الفصل الحادي عشر
جغرافية القوة الصينية
«هل يمكن للجغرافيا أن تؤدِّي مرةً أخرى إلى التباعد بين روسيا والصين، اللتين يقتصر
تحالفهما الحالي أساسًا على الجوانب التكتيلية؟»
المؤلف
في نهاية مقالته الشهيرة «المحور الجغرافي التاريخ»، ذكر ماكيندر ملاحظةً مقلقة بخصوص
الصين؛ فبعد توضيح سبب كون الجزء الداخلي من أوراسيا يشكِّل نقطة ارتكاز القوة الجيوستراتيجية
للعالم، افترض أن الصينيين «قد يشكِّلون الخطر الأصفر على الحرية في العالم، لمجرد أنهم
سيضيفون واجهة محيطية إلى موارد القارة العظيمة، وهي ميزة لا يزال المحتل الروسي للمنطقة
المحورية محرومًا منها.»
١ وبغضِّ النظر عن المشاعر العنصرية المتأصلة للعصر الذي عاش فيه، فضلًا عن
الهستيريا التي يُستقبل بها صعود أي قوة غير غربية، سنركز بدلًا من ذلك على تحليل ماكيندر
للموقف؛ في حين أن روسيا تمثِّل قوةً برِّية تتعرض واجهتها المحيطية الوحيدة للانسداد
بفعل
الجليد في القطب الشمالي؛ فالصين هي أيضًا قوة قارِّية الحجم، لكنها قوة لا تمتد فقط
إلى
القلب الاستراتيجي للاتحاد السوفييتي السابق في آسيا الوسطى، مع كل ثرواته المعدنية
والهيدروكربونية، ولكن أيضًا إلى ممرات الشحن الرئيسية في منطقة المحيط الهادي على بُعد
ثلاثة آلاف ميل، حيث تتمتع الصين بسواحل يبلغ طولها تسعة آلاف ميل، مع العديد من الموانئ
الطبيعية الجيدة، والتي هي في معظمها خالية من الجليد.
(كان ماكيندر، في الواقع، يخشى أن تتمكن الصين في يومٍ ما من قهر روسيا.) وبالإضافة
إلى
ذلك، كما كتب ماكيندر في العام ١٩١٩م، في كتابه المعنون «المُثل الديمقراطية والواقع»،
فإذا
كانت أوراسيا المتحدة مع أفريقيا تشكِّلان «الجزيرة العالمية» — أي قلب الأراضي الجافة
لكوكب
الأرض، والتي تبلغ أربعة أضعاف حجم أمريكا الشمالية، مع ثمانية أضعاف عدد سكانها — فإن
الصين، باعتبارها أكبر دولة قارِّية في أوراسيا مع خطٍّ ساحلي يمتد عبر كلٍّ من المناطق
الاستوائية وتلك المعتدلة، تحتل الموقع الأكثر أفضليةً في العالم. ويتوقع ماكيندر في
ختام
كتاب «المُثل الديمقراطية والواقع» أن الصين، جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة والمملكة
المتحدة، ستقود العالم في نهاية المطاف من خلال «بناء حضارة جديدة لربع الجنس البشري،
لا هي
شرقية تمامًا ولا غربية تمامًا».
٢ وباعتبارها وطنيًّا إمبرياليًّا حتى الرمق الأخير، فقد كان من الطبيعي أن يضم
ماكيندر بريطانيا العظمى إلى هذه الفئة المتعالية. ومع ذلك، فباستخدام معايير الجغرافيا
والديموغرافيا وحدها، فقد ثبتت صحة توقعاته حول الصين حتى الآن على الأقل.
إن حقيقة كون الصين متميِّزة جغرافيًّا هو أمر أساسي وواضح لدرجة أن البعض يميل إلى
تجاهلها في جميع المناقشات الدائرة حول الدينامية الاقتصادية وتأكيد الذات الوطنية طوال
العقود الأخيرة. وبالتالي، فمن المفيد هنا أن نلقي نظرةً على الخريطة من خلال منظور التاريخ
الصيني.
في حين تقع روسيا إلى الشمال من خط العرض ٥٠ درجة شمالًا، فإن الصين تقع إلى الجنوب
منه،
ضمن النطاق نفسه تقريبًا لخطوط العرض المعتدلة التي تقع فيها الولايات المتحدة، مع كل
التغيرات المناخية والفوائد التي ينطوي عليها ذلك.
٣ وتقع هاربين
Harbin، وهي المدينة الرئيسية في
منشوريا، عند ٤٥ درجة شمالًا، وهو مستوى ولاية مين
Maine نفسه. وتقع بكين بالقرب من خط العرض ٤٠ درجة شمالًا،
وهو مستوى مدينة نيويورك نفسه. أما شنغهاي، الواقعة عند مصبِّ نهر اليانغتسي، فتقع عند
٣٠ درجة
شمالًا، وهو مستوى نيو أورليانز نفسه. يمر مدار السرطان عبر الطرف الجنوبي من الصين،
كما يمر
إلى الأسفل بقليلٍ من سلسلة جزر فلوريدا كيس
Florida Keys.
لا تمثِّل الصين قارةً في حدِّ ذاتها سوى أقل بقليل من الولايات المتحدة. أما الولايات
المتحدة، التي يحدها محيطان والقطب الشمالي الكندي، فلا يهددها سوى شبح التركيبة
الديموغرافية المكسيكية إلى جنوبها.
وعلى مدى آلاف السنين، جاء التهديد إلى الصين بشكلٍ رئيسي من سهوب أوراسيا البرِّية
إلى
الشمال والشمال الغربي، وهي نفس السهوب البرِّية التي هددت روسيا من الاتجاه المعاكس:
وبالتالي، فإن التفاعل بين الصينيين الأصليين، والمنشوريين، والمغول، والشعوب ذات الأصول
التركية في الصحراء العليا شكَّل واحدًا من الموضوعات الرئيسية في التاريخ الصيني. ولهذا
السبب، ففي كثير من الأحيان بُنيت عواصم دول الأسرات الحاكمة الصينية المبكرة على ضفاف
نهر
الوي، لأعلى النهر من التقائه مع النهر الأصفر، حيث كان هناك ما يكفي من الأمطار للزراعة
المستقرة، وفي الوقت نفسه كانت في مأمنٍ من القبائل الرحالة في هضبة منغوليا الداخلية،
والواقعة إلى الشمال مباشرة منها.
وفي حين تتحدَّد الجغرافيا الأمريكية بالتسلسل «المُحكم» للغابات، والبراري، والصحاري
العليا، والجبل، والساحل — والتي يعبُر منتصفها نهرا المسيسيبي والميزوري اللذان يتدفقان
من
الشمال إلى الجنوب؛ ففي الصين، يُلاحظ أن الأنهار العظيمة — الوي، والهان، والأصفر،
واليانغتسي — تتدفق من الغرب إلى الشرق، من المرتفعات العالية والجافة في الداخل الأوراسي
إلى الأراضي الزراعية الأكثر رطوبةً بالقرب من سواحل المحيط الهادي.
٤ وتنقسم هذه الأراضي الزراعية، بدورها، بين منطقة زراعة الدُّخْن الجافة نسبيًّا
في شمال الصين، ذات الموسم الزراعي القصير، والتي تشبه شمال الغرب الأوسط الأمريكي، وبين
ثقافة الأرز الرطبة، المزدوجة المحاصيل في جنوب الصين الخصيب. وهكذا، فإن بناء القناة
الكبرى ما بين عامَي ٦٠٥ و٦١١م، والتي تربط النهرين الأصفر واليانغتسي؛ وبين منطقة شمال
الصين المعرَّضة للمجاعات مع جنوبها المنتج اقتصاديًّا، حيث يفيض إنتاج الأرز عن احتياجاتها،
ووفقًا للمؤرخ البريطاني جون كاي
Keay، «كان لها تأثير يشبه
تأثير بناء أول خطوط السكك الحديدية العابرة للقارات في أمريكا الشمالية».
٥ مثَّلت القناة الكبرى مفتاح الوحدة الصينية؛ لأنها خففت من حدَّة غزو المناطق
الشمالية للجنوب خلال القرون الوسطى حيث حكمت سلالتا تانغ وسونغ؛ مما ساعد على توطيد
الجغرافيا الأساسية للصين الزراعية. ومرةً أخرى، نرى هنا كيف أن الأفعال الفردية للرجال
—
والمتمثِّلة في بناء قناة — تُثبت كونها أكثر أهميةً تاريخيًّا من الحقائق البسيطة للجغرافيا.
ونظرًا إلى الاختلافات الصارخة بين شمال الصين وجنوبها، في أوائل حقبة القرون الوسطى
فإن
الانقسام بين دولتَي الصين — والذي استمر لقرنين من الزمان — ربما كان سيصير دائمًا،
مثل ما
حدث بين الإمبراطوريتين الرومانيتين الشرقية والغربية.
٦
ولكن كما كتب الراحل الأستاذ في جامعة هارفارد جون كينغ فيربانك
Fairbank: «تتَّسم التناقضات بين شمال الصين وجنوبها
بأنها سطحية مقارنةً بتلك الموجودة بين البداوة الرعوية في الهضاب الداخلية لآسيا والقرى
المستقرة على أساس الزراعة الصينية المكثفة.» ويعني فيربانك بآسيا الداخلية شيئًا شاملًا
تمامًا «ذاك القوس الواسع الممتد من منشوريا، مرورًا بمنغوليا وتركستان، إلى التبت».
ويستطرد قائلًا: إن إحساس الصين بذاتها يستند إلى الفرق الثقافي الموجود بين هذا الحزام
المحيط من الصحراء ومنطقة بر الصين المزروعة؛ أي بين الحياة الرعوية والزراعية.
٧ تعكس الجغرافية الإثنية للصين هذه «البنية المكونة من منطقة مركزية وأخرى
محيطية»، مع كون المنطقة المركزية تمثِّل «السهل الأوسط» الصالح للزراعة (زونغ يوان
zhongyuan) أو «الصين
الداخلية» (نايدي
neidi)، وكون المنطقة المحيطية تمثِّل «الحدود»
الرعوية بيانج يانغ
bianjiang أو «الصين الخارجية».
٨ (وايدي
waidi.)
مفتاح الخريطة
كازاخستان |
Kazakhstan
|
أوزبكستان |
Uzbekistan
|
تركمانستان |
Turkmenistan
|
أفغانستان |
Afghanistan
|
طاجيكستان |
Tajikistan
|
قيرغيزستان |
Kyrgyzstan
|
باكستان |
Pakistan
|
نهر السند |
Indus River
|
نهر سوتليج |
Sutlej River
|
نهر السند |
Indus R.
|
نيبال |
Nepal
|
الهند |
India
|
هضاب وأحواض آسيا الوسطى |
Central Asian Plateaus And Basins
|
شينجيانغ |
Xinjiang
|
تركستان الشرقية |
Eastern Turkestan
|
جبال الهيمالايا |
Himalaya
|
بوتان |
Bhutan
|
صحراء تاكلا ماكان |
Takla Makan Desert
|
خليج البنغال |
Bay Of Bengal
|
نهر براهمابوترا |
Brahmaputra River
|
غوبي |
Gobi
|
سيبيريا |
Siberia
|
بورما |
Burma
|
جبال كونلون |
Kunlun Mountains
|
هضبة التبت |
Plateau Of Tibet
|
نهر سالوين |
Salween River
|
نهر الميكونغ |
Mekong River
|
كونمينغ |
Kunming
|
هضبة منغوليا الداخلية |
Inner Mongolia Plateau
|
يونان |
Yunnan
|
لاوس |
Laos
|
تايلاند |
Thailand
|
كمبوديا |
Cambodia
|
أميال |
Miles
|
كلم |
Km
|
خط الاستواء |
Equator
|
المحيط الهندي |
Indian Ocean
|
إندونيسيا |
Indonesia
|
مضيق ملاكا |
Malacca Strait
|
مضيق سوندا |
Sunda Strait
|
روسيا |
Russia
|
تشيتا |
Chita
|
أموريا |
Amuria
|
منغوليا الخارجية |
Outer Mongolia
|
زاميوند |
Zamynuud
|
النهر الأصفر |
Yellow River
|
سلسلة جبال خينغان الكبرى |
Great Khinghan Ra.
|
نهر آمور |
Amur R.
|
نهر أوسوري |
Ussuri R.
|
هاربين |
Harbin
|
بكين |
Beijing
|
نهر الوي |
Wei River
|
بحر بوهاي |
Bohai Sea
|
البحر الأصفر |
Yellow Sea
|
نهر هان |
Han River
|
نهر اليانغتسي |
Yangzi River
|
سهل الصين العظيم |
Great Plain Of China
|
شنغهاي |
Shanghai
|
بحر الصين الشرقي |
East China Sea
|
كوريا |
Korea
|
اليابان |
Japan
|
جزر سينكاكو/دياويو |
Senkaku/Diaoyu Islands
|
مدار السرطان |
Tropic Of Cancer
|
تايوان |
Taiwan
|
ماكاو |
Macao
|
جزيرة هاينان |
Hainan Island
|
جزر باراسيل |
Paracel Islands
|
فيتنام |
Vietnam
|
بحر الصين الجنوبي |
South China Sea
|
المحيط الهادي |
Pacific Ocean
|
الفلبين |
Philippines
|
جزر سبراتلي |
Spratly Islands
|
أميال |
Miles
|
كلم |
Km
|
خط الاستواء |
Equator
|
ماليزيا |
Malaysia
|
بروناي |
Brunei
|
مضيق لومبوك |
Lombok Strait
|
مضيق ماكاسار |
Macassar Strait
|
كان هذا هو الغرض الأساسي من بناء سور الصين العظيم. وكما كتب اختصاصي العلوم السياسية
ياكوب غريجل
Grygiel، فإن سور الصين العظيم «قد عمل على
تعزيز التميُّز الإيكولوجي الذي تُرجم إلى خلافات سياسية».
٩ وفي الواقع، بالنسبة إلى الصينيين الأوائل، كانت الزراعة تعني الحضارة نفسها:
فالمملكة الوسطى أو المتوسطة، تشونغهوا
Zhongguo، لم تكن
مدينةً بأيِّ شيء للشعوب الرعوية المحيطة بها. ومن هذه المملكة نبع هذا النوع من اليقين
الثقافي الذي ستتشاركه الصين مع العالم المسيحي الغربي.
١٠ واعتبارًا من أواخر عهد أسرة تشو
Zhou في القرن
الثالث قبل الميلاد، بدأت الصين الصالحة للزراعة في استيعاب العناصر البربرية وشبه البربرية.
١١ وفي وقتٍ لاحق، ومع بداية عهد أسرة هان
Han في
القرن الثاني قبل الميلاد، بدأ الصينيون يلتقون بغيرهم من الحضارات — الرومانية،
والبيزنطية، والفارسية، والعربية — وبالتالي اكتسبوا حسًّا إقليميًّا مشابهًا بالمساحة.
١٢ إن حقيقة كون الدولة الصينية اليوم تشمل كلًّا من المناطق الصحراوية والزراعية،
على نطاقٍ قاريٍّ على الأقل، تعكس تتويجًا لعملية تاريخية طويلة ومظفَّرة حتى الآن، وهي
التي،
بدورها، توفر الأساس الجغرافي للقوة الصينية؛ في الوقت الراهن على الأقل.
وقد انطلقت عملية التوسع هذه من منطقة «المهد» حول نهرَي الوي والأصفر الأدنى في
الجزء
الشمالي من المنطقة القابلة للزراعة إلى الجنوب مباشرةً من منشوريا ومنغوليا الداخلية،
والتي
ازدهرت خلال عهد أسرة تشو الغربية قبل ثلاثة آلاف سنة.
١٣ لأن آسيا الداخلية الرعوية لم تكن تزرع المحاصيل، مع سكان متناثرين، وحجم يبلغ
نحو جزء من ستة عشر جزءًا من حجم منطقة المهد، فلم يكن في وسعها البقاء على قيد الحياة
بشكلٍ
جيد من دون الوصول إليها.
١٤
وهكذا نمَت الصين إلى الخارج انطلاقًا من نهرَي الوي والأصفر الأدنى، على الرغم من
أن
الحفريات الأثرية الأخيرة لا تشير إلى وجود تطور حضاري في جنوب شرق الصين وشمال فيتنام
خلال
هذا الوقت.
١٥ وخلال حقبة الدول المتحاربة (٤٠٣–٢٢١ قبل الميلاد)، والتي شهدت تقلُّص عدد
الأنظمة السياسية الحاكمة من ١٧٠ إلى ٧، انتقلت الحضارة الصينية إلى الجنوب أكثر، وصولًا
إلى مناطق زراعة الأرز والشاي، لتشمل المنطقة التي تضم شنغهاي الحالية. وحتى مع ذلك،
فقد
ظلت السلطة السياسية في الشمال، التي احتضنت المنطقة التي تضم بكين في الوقت الحاضر.
١٦ كانت أسرة تشين
Qin هي التي خرجت منتصرةً من
فترة الدول المتحاربة — وهي الأسرة التي، وفقًا لبعض خبراء أصول الكلام، منحت الصين اسمها.
وبحلول القرن الأول قبل الميلاد، وفي عهد أسرة هان (التي حلَّت محلَّ أسرة تشين)، شملت
الصين
كل الأرض المركزية القابلة للزراعة من منابع النهر الأصفر واليانغتسي إلى ساحل المحيط
الهادي، ومن بحر بوهاي قرب شبه الجزيرة الكورية إلى بحر الصين الجنوبي. وقد سمحت توليفة
من
المبادرات الدبلوماسية والغزوات العسكرية لأباطرة أسرة هان بإنشاء اتحادات إقطاعية بين
كيونغنو
Xiongnu؛ أي قبائل الهون البدوية، في منغوليا
الخارجية وتركستان الشرقية (شينجيانغ
Xinjiang)، وكذلك في
جنوب منشوريا والجزء الشمالي من كوريا.
لقد تطوَّر نمطٌ محدد هنا: كان على الحضارة الزراعية الصينية المستقرة أن تسعى باستمرارٍ
إلى خلق منطقة عازلة ضد الشعوب الرحالة الآتية من المرتفعات المتاخمة الجافة التي تحيط
بها من
ثلاث جهات، من منشوريا بعكس اتجاه عقارب الساعة وحتى التبت.
١٧ كانت هذه المعضلة التاريخية تشبه بنيويًّا تلك التي واجهها الروس، الذين
احتاجوا بدورهم إلى منطقة عازلة. ولكن في حين انتشر الروس عبر إحدى عشرة منطقة زمنية
ضئيلة
السكان، كانت الصين أكثر تماسكًا وذات كثافة سكانية عالية نسبيًّا منذ العصور القديمة.
مع
قدر أقل نسبيًّا مما يمكنها أن تخشاه، أصبح المجتمع الصيني أقل عسكرة. ومع ذلك، فقد أنتجت
الصين أسراتٍ حاكمةً ذات طاقة وعدوانية مميزة. وتحت حكم أباطرة أسرة تانغ
Tang في القرن الثامن، ازدهرت البراعة العسكرية جنبًا
إلى جنب مع الآداب والفنون. شقَّت جيوش أسرة تانغ طريقها عبر المساحة الفاصلة بين منغوليا
والتبت لإقامة محميات في جميع أنحاء آسيا الوسطى، والتي وصلت إلى خراسان في شمال شرق
إيران؛
ما ممكَّن طريق الحرير أكثر فأكثر. وفي الوقت نفسه، فقد خاض أباطرة تانغ حروبًا ضد
التبتيين في الجنوب الغربي بمساعدة من الويغور
Uighurs
الأتراك في الشمال الغربي. كان الأمر دائمًا متعلقًا بالمناورة وسط الشعوب التي تعيش
في
أراضي السهوب، بدلًا من محاربتهم جميعًا في الوقت نفسه. وفي الواقع، قد شكَّلت الجندية
واحدةً
فقط من أدوات دولة تانغ. وكما كتب المؤرخ البريطاني جون كاي، فإن «العقيدة الكونفوشيوسية
التي تشكَّلت خلال عصر «الدول المتحاربة» ونتجت عنها جزئيًّا، كانت متعنتة فيما يتعلق
بسيطرة
المدنيين على الشئون العسكرية.»
١٨ ومن بين «أمجاد الصين القديمة»، كما كتب فيربانك، كانت هناك «مسالمة مسبَّبة»،
لأن واحدة من الخرافات الكونفوشيوسية للدولة كانت «حكومة الفضيلة».
١٩ ووفقًا للمؤرخين، فهذه السلامية
pacifism هي
الملومة في بعض الأحيان على حقيقة أنه مثلما غزت الصين مناطق المراعي والهضاب، غزا الرعاة
الرُّحَّل الصين في المقابل. وفي العام ٧٦٣ للميلاد، تمكَّنت القوات التبتية بالفعل من
غزو
وتدمير تشانغآن
Chang’an، وهي عاصمة إمبراطورية تانغ.
والأهم من ذلك، فإن أسرات جين
Jin، ولياو
Liao، ويوان
Yuan —
التي ازدهرت جميعها في الأراضي المعشوشبة الشمالية — قد شنت اعتداءات عسكرية من آسيا
الداخلية ضد الصين طوال العصور الوسطى. وقد سارت هذه جنبًا إلى جنب مع فشل أسرتَي سونغ
ومينغ
الأصليتين، على الرغم من تقنياتها العسكرية الثورية، في استعادة أراضي السهوب. أما آسيا
الداخلية، من التبت وتركستان الشرقية مرورًا بمنغوليا ووصولًا إلى الشرق الأقصى الحدودي
مع
روسيا، فقد جرت استعادتها مرةً أخرى من قِبل أسرة مانشو كينغ
Manchu
Qing في القرنين السابع عشر والثامن عشر. (وخلال تلك الفترة، جرت
«المراهنة» على الإقليم المتعدد الأعراق الذي تسيطر عليه الدولة الصينية اليوم وكذلك
تصوِّره؛ فقد ضُمت تايوان في العام ١٦٨٣م).
٢٠ وباختصارٍ، فقد أصبحت الصين قارةً شاسعة في حدِّ ذاتها بحكم تفاعلاتها المستمرة
إلى الخلف والأمام مع أراضي السهوب في آسيا الداخلية، والتي امتدت حتى المنطقة المركزية
التي وصفها ماكيندر، وهذا هو ما يوجه دفَّة الواقع السياسي في الصين اليوم.
وفي الواقع، أن السؤال يصبح الآن ما إذا كان أفراد الهان المهيمنون، الذين يشكِّلون
أكثر
من ٩٠ في المائة من سكان الصين ويعيش معظمهم في أراضي المهد الصينية الصالحة للزراعة،
قادرين
على جعل التبتيين، والأتراك الويغوريين، والمغول الداخليين الذين يعيشون في المناطق الطرفية،
تحت السيطرة بشكلٍ دائم، مع إحداث الحد الأدنى من الاضطرابات. إن المصير النهائي للدولة
الصينية يتوقف على هذه الحقيقة، خاصَّة أن الصين تتعرض لاضطرابات اقتصادية واجتماعية.
في الوقت الحاضر، بلغت الصين ذروة قوَّتها القارية، على الرغم من أن جراح اغتصاب
أراضيها من
قِبل دول أوروبا، وروسيا، واليابان لا تزال، حسب المعايير التاريخية الخاصَّة في الصين،
نازفةً
بشدة. وفي القرن التاسع عشر، عندما أصبحت أسرة كينغ رجل شرق آسيا المريض، خسرت الصين
الكثير
من أراضيها؛ إذ فقدت روافدها الجنوبية في نيبال وبورما لبريطانيا العظمى؛ والهند الصينية
لفرنسا؛ وتايوان وروافد كوريا وسخالين لمصلحة اليابان؛ ومنغوليا، وأموريا، وأوسوريا لمصلحة
روسيا.
٢١ وفي القرن العشرين، جاء الاحتلال الياباني لشبه جزيرة شاندونغ ومنشوريا في قلب
الصين. وقد حدث كل هذا بالإضافة إلى الإذلال القسري الذي فُرض على الصينيين بموجب اتفاقيات
الولاية القضائية الخارجية في القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حيث حصلت الدول
الغربية على حق السيطرة على أجزاء من المدن الصينية. لنعُد الآن سريعًا إلى خمسينيات
القرن
العشرين، عندما بدأت تظهر في المدارس الثانوية الصينية خرائط للصين الكبرى التي تشمل
كلًّا
من هذه المناطق المفقودة، وكذلك شرق كازاخستان وقيرغيزستان. إن ماو تسي تونغ، الذي وحَّد
الصين القارية للمرة الأولى منذ العصر الذهبي لأسرة تشينغ
High
Qing، كان وحدويًّا بكل وضوح، كما استبطن جروح دولة كانت فيما مضى
إمبراطوريةً واسعة تمكَّنت من البقاء على مر القرون، لكنها تعرَّضت للإذلال في الآونة
الأخيرة.
٢٢ وبالنظر إلى هذه التقلبات التي مرت بتاريخ الصين، فقد يكون هذا عيبًا في تفكير
ماو، والذي يمكننا بالفعل أن نغفره له. وفي حين أن حكام الصين في العقد الثاني من القرن
الحادي والعشرين قد لا يكونون بنفس قسوة ماو في نظرتهم للأمور، فإن تاريخ الصين، على
أي
حال، لم يغب عن أذهانهم قط. وعلى الرغم من أن حدود الصين الحالية تشمل منشوريا، ومنغوليا
الداخلية، وتركستان الشرقية، والتبت — أي جميع الهضاب والأراضي المعشوشبة المحيطة — فإن
الاستراتيجيات الاقتصادية والدبلوماسية نفسها لحكام الصين الحاليين تُثبت فكرة الصين
التي
تتجاوز حتى المدى الإقليمي الذي بلغته الصين في عهد أسرة تانغ في القرن الثامن وخلال
العصر
الذهبي لأسرة تشينغ في القرن الثامن عشر. إن الصين، بكيانها الديموغرافي الهائل واقتصادها
الأكثر نشاطًا في العالم على مدى العقود الثلاثة الماضية، توسِّع، على عكس روسيا، نطاق
نفوذها الإقليمي عن طريق التجارة أكثر مما تفعل بالإكراه بكثير.
تشير الجغرافيا إلى أنه في حين أن مسار الصين نحو مزيد من القوة العالمية المتزايدة
قد لا
يكون خطيًّا؛ فالمعدلات السنوية لنمو ناتجها المحلي الإجمالي التي زادت على ١٠ في المائة
على مدى السنوات الثلاثين الماضية ببساطة لا يمكن أن تستمر. والصين، حتى لو كانت في حالة
من الفوضى الاقتصادية والاجتماعية، ستقف عند محور الجغرافيا السياسية. ليس من المرجَّح
أن تقع
الصين فريسةً لحالةٍ من الفوضى الكاملة. إن الصين، لو أردنا الاسترشاد بآراء ماكيندر،
تجمع
بين حداثةٍ متطرفة غربية الطراز وحضارة هيدروليكية من النوع الذي شاع في الشرق القديم
والشرق
الأدنى؛ ويعني ذلك أنها تتميز بسيطرة مركزية، مع نظام يبني مشاريع المياه الكبرى وغيرها
من
المشروعات الهندسية التي تتطلَّب عمالةً تقدَّر بالملايين.
٢٣ وهذا يجعل الصين متشدِّدة وديناميكية بطرقٍ مختلفة عن الديمقراطيات الغربية.
ولأن الحكام الشيوعيين الاسميين للصين يمثِّلون السلالة الأخيرة من نحو خمسٍ وعشرين أسرة
حاكمة
صينية تعود جذورها إلى نحو أربعة آلاف سنة، فإن استيعاب التقنيات والممارسات الغربية
يجري
في الإطار المنضبط لنظامٍ ثقافي مفصَّل؛ وهو نظام يمتلك تجربةً فريدة من نوعها في تشكيل
العلاقات الرافدية، من بين أمور أخرى. وكما قال لي مسئول سنغافوري، فإن «الصينيين سيسحرونك
عندما يريدون أن يسحروك، وسيعتصرونك عندما يريدون أن يعصروك، وهم يفعلون ذلك بشكلٍ ممنهج
للغاية.»
إن الدينامية الداخلية للصين، على الرغم من كل اضطراباتها وأوجه عدم كفاءتها المدنية،
ناهيك عن التباطؤ الاقتصادي، تخلق طموحاتٍ خارجية. وفي كثير من الأحيان، لا يجري السعي
إلى بناء
الإمبراطوريات بصورةٍ واعية. وبدلًا من ذلك، فكلما ازدادت الدول قوة، تتولَّد لديها احتياجات؛
وبصورةٍ مناقضة للحدس، مجموعة جديدة كاملة من المخاوف التي تؤدِّي بها إلى التوسُّع بطريقةٍ
متناسقة. لنتدبر التجربة الأمريكية؛ فتحت إشراف بعض أكثر الرؤساء نسيانًا — روثرفورد
ب.
هايز Hayes، وجيمس غارفيلد
Garfield، وتشيستر ألان آرثر
Arthur، وبنيامين هاريسون
Harrison، وهلم جرًّا — سار الاقتصاد الأمريكي بهدوء
جنبًا إلى جنب مع تحقيق معدلات نمو سنوية عالية ما بين نهاية الحرب الأهلية والحرب
الإسبانية-الأمريكية للعام ١٨٩٨م. ونتيجةً لذلك، فمع زيادة معدلات التبادل التجاري الأمريكي
مع العالم الخارجي، طوَّرت أمريكا لأول مرةٍ مصالح اقتصاديةً واستراتيجية معقَّدة في
أماكن
بعيدة؛ وهو الأمر الذي أدَّى، من بين إجراءاتٍ عسكرية أخرى، إلى إنزال جنود البحرية ومشاة
البحرية (المارينز) في أمريكا الجنوبية والمحيط الهادي. وقد حدث هذا على الرغم من جميع
العلل الاجتماعية التي عانتها أمريكا في ذلك الوقت، والتي كانت، بدورها، نواتج لهذه
الدينامية نفسها. وثمَّة عاملٌ آخر تسبَّب في جعل أمريكا تركِّز على الخارج؛ وهو توحيدها
للقارة الداخلية؛ إذ جرى خوض المعركة الكبرى الأخيرة ضمن الحروب الهندية في العام ١٨٩٠م.
مفتاح الخريطة
الصين تحت حكم أسرة سونغ |
Song dynasty China
|
تبيِّن حدود إمبراطورية سونغ الشمالية في العام ١١٠٠م، كما تحدِّد المنطقة التي
خسرتها لأسرة جين التي لا تنتمي إلى الهان في العام ١١٢٧م
|
Showing the approximate borders of the Northern Song in 1100 and indicating the area
lost to the non-Han Jin dynasty in 1127
|
صحراء غوبي |
Gobi Desert
|
هضبة منغوليا الداخلية |
Inner Mongolian Plateau
|
النهر الأصفر |
Yellow River
|
بحر بوهاي |
Bohai Sea
|
البحر الأصفر |
Yellow Sea
|
تمت خسارة المنطقة الواقعة شمال هذا الخط لمصلحة أسرة جين في العام ١١٢٧م |
Area north of this line lost to Jin in 1127
|
النهر الأصفر |
Yellow River
|
نهر الوي |
Wei River
|
لويانغ |
Luoyang
|
تشانغآن |
Chang’an
|
كايفنغ |
Kaifeng
|
سهل الصين العظيم |
Great Plain Of China
|
نهر الهان |
Han River
|
يانغتشو |
Yangzhou
|
بحر الصين الشرقي |
East China Sea
|
هانغتشو |
Hangzhou
|
نهر اليانغتسي |
Yangzi river
|
تشنغدو |
Chengdu
|
تشونغتشينغ |
Chongqing
|
تشانغشا |
Changsha
|
فوتشو |
Fuzhou
|
قوانغتشو |
Guangzhou
|
مدار السرطان |
Tropic of Cancer
|
جزيرة هاينان |
Hainan Island
|
بحر الصين الجنوبي |
South China Sea
|
أميال |
Miles
|
كلم |
km
|
تعزز الصين أيضًا حدودها البرِّية؛ ومن ثم البدء في التركيز على الخارج. وعلى عكس
أمريكا،
فإن الصين لا تأتي مسلَّحة بمقاربة تبشيرية
missionary للشئون
العالمية، فليست لديها إيديولوجية أو نظام للحكم تسعى إلى نشره. يمثِّل التقدم الأخلاقي
في
السياسة الدولية هدفًا أمريكيًّا، لكنه ليس هدفًا صينيًّا. ومع ذلك، فليست الصين قوة
الوضع
الراهن لأنها تتوسع إلى الخارج بسبب حاجتها إلى تأمين الطاقة، والمعادن، والفلزات الاستراتيجية
من أجل دعم رفع مستوى معيشة ما يقرب من خُمس البشرية. وبالفعل، فإن الصين قادرة على إطعام
٢٣ في المائة من سكان العالم من ٧ في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة؛ «عن طريق تكديس
نحو
ألفَي نسمة في كلِّ ميل مربع من الأراضي المزروعة في الوديان والسهول الفيضية»، كما أشار
إليه فيربانك.
٢٤ وهي واقعة الآن تحت ضغط شعبي لأن تحقِّق شيئًا من هذا القبيل — أي توفير أسلوب
حياة أفراد الطبقة المتوسطة لمعظم السكان في مناطقها الحضرية.
ولإنجاز هذه المهمة، بنَت الصين علاقاتٍ مواتيةً للقوة، سواء في الأراضي المتاخمة
لها أو في
المناطق البعيدة الغنية بتلك الموارد التي تحتاج إليها لتغذية نموها. ولأن ما يدفع الصين
إلى خارج حدودها الرسمية يتعلق بمصلحة وطنية أساسية — وهي البقاء والنمو الاقتصادي —
فمن
الممكن تعريف الصين على أنها قوة فوق واقعية
über realist وهي
تسعى إلى تطوير وجودٍ غريب، وشبه استعماري، في جميع أنحاء أفريقيا جنوبيَّ الصحراء الكبرى،
وهي
منطقة تحظى بكميات وفيرة من النفط والمعادن، كما ترغب في تأمين الوصول إلى الموانئ في
جميع
أنحاء بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي المجاور، وهي التي تربط العالم العربي-الفارسي
الغني بالهيدوكربونات
٢٥⋆ بالساحل الصيني. وبالنظر إلى امتلاكها عددًا قليلًا من الخيارات حول هذه
المسألة، لا تهتم بكين إلا قليلًا بنوع النظام الذي تتعامل معه؛ فهي تتطلَّب الاستقرار،
وليس
الفضيلة كما يتصورها الغرب. ولأن بعض هذه الأنظمة — مثل تلك التي تحكم إيران، والسودان،
وزيمبابوي — هي إما جاهلة وإما سلطوية، وإما كلتاهما، فإن سعي الصين إلى الموارد في جميع
أرجاء
العالم يضعها في صراعٍ مع المنحى التبشيري للولايات المتحدة، وكذلك مع دول مثل الهند
وروسيا،
وهي التي يقترب النفوذ الصيني من مناطق نفوذها الخاصَّة. أما ما يُغفَل في كثير من الأحيان
فهو أن
هذه البلدان، وغيرها من بلدان جنوب شرق آسيا، وآسيا الوسطى، والشرق الأوسط، هي مناطق
وقعت
تحت سيطرةِ واحدةٍ أو الأخرى من الأسر الصينية الحاكمة في الماضي.
وحتى السودان ليست بعيدة عن منطقة البحر الأحمر التي زارها أدميرال أسرة مينغ، تشنغ
خه
Zheng He، في أوائل القرن الخامس عشر. وبالتالي فما
تقوم به الصين هو مجرد إعادة توطيد مجالها الاستعماري، بالكاد.
لا تشكِّل الصين تهديدًا وجوديًّا، كما أن احتمال نشوب حرب بين الولايات المتحدة والصين
يتَّسم بأنه بعيد للغاية. هناك تهديد عسكري من الصين، ولكن كما سنرى، فهو غير مباشر.
إن
التحدي الذي تمثِّله الصين هو تهديد جغرافي عند أبسط مستوياته، على الرغم من القضايا
الحرجة
مثل الديون والتجارة، والتغير المناخي. إن المجال الناشئ لنفوذ الصين في أوروبا وآسيا
وأفريقيا — أي في «الجزيرة العالمية» لماكيندر — يتنامى، ليس بالمعنى الإمبريالي للقرن
التاسع عشر، ولكن بطريقةٍ أشد دهاء وأكثر ملاءمةً لعصر العولمة. وعن طريق تأمين احتياجاتها
الاقتصادية فحسب، تحوِّل الصين ميزان القوى في النصف الشرقي من العالم، وهو أمر سيمثِّل
مصدر
قلق عميق للولايات المتحدة. وفي البر والبحر، بدعمٍ من الموقع المُواتي للصين على الخريطة،
ينطلق نفوذ بكين من وسط آسيا إلى الشرق الأقصى الروسي، ومن بحر الصين الجنوبي إلى المحيط
الهندي. تمثِّل الصين قوةً قارِّية صاعدة، وكما ذكر نابليون في قولته المشهورة، فإن سياسات
هذه
الدول متأصلة في جغرافيتها.
وكما أشرت إليه، يتَّسم موقع الصين على خريطة آسيا الوسطى وشرق آسيا بأفضليته. لكن
الصين في
القرن الحادي والعشرين، وبطرقٍ أخرى، تتَّسم بكونها غير مكتملة على نحوٍ خطير. هناك مثال
منغوليا (أو «منغوليا الخارجية» من الناحية الجغرافية) إلى الشمال؛ وهي فقاعة عملاقة
من
الأراضي التي تبدو كأنها اقتُطعت من الصين، والتي تحدُّ منغوليا من الجنوب، والغرب، والشرق.
أما منغوليا، التي تمتلك واحدةً من أقل الكثافات السكانية في العالم، فتتعرَّض للتهديد
بفعل
آخر الهجرات التاريخية الكبرى في أوراسيا — وهي نزوع الحضارة الصينية في المناطق الحضرية
إلى التحرك شمالًا. لقد أغرقت الصين بالفعل منغوليا الداخلية التي تقع ضمن حدودها بمهاجري
الهان الصينيين، في حين يشعر المنغوليون الخارجيون بالقلق من أن يحل عليهم الدور في الغزو
الديموغرافي. وبعد أن غزت منغوليا الخارجية بالفعل عن طريق تحريك خط الزراعة شمالًا،
فقد
استعدت الصين لغزو منغوليا عن طريق العولمة.
تتطلع الصين إلى النفط، والفحم، واليورانيوم، والمعادن الاستراتيجية الأخرى والأراضي
المعشوشبة الغنية والخالية التي تحتويها منطقة تشينغ-مانشو التي كانت تحت سيطرتها في
السابق.
٢٦ ويجب أن يُنظر إلى بناء الصين لطرق الوصول إلى منغوليا في ضوء تلك الحقيقة. وفي
ظل حركتَي التصنيع والتوسع الحضري من دون رادع، فإن الصين هي المستهلك الرائد في العالم
لكلٍّ
من الألومنيوم، والنحاس، والفحم، والرصاص، والنيكل، والزنك، والقصدير، وخام الحديد، وكلها
موجودة في منغوليا بكميات وفيرة. وقد قفزت حصة الصين من استهلاك المعادن في العالم من
١٠ في
المائة إلى ٢٥ في المائة منذ أواخر تسعينيات القرن العشرين. ونتيجةً لذلك، فقد سعت شركات
التعدين الصينية إلى الاستحواذ على حصص كبيرة من أصول منغوليا الموجودة في باطن الأرض.
وبالنظر
إلى أن الصين قد ضمت التبت، وماكاو، وهونغ كونغ إلى برِّها الرئيسي، فقد تمثِّل منغوليا
بالون
اختبار للحكم على النوايا الصينية المستقبلية. وفي الواقع، أن الحدود المنغولية-الصينية،
عندما زرتها في العام ٢٠٠٣م بالقرب من بلدة زامين-أود، لم تكن سوى حدود مصطنعة على صحراء
غوبي المسطحة والمنحدرة تدريجيًّا. كانت النقطة الحدودية الصينية عبارة عن قوسٍ مُضاء
على نحوٍ
ساطع، وذي تصميم هندسي جيد يشير إلى الوحدة الصناعية المتراصَّة والمزدحمة الواقعة إلى
الجنوب، والتي تزحف على أراضي السهوب المنغولية القليلة السكان، والتي تضم أعدادًا من
الخيام المصنوعة من الشعر والأكواخ المصنوعة من خردة الحديد. ومع ذلك، لنأخذ في اعتبارنا
أن
مثل هذه المزايا الديموغرافية والاقتصادية قد تكون سيفًا ذا حدَّين في حال وقوع اضطرابات
عرقية في منغوليا الداخلية الصينية. إن مدى النفوذ الصيني نفسه، من خلال ضم مساحات شاسعة
من
الأراضي المحيطية الرعوية، يمكن أن يكشف نقاط الضعف التي تتَّسم بها الدول المتعددة الأعراق.
وبالإضافة إلى ذلك، ثمَّة عامل آخر يمكنه أن يقلب خطط الصين رأسًا على عقب، وهو التنمية
الاقتصادية السريعة التي انتهجتها منغوليا في الآونة الأخيرة، والتي تجتذب أعدادًا كبيرة
من
مستثمري قطاع الأعمال من جميع أنحاء العالم؛ مما يحد من نفوذ بكين.
وإلى شمال منغوليا، وكذلك إلى الشمال من مقاطعات منشوريا الصينية الثلاث، يقع الشرق
الأقصى الروسي، وهو امتداد لا نهائي من غابات البتولا الواقعة بين بحيرة بايكال
وفلاديفوستوك. بَيْد أن هذا الاتساع المذهل، الذي يبلغ ضعف حجم أوروبا تقريبًا، لا يضم
سوى
عدد ضئيل من السكان الذين لا يزيدون على ٦٫٧ ملايين نسمة، والذين سينخفض عددهم إلى ٤٫٥
ملايين. بَيْد أن روسيا، كما رأينا، قد توسعت إلى هذه المنطقة خلال القرنين التاسع عشر
وأوائل
العشرين، خلال نوبة من الإمبريالية القومية وفي وقتٍ كانت الصين فيه ضعيفة، وهو الآن
ماضٍ
بعيد. وفي عددٍ قليل من المناطق الأخرى، تتَّسم الدولة الروسية بمثل الضعف الذي يتَّضح
في ثلثها
الشرقي، وبخاصَّة ذلك الجزء منها القريب من الصين. ومع ذلك، فعلى الجانب الآخر من الحدود،
وفي
داخل منشوريا، يعيش مائة مليون صيني؛ وبالتالي فإن الكثافة السكانية هناك تزيد باثنين
وستين
ضعف مثيلتها في شرق سيبيريا. ظل المهاجرون الصينيون يتسرَّبون عبر هذه الحدود. وعلى سبيل
المثال، ففي مدينة تشيتا
Chita السيبيرية الواقعة إلى
الشمال من منغوليا، هناك جالية كبيرة ومتزايدة من العرقية الصينية. يمثِّل اكتساب الموارد
الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية الصينية، في حين أن الشرق الأقصى لروسيا بديموغرافيته
الجرداء يمتلئ باحتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، والنفط، والأخشاب، والماس، والذهب.
وكما
كتب ديفيد بلير
Blair، وهو مراسل لصحيفة الديلي تلغراف
الصادرة في لندن، فإن «روسيا والصين قد تبرمان تحالفًا تكتيكيًّا، لكن هناك بالفعل توترات
بينهما حول الشرق الأقصى: تشعر موسكو بالقلق من تحرُّك أعداد كبيرة من المستوطنين الصينيين
إلى
هذه المنطقة، جالبين في أعقابهم شركات الأخشاب والتعدين.»
٢٧ وهنا، كما هو الحال في منغوليا، ليس الأمر مسألة جيشٍ يقوم بغزوٍ أو ضمٍّ رسمي،
لكنه يتعلق بزحف السيطرة الصينية عبر العوامل الديموغرافية والشركات على المنطقة التي
كانت
أجزاء كبيرة منها تابعة للصين خلال عهد كلٍّ من أسرتَي مينغ وتشينغ.
وخلال الحرب الباردة، اشتعلت النزاعات الحدودية بين الاتحاد السوفييتي والصين مؤدِّيةً
إلى
اشتباكات عسكرية جرى خلالها حشد مئات الآلاف من القوات في هذه المنطقة الخلفية من سيبيريا
—
والتي بلغت ثلاثًا وخمسين فرقةً من الجيش السوفييتي بحلول العام ١٩٦٩م على الجانب الروسي
من
نهرَي آمور وأوسوري. وقد ردَّت الصين بزعامة ماو عن طريق نشر مليون جندي على جانبها من
الحدود،
وكذلك بناء الملاجئ في المدن الكبرى. وللمساعدة في تخفيف الضغط على جبهته الغربية، بحيث
يمكنه التركيز على الشرق الأقصى، أطلق الزعيم السوفييتي ليونيد بريجينيف
Brezhnev سياسة الوفاق مع الولايات المتحدة. ومن
جانبها، وجدت الصين نفسها محاطة تقريبًا بالاتحاد السوفييتي، ودولة منغوليا التابعة للاتحاد
السوفييتي، وفيتنام الشمالية الموالية للاتحاد السوفييتي وعميلتها في لاوس، وكذلك الهند
الموالية للاتحاد السوفييتي. أدَّت كل هذه التوترات إلى قطيعةٍ بين الصين والاتحاد السوفييتي،
والتي تمكَّنت إدارة نيكسون Nixon من استغلالها في الانفتاح
على الصين خلال عامَي ١٩٧١ و١٩٧٢م.
هل يمكن للجغرافيا أن تؤدِّي مرةً أخرى إلى التباعد بين روسيا والصين، اللتين يقتصر
تحالفهما
الحالي أساسًا على الجوانب التكتيكية؟ وهل يمكن أن يكون المستفيد من ذلك، كما حدث في
الماضي، هو الولايات المتحدة؟ على الرغم من أنه من المنطقي أن تبني الولايات المتحدة
في هذه
المرة، بالنظر إلى تنامي القوة الصينية، شراكةً مع روسيا ضمن تحالف استراتيجي لتحقيق
التوازن
ضد المملكة الوسطى، وذلك لتحويل اهتمام الصين بعيدًا عن سلسلة الجزر الأولى في منطقة
المحيط
الهادي والاقتصار على حماية حدودها البرِّية. وفي الواقع، أن القدرة على إعاقة تنامي
الوجود
البحري الصيني على مقربةٍ من اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان تتطلَّب ضغوطًا أمريكية
من
قواعدها في آسيا الوسطى القريبة من الصين، وكذلك امتلاك علاقة ودية بصفةٍ خاصَّة مع روسيا.
يمكن للضغوط البرِّية أن تساعد الولايات المتحدة على إحباط طموحات الصين في البحر.
وعلى أي حال، فقد يتكشف الواقع عن سيناريو آخر، يتَّسم بكونه أكثر تفاؤلًا بكثير،
كما
أنه مفيد لسكان شمال منشوريا والشرق الأقصى الروسي أنفسهم. وفي هذا السيناريو، الذي تعود
جذوره إلى فترة ما قبل العام ١٩١٧م، تؤدِّي التجارة الصينية والتسلل الديموغرافي إلى
أموريا
وأوسوريا إلى نهضةٍ اقتصادية في الشرق الأقصى الروسي، والذي تتبنَّاه حكومة أكثر ليبرالية
في
موسكو، تستخدم هذه التنمية في تحسين مكانة ميناء فلاديفوستوك باعتباره مركزًا
عالميًّا لشمال شرق آسيا. وإذا أردنا استكشاف هذا السيناريو أكثر، سأفترض ظهور نظامٍ
أفضل في
كوريا الشمالية؛ مما يؤدِّي إلى خلق منطقة ديناميكية في شمال شرق آسيا تتَّسم بحدود مفتوحة
وتتمحور حول بحر اليابان.
ليست الجبهة الصينية مع الجمهوريات السوفييتية السابقة في آسيا الوسطى غير مكتملة
بقدر
كونها اعتباطية؛ وبالتالي فهي غير تاريخية إلى حدٍّ ما. تمتد الصين عميقًا للغاية في
قلب
أوراسيا، لكنها لا تمتد بعيدًا بما فيه الكفاية. إن شينجيانغ، وهو الإقليم الغربي للصين؛
يعني «الدومينيون الجديد». أما ما يهيمن عليه الصينيون فهو تركستان الشرقية، وهي مساحة
جُعلت حتى أكثر بعدًا عن المنطقة المركزية الديموغرافية للصين بفعل وجود صحراء غوبي بينهما.
وعلى الرغم من أن الصين كانت دولةً بصورةٍ أو بأخرى طوال ثلاثة آلاف سنة، فلم تُصبح شينجيانغ
جزءًا من الصين إلا في منتصف القرن الثامن عشر، عندما غزا إمبراطور أسرة تشينغ (المانشو)،
تشيان لونغ
Qianlong، مساحات شاسعة من الأراضي
الغربية؛ وبالتالي ضاعف حجم الصين وثبَّت «حدودًا غربية ثابتة» مع روسيا.
٢٨ ومنذ ذلك الحين، كما كتب الدبلوماسي وكاتب الرحلات البريطاني الراحل، السير
فيتزروي ماكلين
Maclean، فقد اتَّسم تاريخ تلك المقاطعة بوجود
اضطرابات مستمرة.
٢٩ كانت هناك ثورات، وفترات من الحكم التركي المستقل حتى أربعينيات القرن العشرين.
وفي العام ١٩٤٩م، زحف الشيوعيون بقيادة ماو تسي تونغ إلى شينجيانغ ودمجوها قسرًا مع بقية
أجزاء الصين. ولكن في فترة لاحقة، وبالتحديد في العام ١٩٩٠م، ومرةً أخرى في العام ٢٠٠٩م،
كانت
هناك أعمال للشغب وسفك الدماء ضد الحكم الصيني من قِبل الويغور ذوي العرقية التركية،
والذين
ينتمون إلى القبائل التركية التي حكمت منغوليا ما بين عامَي ٧٤٥ و٨٤٠ للميلاد، عندما
طردتها قيرغيزستان إلى تركستان الشرقية. لا يمثِّل الويغور، الذين يبلغ عددهم نحو ثمانية
ملايين نسمة، سوى أقل من واحدٍ في المائة من سكان الصين، لكنهم يشكِّلون ٤٥ في المائة
من سكان
شينجيانغ، والتي هي كبرى المقاطعات الصينية، بحجمها الذي يبلغ ضعف حجم ولاية تكساس. وفي
الواقع، يتركز سكان الصين بكثافةٍ في المناطق الساحلية القريبة من المحيط الهادي وفي
السهول
النهرية والوديان الرسوبية في وسط البلاد؛ أما الهضاب الجافة، والتي كثيرًا ما تقع على
ارتفاع اثني عشر ألف قدم، في منطقتَي الغرب والجنوب الغربي الشاسعتين، فهي خاوية نسبيًّا،
على الرغم من أنها تمثِّل موطن الأقلِّيتين الويغورية والتبتية المناهضتين للصين. برزت
الصين
الأصلية، كما لاحظنا، انطلاقًا من وديان النهر الأصفر، ونهر الوي على وجه الخصوص، حيث
يُحتمل
أن الجنس البشري كان موجودًا منذ عصور ما قبل التاريخ. ومن هناك، بدأت الصين كمفهوم حضاري
في الانتشار بصورةٍ متناغمة بطول الأنهار الكبرى، والتي حققت للصينيين الغرض الذي حققته
الطرق للرومان. وهنا، في هذه البوتقة التي نشأت فيها الحضارة الصينية، تتقاطع الأرض بفعل
«أعداد هائلة من الأنهار، والقنوات، وجداول الري التي تغذي الحدائق المورقة والحقول
السوقية»؛ وفي هذا المكان «كانت الفيضانات الموسمية … تُعيد العناصر الغذائية اللازمة
للتربة».
٣٠ وفي أيامنا هذه، فإن الأراضي الصينية تتداخل ببساطة، ليس فقط في هذه المنطقة
المركزية النهرية، ولكن في منطقتَي آسيا الوسطى التركية والتبت التاريخية بالإضافة إليها،
وهذا هو التحدي الخرائطي
cartographic الرئيسي الذي تواجهه
بكين، حتى على الرغم من اتفاقه بشكلٍ جيد مع التاريخ الإمبريالي للصين. ومن وجهة نظر
بكين،
ليس هناك بديل للسيطرة الصينية على النجود المجاورة لها. وكما يذكرنا المبعوث الأمريكي
إلى
الصين في منتصف القرن العشرين أوين لاتيمور
Lattimore:
«يستمد النهر الأصفر مياهه من ثلوج التبت»، كما «يتدفق في جزء من مساره بالقرب من السهوب
المنغولية».
٣١ أما التبت، ولكونها تضم منابع النهر الأصفر، وأنهار اليانغتسي، والميكونج،
والسالوين، وبراهمابوترا، والسند، وسوتليج، فيمكن اعتبارها أكبر مستودع في العالم للمياه
العذبة، على الرغم من أنه من المتوقع أن تعاني الصين من نقص في احتياجاتها من المياه
بمقدار
٢٥ في المائة بحلول العام ٢٠٣٠م.
٣٢ أما تأمين هذه المناطق، التي تكمن تحت تربتها أيضًا مليارات الأطنان من النفط،
والغاز الطبيعي، والنحاس، كان يعني توطينها على مر العقود بمهاجري الهان الصينيين من
المنطقة المركزية الديموغرافية للبلاد. ويعني ذلك أيضًا، في حالة شينجيانغ، مغازلةً عدوانية
للجمهوريات العرقية التركية المستقلة في آسيا الوسطى، بحيث لا يمتلك الويغور مطلقًا قاعدة
سياسية وجغرافية خلفية يمكنها منافسة حكم بكين.
في آسيا الوسطى، كما هو الحال في شرق سيبيريا، تتنافس الصين بشراسة مع روسيا على
امتلاك
منطقة للنفوذ. وقد ازداد حجم التجارة بين الصين وبلدان آسيا الوسطى السوفييتية السابقة
من
٥٢٧ مليون دولار في العام ١٩٩٢م إلى ٢٥٩ مليار دولار في العام ٢٠٠٩م.
٣٣ لكن وسائل نفوذ بكين الحالية تشمل خطَّين رئيسيين للأنابيب؛ يحمل أحدهما النفط
من بحر قزوين عبر كازاخستان إلى شينجيانغ، وينقل الآخر الغاز الطبيعي من الحدود بين
تركمانستان وأوزبكستان، عبر أوزبكستان وكازاخستان، إلى شينجيانغ. ومرةً أخرى، فلن يكون
من
الضروري استخدام أي قوات مع توسُّع الصين الكبرى إلى المنطقة المركزية لأوراسيا التي
وصفها
ماكيندر، والذي هو نتيجة الطلب النهِم على الطاقة والخطر الداخلي المتمثِّل في أقلِّياتها
العرقية الخاصَّة.
وفي كل هذا، لا تتجنب الصين المجازفة. وفي حين تتطلع إلى استغلال بعض آخر الاحتياطيات
غير
المستغلة في العالم من النحاس، والحديد، والذهب، واليورانيوم، والأحجار الكريمة، تعدِّن
الصين
بالفعل النحاس في أفغانستان التي مزَّقتها الحرب، إلى الجنوب مباشرة من كابول. وتنظر
الصين إلى أفغانستان (وباكستان) باعتبارها قناةً آمنة للطرق وخطوط أنابيب الطاقة التي
من شأنها جلب
الموارد الطبيعية من موانئ المحيط الهندي؛ ومن ثم ربط الدول الأعضاء فيما يشبه اتحاد
آسيا
الوسطى الذي تسيطر عليه بكين. كانت الصين «نشطة بشكلٍ استثنائي» في مجال بناء الطرق التي
ستربط شينجيانغ بكلٍّ من قيرغيزستان، وطاجيكستان، وأفغانستان. وفي داخل أفغانستان نفسها،
ثمَّة
شركة صينية، وهي مجموعة شيتسيجو
Shistiju الصينية للسكك
الحديدية، والتي «تتحدى انعدام الأمن» هناك من خلال بناء طريق في مقاطعة وارداك. كما
تعمل
الصين على تحسين البنى التحتية للسكك الحديدية التي تقترب من أفغانستان من عدة اتجاهات
٣٤ وهكذا، فمع تحرك الولايات المتحدة لهزيمة تنظيم القاعدة وعناصر حركة طالبان غير
المسالمين، فإن موقف الصين الجيوسياسي هو الذي سيتعزز. يتَّسم الانتشار العسكري بأنه
مؤقت؛ في
حين يمكن للطرق وخطوط السكك الحديدية، وخطوط الأنابيب، أن تبقى إلى الأبد تقريبًا.
ومثل صحراء تكلماكان Taklamakan في مقاطعة شينجيانغ، فإن
هضبة التبت الجبلية المترامية الأطراف، والغنية بالنحاس وخام الحديد، تمثِّل جزءًا كبيرًا
من
أراضي الصين؛ وبالتالي توضِّح الرعب الذي تنظر به بكين إلى مسألة الحكم الذاتي للتبت،
ناهيك
عن استقلالها. ومن دون التبت، ستُصبح الصين أصغر حجمًا بكثير، كما ستتوسع شبه القارة
الهندية عمليًّا: ويفسر هذا الوتيرة المتسارعة للمشروعات الصينية لبناء الطرق والسكك
الحديدية
في جميع أنحاء المناطق الجبلية التبتية.
وإذا تقبَّلنا باكستان، بطرقها الصينية الصنع ومشروع موانئ المحيط الهندي، كمنطقة
مستقبلية
للصين الكبرى؛ ومن ثم وضع الدول الضعيفة نسبيًّا في جنوب شرق آسيا ضمن الفئة نفسها، فإن
الهند، التي يزيد سكانها عن مليار نسمة، ستمثِّل إسفينًا جغرافيًّا حادًّا يخترق هذا
المجال
الكبير من النفوذ الصيني. وتشرح هذه النقطة بوضوحٍ شديد خريطة الصين الكبرى في كتاب زبيغنيو
بريجنسكي المعنون «رقعة الشطرنج الكبرى».
٣٥ وفي الواقع، أن الهند والصين — بعدد سكانهما الهائل؛ وتجربتَيهما الثقافيتين
الغنيَّتين، والجليلتين، والشديدتَي الاختلاف؛ وقربهما الجغرافي، والنزاعات الحدودية
غير
المحكومة بينهما — وعلى الرغم من علاقتهما التجارية التكاملية، محتَّمٌ عليهما بفعل الجغرافيا
أن تكونا متنافستين بدرجةٍ معينة. وتعمل قضية التبت على إذكاء هذا التنافس، على الرغم
من
كونها دالَّةً أساسية عليه. تستضيف الهند حكومة الدالاي لاما في المنفى في دارامسالا؛
مما
يمكِّنه من إبقاء قضية التبت على قيد الحياة في محكمة الرأي العام العالمي. وقد كتب دان
توينينغ
Twining، وهو زميلٌ بارز للشئون الآسيوية في صندوق
مارشال الألماني في واشنطن، أن التوترات الأخيرة على الحدود الهندية-الصينية «قد تكون
متعلقة بالمخاوف الدائرة في بكين حول خلافة الدالاي لاما»، بالنظر إلى احتمال تسمية الدالاي
لاما المقبل خارج الصين؛ في الحزام الثقافي التبتي الذي يمتد عبر شمال الهند، ونيبال،
وبوتان.
٣٦ يشمل هذا الحزام ولاية أروناشال براديش الهندية، التي تطالب الصين بملكيتها
أيضًا، باعتبار أنها تمثِّل جزءًا من هضبة التبت؛ وبالتالي خارج الأراضي المنخفضة التي
تحدد
شبه القارة الهندية من الناحية الجغرافية. عملت الصين أيضًا على توسيع نفوذها العسكري
في
نيبال، وهي الدولة العازلة غير المستقرة الواقعة في الهيمالايا، والتي يسيطر عليها
الماويون؛ الأمر الذي واجهته الهند بإبرام اتفاقية هندية-نيبالية للتعاون الدفاعي. سوف
تلعب الصين والهند «لعبة كبرى» ليس فقط هنا، ولكن أيضًا في بنغلاديش وسري لانكا. إن الضغط
الصيني على الهند من الشمال، والذي ساعد على إشعال حرب حدودية بين الهند والصين في العام
١٩٦٢م، يجب أن يستمر باعتباره وسيلة للمساعدة في إحكام قبضة بكين على التبت. ويفترض هذا
أنه في بيئة
الإعلام العالمي المحمومة على نحوٍ متزايد، فإن القضية الرومانسية للقومية التبتية لن
تتبدد،
بل قد تزداد حدَّة.
وبطبيعة الحال، ففي وسع المرء أن يجادل في أن امتلاكها حدودًا مع الكثير من المناطق
المضطربة
سوف يقيِّد القوة الصينية؛ وبالتالي فإن الجغرافيا تشكِّل عائقًا أمام الطموحات الصينية.
وبعبارةٍ أخرى، فإن الصين مُحاطة تقريبًا. ولكن بالنظر إلى التوسع الاقتصادي والديموغرافي
للصين خلال العقود الأخيرة، وتوقعاتها المعقولة باستمرار النمو الاقتصادي، ولو بمعدلاتٍ
أبطأ
— مع احتمال حدوث مطبات خطيرة — في المستقبل المنظور، فإن الحدود البرِّية المتعددة للصين
قد
تعمل أيضًا كمُضاعف لقوَّتها؛ فالصين هي التي تتعدى على تلك المناطق الأقل دينامية وأقل
سكانًا، وليس العكس. يفسر بعض المؤلفين الأمر بأن وجود دولة فاشلة وأخرى شبه فاشلة على
حدود
الصين — وهما أفغانستان وباكستان — يشكِّل خطرًا على بكين. وقد زرت تلك الحدود بنفسي،
وهي التي
تقع عند أقصى بقاع البلاد وعلى ارتفاعات شاهقة، حيث لا يعيش سوى قليل من السكان. من الممكن
أن تتلاشى باكستان تمامًا ولا تُلاحظ إلا بالكاد من الجانب الصيني من الحدود. بَيْد أن
حدود
الصين ليست هي المشكلة؛ فالمشكلة هي المجتمع الصيني، والذي، مع ازدياد ازدهاره، وفي ظل
تباطؤ معدل النمو الاقتصادي في الصين، يثير شبح وقوع اضطرابات سياسية من نوعٍ ما. ومن
الممكن
للاضطرابات الخطيرة أن تجعل الصين فجأةً غير حصينة من جهة أطرافها العرقية.
إن منفذ الصين الأكثر فائدةً لطموحاتها يقع باتجاه الدول الضعيفة نسبيًّا في جنوب
شرق
آسيا. وهنا، أيضًا، تتَّسم جغرافية الصين بكونها غير مكتملة. سيطرت الصين على فيتنام
خلال
الألفية الأولى من العصر الحديث. غزت الصين تحت حكم أسرة يوان
Yuan (ذوي الأصول المغولية) بورما، وسيام، وفيتنام في
أواخر القرن الثالث عشر، أما الهجرة الصينية إلى تايلاند فتعود إلى قرون عديدة. كان عدم
وجود سور الصين العظيم في جنوب شرقي الصين ليس ناتجًا عن وجود الغابات الوعرة والمنعطفات
الجبلية الشاهقة بين الصين وبورما فحسب، ولكن لأن التوسع الصيني على طول هذه الحدود بأسرها
من بورما في الغرب إلى فيتنام في الشرق كان أكثر مرونةً مما كان عليه في شمال الصين،
وفقًا للاتيمور.
٣٧ هناك عددٌ قليل من العوائق الطبيعية التي تفصل الصين عن أجزاء من بورما، وعن
تايلاند، ولاوس، وفيتنام. أما العاصمة المحتملة لمحيطٍ من الرخاء على نهر الميكونغ، والتي
تربط جميع بلدان الهند الصينية عبر الطرق البرِّية والنقل النهري، فهي مدينة كونمينغ
Kunming في مقاطعة يونان
Yunnan الصينية، والتي ستوفر سدودها الكهرباء التي
يستهلكها التايلانديون وغيرهم في قُمرة القيادة الديموغرافية العالمية هذه.
وهنا في منطقة جنوب شرق آسيا، بسكانها البالغ عددهم ٥٦٨ مليون نسمة، تلتقي الصين البالغ
عدد سكانها ١٫٣ مليار نسمة مع شبه القارة الهندية التي يبلغ عدد سكانها ١٫٥ مليار
نسمة.
أولًا وقبل كل شيء، بين دول جنوب شرق آسيا، هناك بورما التي تمتلك أكبر مساحة مترامية
الأطراف في المنطقة. بَيْد أن بورما، أيضًا، مثل منغوليا والشرق الأقصى الروسي والمناطق
الأخرى على الحدود البرِّية المصطنعة للصين، هي دولة ضعيفة تمتلك وفرةً من نفس المعادن،
والهيدروكربونات، والموارد الطبيعية الأخرى التي تحتاجها الصين بشدة. تبلغ المسافة أقل
من
خمسمائة ميل بين سواحل بورما على المحيط الهندي — حيث تتنافس الصين والهند على حقوق التنمية
— وبين مقاطعة يونان الصينية. ومرةً أخرى، نحن نتحدث عن مستقبل لخطوط الأنابيب، وهو في
هذه
الحالة الغاز الطبيعي المُنتج من الحقول البحرية في خليج البنغال، والتي ستوسع متناول
الصين إلى ما وراء حدودها القانونية، وصولًا إلى تخومها الجغرافية والتاريخية الطبيعية.
وسيحدث هذا في جنوب شرق آسيا التي يمكن أن تؤدِّي فيها دولة تايلاند القوية سابقًا دورًا
أقل
فأقل كمرساةٍ إقليمية وكعامل متأصل لحفظ التوازن في مواجهة الصين؛ وذلك بسبب المشكلات
البنيوية العميقة في السياسة التايلاندية: فدور العائلة المالكة باعتبارها قوةً معزِّزة
للاستقرار، مع
ملكها المريض، يتناقص بشكلٍ متزايد؛ في حين أن الجيش التايلاندي تعصف به التحزبات، كما
ينقسم
المواطنون إيديولوجيًّا بين طبقة وسطى تعيش في المدن، وطبقة ريفية صاعدة. تبني الصين،
التي
تفيض بالسيولة النقدية، علاقات ثنائية عسكرية مع تايلاند وغيرها من بلدان جنوب شرق آسيا،
حتى مع تناقص أهمية الوجود العسكري الأمريكي نفسه، كما يتَّضح من التدريبات الإقليمية
السنوية
مثل كوبرا غولد، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، منذ أن وُجهت الطاقات الأمريكية إلى الحروب
الدائرة في الشرق الأوسط. (وبطبيعة الحال، فهذا الوضع يتغير الآن؛ إذ إن محور اهتمام
إدارة
أوباما يتجه نحو آسيا، مبتعدًا عن الشرق الأوسط، من أجل مواجهة الصين ذات القوة العسكرية
المتنامية).
٣٨
وإذا توغلنا أكثر في جنوب شرق آسيا، فسنجد أن ماليزيا وسنغافورة تتوجهان إلى تحولات
ديمقراطية تتَّسم بالصعوبة في حدِّ ذاتها، مع غياب زعيميهما اللذين اتَّسم كلٌّ منهما
بالبراعة
وبناء الأمة، مهاتير بن محمد ولي كوان يو.Yew؛ لأن كل
الملاويين Malays العرقيين مسلمون. ينزع الإسلام في ماليزيا
إلى التشدُّد، والنتيجة هي انقسام طائفي بين المجتمعات الملاوية، والصينية،
والهندية.
وقد أدَّى زحف الأسلمة إلى مغادرة سبعين ألف صيني لماليزيا على مدى العقدين الماضيين،
على
الرغم من تزايد سقوط البلاد إلى ظل الصين اقتصاديًّا، حيث تأتي معظم واردات ماليزيا من
هناك. قد لا يحظى الصينيون أنفسهم بشعبية في ماليزيا، لكن الصين «الدولة» هي أكبر من
أن
تمكن مقاومتها. يظهر الخوف الهادئ من الصين بكل وضوح في تصرفات سنغافورة، وهي دولة-مدينة
تحتل موقعًا استراتيجيًّا بالقرب من أضيق نقطة في مضيق مالاكا. وفي سنغافورة، يهيمن العرق
الصيني على العرق المالاوي بنسبة ٧٧ في المائة إلى ١٤ في المائة. ومع ذلك، تخشى سنغافورة
أن
تصبح دولةً تابعة للصين؛ ومن ثم فقد طوَّرت علاقة طويلة الأمد للتدريبات العسكرية مع
تايوان.
ومن جانبه، فقد حث رئيس الوزراء الذي تقاعد أخيرًا، لي كوان يو، الولايات المتحدة علنًا
على
مواصلة ارتباطاتها العسكرية والدبلوماسية في المنطقة. إن الدرجة التي ستتمكن بها سنغافورة
من الحفاظ على استقلالها المتقلقل، مثل الجهود التنموية في منغوليا، ستعمل كمؤشر على
النفوذ
الإقليمي لبكين. ومن جانبها، تظل إندونيسيا عالقة بين الحاجة إلى وجود البحرية الأمريكية
للتحوط ضد الصين وبين الخوف من أن تبدو حليفًا صريحًا للولايات المتحدة؛ مما سيُغضب بقية
العالم الإسلامي. إن منطقة التجارة الحرة التي دُشِّنت أخيرًا بين الصين والآسيان
ASEAN (رابطة دول جنوب شرق آسيا) توضح العلاقة الرافدية
التي تتطور بين الصين وجيرانها الجنوبيين. عملت استراتيجية «فرِّق تَسُد» الصينية على
جعل
كل بلدٍ عضوٍ في رابطة الآسيان يتفاوض مع الصين على حدَة، بدلًا من التفاوض معها كوحدة
واحدة.
تستخدم الصين الآسيان باعتبارها سوقًا لبضائعها المصنَّعة ذات القيمة العالية، في حين
تستورد
المنتجات الزراعية المنخفضة القيمة من جنوب شرق آسيا؛ وهي علاقة كلاسيكية على النمط الاستعماري.
٣٩ وقد أدَّى هذا إلى تحقيق فوائض تجارية لدى الصين، كما صارت دول الآسيان أشبه
بمكبٍّ للسلع الصناعية التي تنتجها العمالة الرخيصة نسبيًّا في المناطق الحضرية من الصين.
وفي الواقع، أن الفجوة التجارية بين الصين والآسيان قد اتَّسعت بمقدار خمسة أضعاف خلال
العقد
الأول من القرن الحادي والعشرين. وبنظرة على التاريخ الحديث، سنجد أنه خلال الفترة ما
بين
عامَي ١٩٩٨ و٢٠٠١م، فإن الصادرات الماليزية والإندونيسية إلى الصين قد «تضاعفت تقريبًا»،
وكذلك فعلت صادرات الفلبين إلى الصين ما بين عامَي ٢٠٠٣ و٢٠٠٤م. وما بين عامَي ٢٠٠٢ و٢٠٠٣م،
نمت الصادرات المجمَّعة لجميع دول جنوب شرق آسيا إلى الصين بنسبة ٥١٫٧ في المائة، وبحلول
العام
٢٠٠٤م «أصبحت الصين الشريك التجاري الأول في المنطقة، متفوقةً على الولايات المتحدة».
٤٠ ومع ذلك، فللهيمنة الاقتصادية الصينية فائدتها أيضًا، من حيث عمل الصين كمحرك
للعصرنة في جميع بلدان جنوب شرق آسيا. بَيْد أن العامل المسبب للتعقيد في هذا السيناريو
هو
فيتنام، وهي عدو تاريخي للصين وتمتلك جيشًا كبيرًا وقواعد بحرية تحتل موقعًا استراتيجيًّا
يؤهلها لأن تعمل سياجًا محتملًا ضد الصين، جنبًا إلى جنب مع الهند واليابان. ولكن حتى
فيتنام، مع كل مخاوفها بشأن جارتها الشمالية التي هي أكبر منها بكثير، لا تمتلك خيارًا
سوى
التعايش معها. قد تكون الصين بعدُ في المراحل الأولى من توسعها القاري؛ وبالتالي فإن
سيطرتها
على المناطق الهامشية لا تزال حديثة العهد. أما حبكة القصة الرئيسية خلال العقود القليلة
القادمة فقد تكون الطريقة التي تحققها بها الصين. وإذا أمكنها تحقيق ذلك، فما نوع القوة
المهيمنة الإقليمية التي ستكونها الصين؟
إن منغوليا، والشرق الأقصى الروسي، وآسيا الوسطى، وجنوب شرق آسيا تمثِّل كلها مناطق
طبيعية
لنفوذ وتوسع الصين، على الرغم من أن الحدود السياسية لن تتغير. لكن الصين تكون غير مكتملة
بأقصى درجة على شبه الجزيرة الكورية، حيث يوجد احتمال قوي لتغيُّر الحدود السياسية؛ وإذا
تقبلنا الحجة القائلة بأنه في عالمٍ مخترَق بشكلٍ متزايد من قِبل تقنية المعلومات، فإن
النظام
الكوري الشمالي المنعزل لا يمتلك سوى عدد قليل من الاحتمالات الجيدة. يجعل هذا من كوريا
الشمالية المحور الحقيقي لشرق آسيا، والذي يمكن أن يؤثر تفكُّكه على مصير المنطقة بأسرها
لعقود مقبلة. ولكونها ناتئة من منشوريا، وتمثِّل امتدادًا جغرافيًّا طبيعيًّا لها، فإن
شبه الجزيرة الكورية تتحكم في كل حركة الملاحة البحرية في شمال شرق الصين، وعلى الأخصِّ،
فهي
تضم بحر بوهاي، الذي يحوي أكبر احتياطي نفطي بحري offshore
لدى الصين. وفي العصور القديمة، غطَّت مملكة غوغوريو Goguryeo
جنوب منشوريا والثلثين الشماليين من شبه الجزيرة الكورية. كانت غوغوريو تبجِّل الصين
في عهد
أسرة وي، لدرجة أنها خاضت لاحقًا إحدى الحروب معها. وقد وقعت أجزاء من كوريا، خاصَّة
في
الشمال، تحت سيطرة أسرة هان في العصور القديمة وتحت حُكم أسرة تشينغ في أوائل العصر الحديث.
لن تُقدِم الصين أبدًا على ضم أي جزءٍ من كوريا، إلا أنها لا تزال تشعر بخيبة أمل بسبب
السيادة الوطنية الكورية. وقد دعمت الصين النظام الستاليني للرئيس الراحل كيم يونغ-أيل
وابنه كيم يونغ-أون، لكنها تطمع في جغرافية كوريا الشمالية — مع منافذها الإضافية على
المحيط الهادي قريبًا من روسيا — بدرجةٍ أكبر بكثير؛ وبالتالي فهي تمتلك خططًا لشبه الجزيرة
تتجاوز عهد «القائد العزيز» المتوفى وابنه، اللذين سبَّبا بكين قدرًا لا نهاية له من
الصداع. وفي نهاية المطاف، سترغب الصين في إرسال الآلاف الذين تئويهم من مارقي كوريا
الشمالية لبناء قاعدة سياسية مواتية لاستيلاء بكين الاقتصادي التدريجي على منطقة نهر
تومين
Tumen — حيث تتقاطع الصين، وكوريا الشمالية، والشرق
الأقصى الروسي، والتي تضم عددًا من الموانئ الجيدة على المحيط الهادي المواجه اليابان.
لا
بد أن هدف الصين لكوريا الشمالية يتمثَّل في أن تكون دولة فاشية أكثر حداثة، وتتَّسم
بأنها
عازلة على النمط الغورباتشوفي بينها وبين ديمقراطية الطبقة الوسطى النابضة بالحياة في
كوريا
الجنوبية.
لكن حتى الصين لا يمكنها التحكم في مسار الأحداث في كوريا الشمالية.
وفي سيناريوهات البلدان المنقسمة الأخرى خلال العقود الماضية — فيتنام، وألمانيا،
واليمن
— نجد أن قوى الوحدة الوطنية قد انتصرت في نهاية المطاف. لكن التوحيد لم يتحقق في أيٍّ
من هذه
الحالات من خلال عملية مدروسة. وبدلًا من ذلك، فقد حدث بطريقةٍ مفاجئة ومضطربة لم تحترم
مصالح جميع الأطراف الرئيسية المعنية. ومع ذلك، فالأقرب احتمالًا أن تستفيد الصين في
نهاية
المطاف من إعادة توحُّد الكوريتين، على الرغم من خوفها من هذه الخطوة. إن دولةً كوريَّة
كبرى
موحَّدة ستكون واقعةً تحت سيطرة سيول بشكلٍ أو بآخر، والصين هي أكبر شريك تجاري لكوريا
الجنوبية. ومن شأن كوريا بعد إعادة توحيدها أن تكون ذات توجهات قومية، مع تيارات من
العداء تجاه أكبر جيرانها، وهما الصين واليابان، التي سعت تاريخيًّا إلى السيطرة عليها
واحتلالها. لكن العداء الكوري تجاه واليابان يتَّسم بأنه أكبر من ذلك بكثير؛ إذ احتلت
اليابان
شبه الجزيرة ما بين عامَي ١٩١٠ و١٩٤٥م. (لا تزال هناك خلافات بين سيول وطوكيو حول جزيرتَي
توكدو/تاكيشيما فيما يسميه الكوريون البحر الشرقي، في حين يطلق عليه اليابانيون اسم بحر
اليابان.) وفي الوقت نفسه، فإن قوة الجذب الاقتصادية الصينية ستكون أقوى من تلك اليابانية.
ومن شأن كوريا الموحدة التي تميل قليلًا للاقتراب من الصين والابتعاد عن اليابان أن تكون
دولةً ذات أساس ضئيل أو منعدم لاستمرار وجود القوات الأمريكية، وهو الذي سيؤدي بدوره
إلى تصعيد
إعادة تسليح اليابان. وبعبارةٍ أخرى، فمن السهل أن نتصور المستقبل الكوري ضمن الصين
الكبرى، حتى لو كان هناك عدد أقل من القوات الأمريكية في شمال شرق آسيا.
وهكذا، ومع شقِّ الصين طريقها إلى قلب آسيا الوسطى التي وصفها ماكيندر، فمن المرجَّح
أيضًا أن
يكون لها تأثير كبير على الأرض المركزية لسبيكمان، والتي تمثِّل جنوب شرق آسيا وشبه الجزيرة
الكورية جزأين منها.
وعند هذه المرحلة من التاريخ، تبدو الحدود البرِّية للصين مُلوِّحة بالفرص أكثر من
تهديدها
بالمخاطر. يُعيد هذا إلى الأذهان إشارة الأستاذ بجامعة شيكاغو، جون ج. ميرشهايمر، في
كتابه
المعنون «مأساة سياسات القوى العظمى»، إلى أن «الدول الأكثر خطورةً في النظام الدولي
هي
القوى القارية ذات الجيوش الضخمة».
٤١ ومع ذلك، فإن هذا الوصف لا ينطبق على الصين إلا بصورةٍ جزئية. صحيح أن الصين
تمثِّل بطريقتها الخاصَّة قوةً برِّية متنامية وأن عدد أفراد القوات البرِّية لجيش التحرير
الشعبي
يبلغ نحو ١٫٦ مليون جندي؛ وبالتالي فهو الأكبر في العالم، ولكن كما أشرت إليه من قبلُ،
فباستثناء شبه القارة الهندية وشبه الجزيرة الكورية، فما تفعله الصين هو مجرد ملء مساحات
خاوية أكثر مما يمثِّل صدامًا ضد دول معادية. وبالإضافة إلى ذلك، وكما أظهرت أحداث عامَي
٢٠٠٨
و٢٠٠٩م، فلن يكون لدى القوات البرِّية لجيش التحرير الشعبي الصيني قدرة على التدخل السريع
لسنوات مقبلة. وخلال السنوات الأخيرة، كان على جيش التحرير الشعبي الصيني أن يستجيب لحالة
الطوارئ الناجمة عن الزلزال الذي ضرب منطقة سيتشوان، وللاضطرابات العرقية في التبت
وشينجيانغ، ومواجهة التحديات الأمنية لإقامة دورة الألعاب الأولمبية في بكين. إن ما أثبتته
هذه «التدريبات عبر الإقليمية على التحرك»، كما يسميها الصينيون، كان — وفقًا لأبراهام
دنمارك
Denmark من مركز تحليل القوات البحرية — هو قدرة جيش
التحرير الشعبي الصيني على تحريك القوات من إحدى النهايتين القاريتين للصين إلى الأخرى،
ولكن ليس القدرة على نقل الإمدادات والمعدات الثقيلة بالسرعة المطلوبة. إن الظروف الوحيدة
التي يمكن تصوُّرها لقيام جيش التحرير الشعبي الصيني بالعبور إلى خارج حدود الصين ستتم
خلال
عملية من سوء تقدير، في حال نشوب حرب برِّية أخرى مع الهند، أو لملء الفراغ في حالة انهيار
النظام في كوريا الشمالية، والتي قد تجتذب أيضًا القوات الأمريكية والكورية الجنوبية
فيما
قد يمثِّل أمَّ جميع حالات الطوارئ الإنسانية. (يتَّسم سكان كوريا الشمالية بأنهم أكثر
فقرًا من
سكان العراق، مع قدرٍ أقل بكثير من التاريخ الحديث للحكم الذاتي المسئول.) وكذلك فإن
حقيقة
امتلاك الصين ترف ملء فراغ السلطة عند حدودها الشاسعة من دون دعم من القوات البرِّية
القادرة
بالفعل على التدخل الخارجي يشير إلى أن الصين تتَّسم على الأرجح بأنها أكثر أمنًا على
الأرض
مما كانت عليه منذ عقود، أو قرون.
وقد انشغل الدبلوماسيون الصينيون خلال السنوات الأخيرة بتسوية النزاعات الحدودية
المتبقية
مع جمهوريات آسيا الوسطى ومع جيرانها الآخرين (مع كون الهند استثناءً لافتًا للنظر).
٤٢ وعلى الرغم من أن هذه الاتفاقيات قد لا تكون متوافقةً مع شروط الصين، فإن مجرد
حقيقة هذه المقاربة الشاملة التي انتهجتها بكين تُعد مؤشرًا على توجهٍ استراتيجي قوي.
وقد
وقَّعت الصين اتفاقيات عسكرية مع كلٍّ من روسيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان.
وفي
هذا السياق، كتب ياكوب جريغل: «إن استقرار الحدود البرِّية الصينية قد يكون واحدًا من
التغييرات الجيوسياسية الأكثر أهميةً في آسيا خلال العقود القليلة الماضية.»
٤٣ لم يعد هناك جيش سوفييتي يهدد بالزحف على منشوريا مثلما حدث أثناء الحرب
الباردة، وهي فترة ركزت فيها الصين بقيادة ماو تسي تونغ ميزانيتها الدفاعية على جيشها،
وأهملت البحار بشدة. ولا يمكن إنكار أهمية هذه الخطوة؛ فمنذ العصور القديمة، انشغلت الصين
بالغزوات البرِّية من ذلك النوع أو الآخر. من الواضح أنه بُني سور الصين العظيم في القرن
الثالث قبل الميلاد لمنع دخول الغزاة من القبائل التركية. كان الغزو المغولي من الشمال
هو
ما أدَّى إلى نهاية غزوات إمبراطورية مينغ في المحيط الهندي في القرن الخامس عشر. ومما
يتعلق
بذلك أن الوضع الحالي المُواتي على الأرض، أكثر من أي متغير آخر، هو الذي سمح للصين بالبدء
في بناء قوة بحرية كبيرة وربما إعادة ترسيخ المحيطَين الهادي والهندي باعتبارهما جزءًا
من جغرافيتها. وفي
حين أن الدول المدينية الساحلية والدول الجزرية، الكبيرة منها والصغيرة، تسعى إلى القوة
البحرية
كمسألة بديهية، فإن أمةً قارِّية انعزالية تاريخيًّا مثل الصين تفعل ذلك بصورةٍ جزئية
باعتباره
ترفًا؛ أي علامة على نشوء إمبراطورية من نوعٍ ما. وفي الماضي، فإن الصينيين، لكونهم آمنين
في الوديان الخصبة للأنهار، لم يُجبرهم الفقر على النزول إلى البحر مثل الاسكندنافيين
الذين
عاشوا في أراضٍ باردة ومجدبة. لم يمنح المحيط الهادي الصينيين إلا القليل، وكان في كثير
من
الجوانب طريقًا إلى المجهول، على عكس البحر المتوسط وبحر إيجة، الممتلئين بالجزر ضمن
مجال
بحري مغلق. وكان الفيلسوف الألماني الذي عاش في أوائل القرن التاسع عشر، جورج فيلهلم
فريدريش هيغل
Hegel، هو الذي أشار إلى أن الصينيين، على عكس
الأوروبيين، يفتقرون إلى الجرأة لاستكشاف البحر؛ إذ كان الصينيون مقيدين بالدورات الزراعية
للسهول التي يعيشون عليها.
٤٤ وربما لم يسمع الصينيون بفورموزا (تايوان) حتى القرن الثالث عشر، ولم يستقروا
فيها حتى القرن السابع عشر، بعد أن أنشأ التجار البرتغاليون والهولنديون مخافر لهم على
الجزيرة.
٤٥ وهكذا، فبمجرد التوجه إلى البحر بالطريقة التي تقوم بها، فإن الصين تستعرض
موقعها المُواتي على الأرض في قلب آسيا.
تُحرِّض شرق آسيا الآن القوة البرِّية الصينية ضد القوة البحرية الأمريكية، مع نقطتين
رئيسيتين هما تايوان وشبه الجزيرة الكورية. وعلى مدى عقود، كانت الصين مشغولة على الأرض
حيث
لم تكن أمريكا تشتهي الذهاب، ولا سيما منذ مغامرتها الطائشة في فيتنام. لا تزال أمريكا
تفتقر إلى مثل هذه الشهية في آسيا، خصوصًا بعد المحن التي تعرضت لها في العراق وأفغانستان.
لكن
الصين لا تزال في المراحل الأولى من التحول إلى قوة بحرية وكذلك قوة برِّية؛ وهذا هو
التغيُّر
الكبير في المنطقة.
من الناحية الجغرافية، فإن الصين محظوظة بسواحلها وبقرب المياه من جزئها الداخلي
القاري.
تهيمن الصين على ساحل شرق آسيا المطل على المحيط الهادي في المنطقتين المعتدلة والاستوائية،
وكذلك فإن حدودها الجنوبية قريبة إلى المحيط الهندي بما فيه الكفاية للتفكير في ربطه
بها
خلال السنوات المقبلة من خلال الطرق وخطوط أنابيب الطاقة. ولكن في حين تتمتع الصين موقف
طيب
عمومًا بطول حدودها البرِّية، فإنها تواجه بيئة أكثر عدائية في البحر. لا ترى البحرية
الصينية
سوى المتاعب والإحباطات فيما تسميه سلسلة الجزر الأولى، والتي تضم، من الشمال إلى الجنوب،
اليابان، وجزر ريوكو
Ryuku، وما يسمى نصف جزيرة شبه الجزيرة الكورية،
٤٦⋆ وتايوان، والفلبين، وإندونيسيا، وأستراليا. وكل هذه الأماكن، باستثناء
أستراليا، هي بؤر محتملة للتوتر. وتشمل السيناريوهات المحتملة انهيار كوريا الشمالية
أو
اندلاع حرب بين الكوريتين، أو نشوب صراع مع الولايات المتحدة حول تايوان، وأعمال القرصنة
أو
الإرهاب التي تعوق وصول أسطول الصين التجاري إلى مالاكا والمضائق الإندونيسية الأخرى.
وهناك، أيضًا، النزاعات الإقليمية للصين على قاع المحيط المرجَّح كونه غنيًّا بالطاقة
في بحرَي
الصين الشرقي والجنوبي. وفي الأول، تمتلك الصين واليابان مطالبات متعارضة بالسيادة على
جزر
سينكاكو/دياويو؛ وفي الأخير، تدَّعي كلٌّ من الصين، تايوان، والفلبين، وفيتنام أحقيتها
في
السيادة على بعضٍ أو كلٍّ من جزر سبراتلي
Spratly Islands، كما
تتنازع مع فيتنام على جزر باراسيل. (الصين لديها أيضًا صراعات إقليمية خطيرة أخرى في
بحر
الصين الجنوبي مع ماليزيا وبروناي.) وبصفةٍ خاصَّة في حالة جزر سينكاكو/دياويو، فإن النزاع
لا
ينطوي على منفعة تزويد بكين برافعة لإذكاء التوجهات القومية، كلما احتاجت إلى ذلك. ولكن
باستثناء ذلك، فهناك منظور بحري قاتم للخبراء الاستراتيجيين البحريين الصينيين. إن مرصدها
من سواحلها المطلة على المحيط الهادي إلى سلسلة الجزر هذه يشبه نوعًا من بناء «سور الصين
العظيم في الاتجاه المعاكس»، على حدِّ تعبير أستاذَي كلية الحرب البحرية جيمس هولمز
Holmes وتوشي يوشيهارا
Yoshihara: خط جيد التنظيم من حلفاء الولايات المتحدة،
والذي يعادل بناء أبراج للحراسة ممتدة من اليابان إلى أستراليا، وكلٌّ منها يُحتمل أن
يعرقل
وصول الصين إلى المحيط الأوسع. وعندما ينظر الخبراء الاستراتيجيون الصينيون إلى هذه
الخريطة، فهم يستشيطون غضبًا لكون بَحريتهم محاصرة بهذا الشكل.
٤٧
كان الحل الصيني عدوانيًّا على وجه الخصوص. قد يكون هذا مفاجئًا إلى حدٍّ ما؛ ففي
العديد
من الظروف، يمكن القول بأن القوة البحرية تكون أكثر اعتدالًا من القوة البرِّية. يتمثَّل
العامل
المقيِّد للقوات البحرية في أنه على الرغم من كل الأسلحة الموجَّهة بدقة، فهي لا تستطيع
بنفسها أن تحتل مساحات كبيرة من الأراضي؛ وبالتالي يقال إنها لا تمثِّل خطرًا على الحرية.
تمتلك القوات البحرية أغراضًا متعددة وراء خوضها القتال، ومنها حماية التجارة. تتلاءم
القوة
البحرية مع الأمم التي لا تتحمل التعرض للخسائر الفادحة التي ينطوي عليها القتال على
الأرض.
إن الصين، التي ستُبرز في القرن الحادي والعشرين قوَّتها الصلبة من خلال قواتها البحرية
في
المقام الأول، ستكون، بالتالي، خيِّرة على طريقة الأمم البحرية والإمبراطوريات الأخرى
في
التاريخ، مثل البندقية، وبريطانيا العظمى، والولايات المتحدة؛ بمعنى أنها يجب أن تهتم
أساسًا بحرِّية حركة التجارة والحفاظ على سلمية النظام البحري. لكن الصين لم تصل تلك
المرحلة
من الثقة بالنفس حتى الآن. عندما يتعلق الأمر بالبحر، فهي لا تزال تفكر إقليميًّا، مثل
قوة
برِّية غير آمنة، في محاولة للتوسع في دوائر متحدة المركز بالطريقة التي اقترحها سبيكمان.
فنفس التعبيرات التي تستخدمها، مثل «سلسلة الجزر الأولى» و«سلسلة الجزر الثانية»، هي
مصطلحات إقليمية، وفي هذه الحالات، ينظر إليها على أنها توسعات أرخبيلية لمساحة
اليابسة الصينية. لقد استوعب الصينيون الفلسفة العدوانية لألفريد ثاير ماهان، من دون
أن
يصلوا بعدُ إلى قوة المحيط ذي المياه الزرقاء التي من شأنها أن تجعل الصين قادرة على
تطبيق
نظرية ماهان.
وفي نوفمبر ٢٠٠٦م، طاردت غواصة صينية السفينة الحربية الأمريكية كيتي هوك
USS Kitty Hawk وهي التي ظهرت على السطح بصورةٍ استفزازية ضمن
مرمى طوربيداتها. وفي نوفمبر ٢٠٠٧م، رفض الصينيون دخول المجموعة الضاربة للناقلة كيتي
هوك
إلى ميناء هونغ كونغ، على الرغم من ارتفاع مستوى البحر وتدهور الطقس (زارت كيتي هوك
هونغ كونغ في مطلع العام ٢٠١٠م). وفي مارس ٢٠٠٩م، تحرَّشت حفنة من السفن الصينية بسفينة
المراقبة الأمريكية إمبيكابل USNS Impeccable في أثناء
إجراء عملياتها علنًا في بحر الصين الجنوبي على بُعد اثني عشر ميلًا خارج الحدود
الإقليمية للصين. منعت السفن الصينية مرور السفينة إمبيكابل وتظاهرت بالهجوم عليها؛ مما
اضطر إمبيكابل للردِّ بخراطيم المياه. ليست هذه تصرفات قوة عظمى، مطمئنة لموقعها من السيادة
والتي تُقر بأعراف الأخوَّة في البحر وتتشاركها مع القوات البحرية العالمية الأخرى، لكنها
تصرفات لا تنجم إلا عن قوة صاعدة ولا تزال غير ناضجة، ومهووسة بالإهانات الإقليمية التي
تعرضت لها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
تعكف الصين على تطوير قدرات لا متماثلة
Asymmetric متخصصة في إعاقة الوصول، ومصمَّمة لحرمان الولايات
المتحدة من الدخول البحري السهل إلى بحر الصين الشرقي والمياه الساحلية الأخرى. وينقسم
رأي
المحللين حول مدى أهمية ذلك. يعتقد روبرت س. روس
Ross من
كلية بوسطن أنه «حتى تطوِّر الصين قدرتها على الوعي الظرفي
situational awareness ومن ثم يمكنها تحليل تقنيات المراقبة المضادة لدى الولايات
المتحدة، فهي لا تمتلك سوى قدرٍ محدود من عمليات إعاقة الوصول الموثوقة.» أما أندرو ف.
كريبينيفتش
Krepinevich، من مركز التقييمات الاستراتيجية
وتلك المتعلقة بالميزانية، فيعتقد أنه مهما كانت الصعوبات التقنية التي قد تواجهها الصين
في
الوقت الحالي، فهي في سبيلها إلى «فنلدة»
Finlandizing
شرق آسيا.
٤٨ وهكذا، ففي حين حدَّثت أسطولها من المدمرات، كما تمتلك خططًا لامتلاك حاملة
طائرات أو اثنتين، فلم تقم الصين بشراء منصات بحرية شاملة. وبدلًا من ذلك، بنَت الصين
أربع
فئات جديدة من الغواصات التي تعمل بالوقود النووي والتقليدي، والتي تتَّسم بأنها هجومية
وحاملة للصواريخ البالستية. ووفقًا لسيث كروبسي
Cropsey،
وهو النائب السابق لوكيل وزارة البحرية، فسيكون في وسع الصين في المستقبل المنظور حشد
قوة من
الغواصات أكبر مما تمتلكه البحرية الأمريكية. ويضيف أن البحرية الصينية تخطط لتثبيت
الرادارات الماسحة للأفق، والأقمار الصناعية، وشبكات السونار (فائق الصوت) الماسحة لقاع
البحر، والحرب الإلكترونية في خدمة الصواريخ البالستية المضادة للسفن مع مركباتها الراجعة
القابلة للمناورة، والتي، جنبًا إلى جنب مع أسطولها المزدهر من الغواصات، ستمثِّل جزءًا
من
جهودها لمنع الولايات المتحدة من الوصول بحرِّية إلى أجزاء كبيرة من غرب المحيط الهادي.
هذا
ناهيك عن تحسُّن قدرة الصين في مجال حرب الألغام، وامتلاكها للمقاتلات النفاثة الروسية
من
الجيل الرابع، من طرازَي
Su-27 و
Su-30، بالإضافة إلى ١٥٠٠ صاروخ أرض-جو روسي، والمنتشرة على طول ساحل
الصين.
وبالإضافة إلى ذلك، يثبِّت الصينيون أنظمتهم التي تعمل بالألياف الضوئية تحت الأرض،
كما
يحركون قدراتهم الدفاعية إلى عمق الجزء الغربي من الصين، والبعيد عن مدى الصواريخ البحرية
—
وفي الوقت نفسه وضع استراتيجية هجومية مصممة لكي تكون قادرة على ضرب الرمز الأعلى للثروة
والقوة الأمريكيتين؛ حاملة الطائرات.
ستمتلك الصين طائرات مقاتلة من الجيل الخامس ما بين عامَي ٢٠١٨ و٢٠٢٠م، حتى مع تباطؤ
الولايات المتحدة أو توقفها عن إنتاج الطائرة
F-22.
٤٩ إن الجغرافية الاستراتيجية لغرب المحيط الهادي تتغير بفضل مشتريات الأسلحة
الصينية.
من المرجَّح ألا تكون لدى الصين نية لمهاجمة حاملات الطائرات الأمريكية على الإطلاق؛
فالصين
ليست قادرة بعدُ على تحدي الولايات المتحدة عسكريًّا بصورةٍ مباشرة. والهدف هنا هو الردع؛
أي
حشد أكبر قدر من القدرات الهجومية والدفاعية على طول سواحلها، بحيث تضطر البحرية الأمريكية
في المستقبل إلى التفكير مرتين وثلاث مرات قبل الدخول بين سلسلة الجزر الأولى والساحل
الصيني. وهذا، بطبيعة الحال، هو جوهر القوة؛ أن تؤثر على سلوك خصمك. وهكذا تتحقق الصين
الكبرى بالمفهوم البحري. إن الصينيين، من خلال حيازاتهم للأسلحة البحرية والجوية
والصاروخية، يُظهرون نزعةً إقليمية واضحة. أما العلاقة بين الولايات المتحدة والصين،
في
اعتقادي، فلن تُحدَّد إلا عن طريق القضايا الثنائية والعالمية مثل التجارة، والديون،
وتغيُّر المناخ، وحقوق الإنسان، لكنها ستتحدد بدرجةٍ أهمَّ بالجغرافيا المحددة للمجال
المحتمل
لنفوذ الصين في آسيا البحرية.
إن الأمر المحوري لمجال النفوذ هذا هو مستقبل تايوان. توضِّح تايوان نقطة أساسية
في
السياسة العالمية؛ وهي أن المسائل الأخلاقية، التي توجد تحت السطح مباشرة، غالبًا ما
تمثِّل
أسئلة تتعلق بالقوة. كثيرًا ما تُناقش قضية تايوان على أسس أخلاقية، على الرغم من أنها
دولة
ذات سيادة من عدمه يحمل في طياته عواقب جيوسياسية بالغة الأهمية. تتحدث الصين عن تايوان
من
حيث تعزيز الميراث الوطني؛ ومن ثم توحيد الصين من أجل خير جميع أفراد العرقية الصينية.
وتتحدث أمريكا عن تايوان من منظور الحفاظ على ديمقراطية نموذجية. لكن تايوان هي شيء آخر؛
وعلى حدِّ تعبير الجنرال في الجيش الأمريكي، دوغلاس ماك آرثر
MacArthur، فهي «حاملة طائرات لا يمكن إغراقها» وهي التي
تسيطر على النقطة المركزية للساحل المحدَّب للصين، والتي يمكن من خلالها لقوة خارجية
مثل
الولايات المتحدة أن «تُشع» قوَّتها على طول المحيط الساحلي للصين، وفقًا لهولمز ويوشيهارا.
٥٠ وعلى هذا النحو، لا شيء يزعج المخططين البحريين الصينيين بقدر الاستقلال الفعلي
للتايوانيين. ومن بين جميع أبراج الحراسة على طول سور الصين العظيم البحري العكسي، فإن
تايوان، مجازًا، هي الأطول وتحتل الموقع الأكثر مركزية. ومع عودة تايوان إلى أحضان البر
الرئيسي للصين، فإن سور الصين العظيم والقيود البحرية التي يمثِّلها سوف ينقطع فجأةً.
إذا نجحت
الصين في ضم تايوان، ليس فقط أن قواتها البحرية ستكون فجأةً في موقع من الأفضلية
الاستراتيجية في مواجهة سلسلة الجزر الأولى، بل إن طاقاتها الوطنية، وخاصَّة تلك العسكرية،
ستحرر بالقدر نفسه من الإثارة بحيث تتجه إلى الخارج من حيث استعراض القوة، إلى درجة ظلت
حتى
الآن مستحيلة. وعلى الرغم من أن صفة «متعدد الأقطاب»
multipolar تُستخدم من دون تحفظ لوصف الوضع العالمي،
فإن الاندماج الفعلي لتايوان مع بر الصين الرئيسي هو ما سيمثِّل، بالمعنى العسكري، علامة
على الظهور الحقيقي لعالم متعدد الأقطاب.
ووفقًا لدراسة أجرتها مؤسسة راند RAND في العام ٢٠٠٩م، فإن
الولايات المتحدة لن تكون قادرة على الدفاع عن تايوان في مواجهة هجوم صيني بحلول العام
٢٠٢٠م. تستعد الصين لذلك بالأسلحة الإلكترونية، وبقوات جوية تزخر بطائرات مقاتلة جديدة
من
الجيل الرابع، وبالصواريخ البالستية التي تُطلق من الغواصات، مع نشر آلاف الصواريخ على
البر
الرئيسي تستهدف كلًّا من تايوان والطائرات التايوانية المقاتلة على الأرض. ووفقًا
للتقرير، سيمكن للصينيين هزيمة الولايات المتحدة مع أو من دون الطائرات F-22S، ومع أو من دون استخدام قاعدة كادينا الجوية في اليابان، ومع أو من
دون استخدام مجموعتيها من حاملات الطائرات الضاربة. ويشدد تقرير مؤسسة راند على أهمية
المعركة الجوية. وعلى الرغم من ذلك، فسيتعيَّن على الصينيين إنزال عشرات الآلاف من الجنود
عن
طريق البحر، كما سيكونون في مرمى غواصات الولايات المتحدة. ومع ذلك فإن التقرير، مع كل
محاذيره، يلقي الضوء على اتجاه مقلق، فعلى الرغم من أن الصين لا تبعد سوى بضع مئات من
الأميال، إلا أنه يتعيَّن على الولايات المتحدة أن تنشر قواتها العسكرية المتمركزة على
بُعد
نصف العالم في بيئة ما بعد الحرب الباردة التي يمكنها أن تعتمد فيها أقل وأقل على استخدام
القواعد الأجنبية. صُممت استراتيجية الصين البحرية لمنع الوصول ليس فقط لمنع دخول القوات
الأمريكية بشكلٍ عام، ولكن لتسهيل عملية غزو تايوان بطريقةٍ معينة. يمكن للجيش الصيني
أن يركز
على تايوان بصورةٍ أشد كثافة مما تستطيع أمريكا، في ضوء جميع المسئوليات التي تضطلع بها
الولايات المتحدة في العالم. ولهذا السبب، كانت الورطة الأمريكية في العراق وأفغانستان
تمثِّل
أخبارًا مدمرة على نحوٍ خاص بالنسبة إلى تايوان.
وعلى الرغم من أن الصين تغلِّف تايوان عسكريًّا، فهي تفعل ذلك اقتصاديًّا واجتماعيًّا.
تُجري تايوان ٣٠ في المائة من تجارتها مع الصين، كما يذهب ٤٠ في المائة من صادراتها إلى
البر
الرئيسي للصين، كما أن هناك ٢٧٠ رحلة جوية تجارية في الأسبوع بين تايوان والبر الرئيسي
للصين. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ثلثَي الشركات التايوانية، البالغ عددها نحو عشرة آلاف،
قد
استثمرت أموالها في الصين خلال السنوات الخمس الماضية. هناك روابط بريدية مباشرة بين
البلدين وجهود مشتركة لمكافحة الجريمة، مع وفود نصف مليون سائح من البر الرئيسي إلى الجزيرة
سنويًّا، و٧٥٠ ألف مقيم تايواني في الصين لمدة نصف عام. وبصورةٍ إجمالية، يمر عبر المضيق
خمسة ملايين شخص سنويًّا. ستكون هناك حاجة متناقصة دومًا للغزو إذا كانت ثمَّة حرب اقتصادية
خفيَّة يمكنها تحقيق النتيجة نفسها. وهكذا، فقد شهدنا زوال الحركة الانفصالية التايوانية.
٥١ لكن في حين أن مستقبلًا من التكامل الأوسع يبدو محتملًا، فإن الطريقة التي سيتم
بها ذلك ستكون محورية بالنسبة إلى سياسات القوى العظمى. فإذا أقدمت الولايات المتحدة
ببساطة
على التخلي عن تايوان، فمن الممكن أن يؤدِّي ذلك إلى تقويض العلاقات الثنائية بين أمريكا
واليابان، وكوريا الجنوبية، والفلبين، وأستراليا، وغيرها من الدول الحليفة في منطقة المحيط
الهادي، ناهيك عن علاقاتها مع الهند وحتى بعض الدول في أفريقيا، التي سوف تبدأ تشك في
التزامات أمريكا الثنائية الأخرى؛ وبالتالي تشجيعها على الاقتراب من الصين؛ مما يسمح
بظهور
الصين الكبرى ذات الحجم الذي يصل إلى نصف الكرة الأرضية بالفعل. يجب على الولايات المتحدة
وتايوان البحث عن طرق نوعية وغير متماثلة خاصَّة بهما لمواجهة الصين عسكريًّا. وليس الهدف
هنا
أن تكونا قادرتين على هزيمة الصين في حربٍ على المضيق، ولكن جعل تكلفة الحرب بالنسبة
إلى الصين
باهظة لدرجة لا تُقدم معها على التفكير فيها بجدية؛ وبالتالي جعل عملية الاستقلال الفعلي
لتايوان طويلة بما يكفي لأن تصبح الصين مجتمعًا أكثر ليبرالية؛ وبالتالي تستطيع الولايات
المتحدة الاستمرار في الحفاظ على مصداقيتها مع حلفائها. وبهذه الطريقة، فإن منظومة الدفاع
الصاروخي الطبقي التايوانية وملاجئها المضادة للطائرات البالغ عددها ٣٥٠، إلى جانب بيع
أسلحة بقيمة ٦٫٤ مليار دولار إلى تايوان، في صفقةٍ أعلنت عنها إدارة أوباما في أوائل
العام
٢٠١٠م، تكتسب أهميةً حيوية بالنسبة إلى مكانة أمريكا في أوراسيا ككل. إن الهدف المتمثِّل
في تغيير
الصين محليًّا ليس مجرد أضغاث أحلام. تذكَّر أن ملايين السياح الصينيين الذين يأتون إلى
تايوان يشاهدون برامج النقاش السياسي الحماسية في التلفاز، كما يتسوقون في مكتباتها كُتبًا
ذات عناوين هدامة. إن الصين الأكثر انفتاحًا هي بالتأكيد أقرب احتمالًا من تلك القمعية.
لكن
الصين الأكثر ديمقراطيةً يمكنها أن تكون قوة عظمى حتى أكثر دينامية من الصين القمعية،
من
الناحيتين الاقتصادية والثقافية؛ وبالتالي من الناحية العسكرية. تحت تايوان على الخريطة
يلوح بحر الصين الجنوبي، الذي تشكِّله قُمرة القيادة الديموغرافية للبر الرئيسي لجنوب
شرق
آسيا، والفلبين، وإندونيسيا، مع أستراليا على مبعدة منها. يمر عبر تلك المنطقة ثلث جميع
البضائع التجارية المنقولة بحرًا في العالم ونصف كل احتياجات شمال شرق آسيا من الطاقة.
وباعتباره البوابة المؤدِّية إلى المحيط الهندي — وهو المنطقة الدولية للهيدروكربونات
في
العالم، حيث تشارك الصين في العديد من مشروعات تطوير الموانئ — فلا بد أن تهيمن البحرية
الصينية فعليًّا على بحر الصين الجنوبي عند نقطةٍ ما في المستقبل إذا أريد للصين الكبرى
أن
تتحقق بالفعل. وفي هذه المنطقة، هناك تحديات القرصنة، والإسلام الراديكالي، وصعود البحرية
الهندية، إلى جانب الاختناقات الجغرافية المزدحمة في مختلف المضايق الإندونيسية (مالاكا،
وسوندا، ولومبوك، وماكاسار)، التي لا بد أن تمر عبرها نسبة كبيرة من ناقلات النفط والأسطول
التجاري للصين. وهناك أيضًا احتياطيات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي التي تأمل الصين
في
استغلالها؛ مما يجعل من بحر الصين الجنوبي يشبه «الخليج العربي الثاني» في بعض التقديرات،
كما كتب الأستاذان بكلية الحرب البحرية أندرو إريكسون
Erickson ولايل غولدشتاين
Goldstein.
٥٢ وقد أشار سبيكمان إلى أنه على مدى التاريخ، انشغلت الدول في «التوسُّع المحيطي
وعبر-البحري» للسيطرة على البحار المجاورة: سعت اليونان إلى السيطرة على بحر إيجة، وروما
على
البحر المتوسط، والولايات المتحدة على منطقة البحر الكاريبي، والآن، وفقًا لهذا المنطق،
الصين على بحر الصين الجنوبي.
٥٣ وفي الواقع، أن بحر الصين الجنوبي مع مضيق مالاكا يفتحان المحيط الهندي أمام
السيطرة الصينية بنفس الطريقة التي فتحت بها منطقة الكاريبي المحيط الهادي أمام أمريكا
عند
قناة بنما.
٥٤ ومثلما أطلق سبيكمان على منطقة البحر الكاريبي الكبرى — من أجل التأكيد على
أهميتها — اسم «البحر المتوسط الأمريكي»، يمكن أن نطلق على بحر الصين الجنوبي اسم البحر
المتوسط الآسيوي، نظرًا إلى أنه سيكون في قلب الجغرافيا السياسية خلال العقود المقبلة.
٥٥ قد تسعى الصين للهيمنة على بحر الصين الجنوبي بطريقةٍ مشابهة للطريقة التي هيمن
بها الأمريكان على منطقة البحر الكاريبي، في حين أن أمريكا، التي تلعب الآن وفقًا لقواعد
مختلفة، سوف تسعى مع حلفائها مثل فيتنام والفلبين للحفاظ على كونه ممرًّا مائيًّا دوليًّا
بحق. إن الخوف من الصين — وليس الحب لأمريكا — هو الذي يدفع هانوي للارتماء في أحضان
واشنطن. وبالنظر إلى تاريخ حرب فيتنام، قد يبدو محيرًا أن نشهد هذه العلاقة الناشئة بين
العدوين السابقين؛ لكن تدبَّر في حقيقة أنها من خلال هزيمتها لأمريكا في الحرب على وجه
التحديد، فهذا يعني أن فيتنام بلد واثق ولا يشعر بالمرارة؛ وبالتالي فهو حُر نفسيًّا
في
الدخول في تحالف غير معلن مع الولايات المتحدة.
تستخدم الصين جميع أشكال سلطتها الوطنية — السياسية، والدبلوماسية، والاقتصادية،
والتجارية، والعسكرية، والديموغرافية — للتوسُّع عمليًّا خارج حدودها البرِّية والبحرية
القانونية من أجل اشتمال حدود الصين الإمبريالية عند أعلى نقاطها التاريخية. لكن هناك
تناقضًا هنا، فاسمحوا لي بشرحه.
كما أشرت إليه من قبلُ؛ فالصين عازمة على إعاقة الوصول إلى بحارها الساحلية. وفي
الواقع،
فقد أشار الباحثان أندرو إريكسون وديفيد يانغ
Yang إلى
«احتمالية أن تكون الصين أقرب من أيِّ وقتٍ مضى لأن تُتقن» القدرة على ضرب هدف متحرك
في البحر،
مثل حاملة طائرات أمريكية، بصاروخ يُطلق من البر، كما يمكن أن تُخطط لإجراء «اختبار
يُروَّج له استراتيجيًّا في وقتٍ ما من المستقبل».
٥٦ لكن إعاقة الوصول من دون القدرة على حماية خطوط الاتصالات البحرية الخاصَّة بها يجعل
هجومها على سفينة مقاتلة أمريكية (ناهيك عن خوض حرب بحرية مع الولايات المتحدة) غير ذي
جدوى، حيث ستحتفظ البحرية الأمريكية بقدرتها على قطع إمدادات الطاقة الصينية عن طريق
اعتراض
السفن الصينية في المحيطَين الهادي والهندي. وبطبيعة الحال، يسعى الصينيون إلى التأثير
على
السلوك الأمريكي، بدلًا من محاربة الولايات المتحدة مباشرة مُطلقًا. ومع ذلك، فلماذا
تهتم
بإعاقة الوصول إذا لم تكن تنتوي القيام به أبدًا؟ وفي هذا السياق، فإن جاكلين نيوماير
Newmyer، التي تترأس شركة للاستشارات الدفاعية في مدينة
كامبريدج، ماساشوستس، توضح أن بكين لديها «هدف يتمثَّل في بناء ترتيب للسلطة المواتية
تمامًا
لجمهورية الصين الشعبية، لدرجة أنها لن تكون في الواقع بحاجة إلى استخدام القوة لتأمين
مصالحها».
٥٧ ولذلك، فمثلما تبني تايوان دفاعاتها من دون نية الاشتباك مع الصين، فإن الصين
تفعل الشيء نفسه مع الولايات المتحدة. تسعى جميع الأطراف إلى تغيير سلوك الأطراف الأخرى
مع
تجنُّب الحرب. إن المظاهر نفسها لمنظومات الأسلحة الجديدة (إذا كان إريكسون ويانغ على
حق)،
ناهيك عن إنشاء الموانئ ومراكز التنصت في المحيطَين الهادي والهندي، وإضافة إلى الكميات
الكبيرة من المساعدات العسكرية التي تزود بها بكين الدول الساحلية الواقعة بين الأراضي
الصينية والمحيط الهندي، تمثِّل كلها استعراضات للقوة التي هي بطبيعتها غير سرية. ومع
ذلك،
هناك حدٌّ صلب ومعقَّد في بعض ذلك؛ وعلى سبيل المثال، تبني الصين قاعدةً بحرية رئيسية
على
الطرف الجنوبي لجزيرة هاينان، في القلب تمامًا من بحر الصين الجنوبي، والتي تضم منشآت
تحت
الأرض تكفي لإيواء عشرين غواصة تعمل بالطاقة النووية، والديزل، والكهرباء. يتجاوز هذا
النشاط التأثير على سلوك الطرف الآخر إلى كونه توكيدًا في حدِّ ذاته على سيادة شبيهة
بمبدأ
مونرو على المياه المحيطة بها. قد يبدو أن الصينيين يعكفون على بناء الصين الكبرى أولًا،
والتي سيكون في القلب منها بحر الصين الجنوبي وجنوب شرق آسيا، كما يمتلكون في الوقت نفسه
خطة طويلة الأمد لامتلاك قوة في المياه الزرقاء، وهي التي ستجلب معها القدرة على حماية
خطوطهم
البحرية للاتصال بمنطقة الشرق الأوسط عبر المحيط الهندي؛ مما يجعل بالتالي التفكير في
الدخول في نزاع عسكري مع الولايات المتحدة أقل معقولية من وجهة النظر الصينية. (لا تمتلك
الصين دافعًا لخوض حرب مع الولايات المتحدة، لكن الدوافع قد تتغير بمرور السنين والعقود،
وبالتالي فمن الحصافة أن تعزز قدراتها الجوية والبحرية بدلًا من ذلك.) وفي الوقت نفسه،
فمع
انزلاق تايوان إلى الارتماء في أحضان الصين، فمن الأرجح أن يتمكن الجيش الصيني من تحويل
اهتمامه إلى المحيط الهندي وحماية الممرات البحرية في نصف الكرة الأرضية الغربي. يتزايد
امتلاك الصينيين لحقوق استغلال المواد الخام التي يتعين حمايتها في بلدان أفريقيا جنوبيَّ
الصحراء الكبرى، على النهاية المقابلة للمحيط الهندي؛ أسواق النفط في السودان، وأنغولا،
ونيجيريا؛ ومناجم خام الحديد في زامبيا والغابون؛ ومناجم النحاس والكوبالت في جمهورية
الكونغو الديمقراطية، والتي جارٍ ربطها جميعًا بواسطة شبكة من الطرق والسكك الحديدية
الصينية
الصنع، والتي ترتبط بدورها بموانئ المحيطَين الأطلسي والهندي.
٥٨ مما لا شك فيه أن السيطرة على خطوط الاتصال البحرية والوصول إليها هو أكثر
أهميةً الآن مما كان عليه في عهد ماهان، كما أن التفوق الأمريكي على هذه الطرق قد لا
يكون
مقدرًا له أن يستمر إلى الأبد.
ويعني كل هذا أن لالتزام أمريكا بإطالة أمد الاستقلال الفعلي لتايوان آثارًا تتجاوز
الدفاع
عن الجزيرة نفسها، فمستقبل تايوان وكوريا الشمالية يمثِّل المحاور التي يرتكز عليها توازن
القوى في جزءٍ كبير من أوراسيا.
يتَّسم الوضع الأمني الحالي في آسيا بأنه في الأساس أكثر تعقيدًا؛ وبالتالي أكثر
اضطرابًا
من ذلك الذي كان موجودًا في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية. ومع انحسار أحادية
القطبية unipolarity الأمريكية، مع التراجع النسبي في حجم
القوات البحرية الأمريكية، وبالتزامن مع صعود الاقتصاد الصيني وقدراتها العسكرية (ولو
بمعدلات أبطأ من ذي قبل)، فإن تعدد الأقطاب يصبح بصورةٍ متزايدة من ملامح علاقات القوة
الآسيوية. يبني الصينيون أحواضًا تحت الأرض للغواصات في جزيرة هاينان، كما يعكفون على
تطوير
الصواريخ المضادة للسفن. ويزود الأمريكان تايوان بنحو ١١٤ من صواريخ باتريوت للدفاع الجوي
والعشرات من أنظمة الاتصالات العسكرية المتقدمة. وفي الوقت نفسه، تُدخل اليابان وكوريا
الجنوبية تحديثًا عابرًا للحدود لأسطوليهما — مع التركيز بشكلٍ خاص على الغواصات. وتبني
الهند قوات بحرية ضخمة. تمثِّل هذه كلها أشكالًا خامًا للسعي إلى ضبط توازن القوى لصالح
كلٍّ
منها. ثمَّة سباقٌ جارٍ للتسلح، والذي يحدث في آسيا. هذا هو العالم الذي ينتظر الولايات
المتحدة عندما تكمل انسحابها من كلٍّ من العراق وأفغانستان. وفي حين لا توجد دولة واحدة
في
آسيا لديها أي حافز لخوض الحرب، فإن مخاطر الحوادث التي تقع في البحر والحسابات الخاطئة
القاتلة بشأن ميزان القوى — والتي يسعى الجميع إلى تعديلها باستمرار — ستميل إلى التزايد
بمرور الوقت ومع تعمُّق تعقيد المواجهة العسكرية.
تحرِّض التوترات البحرية بفعل تلك البرِّية؛ لأنه كما رأينا، فإن الصين تملأ فراغات
من
شأنها أن تقودها في الوقت المناسب إلى احتكاك مضطرب مع روسيا والهند. إن المساحات الفارغة
على الخريطة تصير مزدحمة بأعداد أكبر من الناس، والطرق وخطوط الأنابيب الاستراتيجية،
والسفن
التي تمخر عباب المياه، ناهيك عن تداخل الدوائر المتحدة المركز من الصواريخ. تتحول آسيا
إلى
جغرافية مغلقة، مع أزمة قادمة في «المتسع»، كما وصفها بول بيركن في العام ١٩٩٩م. لقد
تواصلت
تلك العملية؛ مما يعني زيادة الاحتكاك.
كيف إذن يمكن للولايات المتحدة أن تبقى متورطة عسكريًّا، في نفس الوقت الذي تعمل
فيه على
الحفاظ على استقرار آسيا؟ كيف يمكن للولايات المتحدة حماية حلفائها، وتقليص حدود الصين
الكبرى، وفي الوقت نفسه تجنُّب نشوب نزاع مع الصين؟ وبالنسبة إلى الصين، فإذا تمكَّن
اقتصادها من
مواصلة النمو، فمن الممكن أن تشكِّل قوةً أقل تطورًا من أي عدوٍّ واجهته الولايات المتحدة
خلال
القرن العشرين. وكذلك فإن كونها موازنًا خارجيًّا كما يقترح البعض قد لا يكون كافيًا
تمامًا. يتطلَّب الحلفاء الرئيسيون مثل اليابان، والهند، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة
من
القوات البحرية والجوية الأمريكية أن تعمل في «تناغم» مع قوات كلٍّ منها، كما أخبرني
مسئول
هندي رفيع المستوى: أن تكون جزءًا لا يتجزأ من المشهد البري والبحري، بدلًا من مجرد
المراقبة والترصُّد من أيِّ أفق بعيد. لكن ما الشكل المحدد الذي يمكن أن يتخذه تناغم
القوى
في أعالي البحار وفي الأرض المركزية لأوراسيا، التي تصوَّرها سبيكمان؟ هناك خطة جرى تداولها
في البنتاغون في العام ٢٠١٠م، ترسم مخططات الخرائط البحرية الأمريكية في القرن الحادي
والعشرين، تسعى إلى «مجابهة القوة الاستراتيجية الصينية … من دون مواجهة عسكرية مباشرة».
وهي تفعل ذلك في حين تتصور تقلُّص حجم البحرية الأمريكية من العدد الحالي البالغ ٢٨٠
إلى ٢٥٠
سفينة، وخفض الإنفاق على الدفاع بنسبة ١٥ في المائة. وضع الخطة العقيد البحري المتقاعد،
بات
غاريت Garrett، وهي تستحق الوصف هنا لأنها تُدخل في معادلة
الأرض المحيطة لأوراسيا الأهمية الاستراتيجية لأوقيانوسيا، في وقتٍ كان فيه الوجود العسكري
الأمريكي ينمو بشكلٍ كبير في جزيرة غوام Guam.
إن مجموعات جزر غوام، وبالاو، وماريانا الشمالية، وسولومون، ومارشال، وكارولين كلها
إما
أراضٍ أمريكية، أو أعضاء في كومنولث يرتبط باتفاقيات دفاعية مع الولايات المتحدة، أو
دول
مستقلة قد تكون مفتوحة على مثل هذه الاتفاقيات بسبب فقرها. أتى موقع الولايات المتحدة
في
أوقيانوسيا Oceania بفضل غنائم الحرب الإسبانية-الأمريكية
لعام ١٨٩٨م ودماء مشاة البحرية التي سالت خلال الحرب العالمية الثانية، والذين حرروا
هذه
الجزر من اليابانيين. وستتنامى أهمية أوقيانوسيا لأنها قريبة بما فيه الكفاية من شرق
آسيا،
في حين تقبع إلى الخارج مباشرة من فقاعة إعاقة الوصول المتوسعة بفعل الصواريخ الصينية
من
طراز DF-21، وغيرها من الصواريخ المتقدمة المضادة للسفن.
بَيْد أن القواعد المستقبلية في أوقيانوسيا لن تكون استفزازية على نحوٍ غير ملائم، على
عكس
القواعد القائم على «أبراج الحراسة» المتمثِّلة في اليابان، وكوريا الجنوبية، والفلبين
(حتى
تسعينيات القرن العشرين). لا تبعد غوام إلا بأربع ساعات بالطائرة من كوريا الشمالية،
كما لا
تبعد بالباخرة عن تايوان إلا بيومين. والأهم من ذلك، فباعتبارها ملكية تامة للولايات
المتحدة، أو ذات اقتصادات محلية معتمدة وظيفيًّا على الولايات المتحدة، فبإمكان الولايات
المتحدة القيام باستثمارات دفاعية هائلة في بعض هذه الأماكن من دون خوف من أن تتعرض
للطرد.
وبالفعل، فإن قاعدة أندرسن الجوية في غوام هي المنصة الأهم في العالم لنشر القوة
الصلبة
للولايات المتحدة. ولأنها تضم ١٠٠ ألف قنبلة وصاروخ و٦٦ مليون غالون من وقود الطائرات
في أي
وقتٍ بعينه، فهي أكبر محطة استراتيجية لتزويد الطائرات الحربية بالوقود في أي مكانٍ من
العالم. وتمتلئ مدرجات الإقلاع والهبوط في القاعدة بأرتال طويلة من طائرات
C-17 غلوب ماستر، وأسراب F/A-18
هورنتس، وما إليها. وغوام هي أيضًا موطن لسرب من الغواصات الأمريكية وقاعدة بحرية متوسعة.
إن جزيرة غوام وجزر ماريانا الشمالية القريبة منها، والتابعة بدورها للولايات المتحدة،
تقع تقريبًا على مسافة متساوية بين اليابان ومضيق مالاكا.
ثم إن هناك الإمكانية الاستراتيجية للطرف الجنوبي الغربي من أوقيانوسيا، والتي تدل
عليها
المراسي البعيدة عن شواطئ جزر أشمور وكارتييه التابعة لأستراليا، والساحل المجاور لغرب
أستراليا نفسها، ما بين مدينتَي داروين إلى بيرث: وكلها تُطل من الأرخبيل الإندونيسي
إلى
المحيط الهندي، الذي تتزايد أهميته باعتباره المركز المائي للاقتصاد العالمي، حيث يُنقل
النفط والغاز الطبيعي عبر عرضه من الشرق الأوسط إلى الطبقات المتوسطة المزدهرة في شرق
آسيا.
ستستفيد القوات البحرية والجوية الأمريكية، وفقًا لخطة غاريت، من جغرافية أوقيانوسيا
من أجل
تشكيل «تواجدٍ إقليميٍّ فعلي» يقع «فوق خط الأفق مباشرة» من الحدود الظاهرية للصين الكبرى
وممرات الشحن الرئيسية لأوراسيا.
٥٩ إن «التواجد الإقليمي الفعلي» هو بديل «الأسطول الفعلي» الذي تصوَّره خبير
الاستراتيجية البحرية البريطانية جوليان كوربيت
Corbett منذ
مائة سنة مضت، وهو عبارة عن مجموعة متفرقة من السفن التي يمكنها أن تتجمع بسرعة لتكوِّن
أسطولًا موحدًا عند الضرورة؛ في حين تعكس عبارة «فوق خط الأفق مباشرة» التقاء الموازنة
على
مبعدة من الشاطئ والمشاركة في تناغم للقوى.
٦٠
إن مفهوم تعزيز الوجود الجوي والبحري الأمريكي في أوقيانوسيا يعكس حلًّا وسطًا بين
مقاومة
الصين الكبرى بأيِّ ثمن والارتضاء إلى حدٍّ ما بالدور المستقبلي للبحرية الصينية في مراقبة
سلسلة الجزر الأولى، وفي الوقت نفسه جعل الصين تدفع ثمنًا باهظًا لأي عدوان عسكري من
قِبلها
على تايوان. ومن دون أن يُذكر مضمونها على الإطلاق، فهذه الرؤية تسمح للمرء بالتفكير
في
عالم يجري فيه تقليص حجم القواعد «التراثية» الأمريكية الواقعة على سلسلة الجزر الأولى
إلى
حدٍّ ما، على الرغم من تواصل دوريات السفن والطائرات الأمريكية حولها، دخولًا وخروجًا
من
فقاعة إعاقة الوصول الصينية. وفي الوقت نفسه، فإن الخطة تتصور حدوث توسُّع كبير في نشاط
البحرية الأمريكية في المحيط الهندي. ولتحقيق ذلك، سيتعيَّن على الولايات المتحدة امتلاك
قواعد محصَّنة، وفي الوقت نفسه «مواقع تشغيلية» متقشفة واتفاقيات دفاعية مع كلٍّ من سنغافورة،
وبروناي، وماليزيا؛ وعلى الدول الجزرية المتناثرة حول المحيط الهندي، مثل جزر القمر،
وسيشيل، وموريشيوس، والريونيون، وجزر المالديف، وجزر أندامان، والتي يُدار عدد منها بشكلٍ
مباشر أو غير مباشر من قِبل فرنسا والهند، وكلتاهما من حلفاء الولايات المتحدة.
يعمل هذا على حفظ حرية الملاحة في أوراسيا، جنبًا إلى جنب مع تدفق إمدادات الطاقة
من دون
عوائق. تقلل الخطة من أهمية القواعد الأمريكية الموجودة في اليابان وكوريا الجنوبية،
وتنوُّع التواجد الأمريكي حول أوقيانوسيا ليحلَّ محلَّ التوتر الساحق في غوام؛ وبالتالي
الابتعاد عن القواعد «الرئيسية» التي يمكن استهدافها بسهولة. وفي عصر السيادة القومية
الشائك هذا، الذي تدافع عنه سائل الإعلام المتقلبة التوجُّه، فإن تعزيز القواعد الأجنبية
يجعلها غير مهضومة سياسيًّا بالنسبة إلى السكان المحليين. أما غوام، باعتبارها أراضي
تابعة
للولايات المتحدة، فهي الاستثناء الذي يثبت القاعدة. شهدت الولايات المتحدة صعوبةً بالغة
في
استخدام قواعدها في تركيا قبل حرب العراق في العام ٢٠٠٣م، ولفترةٍ قصيرة في استخدام قواعدها
في اليابان في العام ٢٠١٠م. يتَّسم وجود الجيش الأمريكي في كوريا الجنوبية الآن بأنه
أقل
جاهزية؛ الأمر الذي يرجع أساسًا إلى أن عدد القوات المتمركزة هناك قد انخفض من ٣٨ ألفًا
إلى
٢٥ ألف جندي خلال السنوات الأخيرة، في حين ابتعد الجيش الأمريكي إلى حدٍّ كبير عن الوجود
في
وسط العاصمة سيول.
وعلى أي حال، فإن السيطرة الأمريكية على سلسلة الجزر الأولى قد بدأت تتداعى. يتَّسم
السكان
المحليون بأنهم أقل قبولًا للقواعد الأجنبية، على الرغم من أن صعود الصين يعمل كأمرٍ
مُرعب
وجذاب على حدٍّ سواء، وهو الذي يمكن أن يعقِّد العلاقات الثنائية لأمريكا مع حلفائها
في المحيط
الهادي. لقد حان الوقت لحدوث هذا. وللطرافة، فإن الأزمة التي اعترت العلاقات الأمريكية-اليابانية
خلال عامَي ٢٠٠٩ و٢٠١٠م، في ظل حكومة يابانية جديدة عديمة الخبرة، وراغبة في
إعادة كتابة قواعد العلاقة الثنائية لمصلحة طوكيو، حتى في الوقت الذي تتحدث فيه عن بناء
علاقات أعمق مع الصين، كان ينبغي لها أن تحدث قبل ذلك بسنوات عديدة. إن الموقف الأمريكي
المتفوق في المحيط الهادي هو إرث قديم من أيام الحرب العالمية الثانية، والتي تركت الصين،
واليابان، والفلبين مدمَّرة: وكذلك فلا يمكن لتقسيم كوريا، وهو نتيجة لمعركة انتهت منذ
ستة
عقود، وتركت الجيش الأمريكي في وضع مهيمن في شبه الجزيرة، أن يدوم إلى الأبد.
وفي الوقت نفسه، فإن الصين الكبرى تبزغ سياسيًّا واقتصاديًّا في وسط شرق آسيا وغرب
المحيط
الهادي، مع بُعدٍ بحري مُعتبَر في بحرَي الصين الشرقي والجنوبي، بينما تشارك بكين في
الوقت
نفسه في مشروعات بناء الموانئ وعمليات نقل الأسلحة عبر سواحل المحيط الهندي. ولا يمكن
أن
يغيِّر هذا التوجُّه سوى وقوع اضطرابات سياسية واقتصادية كبرى داخل الصين.
ولكن خارج حدود هذا المجال الجديد للقوة، فمن المرجَّح أن يكون هناك رتلٌ من السفن
الحربية
الأمريكية، والتي ربما يقع مقرها الرئيسي في كثير من الحالات في أوقيانوسيا، والتي تعمل
في
شراكة مع سفن حربية من الهند، واليابان، والديمقراطيات الأخرى، وجميعها لا تستطيع مقاومة
الارتماء في أحضان الصينيين، لكنها مضطرة في الوقت نفسه إلى تحقيق التوازن ضدها.
وإذا مُنحت الوقت الكافي، ففي وسع القوة البحرية الصينية أن تُصبح أقل إقليمية مع
تنامي
ثقتها في نفسها؛ وبالتالي تنجر إلى نفس هيكل تحالف هذا. وبالإضافة إلى ذلك، وكما يشير
العالم السياسي روبرت س. روس
Ross في مقالٍ له نُشر في العام
١٩٩٩م، والذي يتَّسم بأهميته الحالية كما كان آنذاك، فبسبب الطبيعة الجغرافية الخاصَّة
لشرق
آسيا، فإن الصراع بين الصين والولايات المتحدة سيبقى أكثر استقرارًا من ذلك الذي دار
بين
الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. ويرجع ذلك إلى أن القوة البحرية الأمريكية خلال
الحرب
الباردة لم تكن كافيةً لاحتواء الاتحاد السوفييتي؛ كما احتاج الأمر أيضًا إلى نشر قوات
برِّية لا
يستهان بها في أوروبا. ولكن حتى في وجود كوريا كبرى مؤيدة للصين على استحياء، فلن تكون
هناك
حاجة مطلقًا إلى وجود قوات برِّية حول الأرض المحورية لأوراسيا، والتي ستُحرض فيها البحرية
الأمريكية ضد البحرية الصينية الأضعف.
٦١ (إن حجم القوات البرِّية الأمريكية في اليابان آخذٌ في التناقص، وهي على أي حالٍ
ليست موجهة إلى الصين، بل إلى كوريا الشمالية.)
ومع ذلك، أعدنا حقيقة القوة الاقتصادية الصينية — التي تترافق على نحوٍ متزايد بالقوة
العسكرية — ستؤدي إلى درجة محورية من التوتر خلال السنوات المقبلة.
وإذا أعدنا صياغة حجة ميرشايمر التي ضمَّنها كتابه المعنون «مأساة سياسات القوى العظمى»،
فإن الولايات المتحدة، بوصفها قوةً إقليمية مهيمنة في نصف العالم الغربي، سوف تسعى إلى
منع
الصين من أن تصبح قوةً إقليمية مهيمنة على جزء كبير من نصف العالم الشرقي.
٦٢ قد تكون هذا هو الدراما المميِّزة للعصر، والتي لن تفاجئ ماكيندر
وسبيكمان.