، و«النوازل
الكارثية»، و«الاضطرابات الزلزالية»، والتي يستجيب لها ستيفن ديدالوس
Dedalus عن طريق التأكيد ببساطة مؤثرة على «أهميته
باعتباره حيوانًا عقلانيًّا واعيًا».
١٦
صحيح أن الفظائع تقع، فهكذا يسير العالم؛ لكنها يجب ألَّا تكون مقبولة إلى
هذا الحد. ولأن الإنسان كائن عقلاني، فهو يمتلك في نهاية المطاف القدرة على الكفاح ضد
المعاناة والظلم.
وهكذا، وفي وجود أوروبا الوسطى كنجمٍ هادٍ، أفضى الطريق إلى الجنوب الشرقي، ابتداءً
من
البوسنة، مرورًا بكوسوفو، ومنها إلى بغداد. وبطبيعة الحال، فإن العديد من المثقفين
الذين أيدوا التدخل في البوسنة قد عارضوه في العراق — أو تشكَّكوا في جدواه على الأقل
— لكن
ذلك لم يكن ليثني المحافظين الجدد وغيرهم عن تصميمهم. ولأن منطقة البلقان، كما سنرى،
أظهرت لنا رؤيةً لسياسة التدخل
interventionism، على
الرغم من كونه متأخرًا، التي تكلف القليل من حيث حياة الجنود، وتدع كثيرين مخدوعين بوهم
أن النصر المؤلم يمثِّل الآن مستقبل الحرب. إن تسعينيات القرن العشرين، التي اتَّسمت
بتداخلاتها المتأخرة، وكما كتب غارتون آش بصدقٍ مؤلم، تذكِّرنا بثلاثينيات القرن العشرين،
وهي التي وصفها و.ﻫ. أودن
Auden بأنها «عقد دنيء وغير شريف».
١٧
كان هذا صحيحًا، لكنهما كانا — من منظور آخر — متساهلين للغاية في هذا
الوصف.
وفي ذلك الوقت؛ أي في تسعينيات القرن العشرين، بدا أن التاريخ والجغرافيا قد أطلا
بالفعل برأسيهما الحاقدين. بعد أقل من عامين من سقوط سور برلين، وعلى الرغم من كل التحركات
غير التاريخية والأممية التي أعقبت ذلك الحدث، وجدت وسائل الإعلام العالمية نفسها
منغمسة فجأةً في أطلال من الدخان وجبال من الركام، والمعادن المشوهة لمدن يصعب نطق
أسمائها، والواقعة في منطقتين حدوديتين من الإمبراطوريتين النمساوية والتركية
السابقتين، وهما بالتحديد سلافونيا Slavonia وكرايينا
Krajina، اللتين شهدتا لفورهما فظائع لم تشاهَد في
أوروبا منذ أيام النازيين. من التأملات الوهمية للوحدة العالمية، تحولت المناقشة بين
النخب الآن إلى تواريخ محلية معقَّدة وغير مترابطة لا تبعد سوى بضع ساعات عن فيينا عبر
سهل بانونيا، والواقع في القلب من أوروبا الوسطى. أظهرت خريطة تضاريس جنوب وشرق
كرواتيا، على مقربة من نهر سافا، باعتبارهما الحد الجنوبي للأراضي الأوروبية المسطحة
الواسعة، والتي تنبئ هنا، فيما وراء ضفتَي نهر سافا، بظهور سلاسل متشابكة من الجبال التي
تُعرف باسم جبال البلقان؛ أن خريطة التضاريس، التي تشير إلى بقعة واسعة وخضراء مسطحة
من
الأراضي الممتدة من فرنسا وصولًا إلى روسيا (من جبال البرانس إلى جبال الأورال)، تحول
فجأةً، وبالتحديد على الضفة الجنوبية لنهر سافا، إلى اللون الأصفر ثم إلى البني؛ مما
يشير إلى تضاريس أكثر ارتفاعًا وأشد وعورة، وهي التي ستستمر هكذا باتجاه الجنوب الشرقي
وصولًا إلى آسيا الصغرى. كانت هذه المنطقة، القريبة من حيث تبدأ الجبال، تمثِّل الحدود
المتداخلة التي كانت تجوبها ذهابًا وإيابًا جيوش هابسبورغ النمساوية وتلك العثمانية
التركية: هنا تنتهي المسيحية الغربية وعالم الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية ويبدأ الإسلام؛
وهنا تحتشد كرواتيا ضد صربيا.
أما كرايينا، التي تعني «الحدود» باللغة الصربو-كرواتية، فكانت منطقة عسكرية أنشأها
النمساويون في أواخر القرن السادس عشر لصد التوسع التركي، حيث استدرجوا إلى جانبهم من
الحدود كلًّا من الكروات والصرب كلاجئين من استبداد السلطنة العثمانية. ونتيجةً لذلك،
أصبحت
هذه المنطقة مختلطة الأعراق، وبمجرد اختفاء قبضة الإمبراطورية النمساوية عقب الحرب
العالمية الأولى، شهدت نشوء مزيد من الهويات غير العرقية. وعلى الرغم من أن الصرب
والكروات كانوا متحدين خلال سنوات ما بين الحربين العالميتين في ظل حكم مملكة الصرب،
والكروات، والسلوفينيين، فقد انقسموا وانقضُّوا بعضهم على رقاب بعض أثناء الاحتلال
النازي، عندما أقدمت الحكومة الكرواتية الفاشية الموالية للنازيين على قتل عشرات الآلاف
من الصرب في معسكرات الموت. وعلى الرغم من أنهم توحَّدوا مرةً أخرى تحت مظلة الحكم الشيوعي
الاستبدادي بقيادة تيتو، فإن انهيار يوغوسلافيا في العام ١٩٩١م شهد تدفق القوات الصربية
عبر الحدود الصربية إلى سلافونيا وكرايينا، من أجل التطهير العرقي لمنطقة الكروات. وفي
وقت لاحق، عندما استعاد الكروات المنطقة، اضطر الصرب من سكان المنطقة إلى العودة إلى
صربيا. ومن حدود كرواتيا مع صربيا، ستنتشر الحرب لاحقًا إلى البوسنة، حيث سيموت مئات
الآلاف بصورةٍ مروعة.
كان التاريخ والجغرافيا موجودَين بكثرة هنا، لكن الصحافيين والمثقفين الملتزمين سيكون
لهم نصيب ضئيل نسبيًّا منهما. من المؤكد أنهم كانوا يمتلكون وجهة نظر، بل أكثر بكثير
من مجرد وجهة نظر. أتى الرعب الهائل والتحوُّل الفجائي أولًا. ومرةً أخرى، كان غارتون
آش
هناك:
ما الذي تعلمناه من هذا العقد الرهيب في يوغوسلافيا السابقة؟ لقد تعلمنا أن الطبيعة
البشرية لم تتغير؛ وأن أوروبا في نهاية القرن العشرين يمكنها أن تأتي بأفعال همجية
تمامًا كما فعلت في المحرقة
Holocaust التي جرت في
منتصف القرن … لقد تمثَّلت تعاويذنا السياسية الغربية في نهاية القرن العشرين في
«التكامل»، و«التعددية الثقافية»، أو — إذا أردنا أن نكون أكثر تقليدية من ذلك بقليل
— في
«البوتقة». لكن يوغوسلافيا السابقة كانت نقيض ذلك؛ فقد كانت مثل نسخة عملاقة من جهاز
يطلق عليه اسم «الفرَّازة»
separator؛ وهو نوع من أحواض
الخضِّ التي تُفصل فيها القشدة عن الزبدة … كانت الشعوب هنا هي ما تم فصله أثناء
الدوران المحموم للحوض العملاق للفرَّازة … في حين تقاطر الدم بشكلٍ مطرد من مرشِّح
موجود في القاع.
١٨
وانطلاقًا من هذا التحول الفجائي، جاءت أعباء «الاسترضاء» على الغرب؛ أي استرضاء
سلوبودان ميلوسيفيتش Milosevic؛ وهو سياسي شيوعي شرير،
وهو الذي من أجل تأمين البقاء السياسي لنفسه وحزبه بعد سقوط سور برلين، والاحتفاظ
بالفلل وأكواخ الصيد والمزايا الأخرى لمناصبهم، أعاد تسمية نفسه باعتباره زعيمًا
قوميًّا صربيًّا متعصبًا؛ مما أدَّى إلى إشعال ما يشبه المحرقة الثانية. سرعان ما أصبح
استرضاء هتلر في ميونيخ في العام ١٩٣٨م هو التشبيه الأكثر انتشارًا في تسعينيات القرن
العشرين.
وفي الواقع، أن الخوف من ميونيخ أخرى لم يكن جديدًا تمامًا، فقد كان عنصرًا مستبطنًا
لقرار تحرير دولة الكويت من عدوان صدام حسين عليها في العام ١٩٩١م؛ فإذا لم نكن أوقفنا
صدام في الكويت، لأقدم على غزو المملكة العربية السعودية لاحقًا؛ وبالتالي السيطرة على
أهم الإمدادات النفطية في العالم، مع أخذ حقوق الإنسان في المنطقة إلى مستوًى لا يوصف
من
الظلام. لكن الهجوم الصربي على كرواتيا ثم البوسنة، ما بين عامَي ١٩٩١ و١٩٩٣م — وفشل
الغرب
في الاستجابة — هو ما أدَّى بالفعل إلى جعل ميونيخ كلمة مشحونة في المفردات الدولية.
ينزع القياس التشبيهي لميونيخ إلى الازدهار بعد فترة طويلة ومزدهرة من السلام، حيث
كانت أعباء الحرب بعيدة بما يكفي لأن تظهر بصورةٍ مجردة: إن الحالة في تسعينيات القرن
العشرين، وهو الوقت الذي كانت فيه ذكريات أمريكا عن حرب الأراضي القذرة في آسيا، التي
كانت قد انقضت حينئذٍ قبل أكثر من عقدين من الزمان، قد خفتت بما فيه الكفاية. يتعلق مثال
ميونيخ بالأممية
universalism، وبالاعتناء بالعالم
وبحياة الآخرين؛ وهو الذي كثيرًا ما تسمع عنه باعتباره ردَّ فعل للفشل في وقف مذابح الإبادة
الجماعية
في رواندا في العام ١٩٩٤م. لكن مثال ميونيخ بلغ ذروته في الاستعدادات للتدخلات العسكرية
المتأخرة لكنها فعالة لحلف الناتو في البوسنة في العام ١٩٩٥م، وفي كوسوفو في العام ١٩٩٩م.
حاول أولئك الذين عارضوا تدخلاتنا في البلقان طرح القياس التشبيهي المنافس لفيتنام،
ولكن لأن هذه الورطة لم تقع من قبلُ مطلقًا، كانت البلقان في تسعينيات القرن العشرين
هي
المكان الذي تم فيه طرد أشباح فيتنام إلى الأبد — أو هذا ما كان يُعتقد ويُكتب في ذلك
الوقت.
١٩
إن القوة العسكرية، التي كانت مكروهة للغاية خلال سنوات الحرب في فيتنام، صارت الآن
مرادفًا
للإنسانية نفسها. وفي هذا السياق، كتب ليون ويسلتير
Wieseltier، المحرر الأدبي لمجلة
The New Republic:
«إن حربًا ضد الإبادة الجماعية يجب أن يُخاض غمارها بغضب؛ لأن الغضب هو ما تحاربه»،
«فلغرض وقف الإبادة الجماعية، فإن استخدام القوة ليس حلًّا أخيرًا، بل إنه الخيار
الأول.» واستطرد ويسلتير ليلقي باللوم على الحاجة إلى استراتيجيات للخروج في التدخلات
الإنسانية؛ ففي العام ١٩٩٦م، نجد أن أنتوني ليك
Lake،
المستشار المعذب والخجول للأمن القومي (للرئيس بيل كلينتون)، قد تمادى في هذا وصولًا
إلى تقنين «عقيدة استراتيجيات للخروج»: «قبل أن نرسل قواتنا إلى بلد خارجي، يجب أن
نعرف كيف ومتى سنُخرجهم.» كان ليك يُظهر معرفةً غير محدودة بحالة استخدام القوة
الأمريكية؛ بَيْد أن عقيدة «استراتيجية الخروج» تُسيء على نحوٍ جذري فهم طبيعة الحرب،
وبصورةٍ أعمَّ، طبيعة الفعل التاريخي. وباسم توخِّي الحذر، فهي تُنكر الاحتمالات التي
تصير
إليها شئون البشر؛ لأن معرفة النهاية لا تُمنح لنا في البداية.
٢٠
وكمثال على ذلك، استشهد ويسلتير برواندا، حيث لقي مليون من التوتسي حتفهم في مجزرة
وقعت في العام ١٩٩٤م، كتب قائلًا: إن ورطة عسكرية غربية، لو كنا قد تدخلنا لوقف القتل،
كان ستكون أفضل مما حدث بكل تأكيد. إن ويسلتير، الذي كان — مثل غارتون آش — واحدًا من
أكثر الأصوات إجلالًا وإقناعًا من الناحية الأخلاقية لذلك العقد، كان يكتب حول الإحباط
الذي شعر به بسبب الحرب الجوية المحدودة والمتأخرة التي شنها حلف الناتو لتحرير الألبان
المسلمين في كوسوفو من سياسة الطرد والإبادة التي انتهجها ميلوسيفيتش بحقهم. استهدفت
الحرب الجوية البلدات والمدن الصربية، حيث كان المطلوب — وفقًا لمؤيدي مبدأ التدخل
الإنساني — هو تحرير مدن كوسوفو بواسطة القوات البرِّية. كانت طريقة كلينتون المترددة
في
شن الحرب شريكة في جريمة نتجت عنها معاناة واسعة النطاق. كتب ويسلتير قائلًا: «لقد
اختُزل عمل المثالية
idealism إلى الإغاثة والإنقاذ،
إلى النتائج الحادثة في أعقاب الكارثة؛ ففي الموضع الذي كان ينبغي فيه أن نسارع بإطلاق
الرصاص، نحن نسارع الآن في إرسال البطاطين.» وقال إن كلينتون اكتشف نوعًا من الحرب «التي
لا يموت فيها الأمريكان، وهي … حرب جبانة تستخدم فيها التكنولوجيا العالية الدقة، والتي
تدع استطلاعات الرأي والضمائر من دون تغيير.» وقد تنبأ بأن «عصر الحصانة هذا لن يدوم
إلى
الأبد. فعاجلًا أو آجلًا سيجب على الولايات المتحدة أن ترسل جنودها إلى … مكان يتعرَّضون
فيه للإصابة أو الموت. والأمر المهم وقتها هو ما إذا كانت القضية عادلة، وليس كون القضية
محفوفة بالمخاطر.»
٢١
وبالفعل، فقد بدأ غزو العراق يظهر باعتباره قضية في تسعينيات القرن العشرين، عندما
كان يُنظر إلى الجيش الأمريكي باعتباره أنه لا يُقهر في مقابل قوى التاريخ والجغرافيا،
لو نُشرت قواته فقط في الوقت المناسب، وإلى أقصى قدراتها؛ مما يعني وجود القوات على
الأرض. كان المثاليون هم من دعوا بصخب وحماس إلى استخدام القوة العسكرية في الصومال،
وهايتي، ورواندا، والبوسنة، وكوسوفو، على الرغم من أن الواقعيين مثل برنت سكوكروفت
Scowcroft وهنري كيسنغر
Kissinger — الذين تم التشنيع عليهم على نحوٍ مزايد
باعتبارهم عديمي الشفقة — قد دعوا إلى ضبط النفس.
ومع ذلك، في الواقع، قد كانت تسعينيات القرن العشرين عقدًا للقوة العسكرية الشاملة
أقل من كونه — على وجه التحديد — عقدًا للقوة الجوية. أدَّت القوة الجوية دورًا حاسمًا
في
طرد القوات العراقية من الكويت في العام ١٩٩١م: على الرغم من أن الجغرافيا، في هذه
الحالة، جعلت من شن الحرب العالية التقنية مهمة سهلة، حيث جرت العمليات على صحراء عديمة
الملامح، حيث نادرًا ما تهطل الأمطار. وقد مثَّلت القوة الجوية أيضًا عاملًا مهمًّا في
إنهاء الحرب في البوسنة بعد أربع سنوات، وعلى الرغم من جميع نقائصها التي ظهرت، حققت
النصر
على ميلوسيفيتش في كوسوفو بعد ذلك بأربع سنوات. عاد اللاجئون ذوو الأصول الألبانية إلى
ديارهم في نهاية المطاف، مع بلوغ ميلوسيفيتش من الضعف حدًّا سقط معه من السلطة في العام
التالي؛ أي في العام ٢٠٠٠م. «نحن لا نحارب في الجبال»، كانت تلك هي العبارة التي تلخص
المعارضة الأولية للجيش الأمريكي لإرسال قوات إلى البوسنة وكوسوفو، لكنه اتَّضح لاحقًا
أنه ما دمنا نمتلك الجو، تمكَّن الجيش من الحرب في الجبال على نحوٍ جيد إلى حدٍّ ما.
أطلت الجغرافيا بكامل وجهها في البلقان، لكن القوة الجوية تغلبت عليها بسرعة. وبعد ذلك
صارت قوات سلاح الجو ومقاتلات البحرية تقوم بدوريات في مناطق حظر الطيران العراقية؛ مما
أدَّى إلى تحجيم سلطة صدام طوال عقد التسعينيات وما بعده. ونتيجةً لذلك، فإن قطاعات من
النخبة، الذين ملأتهم الرهبة من القوة العسكرية الأمريكية، صارت تُحس شعورًا بالسخط
الأخلاقي ضد جورج بوش الأب وكلينتون لعدم استخدام الجيش في الوقت المناسب لإنقاذ ربع
مليون شخص من الإبادة الجماعية في البلقان (فضلًا عن مليون إنسان في رواندا). كانت تلك
عقلية يمكن أن تؤدِّي، على الأقل بالنسبة إلى البعض، إلى روح المغامرة — وهو ما أفضت
إليه
بالفعل. وأدى هذا، بدوره، في العقد التالي إلى تراجع جزئي عن قياس ميونيخ التشبيهي،
وإلى استعادة الجغرافيا لبعض الاحترام الذي فقدته في تسعينيات القرن العشرين. شهدت
تسعينيات القرن العشرين اختزال الخريطة إلى بُعدين اثنين بسبب القوة الجوية. ولكن بعد
ذلك بفترة وجيزة، استعيدت الخريطة الثلاثية الأبعاد؛ في جبال أفغانستان وفي أزقة العراق
الغادرة.
وفي العام ١٩٩٩م، وفي معرض تعبيره عن المشاعر التي سادت وقتها بشكلٍ متزايد بين
المثقفين الليبراليين، كتب ويسلتير:
إن الشيء المميز حقًّا فيما يتعلق برفض كلينتون لأن يُدرج خلع هذا الشرير (سلوبودان
ميلوسيفيتش) ضمن أهدافه الحربية هو أنه هو نفسه ورث عواقب رفض سلفه لإدراج خلع شرير آخر
ضمن أهدافه الحربية. ففي العام ١٩٩١م، كان هناك نصف مليون جندي أمريكي على بُعد بضعة
مئات الكيلومترات من صدام حسين، لكن جورج بوش لم يأمر بزحفهم إلى بغداد.
كان جنرالاته يخشون وقوع قتلى بين جنودهم، بعد أن أنهوا من فورهم حربًا خاصَّة بهم من
دون
أي خسائر. وقد أشاروا أيضًا إلى «الوحدة الإقليمية» للعراق، وكأن البؤس الذي سينجم عن
انهيار الدولة سيتناسب مع البؤس الذي وقع بالفعل، على الأكراد في الشمال وعلى الشيعة
في
الجنوب، بفعل بقاء الدولة.
٢٢
كان الأمر كأن الحدود المتخيلة لأوروبا الوسطى لا تعرف حدودًا، وتمتد حتى
بلاد ما بين النهرين. سارت الأمور بشكلٍ مختلف، بطبيعة الحال. ولكن في العام ٢٠٠٦م، خلال
أسوأ المذابح الطائفية التي شهدها العراق، عقب انهيار الدولة، والتي قد تنافس العنف
الذي أوقعه صدام بالبلاد، امتلك ويسلتير شجاعة الاعتراف بما أسماه «القلق على الغطرسة»؛
إذ اعترف بأنه لا يمتلك شيئًا مفيدًا يقوله على الرغم من دعمه للحرب؛ بَيْد أنه لم يكن
من بين
مؤيدي الغزو الذين كانوا يكدحون بشدة للدفاع عن أنفسهم في الصحافة المطبوعة.
٢٣
كنت أنا أيضًا من مؤيدي الحرب في العراق، سواء في الصحافة المطبوعة أو باعتباري جزءًا
من
المجموعة التي حثت إدارة بوش على شن الغزو.
٢٤ كانت القوة العسكرية الأمريكية في البلقان قد أثَّرت فيَّ كثيرًا، وبالنظر
إلى أن صدام قد قَتل — سواء بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة — عددًا أكبر من الناس مما فعل
ميلوسيفيتش، كما كان يمثِّل خطرًا استراتيجيًّا؛ يُعتقد أنه يمتلك أسلحة للدمار الشامل،
فقد بدا لي في ذلك الوقت أن التدخل العسكري له ما يبرره. وكنت أيضًا واحدًا من الصحافيين
الذين اقتربوا كثيرًا من موضوع قصتي: كنت مراسلًا صحافيًّا في العراق خلال الثمانينيات،
حيث شهدت كيف كان العراق في عهد صدام أشد قمعًا من سوريا في ظل حكم حافظ الأسد؛ ولذلك
صرت عازمًا على التخلص من صدام. وقد ادعى البعض لاحقًا أن الخوف على مصالح لإسرائيل
وتأييد توسيع نطاق الأراضي التي تستحوذ عليها كانا هما الدافع المحرِّك لكثيرين من مؤيدي
الحرب،
٢٥ لكن تجربتي في التعامل خلال هذه الفترة الزمنية مع المحافظين الجدد وبعض
الليبراليين، أيضًا، أوضحت أن البوسنة وكوسوفو كانتا أكثر أهميةً من إسرائيل في رأيهم.
٢٦
بدا أن التدخلات في البلقان، ولأنها حققت عددًا من المكاسب الاستراتيجية،
تبرِّر اتباع نهج المثاليين في السياسة الخارجية. لقد غيَّر التدخل في البوسنة عام ١٩٩٥م
دفة المناقشة من «هل ينبغي أن يبقى حلف الناتو؟» إلى «هل يجب توسيع حلف الناتو؟»
أدَّت حرب العام ١٩٩٩م في كوسوفو، بقدر ما فعلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلى السماح
بتوسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى ضفاف البحر الأسود في نهاية المطاف.
وبالنسبة إلى عدد غير قليل من المثاليين، كان العراق استمرارًا للمشاعر المحمومة التي
سادت في تسعينيات القرن العشرين. وقد مثَّل الأمر، مهما كان ذلك لاشعوريًّا، إما هزيمة
الجغرافيا وإما تجاهلها على نحوٍ مطلق، بسبب انبهاري — مثل كثيرين — بقوة الجيش الأمريكي.
كانت التسعينيات فترة اعتُبرت فيها بعض بلدان غرب أفريقيا مثل ليبيريا وسيراليون — على
الرغم من عنفها، وعلى الرغم من أن مؤسساتها أقل تطورًا بكثير من مثيلاتها في العراق —
دولًا مرشحة
للديمقراطية على نحوٍ معقول. لكن قوة الجيش، وبخاصَّة سلاح الجو، مارست دور اليد الخفيَّة
التي سمحت لأفكار الأمميين باكتساب أهمية أكبر بكثير من الأرض ومن التجربة التاريخية
التي تعيش عليها.
كان مثال ميونيخ، بدوره، حاضرًا في تناول معضلة صدام حسين بعد أحداث الحادي عشر من
سبتمبر؛ فعل الرغم من أن الولايات المتحدة كانت قد تعرضت لفورها لهجوم على أراضيها يشبه
هجوم بيرل هاربر، فإن تجربتها مع الحرب البرِّية، وطوال ربع قرن من الزمان، لا تكاد
تُذكر، أو على الأقل ليست غير سارَّة. وعلاوةً على ذلك، فلم يكن صدام مجرد ديكتاتور آخر،
بل طاغية يبدو أنه آتٍ مباشرة من بلاد ما بين النهرين العتيقة، وهو الذي يشبه في أعين
الكثيرين هتلر أو ستالين، والذي يمتلك — كما كان يُعتقد — أسلحةً للدمار الشامل. وفي
ضوء
أحداث الحادي عشر من سبتمبر — بل وفي ضوء ميونيخ — لم يكن التاريخ ليغفر لنا أبدًا إذا
لم نتخذ الإجراءات اللازمة.
عندما أدَّت ميونيخ إلى المبالغة، كانت النتيجة هي المثال الآخر، الذي كان يُعتقد
في
السابق أنه قد اندحر بالفعل؛ فيتنام. وهكذا بدأت الدورة الفكرية التالية لما بعد الحرب
الباردة.
وفي هذه الدورة التالية، والتي تزامنت تقريبًا مع العقد الأول من القرن الحادي
والعشرين والحربين الصعبتين في العراق وأفغانستان، صار مصطلحَا «الواقعية»
و«البراغماتية» علامتين مرادفتين للاحترام، ويشيران إلى أولئك الذين كانوا متشككين منذ
البداية في المغامرة الأمريكية في بلاد ما بين النهرين، في حين أن تعبير «المحافظين
الجدد» صار موضع سخرية. وفي حين أنه في تسعينيات القرن العشرين، كان يُنظر إلى الخلافات
الطائفية الإثنية الناشبة في زوايا بعيدة من العالم باعتبارها عقبات ينبغي للرجال
الأخيار أن يسعوا جاهدين إلى التغلب عليها — أو التعرض لخطر أن يوصموا بأنهم «قدريون»
أو
«حتميون» — ففي العقد التالي اعتُبرت هذه الأحقاد عوامل ربما كانت قد حذرتنا للابتعاد
عن
القيام بعمل عسكري، أو كان ينبغي لها أن تفعل ذلك. وإذا كان على المرء أن يختار لحظةً
من
الزمن لا يمكن عندها إنكار أن تشبيه فيتنام قد حلَّ محلَّ تشبيه ميونيخ، فسأختار الثاني
والعشرين من فبراير ٢٠٠٦م، عندما تم فُجِّر مسجد العسكري الشيعي في سامراء من قِبل متطرفي
تنظيم القاعدة؛ مما أطلق العنان لعاصفة من الفظائع الطائفية في العراق، والتي لم يتمكن
الجيش الأمريكي من وقفها. فجأةً، صار يُنظر إلى قواتنا البرِّية باعتبارها عاجزة وسط
القوى
البدائية للكراهية والفوضى. إن خرافة القوة العسكرية القاهرة الجديدة للولايات المتحدة،
والتي ولدت في بنما وحرب الخليج الأولى، والتي انتُهكت قليلًا في الصومال، قبل أن يتم
إصلاحها وتلميعها في هايتي، والبوسنة، وكوسوفو، كانت قد تحطمت إلى حين، جنبًا إلى جنب
مع المثالية التي ذهبت معها.
وفي حين يتعلق قياس ميونيخ التشبيهي بالأممية، وبالاعتناء بالعالم وبحياة الآخرين
الذين يعيشون بعيدًا عنا، كان قياس فيتنام التشبيهي محليًّا بطبيعته؛ فهو يتعلق باعتناء
المرء بنفسه، بعد سقوط ٥٨ ألف قتيل في تلك الحرب. يشير علينا مثال فيتنام بأنه يمكن
تجنُّب المأساة من خلال التفكير بشكلٍ مأساوي. وهو يدين الحماسة المتواصلة؛ لأنه يشير
إلى
مدى الخطأ الذي يمكن أن تسير إليه الأمور. وفي الواقع، كان ثمَّة شعور مثالي بوجود مهمة
جليلة هو ما ورَّط الولايات المتحدة في هذا الصراع الدائر في جنوب شرقي آسيا في المقام
الأول. كانت الأمة تعيش فترة من السلام، في ذروة ازدهارها بعد الحرب العالمية الثانية،
حتى مع قتل الشيوعيين الفيتناميين — وهم من أقسى من أنجب القرن العشرون من جماعات
بشرية وأشدهم تصميمًا — أكثر من عشرة آلاف من مواطنيهم قبل وصول أول جندي أمريكي
نظامي. أيُّ حرب يمكن أن تكون أكثر عدلًا من هذه؟! كانت الجغرافيا، وبُعد المسافة،
وتجربتنا الرهيبة في أدغال الفلبين في حرب غير نظامية أخرى وقعت قبل ذلك بستة عقود،
وبالتحديد في مطلع القرن العشرين، هي آخر ما تبادر إلى أذهان الناس عندما دخلنا فيتنام.
تمثِّل فيتنام تشبيهًا من النوع الذي يزدهر في أعقاب صدمة وطنية؛ فالواقعية لا تتَّسم
بالإثارة. وهو تشبيه لا يُحترم إلا بعد أن يؤدِّي غيابه الظاهري إلى تفاقم الوضع على
نحوٍ
واضح. وفي الواقع، وإذا نظرنا فقط إلى مثال العراق، حيث سقط ما يقرب من خمسة آلاف قتيل
أمريكي (وتعرَّض أكثر من ثلاثين ألف جندي لإصابات خطيرة)، وربما قُتل مئات الآلاف من
العراقيين، كما بلغت التكلفة أكثر من تريليون دولار.
حتى لو كان للعراق أن يتطور إلى ديمقراطية شبه مستقرة وحليف ضمني للولايات المتحدة،
فقد كانت التكاليف من الضخامة بحيث، كما لاحظ كتَّاب آخرون، يصعب بصراحة رؤية أي قيمة
أخلاقية لهذا الإنجاز. قوَّض العراق عنصرًا رئيسيًّا في عقلية البعض: أن نشر القوة
الأمريكية في الخارج كانت له دائمًا نتيجة أخلاقية. لكن البعض الآخر يفهم أن الاستخدام
الجامح للسلطة من قِبل أي دولةٍ كانت، حتى لو كانت دولة ديمقراطية مُحبة للحرية مثل
أمريكا، ليس بالضرورة أمرًا فاضلًا.
وبالتزامن مع الاحترام الجديد لمبدأ الواقعية
realism، تجدَّد الاهتمام بفيلسوف القرن السابع
عشر، توماس هوبز
Hobbes، الذي يمجد المنافع المعنوية
للخوف وينظر إلى الفوضى العنيفة باعتبارها الخطر الرئيسي الذي يتهدد المجتمع. وبالنسبة
إلى هوبز، فإن الخوف من الموت العنيف هو حجر الزاوية في المصلحة الذاتية المستنيرة. وعن
طريق بناء دولة، يستبدل الرجال الخوف من الموت العنيف — وهو خوف شامل ومشترك — بخوف لا
يحتاج لأن يخشاه سوى أولئك الذين ينتهكون القانون. يصعب استيعاب مثل هذه المفاهيم على
أفراد الطبقة الوسطى في المناطق الحضرية، الذين فقدوا منذ فترة طويلة أي اتصال مع
الحالة الإنسانية الطبيعية.
٢٧ لكن أعمال العنف المروعة التي شهدها تفكُّك العراق، والتي، على عكس رواندا والبوسنة
في بعض النواحي، لم تكن نتيجةً لآلة منظمة ومنفردة للموت، ولكن لانهيار النظام ذاته؛
مما
سمح لكثيرين منا بتخيُّل الحالة الأصلية للإنسان. وهكذا صار هوبز فيلسوف هذه الدورة
الثانية من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مثلما كان برلين فيلسوف الأولى.
٢٨
وبالتالي، كان هذا هو ما أوصلتنا إليه فترة ما بعد الحرب الباردة؛ أي الاعتراف بأن
نفس الشمولية totalitarianism التي قاتلنا ضدها خلال
العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية قد تكون، في عدد قليل من الظروف، أفضل من
الحالة التي لا يقود فيها أحدٌ زمام الأمور. هناك أشياء أسوأ من الشيوعية، كما اتَّضح
لاحقًا، وهي التي جلبناها على أنفسنا في العراق. أقول هذا بصفتي شخصًا كان مؤيدًا لتغيير
النظام.
في مارس ٢٠٠٤م، وجدت نفسي في معسكر عُداري
Udari في
وسط صحراء الكويت.
٢٩⋆
كنت مرافقًا لكتيبة من مشاة البحرية الأمريكية التي كانت، جنبًا إلى جنب
مع بقية أفراد الكتيبة البحرية الأولى، على وشك أن تبدأ الرحلة البرِّية إلى بغداد وغرب
العراق، لتحلَّ محلَّ كتيبة الجيش الثانية والثمانين المحمولة جوًّا، والتي كانت متمركزة
هناك.
كان ذلك عالمًا من الخيام، والمنصات، وحاويات الشحن، وقاعات تناول الطعام. امتدت
عبر الأفق أرتال هائلة من الشاحنات ذات الحمولة البالغة سبعة أطنان، وعربات همفي
Humvees المصفحة، وكلها متوجهة صوب الشمال. سرعان
ما اتَّضح الحجم الهائل لتورط أمريكا في العراق. وكانت عاصفة رملية قد هبت، كما كانت
هناك
رياح شديدة البرودة وتهديد بهطول المطر. تعرضت السيارات للتعطُّل باستمرار، في حين لم
نكن حتى بدأنا رحلتنا إلى بغداد، التي تبعد عدة مئات من الكيلومترات، والتي قبل سنوات
قليلة، اعتبر من اعتقدوا أن إسقاط صدام حسين كان مجرد امتداد لإسقاط سلوبودان
ميلوسيفيتش، أنها بمنزلة نزهة خلوية. أشارت المتاهات الهائلة المكسوَّة بالحصى، والتي
تفوح منها رائحة النفط والبنزين، إلى ظهور أول محطة للشاحنات بناها المقاولون، وهي
واحدة من عدة محطات شُيدت على طول الطريق لخدمة المئات العديدة من السيارات المتوجهة
شمالًا، وكذلك إطعام الآلاف من مشاة البحرية. كانت المحركات والمولدات تهدر في الظلام،
واستغرق الأمر أيامًا من أكثر الخدمات اللوجستية تعقيدًا — وهي التي تضمنت تخزين ونقل
كل
شيء؛ من زجاجات المياه المعدنية إلى وجبات الطعام الجاهزة إلى مجموعات العِدد والأدوات
—
من أجل عبور الصحراء القاسية الممتدة حتى وصولنا إلى الفلوجة إلى الغرب من بغداد، وهو
ما قالوا إنه «مجرد بضعة مئات من الكيلومترات».
٣٠
كان هذا هو الجزء السهل وغير العنيف من الاحتلال العسكري الأمريكي لكل
أرجاء البلاد. كان من الخطأ بكل تأكيد أن يشير البعض إلى أن التضاريس الجغرافية لم تعد
مهمة.