الفصل الخامس عشر

بروديل، والمكسيك، والاستراتيجية الكبرى

«لنتفكَّر في كيف أن العولمة، التي تمثِّل بمعنًى ما أمركة العالم، تعمل على الرغم من ذلك باعتبارها وسيلة لتحدي الهيمنة الأمريكية.»

المؤلف
كتب مؤرخ أكسفورد الراحل هيو تريفور-روبر Trevor-Roper في العام ١٩٧٢م أنه لا يوجد فريق من العلماء كان له «تأثير مخصب» أكثر في دراسة التاريخ مما أطلق عليه اسم «مجموعة الحوليات» Annales group، التي أسسها في العام ١٩٢٩م لوسيان فافر Febvre ومارك بلوخ Bloch، وسُميت على اسم الدورية الصادرة في باريس، التي كانا ينشران فيها كثيرًا من المقالات؛ أي حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي Annales d’Histoire Economique et Sociale وفي مقدمة أولئك الباحثين الفرنسيين، كان فرنان بروديل Braudel. وفي العام ١٩٤٩م، نشر بروديل كتابًا بعنوان «البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي في عصر فيليب الثاني»، وهو بحث مثَّل فتحًا جديدًا في الكتابة التاريخية من خلال تركيزه على الجغرافيا، والديموغرافيا، والمادية، والبيئة.١ جلب بروديل الطبيعة نفسها إلى كتاب عن التاريخ؛ مما عمل بالتالي على إثراء هذا الفرع العلمي بصورةٍ هائلة، كما ساعد على إعادة الجغرافيا إلى مكانتها اللائقة في الأوساط الأكاديمية. إن جهده الضخم هذا، والمؤلَّف من مجلدين، يُعد أمرًا مثيرًا للإعجاب بشكلٍ خاص لأنه كتب معظمه وهو أسير لدى الألمان خلال الحرب العالمية الثانية. وفي نسيج بروديل السردي الهائل، تؤدِّي القوى البيئية الدائمة والثابتة إلى اتجاهات تاريخية ثابتة تستمر طوال عدة عقود وقرون، حتى إن أنماط الأحداث السياسية والحروب الإقليمية التي نشغل أنفسنا بها تبدو أمرًا حتميًّا تقريبًا، أن لم تكن مجرد تفاصيل ثانوية.
كان بروديل هو من ساعدنا على فهم كيف أن تربة الغابات الغنية في شمال أوروبا، التي لا تتطلَّب سوى القليل لجعل الفلاحين الأفراد منتجين، أدَّت في نهاية المطاف إلى ظهور مجتمعات أكثر ديناميكية وأكثر حرية مقارنة بتلك التي نشأت على سواحل البحر المتوسط، حيث كانت التربة الأردأ والأكثر قلقلةً تعني وجود ضرورة للري؛ الأمر الذي أدَّى بدوره إلى ظهور الأوليغاركيات (حُكم الأقلِّية: oligarchies). إن تربة بمثل هذا الفقر، جنبًا إلى جنب مع مناخ غير غير متقلب يضربه الجفاف، هي التي دفعت الإغريق والرومان للسعي إلى الغزو.٢ وباختصارٍ، نحن نخدع أنفسنا بالاعتقاد بأننا قادرون تمامًا على التحكم في مصائرنا؛ وبدلًا من ذلك، يقودنا بروديل إلى الإدراك المصاحب بأننا كلما ازددنا وعيًا بحدودنا، ازدادت قدرتنا على التأثير في النتائج الحاصلة ضمن هذه الحدود.

حدَّدت بوصلة بروديل الجغرافية البحر المتوسط باعتباره مُجمَّعًا للبحار بالقرب من الصحراء الكبرى. وهكذا، أعاد إلى شمال أفريقيا مكانتها البارزة في الدراسات المتوسطية، ومن ثم فقد أضاف سياقًا إلى الهجرة الجماعية للعمال في عصرنا الحالي من شواطئ البلدان الإسلامية الواقعة جنوب البحر المتوسط (التي غرست اللاتينية بعض الجذور عند سفوح جبالها الحجرية) إلى تلك المسيحية الواقعة في الشمال. إن قصة بروديل، على الرغم من تركيزها على الحاكم الإسباني فيليب الثاني، ليست في الحقيقة متعلقة برجال أفراد يتغلبون على العقبات، بل إنها قصة عن الرجال ومجتمعاتهم، صيغت بمهارة من قِبل قوًى غير شخصية وبنيوية بعمق. وفي هذا العصر الذي يتَّسم بتغير المناخ، وانفتاح البحار القطبية الشمالية على الحركة التجارية بفعل ارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع مستوى سطح البحر الذي يُنذر بوقوع كوارث في البلدان الساحلية المزدحمة في العالم الثالث الاستوائي، وبسياسة عالمية تتشكَّل أساسًا بفعل مدى توافر النفط وغيره من السلع، قد حان وقت قراءة ملحمة بروديل عن الحتمية الجغرافية. وفي الواقع فإن بروديل، من خلال كتاباته عن منطقة البحر المتوسط، قد رسَّخ المزاج-السياق الأدبي لعصر اتَّسم بالندرة وبأحداث موجَّهة بيئيًّا في كوكب متزايد الازدحام والتعطش إلى الماء.

مفتاح الخريطة
كاليفورنيا California
سان دييغو San Diego
تيغوانا Tijuana
كولورادو Colorado
أريزونا Arizona
فينكس Phoenix
يوما Yuma
نوغاليس Nogales
خليج كاليفورنيا Gulf of California
باجا كاليفورنيا Baja California
نيو مكسيكو New Mexico
جبال روكي Rocky mountains
إل باسو El Paso
سيوداد خواريز Ciudad Juarez
تشيهواهوا Chihuahua
ريو كونشوس Rio Conchos
سييرا مادري الغربية Sierra Madre Occidental
المكسيك Mexico
سييرا مادري الشرقية Sierra Madre Oriental
وادي المكسيك Valley of Mexico
مكسيكو سيتي Mexico city
نهر بيكوس Pecos river
الولايات المتحدة United states
حوض نهر ريو غراندي Rio Grande Basin
ريو غراندي Rio Grande
مونتيري Monterrey
حوض الكاريبي Caribbean Basin
خليج المكسيك Gulf of Mexico
تكساس Texas
أوكلاهوما Oklahoma
لويزيانا Louisiana
ميسيسبي Mississippi
ألاباما Alabama
نهر المسيسيبي Mississippi river
نيو أورليانز New Orleans
نورث كارولينا North Carolina
ساوث كارولينا South Carolina
جورجيا Georgia
فلوريدا Florida
جزر البهاما Bahamas
المحيط الأطلسي Atlantic ocean
مدار السرطان Tropic of cancer
جزر الأنتيل الكبرى Greater Antilles
كوبا Cuba
جزر كايمان Cayman islands
جامايكا Jamaica
هايتي Haiti
بورتوريكو Puerto Rico
جمهورية الدومينيكان Dominican republic
البحر الكاريبي Caribbean sea
هندوراس Honduras
بليز Belize
غواتيمالا Guatemala
السلفادور El Salvador
المحيط الهادي Pacific ocean
أميال Miles
كلم Km
خط الاستواء Equator
نيكاراغوا Nicaragua
كوستاريكا Costa Rica
قناة بنما Panama Canal
بنما Panama
كورديليرا الغربية Cordillera Occidental
كورديليرا الشرقية Cordillera oriental
يانوس Llanos
كولومبيا Colombia
فنزويلا Venezuela
غيانا Guyana
البرازيل Brazil
إن إنجاز بروديل وغيره من أعضاء المدرسة الحولية، كما كتب تريفور-روبر، «هو التقريب بين أفكار الجغرافيا، وعلم الاجتماع، والقانون، ضمن السياق الواسع للتاريخ؛ وبالتالي إنعاش، وتغذية، وتعزيز ذلك السياق». ففي نهاية المطاف، كما يستطرد تريفور-روبر: «فإن الجغرافيا، والمناخ، والسكان هي ما يحدِّد الاتصالات، والاقتصاد، والتنظيم السياسي.»٣ إن بروديل — على عكس ماكيندر، أو سبيكمان، أو ماهان — يفتقر إلى امتلاك نظرية معينة يمكننا استقصاؤها حول الجغرافيا السياسية؛ ومع ذلك فهو يحقق شيئًا أكبر؛ لأنه أكثر من مجرد خبير جغرافي أو استراتيجي، فهو مؤرخ يمتلك موهبة في السرد المتقن الذي يرسم كل تفاصيل الوجود البشري على لوحة مكونة من القوى الطبيعية. وإذا كانت الجغرافيا والأدب قد التقيا على الإطلاق، فقد فعلا ذلك على يدَي بروديل. وبأحد المعاني، فهو يمثِّل محصلة لجميع المفكرين الاستراتيجيين الذين التقيناهم حتى الآن. وقد أشار عالم الآثار في جامعة أكسفورد، باري كونليف Cunliffe، إلى أن مساهمة بروديل الرئيسية في الطريقة التي يُدرك بها التاريخ ربما كانت مفهومه عن «الموجات المتفاوتة للزمن». في القاعدة توجد الفترة الطويلة longue durée؛ وهو الزمن الجغرافي البطيء الذي يتغير بصورةٍ تدريجية، «للمشاهد التي تمكِّن وتقيِّد»؛ وفوقه، وعند طولٍ موجيٍّ أسرع، تأتي «الدورات المتوسطة الأجل»، والتي أشار إليها بروديل نفسه باسم المراحل الحاسمة conjonctures؛ أي التغيرات المنهجية في التركيبة السكانية، والاقتصاد، والزراعة، والمجتمع، والسياسة. ويوضح كونليف أن هذه تمثِّل أساسًا «قوًى جماعية، غير شخصية وعادة ما تكون محدودة زمنيًّا بما لا يزيد على قرن من الزمان.»
وعند أخذهما معًا، فإن الفترة الطويلة والمراحل الحاسمة يوفران «الهياكل الأساسية» الخفيَّة في معظمها، والتي تستنزف الحياة البشرية. وقد جرى تصميم توضيحي لأهمية الجغرافيا بحيث يركِّز على هذه الهياكل الأساسية. يطلق بروديل على الدورة القصيرة الأجل اسم التاريخ الأحداثي l’histoire événmentielle؛ أي التقلبات اليومية للمناورات السياسية والدبلوماسية التي تمثِّل العنصر الرئيسي في التغطية الإعلامية. إن القياس الذي استخدمه بروديل هو البحر؛ ففي أعمق أعماقه توجد الحركة البطيئة للكتل المائية التي تتحمل كل شيء؛ أما في جزئه العلوي فيوجد المد والجزر والأمواج العاتية؛ وأخيرًا على السطح، وبعبارة كونليف، توجد «بقع عابرة من الأمواج المتكسرة والمخفوقة، والتي تختفي في غضون دقيقة واحدة.»٤

بَيْد أنه من المستحيل التكهن بالكيفية التي ستعمل بها الجغرافيا السياسية على مدًى زمني غير إنساني في معظم تحليل بروديل، وبخاصَّة بالنظر إلى الجدل الدائر حول التغير المناخي وآثاره على مناطق جغرافية بعينها. وبالتالي فإن الحديث عن العلاقات بين أمريكا وأوروبا، مثلًا، من مائة أو مائتي سنة يعد أمرًا مثيرًا للسخرية، بسبب العوامل العديدة التي لم تظهر تفاصيلها حتى الآن. وبدلًا من ذلك، لننظر إلى بروديل ببساطة على أنه يشجعنا على اعتماد وجهة نظر أكثر بُعدًا ونزاهة تجاه نقاط ضعفنا. وعلى سبيل المثال، فعند قراءة بروديل وفي ذهن المرء أحداث العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فمن المستحيل أن نتجنب السؤال: هل الحروب في العراق وأفغانستان مجرد بقع عابرة للتصفح فقط، أم أنها جزء من شيء أعمق، وأبعد غورًا، وذي تأثير محوري في مصير أمريكا؟ ومن وجهة النظر هذه، فهل كانت الحرب العالمية الأولى وحتى الحرب العالمية الثانية، والتي شهدت أعمال عنف على نطاقٍ لم يشهده التاريخ من قبلُ، تنتمي ببساطة إلى التاريخ الأحداثي؟ إن بروديل، وعلى وجه التحديد؛ لأنه يضع الأحداث للبشرية في مقابل ضغط القوى الطبيعية، يسهِّل التفكير من منظور الفترة الطويلة.

لقد عرضت كتابات بروديل كمقدمة للحظة استثنائية في مؤتمر عُقد في واشنطن في يونيو ٢٠٠٩م، حيث أثير سؤال منح إلحاحًا خاصًّا لاستفساري عن أهمية الجغرافيا بالنسبة للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. كان سؤالًا من النوع الذي يُعجب بروديل، والذي يأخذ الناس بعيدًا عن هواجس اللحظة الحالية إلى منظورٍ أعظم وأطول أمدًا. نُظِّم هذا الحدث برعايةٍ من مركز الأمن الأمريكي الجديد، حيث أعمل باعتباري زميلًا بارزًا. كانت المناسبة هي حلقة نقاشية حول ماهية الخطوات القادمة التي يجب اتخاذها في أفغانستان وباكستان، مع التركيز بشكلٍ خاص على صقل جهود مكافحة التمرد. شرع أعضاء اللجنة في طرح التفاصيل المعقَّدة والمضلِّلة للقضية «الأفغانية الباكستانية»، في أثناء تناول منطقة الحدود بين أفغانستان وباكستان من قِبل الخبراء في واشنطن. ثم طرح عضو آخر، وهو الأستاذ في جامعة بوسطن أندرو باسيفيتش Bacevich، تعليقًا غير مهذب، سأعيد — لكوني كنت جالسًا في الصف الأمامي — صياغته: إن مؤرخًا ينظر إلى هذه اللجنة من منظور المستقبل البعيد قد يستنتج، كما خمَّن باسيفيتش، أنه في حين أن الولايات المتحدة كانت تركز بعمق على أفغانستان وعلى الأجزاء الأخرى من الشرق الأوسط الكبير، فإن ثمَّة دولة فاشلة ضخمة كانت تنمو مباشرة على الحدود الجنوبية لأمريكا، مع آثار أكثر عمقًا بكثير في كلٍّ من المستقبل القريب والبعيد بالنسبة إلى أمريكا، ومجتمعها، وللقوة الأمريكية من أي شيء يحدث على بُعد نصف العالم.

تساءل باسيفيتش: ما الذي حققناه في الشرق الأوسط بكل تدخلاتنا منذ ثمانينيات القرن العشرين؟ لماذا لا نُصلح المكسيك بدلًا من ذلك؟ كم كنا سنزدهر لو وضعنا كل هذه الأموال والخبرات والابتكارات التي ذهبت إلى العراق وأفغانستان في المكسيك.

في تلك المسألة، المغلفة في سؤال بسيط، يكمن أبسط نقد للسياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة؛ وهو نقد، كما سنرى، يتجاوز كثيرًا حدود المكسيك، فهو يشمل أوراسيا؛ ومع ذلك فهو متجذر في جغرافية أمريكا الشمالية.

سأبدأ بباسيفيتش لمجرد كون إحباطه صارخًا ولأن صراحته مثيرة للإعجاب، ومؤثرة بصفة خاصَّة؛ فبالإضافة إلى أنه من خريجي أكاديمية وست بوينت العسكرية ومن قدامى محاربي فيتنام، فقد قُتل ابنه في العراق. غير أنه في حين يمكن لباسيفيتش في كتبه أن يكون مجادلًا مع تجاهل ساحق لنُخب الساحل الشرقي ولجميع أنواع التشابكات التي يورطون فيها أمريكا في الخارج، فهناك آخرون ممن تتوافق وجهات نظرهم بشكلٍ كبير مع آرائه. إن تحليلاتهم، جنبًا إلى جنب مع تحليل باسيفيتش، تتَّسم قبل كل شيء بأنها متجذرة في محاولة واعية لتجاوز التاريخ الأحداثي إلى ذلك الطويل المدى. وعندما أفكر فيما يُقلق كل أولئك المحللين حقًّا، تتبادر إلى ذهني الفترة الطويلة التي اقترحها بروديل.

بَيْد أن باسيفيتش، جنبًا إلى جنب مع ستيفن والت Walt، وجون ميرشايمر Mearsheimer، وبول بيلار Pillar، ومارك هيلبرن Helprin، وتيد غالين كاربنتر Carpenter، والراحل صامويل هنتنغتون Huntington ليسوا، في جميع الحالات، هم أكثر الأصوات شهرة في مجال تحليل السياسات الخارجية، كما أن إدراجهم ضمن الفئة نفسها هو في حدِّ ذاته ضربٌ من التوسيع. ومع ذلك، فبالمعني المركَّب نجد أنهم شككوا في التوجهات الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية على المدى الطويل. يعمل والت أستاذًا بجامعة هارفارد وميرشايمر في جامعة شيكاغو، ولكن مع كل الهيبة التي يحملها هذان المنصبان، فإن كتابهما المعنون «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية»، والمنشور في العام ٢٠٠٧م، قد تلقَّى معاملة خشنة للغاية بسبب ادعائهما بأن أنصار إسرائيل في أمريكا كانوا هم الجناة الرئيسيين وراء حرب العراق، وهي حرب كان جميع أفراد هذه المجموعة من المحللين معارضين لها بكل قوة؛ أو للكيفية التي جرى بها خوضها. أما هيلبرن، وهو روائي وجندي إسرائيلي سابق، فلديه اعتقاد راسخ بأن الصين ستكون الخصم العسكري الرئيسي لأمريكا، وهو اعتقاد يتشاركه معه أيضًا ميرشايمر. وكلاهما، جنبًا إلى جنب مع بيلار، وهو محلل سابق في وكالة الاستخبارات المركزية CIA، يشعرون بالغضب بسبب تحويل الموارد الأمريكية إلى حروب لا طائل منها في الشرق الأوسط في حين تستحوذ الصين على أحدث التقنيات الدفاعية. وفي الواقع، أننا حتى لو تمكَّنا من تحقيق الاستقرار في أفغانستان وباكستان، فستكون الصين هي المستفيد الرئيسي، لكونها قادرة على بناء الطرق وخطوط الأنابيب في جميع أنحاء المنطقة باعتبارها جزءًا من سعيها إلى الحصول على الطاقة والمعادن والفلزات الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، يحذر كاربنتر بشدة من الخطر الذي تمثِّله المكسيك التي يعصف بها العنف؛ كما فعل هنتنغتون في سنواته الأخيرة. إن دمج أفكارهما، فضلًا عن أفكار آخرين يمكنني تسميتهم، وجميعهم ينتمي بصورةٍ أو بأخرى إلى معسكر الواقعيين في دوائر السياسة الخارجية، يعني التوصل إلى استنتاج مفاده أن أمريكا تواجه ثلاث معضلات جيوسياسية أساسية: أرض مركزية أوراسية تعج بالفوضى في الشرق الأوسط، وقوة عظمى صينية صاعدة وحازمة، ودولة واقعة في ورطة كبيرة بالمكسيك. وكذلك فإن التحديات التي نواجهها مع الصين والمكسيك يمكن التعامل معها بأكبر قدر من الكفاءة عن طريق الحذر من التورط في مزيد من التدخل العسكري في الشرق الأوسط؛ فهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن الحفاظ بها على القوة الأمريكية نفسها لعقود قادمة، والبقاء على قيد الحياة خلال جزء من الفترة الطويلة.

وبطبيعة الحال، هناك موضوع الأمن؛ أي بعض العجرفة من هذا المنظور، في مثل هذا التفكير البعيد المدى. لم يقم أيٌّ من أولئك الرجال بمعالجة كافية، على سبيل المثال، لما يمكن أن يحدث في الواقع إذا انسحبنا بسرعة، مثلًا، من أفغانستان. هل ستجف المعلومات الاستخباراتية التي أدَّت إلى الهجمات الناجحة بالطائرات من دون طيار على تنظيم القاعدة في وزيرستان؟ هل سيتمكن أيمن الظواهري وغيره من الشخصيات البارزة التي لا تزال على قيد الحياة من تنظيم القاعدة من الدخول منتصرين، أمام كاميرات تلفزيون الجزيرة، إلى مدينة جلال أباد؟ هل ستصبح أفغانستان دولة متطرفة تحكمها طالبان بوصاية من الاستخبارات الباكستانية؟ وهل الهند، وهي الدولة المحورية العالمية في القرن الحادي والعشرين، ستفقد احترامها للولايات المتحدة نتيجة لذلك؟ وهل ستضم إيران غرب أفغانستان بصورةٍ غير رسمية؟ وماذا كان سيحدث للعراق لو انسحبنا بالكامل في العام ٢٠٠٦م، في ذروة أعمال العنف هناك، كما كان بعض هؤلاء المحللين يتمنى من دون شك؟ هل كانت الفظائع الطائفية ستتزايد من مستوى البلقان إلى مستوى رواندا، مع سقوط مليون قتيل بدلًا من مائة أو مائتي ألف؟ يجب أن يكون المرء بارد الدم بشكلٍ خاص بحيث لا يدرك التأثير الهائل لمثل هذه النتائج المختلفة على حياة الأفراد. وبالإضافة إلى ذلك، ماذا كان يحدث في المنطقة، ولسمعة أمريكا باعتبارها قوة عظمى، لو كنا قد انسحبنا بهذه الطريقة؟ وكيف كان سيمكن تنفيذ مثل هذا الانسحاب السريع؟ لا تقل مطلقًا إن الأمور لا يمكن أن تزداد سوءًا بكثير عما هي عليه، لأنها يمكن أن تفعل ذلك.

وفي الواقع، أن الانسحاب المتسرِّع من العراق أو أفغانستان سيكون تصرفًا غير مسئول — سواء رضينا بذلك أم لا — لأننا لمجرد قيامنا بغزو هذه الأماكن والبقاء هناك لفترة طويلة للغاية، فقد اكتسبنا حصة كبيرة من نتائج أفعالنا هذه. ومع ذلك، فإنه سيكون من الظلم أن نحكم على هؤلاء المحللين وغيرهم ممن يتفقون معهم بناءً على التفاصيل المتعلقة بالعراق وأفغانستان وحدها. يتمثَّل منبع العاطفة المستبطنة لمعتقداتهم في أننا لم يكن ينبغي أبدًا أن نتدخل في هذه البلدان في المقام الأول. وبغضِّ النظر عما سيئُول إليه حال العراق في نهاية المطاف، فإن عدد القتلى، سواء الأمريكيون أو العراقيون، سيظل يخيم على مناقشات السياسة الخارجية الأمريكية طوال عقود، تمامًا كما فعلت فيتنام؛ فهم يمثِّلون أكثر من مجرد التاريخ الأحداثي.

ومن المؤكد أن هؤلاء المحللين غير مهتمين بما يجب القيام به لاحقًا في أفغانستان والعراق. وبدلًا من ذلك — ومرةً أخرى، من خلال الدمج بين أفكارهم — فهم يسألون أنفسهم: ماذا كانت تكلفة الأخطاء الفادحة التي ارتكبناها بالفعل؟ هل يمكن إنقاذ مكانتنا باعتبارنا قوة عظمى؟ وإلى أين نوجِّه قصارى جهدنا، من حيث عمليات الانتشار العسكري والمساعدات المدنية الشديدة الانتقائية، بحيث يمكن لأمريكا أن تساعد في الحفاظ على توازن القوى في أوراسيا، وألا تغرق على مدى العقود من قِبل المكسيكيين الفارِّين من دولتهم المضطربة؟ وكما صاغها ياكوب جريغل، فإن «العزلة الجغرافية هي نعمة استراتيجية يجب ألا تُبدَّد بانتهاج استراتيجية توسُّعية.»٥ إذن فما مقدار ما أهدرناه بالفعل؟ يتفق مايكل ليند Lind، الباحث في مؤسسة نيو أمريكا في واشنطن، مع باسيفيتش حول حماقة كلٍّ من حرب العراق وتصعيد الحرب في أفغانستان؛ غير أنه يختلف مع باسيفيتش بشأن ما إذا كان في وسع أمريكا تحمُّل تكلفة مثل هذه الصراعات. يجادل ليند بأن جزءًا قليلًا نسبيًّا من الدين debt الوطني هو نتيجة الإنفاق العسكري، فضلًا عن خوض حربين في وقت واحد، وأن خفض تكاليف الرعاية الصحية أكثر محورية بكثير للملاءة المالية الأمريكية من الحماقات شبه الإمبريالية، بقدر ما هو معارض لها.٦ وفي الواقع، أن إلقاء نظرة على بعض أخطاء الإمبراطوريات الماضية يمكن أن يضفي منظورًا ما على الهزيمة التي لحقت بنا في كلٍّ من العراق وأفغانستان، سواء من حيث تأثيرها على السياسة الخارجية للولايات المتحدة بالفعل، أو تأثيرها على قدرتنا على التعامل مع التحديات المستقبلية في الشرق الأوسط، والصين، والمكسيك طوال القرن الحادي والعشرين.
في العام ١٤٤٩م، وأثناء عودته من حملة فاشلة في منغوليا، كان جيش مينغ الصيني محاطًا بقوات المغول. ومن دون ماء، شعر الصينيون بالذُّعر. ونظرًا إلى ثقتهم في رحمة المغول، كما كتب جريغل، فإن «العديد ألقوا دروعهم وركضوا نحو خطوط العدو». ذُبح ما يصل إلى نصف مليون جندي صيني، وأصبح إمبراطور أسرة مينغ أسيرًا لدى المغول. مثَّلت مغامرة جيش مينغ في منغوليا بداية الانحسار الطويل لأسرة مينغ. لم يحاول جيش مينغ مواجهة المغول مرة أخرى في البادية الشمالية مطلقًا، على الرغم من أن التوتر مع المغول كان يستنزف الطاقة من قيادة أسرة مينغ. وأدى ذلك إلى تراجع الصين من آسيا البحرية؛ مما ساعد على تشجيع دخول القوى الأوروبية إلى الأرض المحورية.٧
لم يحدث شيء كارثي كهذا في أعقاب مغامرة أمريكا في العراق؛ فمكانتنا العسكرية والاقتصادية في جميع أنحاء العالم، وخاصَّة في شرق آسيا، تتَّسم بالقوة ولا تُظهر أي علامات على الخندقة retrenchment، فضلًا عن التراجع. لقد فقدنا أقل من ٥٠٠٠ جندي، كما أصيب ٣٢٠٠٠ آخرون بجروح خطيرة، وهو ثمن باهظ، ولكن ليس بالنسبة لقوة غازية قوامها نصف مليون جندي. إن الجيش الأمريكي، الذي تحمَّل العبء الأكبر من القتال في العراق، يضم ما يقرب من نصف مليون منتسب في الخدمة الفعلية، وبالتحديد بسبب خبرته التي اكتسبها في الحرب غير النظامية في العراق فهو الآن أفضل تدريبًا، وأكثر مرونة من الناحية العقائدية، وأكثر دهاء من الناحية الفكرية من أيِّ وقتٍ مضى؛ والشيء نفسه ينطبق على قوات مشاة البحرية.
إن الولايات المتحدة، لم تقع — لا في العراق ولا في أفغانستان — في هذا النوع من الخطأ المحوري الذي وقعت فيه البندقية Venice في أواخر القرون الوسطى. لم يكن الموقع الجغرافي المتميز للبندقية بين طرق التجارة في غرب البحر المتوسط وشرقه، هو وحده ما أتاح لها بناء إمبراطورية بحرية؛ بل حقيقة إن البندقية كانت محمية من البر الرئيسي الإيطالي بواسطة بضعة أميال من المياه، ومحمية من الغزو من جهة البحر بواسطة حواجز رملية طويلة. ومن بين أسباب تراجع البندقية اعتبارًا من القرن الخامس عشر، كان قرارها بأن تصبح قوة في البر الرئيسي لإيطاليا.
ومن خلال خوض الحرب مرارًا وتكرارًا ضد فيرونا، وبادوا، وفلورنسا، وميلانو، واتحاد كامبراي، لم تعد البندقية بعيدة عن السياسة «القاتلة» لتوازن القوى على البر، وكان لهذا أثر سلبي في قدرتها على نشر القوة البحرية.٨ لا بد لمثال البندقية أن يسبب قلقًا لدى صناع السياسة الأمريكية إذا — وفقط إذا — رغبت الولايات المتحدة في اعتياد التدخلات العسكرية البرِّية في الشرق الأوسط الكبير. ولكن إذا تمكَّنت أمريكا أن تحصر نفسها من الآن فصاعدًا باعتبارها قوة جوية وبحرية، فسيمكنها بسهولة أن تتجنب مصير البندقية. إن ديمومة الحروب الصغيرة هي ما يمكنه تحطيمنا، وليس سوء التقدير الصاعق الذي يحدث مرة في كل ثُلث قرن، مهما كان حجم المأساة والرعب الناتجَين عنه.
وفي ضوء ذلك، فمن الممكن مقارنة العراق خلال أسوأ قتال شهده بين عامَي ٢٠٠٦ و٢٠٠٧م بالتمرد الهندي ضد البريطانيين خلال عامَي ١٨٥٧ و١٨٥٨م، عندما فقد المستشرقون وغيرهم من البراغماتيين في هيكل السلطة البريطانية، الذين كانوا يريدون ترك الهند التقليدية كما كانت، بعض نفوذهم للإصلاحيين الإنجيليين والنفعيين الذين كانوا يريدون تحديث وتنصير الهند؛ بجعلها أقرب شبهًا بإنجلترا. لكن محاولة جلب ثمار الحضارة الغربية إلى شبه القارة الهندية واجهها تمرُّد ضد السلطة الإمبراطورية. تعرَّضت دلهي، ولكنو Luknow، وغيرهما من المدن للحصار والاستيلاء عليهما قبل أن تستعيدهما القوات الاستعمارية. ومع ذلك، فلم تؤذن هذه الهزيمة بنهاية الإمبراطورية البريطانية، التي ازدادت توسعًا طوال قرن آخر من الزمان. وبدلًا من ذلك، فقد مثَّلت علامةً على التحول من إمبراطورية ذات هدف محدَّد، أطلقتها شهوة البروتستانتيين لفرض قيمهم إلى إمبراطورية أكثر هدوءًا وواقعية، ومبنية على التجارة الدولية والتكنولوجيا.٩
وكذلك فإن التاريخ القديم يزودنا بأمثلة تُلقي بظلال من الشك حول ما إذا كانت أفغانستان والعراق، في حدِّ ذاتهما، قد حكمتا علينا بالفشل. ومن المشهور، نجد حملات صقلية التي رواها ثوكوديدس Thucydides في الكتاب السادس عن الحرب البيلوبونيسية. انقضت أربعة عشر عامًا بين أولى غزوات أثينا على صقلية وكارثتها النهائية هناك؛ أي في معركة سيراكيوز البحرية في العام ٤١٣ قبل الميلاد، وهو نفس العدد من السنوات الذي انقضى بين الغزوات المبكرة لإدارة جون ف. كينيدي Kennedy في فيتنام وبين الانسحاب النهائي للرئيس جيرالد فورد Ford بعد احتلال سايغون. أدَّت الحرب الصقلية إلى تقسيم الجبهة الداخلية في أثينا، كما فعلت حربا فيتنام والعراق. وبالنظر إلى شعورهم بالعجز بسبب التشاؤم وتبادل الاتهامات، فقد مضى وقت طويل قبل أن يصبح الأثينيون على استعدادٍ جديٍّ لاستئناف الصراع الثنائي القطب مع إسبرطة. إن صقلية، كما اتَّضح لاحقًا، لم تكن حاسمة تمامًا بالنسبة إلى بقاء ديمقراطية أثينا وإمبراطوريتها البحرية. وعلى الرغم من أنها فقدت وعانت كثيرًا، فقد كانت أثينا لا تزال تمتلك الموارد اللازمة لقيادة تحالف، على الرغم من أن مغامرتها في صقلية سيثبت أنها نقطة تحول في الحرب البيلوبونيسية، التي خسرتها أثينا.
وهناك أيضًا المثال الأكبر، المتمثِّل في انحدار وسقوط روما، والذي وصفه بالتفصيل في العام ١٩٧٦م من قبل إدوارد ن. لوتواك Luttwak في كتابه المعنون «الاستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الرومانية: من القرن الأول إلى الثالث للميلاد». تتمثَّل طريقة لوتواك، بدلًا من الحديث عن الانحدار بصورةٍ عامة، في مناقشته من حيث استراتيجية روما الكبرى. يحدِّد لوتواك ثلاث مراحل زمنية للاستراتيجية الرومانية الكبرى: الأولى هي النظام اليوليوسي-الكلوديوسي Julio-Claudian، أو منظومة الإمبراطورية الجمهورية، التي كانت فيها الدول العميلة التي تحيط بالقلب الإيطالي للإمبراطورية معجبة «بشمولية» القوة الرومانية بما يكفي لتنفيذ رغبات الإمبراطورية، من دون الحاجة إلى جيوش محتلة. وفي هذه المرحلة، كانت الدبلوماسية — وليس القوة العسكرية — مكوِّنًا نشطًا من الإكراه الروماني، على الرغم من تمركز تشكيلات ساحقة من القوات الرومانية ضمن «دائرة هائلة» حول روما. ولأنه لم تكن هناك حاجة إلى قيام هذه القوات باحتلال الدول العميلة، أو إلى الدفاع عن أراضيها بأيِّ معنًى من المعاني، فقد كانت، على حدِّ تعبير لوتواك، «متنقلة بطبيعتها ويمكن إعادة توزيعها بسهولة». هنا كانت القوة في أوجها، وتمارس بحكمة، وتُدار على أساس اقتصاد القوة. كانت القدرة على التدخل السريع متاحة بسهولة لمواجهة أي طوارئ عسكرية، وكان جميع من يعيشون في عالم البحر المتوسط على علم بذلك. لذلك، كان الجميع يخشون روما. وهنا تتبادر إلى الذهن أمريكا في عهد رونالد ريغان، مع التزايد الهائل في القوة العسكرية التي كان وزير الدفاع كاسبار واينبرغر Weinberger، على الرغم من ذلك، عاقد العزم على عدم استخدامها، وذلك لتعزيز سمعة القوة من دون الحاجة إلى خوض مغامرات محفوفة بالمخاطر. أما النظام الأنطوني Antonine، الذي حكم خلال الفترة من منتصف القرن الأول إلى منتصف القرن الثالث للميلاد، فيعكس ما يسميه لوتواك «أقلمة» territorialization الإمبراطورية: شعرت روما بالحاجة إلى نشر قواتها العسكرية في كل مكان، وفي الدول العميلة نفسها، من أجل ضمان ولائها؛ وبالتالي فقد ضاع مبدأ اقتصاد القوة. ومع ذلك، فقد كانت الإمبراطورية مزدهرة، وكان هناك ترويم Romanization طوعي واسع النطاق بين القبائل البربرية، «مما أدَّى إلى القضاء على ما تبقَّى من آثار السخط القومي»، ولو إلى حين.

ومع ذلك، فهذا الترويم للإمبراطورية سيؤدي بمرور الوقت إلى بناء وحدة بين القبائل المختلفة، ما أدَّى إلى تضافر جهودها في قضيتها المشتركة ضد روما؛ لأنها كانت قد توحدت الآن ضمن ثقافة لا تنتمي إليها.

لنتفكَّر في كيف أن العولمة، التي تمثِّل بمعنًى ما أمركة العالم، تعمل على الرغم من ذلك باعتبارها وسيلة لتحدي الهيمنة الأمريكية. ومن هنا جاء النظام الثالث ليشكِّل الاستراتيجية الكبرى لروما: ما أسماه دقلديانوس «الدفاع في العمق»، حيث تجمَّعت الشعوب الحدودية في اتحادات رسمية قادرة على تحدي روما، وهكذا كانت الدولة في موقف دفاعي في كل مكان، مع تواصل انتشار حالات الطوارئ باستمرار؛ وهنا فُقدت القدرة على التدخل السريع التي احتفظ بها حتى النظام الثاني. ومع وصول فيالقها إلى نقطة الانهيار، تناقص عدد الشعوب التي تخشى روما شيئًا فشيئًا.١٠

مع الأسف، نحن عالقون في منطقة مألوفة بشكلٍ مخيف؛ فمثلما عملت القوة الرومانية على تحقيق الاستقرار على سواحل البحر المتوسط، فإن القوات البحرية والجوية الأمريكية تجوب المشاعات العالمية لصالح الجميع، على الرغم من أن هذه الخدمة نفسها — كما كان الحال مع روما — تؤخذ على أنها أمر مفروغ منه، في حين أن ما انكشف على مدى العقد الماضي كان الإجهاد المفرط لكلٍّ من الجيش الأمريكي ومشاة البحرية، المشغولين بمحاولة إخماد حركات التمرد في أقاصي الأرض. ولذلك، ينبغي لأمريكا أن تفكِّر في أيِّ استراتيجية كبرى تسعى إلى استعادة مكانتها من شيء يُشبه نظام روما الثالث إلى ذلك الثاني، أو إلى الأول. وفي حين أن أمريكا ليس لديها دول عميلة، فلديها حلفاء وأصدقاء يفكرون بالعقلية نفسها، والتي تحتاج إلى إبهارهم من أجل جعلهم أكثر فعالية في التحرك نيابة عنها. تستطيع أمريكا أن تفعل ذلك بأفضل صورة من خلال اعتماد دبلوماسية نشطة وبناء احتياطي من القوات، التي لا تستخدم إلا قليلًا، وذلك لاستعادة قدرتها على التدخل السريع، من ذلك النوع الذي تمتعت به روما في ظل النظام اليوليوسي-الكلوديوسي الأصلي. إن طول بقاء روما نفسه قد أثبت نجاح استراتيجيتها الكبرى؛ ومع ذلك كان انحدارها وسقوطها الصاخب في أوروبا الغربية في نهاية المطاف بسبب فشلها في التكيف مع تشكيل تجمعات وطنية جديدة في شمالها، وفرت الخطوط العريضة لظهور الدول الأوروبية الحديثة. وبسبب هذه التشكيلات، كانت الإمبراطورية الرومانية في سبيلها إلى الانقراض على أي حال. لكن لم يكن من الضروري أن يحدث ذلك مُبكرًا كما وقع بالفعل، ولا بالطريقة التي حدث بها. تمثَّل الفشل الحقيقي لروما في المرحلة النهائية من استراتيجيتها الكبرى في أنها لم توفر آلية للتراجع المتناسق، حتى في الوقت الذي فسدت فيه من الداخل. لكن على وجه التحديد — وعلى عكس التوقعات البديهية — فمن خلال التخطيط لمثل هذا الخروج البارع من هذا النوع من الهيمنة، يمكن لدولة أو إمبراطورية أن تطيل بالفعل من أمد موقفها القوي. ليس هناك شيء أفضل بالنسبة إلى أمريكا من تهيئة العالم لاحتمال زوالها، فبهذه الطريقة ستكافح من أجل هدف ما، وليس لمجرد الاستمتاع بالقوة لذاتها.

لكن، كيف يمكن أن تُعد أمريكا نفسها لخروج طويل ومتناغم من التاريخ بوصفها قوة مهيمنة؟ ومثل بيزنطة، ففي وسعها تجنُّب التدخلات المكلفة، واستخدام الدبلوماسية لتدمير الأعداء، وتوظيف أصولها الاستخباراتية في استخدامات استراتيجية، وما إلى ذلك.١١ وفي وسعها أيضًا — وهو الأمر الذي يعود بنا مرةً أخرى إلى باسيفيتش — ضمان عدم التقوُّض من جهة الجنوب بالطريقة التي تعرضت لها روما من الشمال. يحدُّ أمريكا محيطان من الشرق والغرب، ومن الشمال هناك القطب الشمالي الكندي، الذي لا تسكنه سوى جماعات ضئيلة العدد من أفراد الطبقة الوسطى على الحدود الأمريكية. إن الحدود الأمريكية-الكندية هي الحدود الأكثر استثنائيةً في العالم؛ لأنها طويلة، واصطناعية؛ ومع ذلك فقد فقدت أهميتها.١٢ لكن الجنوب الغربي هو حيث تصبح أمريكا عرضةً للخطر؛ فهي المنطقة الوحيدة التي تشهد فيها الحدود الوطنية والإمبريالية الأمريكية بعض التوتر: وحيث يمكن التشكك في اتساق أمريكا كوحدة متماسكة جغرافيًّا.١٣ ولأن الأراضي الحدودية التاريخية بين أمريكا والمكسيك تتَّسم بأنها واسعة وغير محدَّدة المعالم، وتُشبه كثيرًا الجزء الشمالي الغربي من شبه القارة الهندية، على الرغم من أنه يكشف ضغوطًا حضارية، وكما أشار إليه المؤرخ بجامعة ستانفورد، ديفيد كينيدي، فإن «الفجوة في الدخل بين الولايات المتحدة والمكسيك هي الأكبر بين أي بلدين متجاورين في العالم»، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي تسعة أضعاف مثيله في المكسيك.١٤
تنبع السياسة الخارجية الأمريكية من الحالة الداخلية لمجتمعها، كما أن شيئًا لن يؤثر في مجتمعها أكثر من حركة درامية للتاريخ اللاتيني باتجاه الشمال. تمثِّل المكسيك وأمريكا الوسطى، التي تمتلك الولايات المتحدة معها علاقة لا تنفصم، قوة ديموغرافية متنامية. إن سكان المكسيك البالغ عددهم ١١١ مليونًا، بالإضافة إلى سكان أمريكا الوسطى البالغين ٤٠ مليونًا يمثِّلون نصف سكان الولايات المتحدة. وبسبب النافتا NAFTA (اتفاقية التجارة الحرة لبلدان أمريكا الشمالية)، يذهب ٨٥ في المائة من جميع صادرات المكسيك إلى الولايات المتحدة، وحتى نصف إجمالي تجارة أمريكا الوسطى يتم مع الولايات المتحدة. وفي حين أن متوسط عمر median age الأمريكيين يقترب من السابعة والثلاثين؛ مما يشير إلى توجه لتشيُّخ سكان الولايات المتحدة، فإن العمر المتوسط في المكسيك هو الخامسة والعشرون، ويقل عن ذلك بكثير في أمريكا الوسطى (إذ يبلغ عشرين عامًا في غواتيمالا وهندوراس، على سبيل المثال). وبالتالي، فإن مصير الولايات المتحدة سيتحدد بين الشمال والجنوب، وليس من الشرق إلى الغرب، أو من البحر إلى البحر الساطع، وهي خرافة قارِّية ووطنية (وهي التي ستتضخم بفعل التوسيع المقرر في العام ٢٠١٤م لقناة بنما، والذي سيفتح حوض الكاريبي أمام السفن العملاقة الآتية من شرق آسيا؛ ما سيؤدي إلى مزيد من التطوير لمدن الموانئ الواقعة على خليج المكسيك في الولايات المتحدة، من تكساس إلى فلوريدا).١٥

إن نصف طول الحدود الجنوبية لأمريكا عبارة عن خط من الحدود المصطنعة في الصحراء، والتي أنشئت بموجب المعاهدات التي تلت الحرب المكسيكية-الأمريكية التي دارت رحاها بين عامَي ١٨٤٦ و١٨٤٨م. وعند عبوري هذه الحدود ذات مرة، بعد أن سافرت بالحافلة شمالًا من مدينة مكسيكو سيتي، أصبت بقدرٍ من الصدمة يشبه ما استشعرته لدى عبور الحدود الأردنية-الإسرائيلية وجدار برلين. كنت محاطًا بالمتسولين على الرصيف المتكسر لمدينة نوغاليس، بولاية سونورا، وعندها حدقت في العلم الأمريكي الذي يشير إلى الحدود. كانت نقطة عبور المشاة إلى نوغاليس، أريزونا، تقع في مبنًى صغير. وبمجرد لمس مقبض الباب، فقد دخلت عالمًا ماديًّا جديدًا. كان المقبض المصنوع بمتانة من معدن ذي جودة عالية، والزجاج النظيف، والطريقة الدقيقة التي رُكِّب بها بلاط السيراميك في الغرفة بمنزلة إلهام بعد قضاء أسابيع وسط المباني المكسيكية الرثة. كان هناك شخصان فقط في الغرفة: مسئول الهجرة ومسئول الجمارك، ولم يكن أحدهما يتحدث إلى الآخر. في المرافق الحكومية بهذا الحجم في المكسيك وغيرها من دول العالم الثالث، توجد دائمًا حشود من المسئولين والمتسكِّعين المنهمكين في محادثات صاخبة، وهم يحتسون الشاي أو القهوة. وبالنظر عبر النافذة إلى حارات السيارات، رأيت كيف أن عددًا قليلًا من الأفراد يحمون المحطة الحدودية، ومع ذلك لاحظت مدى الكفاءة التي تُدار بها المحطة. ولم يمضِ سوى وقت ضئيل، كما كان الحال في إسرائيل، وكنت داخل بيئة قياسية تمامًا على الرغم من كونها باردة ومنفِّرة، مع شوارع خاوية كانت شعارات المتاجر فيها مصنوعة من بوليمرات عصرية بدلًا من المعادن الصدئة والبلاستيك الرخيص.

وبسبب الاضطراب وشبه الفوضى التي شهدتها لمدة أسابيع وسط أكثر من مائة مليون مكسيكي إلى الجنوب مباشرة، فقد بدت لي هذه الشوارع الهادئة عرضةً للخطر، وغير طبيعية حتى. كتب أرنولد توينبي، في إشارة إلى الشعوب البربرية وروما، أن الحدود بين مجتمعَين أحدهما على درجة عالية من التطوُّر والآخر أقل تطورًا، عندما «تتوقف عن التقدم، فإن الميزان لا يثبُت على توازنٍ مستقر، غير أنه يميل، بمرور الوقت، إلى مصلحة المجتمع الأكثر تخلفًا.»١٦

ومنذ العام ١٩٤٠م، ازداد عدد سكان المكسيك بأكثر من خمسة أضعاف. وما بين عامَي ١٩٧٠ و١٩٩٥م، تضاعف عدد السكان تقريبًا، كما ازداد بأكثر من الثلث ما بين عامَي ١٩٨٥ و٢٠٠٠م. إن سكان المكسيك البالغ عددهم ١١١ مليونًا الآن يزيد على ثلث سكان الولايات المتحدة، لكنه ينمو بمعدل أسرع. ومع ذلك، لا تُظهر نخب الساحل الشرقي سوى اهتمام ضئيل نسبيًّا بالمكسيك. إن التحديات الفعلية، والحوادث، والأعمال التجارية اليومية والتفاعلات الثقافية بين المكسيك والولايات الحدودية — كاليفورنيا، وأريزونا، ونيو مكسيكو، وتكساس — تتَّسم ببعدها الجغرافي عن اهتمامات النخب في الساحل الشرقي: التي تركِّز، بدلًا من ذلك، على العالم الأوسع وعلى مكانة أمريكا في ذلك العالم. وبالفعل، فإن نصيب المكسيك من تفكير النخبة يقل بكثير عن حصة إسرائيل أو الصين، أو حتى الهند. ومع ذلك، من الممكن أن تؤثر المكسيك على مصير أمريكا بأكثر مما تفعل أيٌّ من تلك البلدان. إن المكسيك، جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة وكندا، تضم الأهم من بين الأقمار القارية التي تحوم حول الجزيرة العالمية التي تصورها ماكيندر.

وفي وادي المكسيك، كانت تقف في الماضي بحيرة كبيرة تضم بندقيتَي Venices حضارة الأزتيك: تينوختيتلان وتلاتيلولكو؛ وهو نفس الموقع الذي تحتله الآن مكسيكو سيتي. كان هذا هو «وادي النيل» بالنسبة إلى العالم الجديد، أو «مصفوفة الحضارة» لكلٍّ من أمريكا الشمالية والجنوبية، على حدِّ تعبير المؤرخ هنري بامفورد باركس Parkes، فمنها انتشرت زراعة الذرة عبر القارتين. ولكونه يقع في منتصف المسافة بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادي، كما يدمج بين أمريكا الوسطى واليابسة القارية لنصف الكرة الأرضية الغربي، فإن وادي المكسيك والبلد الذي انبثق عنه يشكِّل واحدًا من الأنوية الحضارية الكبرى للأرض.١٧

ومع ذلك فإن المكسيك، على عكس مصر، لا تُظهر وحدة جغرافية؛ إذ تقع سلسلتان جبليتان كبيرتان، هما سييرا مادري الغربية وسييرا مادري الشرقية، على الجانبين هضبة وسطى تتَّسم بالوعورة. ثم إن هناك سلاسل جبلية متقاطعة أخرى، لا سيما في الجنوب: مثل سييرا مادري ديل سور، وسييرا مادري دي أواكساكا، وهلم جرًّا. تعج المكسيك بالجبال لدرجة أنه إذا سُوِّيت بالأرض فستكون بحجم قارة آسيا. إن كلًّا من شبه جزيرة يوكاتان وولاية باخا كاليفورنيا منفصلتان أساسًا عن بقية المكسيك، التي هي في حدِّ ذاتها منقسمة على نحوٍ جهنمي. هذا هو السياق الذي ينبغي اتباعه لفهم التوحُّد المستمر، وغير المعلن وغير المُبلغ عنه إلى حدٍّ كبير، والذي لا يمكن إنكاره لشمال المكسيك مع جنوب غرب الولايات المتحدة، وما يترتب على ذلك من انفصاله عن بقية أجزاء المكسيك.

لقد ازداد سكان شمال المكسيك بأكثر من الضعف منذ توقيع اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (النافتا) في العام ١٩٩٤م. ويمثِّل الدولار الأمريكي حاليًّا وحدةً مشتركة للصرف جنوبًا حتى مدينة كولياكان، الواقعة في منتصف الطريق إلى مكسيكو سيتي. إن شمال المكسيك مسئول عن ٨٧ في المائة من جميع الصناعات التحويلية التصديرية (المعفاة من الرسوم الجمركية) و٨٥ في المائة من إجمالي التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك. أما مدينة مونتري في شمال شرق المكسيك، وهي واحدة من أكبر المدن في البلاد، فترتبط ارتباطًا وثيقًا مع قطاعات البنوك، والصناعة، والطاقة بولاية تكساس. إن ديفيد دانيلو Danelo، وهو جندي سابق في مشاة البحرية الأمريكية وهو الذي يعمل الآن في مصلحة الجمارك الأمريكية، والذي درس شمال المكسيك بتعمق، وارتحل عبر جميع الولايات الحدودية المكسيكية الست، قد أخبرني بأنه لم يلتقِ أي شخص هناك يمتلك أكثر من درجة واحدة من الانفصال عن الولايات المتحدة. وكما قال لي، فإن «شمال المكسيك يحتفظ بإحساس بالقطبية الثقافية؛ فسكان الشمال norteños يعتبرون أنفسهم نقيضًا (مثقفي المدينة) من سكان مكسيكو سيتي chilangos». ومع ذلك، فإن شمال المكسيك ينطوي على تقسيماته الجغرافية الخاصَّة. تتَّسم السهول والصحراء في سونورا الواقعة في الغرب باستقرارها عمومًا؛ أما حوض نهر ريو غراندي في الشرق فهو الأكثر تطورًا وتواصلًا في الولايات المتحدة الأمريكية — ثقافيًّا واقتصاديًّا، وهيدرولوجيًّا — وبالتالي استفاد أكثر من غيره من اتفاقية النافتا.١٨ وفي الوسط، هناك الجبال والسهول، التي ينعدم فيها القانون تقريبًا؛ شاهد مدينة سيوداد خواريز Ciudad Juárez الحدودية، الواقعة على الجهة المقابلة لمدينة إلباسو بولاية تكساس، والتي دمرتها المعارك الجارية بالأسلحة النارية ووجود السفاحين. إن سيوداد خواريز هي عاصمة الاغتيالات في المكسيك، حيث قُتل ٧٠٠ شخص في الأشهر الأولى من العام ٢٠١٠م وحده. وفي العام ٢٠٠٩م، تُوفي أكثر من ٢٦٠٠ نتيجة لأعمال العنف في مدينة لا يزيد سكانها على ١٫٢ مليون، كما يرجَّح أن يكون ٢٠٠٠٠٠ آخرون قد فرُّوا منها.١٩ وفي شيواوا، وهي الولاية التي تقع فيها سيوداد خواريز، بلغ معدل جرائم القتل ١٤٣ لكل ١٠٠٠٠٠؛ وهو من أسوأ المعدلات في النصف الغربي من الكرة الأرضية. كانت الجبال والسهوب الشمالية هي دائمًا معقل القبائل المكسيكية: كارتلات المخدرات، والمينونايت، وهنود الياكي Yaqui، وما إليها. وكان من الصعب على الإسبان ترويض هذه الحدود القاسية. وفي وقتٍ لاحق، وبالتحديد في ثمانينيات القرن التاسع عشر، كانت مخبأ لجيرونيمو وهنود الأباتشي التابعين له. وفي وسع المرء أن يفكر أيضًا في المرتفعات النائية الأخرى التي وفرت ملجأ للمتمردين: الشيوعيين الصينيين في شنشي Shaanxi، والثوار الكوبيين في سلسلة جبال سييرا مايسترا، وتنظيم القاعدة وحركة طالبان في وزيرستان.٢٠ وقد خرجت كارتلات المخدرات بدورها من رحم هذا التقليد الجغرافي.
إن حقيقة كون معظم حالات القتل المرتبطة بالمخدرات قد وقعت في ست فقط من الولايات المكسيكية الاثنتين والثلاثين، والتي يقع معظمها في الشمال، هي مؤشر آخر على مدى انعزال شمال المكسيك عن بقية البلاد (على الرغم من وجود عنف ملحوظ أيضًا في مناطق فيراكروز وميتشواكان وغيريرو). وإذا تعرضت الهجمات التي يقودها الجيش لسحق كارتلات المخدرات، التي بدأها الرئيس المحافظ فيليبي كالديرون Calderón في العام ٢٠٠٦م، لفشل تامٍّ؛ ومن ثم عادت مكسيكو سيتي إلى إبرام الاتفاقيات مع الكارتلات، فإن العاصمة — بالمعنى الوظيفي — قد تفقد السيطرة على الشمال، مع تداعيات خطيرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة. إن النظام الفيدرالي في المكسيك — وهو نتاج مباشر لجغرافيتها الجبلية المفككة — والذي يضم وكالتين اتحاديتين للشرطة، و٣٢ وكالة تابعة لحكومات الولايات، وأكثر من ١٥٠٠ من وكالات الشرطة البلدية، هو ما يجعل إصلاح تلك الوكالات أمرًا بالغ الصعوبة. ومن جانبه، فإن روبرت بونر Bonner، وهو المدير السابق لإدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، كتب أنه إذا نجحت العصابات، فإن «الولايات المتحدة ستتشارك حدودًا طولها ألفا ميل مع دولة مخدرات narcostate تسيطر عليها كارتلات المخدرات الدولية القوية التي تهدد استقرار أمريكا الوسطى والجنوبية.»٢١
أما الأستاذ الراحل في جامعة هارفارد صموئيل هنتنغتون، الذي صنع شهرته المهنة من الاستبصار، فقد كرَّس كتابه الأخير للتحدي الذي تمثِّله المكسيك بالنسبة إلى الولايات المتحدة.٢٢ وفي كتابه المعنون «من نحن؟ التحديات التي تواجه الهوية الوطنية الأمريكية»، والذي نُشر في العام ٢٠٠٤م، افترض هنتنغتون أن تاريخ البلدان اللاتينية يتحرك ديموغرافيًّا إلى الشمال باتجاه الولايات المتحدة؛ وبالتالي سيغيِّر الطابع الأمريكي.٢٣
يقول هنتنغتون إن كون أمريكا أمةً من المهاجرين هي حقيقة جزئية، وليست حقيقة شاملة؛ فأمريكا هي أمة من المستوطنين والمهاجرين الأنجلو-بروتستانتيين على حدٍّ سواء، حيث وفَّر السابقون العمود الفقري الفلسفي والثقافي للمجتمع؛ وبالتالي لا يصبح المهاجرون أمريكيين إلا من خلال تبنِّي الثقافة الأنجلو-بروتستانتية. لقد صارت أمريكا إلى ما هي عليه، كما يستطرد هنتنغتون؛ لأنها استُوطنت من قِبل البروتستانت البريطانيين، وليس من قبل الكاثوليك الفرنسيين، أو الإسبان، أو البرتغاليين. ولأن أمريكا وُلدت بروتستانتية، فلم يكن عليها أن تصبح كذلك، كما أن الليبرالية الكلاسيكية في أمريكا تنبع من هذه الحقيقة ذاتها. إن المعارضة، والنزعة الفردية، والحكم الجمهوري تنبع جميعها من البروتستانتية في نهاية المطاف. «في حين أن العقيدة الأمريكية تتمثَّل في البروتستانتية من دون الله، فإن الدين المدني الأمريكي هو المسيحية من دون المسيح». لكن هذه العقيدة، كما يعلِّل هنتنغتون، قد تتحطم على نحوٍ خفي بفعل تنامي مجتمع هِسباني Hispanic، كاثوليكي، ينتمي إلى عصر ما قبل التنوير.٢٤ وكما كتب هنتنغتون:
فإن الهجرة المكسيكية تدفع باتجاه إعادة الاحتلال الديموغرافي للمناطق التي استولى عليها الأمريكيون من المكسيك بالقوة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر، وبالتالي مكسكتها Mexicanizing بطريقةٍ مشابهة، على الرغم من كونها مختلفة، للكوبنة Cubanization التي حدثت في جنوب فلوريدا. ويؤدي ذلك أيضًا إلى ضبابية الحدود بين المكسيك وأمريكا، عن طريق إدخال ثقافة شديدة الاختلاف.٢٥
من جانبه، كتب الأستاذ في كلية بوسطن، بيتر سكيري Skerry، أن واحدة من «أكثر رؤى هنتنغتون أصالة وإثارة للجدل بصورةٍ مذهلة» هي أن الأمريكان، على الرغم من كونهم رواد التنوع، فإن «موجة المهاجرين الحالية هي في الواقع أقلها تنوعًا في تاريخنا، بكل تأكيد». ويواصل سكيري حديثه، مُعيدًا صياغة ما كتبه هنتنغتون، «إن المهاجرين غير اللاتينيين هم أكثر تنوعًا من أيِّ وقتٍ مضى. غير أنه بصورةٍ إجمالية، يمثِّل الخمسين في المائة من المهاجرين الذين هم من أصل إسباني فوجًا أقل تنوعًا بكثير من أيِّ وقتٍ مضى. وبالنسبة إلى هنتنغتون، فإن تقلُّص التنوع هذا يجعل الاستيعاب أقل احتمالًا.»٢٦
وكما أشار إليه ديفيد كينيدي، فإن «تنوُّع وتشتُّت تيار المهاجرين» قد مهَّد سبيل تقدم الاستيعاب. «أما اليوم، وعلى أي حال، فيتدفق أحد تيارات المهاجرين الكبرى إلى منطقة محددة من مصدر ثقافي، ولغوي، وديني، ووطني واحد: المكسيك … إن الحقيقة الواعية هي أن الولايات المتحدة لم تُعايش أي تجربة مماثلة لما يحدث الآن في جنوبها الغربي.»٢٧
وبحلول العام ٢٠٥٠م، فإن ثلث سكان الولايات المتحدة قد يكون ناطقًا بالإسبانية.٢٨
تكمن الجغرافيا في طليعة كل هذه الحجج، فها هو هنتنغتون يكتب: «لم تقم أي مجموعة أخرى من المهاجرين في التاريخ الأمريكي بمحاولة تأكيد، أو تمكَّنت بالفعل من تأكيد، مطالبة تاريخية بأراضٍ أمريكية. بَيْد أن المكسيكيين والأمريكيين المكسيكيين يمكنهم، بل يقومون، بهذه المطالبة بالفعل.» كانت معظم أجزاء ولايات تكساس، ونيو مكسيكو، وأريزونا، وكاليفورنيا، ونيفادا، ويوتا جزءًا من المكسيك حتى حرب استقلال تكساس بين عامَي ١٨٣٥ و١٨٣٦م والحرب المكسيكية-الأمريكية ما بين عامَي ١٨٤٦ و١٨٤٨م. إن المكسيك هي البلد الوحيد الذي غزته الولايات المتحدة، واحتلت عاصمته، وضمَّت قدرًا كبيرًا من أراضيه. وبناءً على ذلك، كما يشير إليه سكيري، يصل المكسيكيون إلى الولايات المتحدة، ويقيمون في تلك المناطق من البلاد التي كانت ذات يوم جزءًا من وطنهم، وهكذا «يتمتعون بشعور من الوجود على أرضهم» لا يشاركهم فيه المهاجرون الآخرون. يحافظ الأمريكيون المكسيكيون حتى الجيل الثالث وما بعده على كفاءتهم في لغتهم الأم لدرجة أكبر بكثير مما يفعله غيرهم من المهاجرين؛ الأمر الذي يرجع إلى حدٍّ كبير بسبب التركُّز الجغرافي للمجتمعات الإسبانية، والذي يُظهر النفي الديموغرافي لنتائج حرب تكساس والحرب المكسيكية-الأمريكية. والأكثر من ذلك أن معدلات تجنُّس المكسيكيين هي من بين الأدنى في جميع الجماعات المهاجرة. يشير هنتنغتون إلى أن الأمة هي «مجتمع مُستعاد من الذاكرة»؛ أي المجتمع الذي يمتلك ذاكرة تاريخية عن نفسه. إن الأمريكيين من أصول مكسيكية، الذين يشكِّلون ١٢٫٥ في المائة من سكان الولايات المتحدة، فيما عدا اللاتينيين الآخرين، ويتركزون — بصورةٍ أو بأخرى — في الجنوب الغربي، المجاور للمكسيك، يعدِّلون، لأول مرةٍ في تاريخ أمريكا، ذاكرتنا التاريخية.٢٩
من جانبه، يتوقع الأستاذ بجامعة نيو مكسيكو، تشارلز تروكسيلُّو Truxillo، أنه بحلول العام ٢٠٨٠م ستتوحد الولايات الجنوبية الغربية من الولايات المتحدة وولايات شمال المكسيك معًا لتشكِّل دولة جديدة، هي «لا ريبوبليكا ديل نورتي» (بالإسبانية: جمهورية الشمال La República del Norte). وبحلول العام ٢٠٠٠م، كانت ستٌّ من اثنتي عشرة مدينة مهمة على الجانب الأمريكي من الحدود تضم أكثر من ٩٠ في المائة من السكان ذوي الأصول الإسبانية، في حين كانت اثنتان فقط (سان دييغو، كاليفورنيا ويوما، أريزونا) تضمان أقل من ٥٠ في المائة من السكان ذوي الأصول الإسبانية.٣٠
إن ضبابية الحدود الجنوبية الغربية لأمريكا تصير حقيقة جغرافية لدرجة أن جميع الأجهزة الأمنية على الحدود الفعلية نفسها لا تستطيع إبطالها. ومع ذلك، ففي حين أنني معجب بقدرة هنتنغتون على عزل وفضح معضلة أساسية كان الآخرون في الأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام أكثر كياسة من تناولها، غير أنني لا أتفق تمامًا مع استنتاجاته. يؤمن هنتنغتون بالاعتماد القوي على القومية الأمريكية من أجل الحفاظ على ثقافتها وقيمها الأنجلو-بروتستانتية في وجه اللتننة Latinoization الجزئية لمجتمعنا. إنني أعتقد بأنه على الرغم من أن الجغرافيا لا تحدِّد المستقبل بالضرورة، فإنها تعيِّن ملامح ما يمكن وما لا يمكن تحقيقه. أما العلاقة العضوية بين المكسيك وأمريكا — سواء الجغرافية، والتاريخية، والديموغرافية — فهي ببساطة ساحقة لدرجة أننا لا نستطيع الافتراض، كما كان يأمل هنتنغتون، أن القومية الأمريكية يمكن أن تظل نقية كما هي. يسخر هنتنغتون، وهو محقٌّ في ذلك، من الكوزموبوليتية (والإمبريالية، أيضًا) باعتبارهما من الرؤى النخبوية. لكن قدرًا مُعينًا من الكوزموبوليتية، بعكس رأي هنتنغتون، هو أمرٌ لا مفر منه وبالتالي يجب عدم الاستخفاف به.

وفي اعتقادي أن أمريكا سوف تظهر في الواقع خلال القرن الحادي والعشرين باعتبارها حضارة بولينيزية مختلطة، متوجهة من الشمال إلى الجنوب؛ أي من كندا إلى المكسيك، بدلًا من أن تكون جزيرة عنصرية يقطنها أصحاب البشرة الفاتحة، والمتوجهة من الشرق إلى الغرب، والتي تقع في المنطقة المعتدلة الممتدة من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي. سيكون هذا التجمُّع المتعدد الأعراق مكونًا من دول مدينية تضم العديد من الضواحي المترامية الأطراف، والتي ستكون من الناحية البصرية مماثلة تدريجيًّا بعضها لبعض، سواء كانت مدينة كاسكاديا في شمال غرب المحيط الهادي أو أوماها-لنكولن في ولاية نبراسكا، وترعى كلٌّ منها علاقاتها الاقتصادية الخاصَّة مع المدن والشبكات التجارية في جميع أنحاء العالم، مع مواصلة التكنولوجيا لتقويض المسافات. ومن وجهة نظري، ستصبح أمريكا أبرز مناطق العالم الساخنة للمعاملات التجارية المعفاة من الرسوم الجمركية؛ وبالتالي ستصبح مكانًا مفضلًا لإقامة النخبة العالمية. وسيرًا على التقاليد الرومانية، ستواصل استخدام قوانين الهجرة الخاصَّة بها لتجريد العالم من أفضل وألمع الأصول؛ ومن ثم مواصلة تنويع السكان المهاجرين الذين، كما يخشى هنتنغتون، يتكونون في معظمهم من المكسيكيين. ومن هذا المنظور، فإن النزعة القومية ستكون، بالضرورة، مخففة قليلًا، لكن ليس بالدرجة التي تحرم أمريكا من هويتها الفريدة من نوعها، أو التي تقوِّض قوَّتها العسكرية. وباختصارٍ، لم تعد أمريكا جزيرة يحميها المحيطان الأطلسي والهادي. وهي تزداد قربًا من بقية أجزاء العالم، ليس فقط عن طريق التكنولوجيا، ولكن بفعل الضغوط الناجمة عن ديموغرافية المكسيك وأمريكا الوسطى.

لكن هذه الرؤية تتطلَّب أن تكون المكسيك دولة ناجحة، وليست دولة فاشلة؛ فإذا نجح الرئيس كالديرون وخلفاؤه في مهمة كسر ظهر كارتلات المخدرات على نحوٍ حاسم (وهو احتمال بالغ الصعوبة، على أقل تقدير) فستكون الولايات المتحدة قد حققت نصرًا استراتيجيًّا أكبر من أي نصر ممكن في الشرق الأوسط. إن المكسيك المستقرة والمزدهرة، التي تعمل بالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة، ستكون مزيجًا لا يضاهى في الجغرافيا السياسية. ومن شأن المكسيك بعد زوال الكارتلات، جنبًا إلى جنب مع كولومبيا مستقرة وموالية للولايات المتحدة (وهو أمر يقترب من كونه حقيقة في الوقت الحالي)، أن تدمج معًا أكبر، وثالث أكبر، ورابع أكبر البلدان في نصف الكرة الأرضية الغربي من حيث عدد السكان؛ ما يخفف من حدَّة استمرار هيمنة أمريكا على أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي الكبرى. باختصارٍ، كان باسيفيتش مُحقًّا في استنتاجه القائل بأن إصلاح المكسيك أكثر أهميةً من إصلاح أفغانستان.

مع الأسف، كما يدَّعي باسيفيتش، فإن المكسيك هي كارثة محتملة، أدَّى تركيزنا على الشرق الأوسط الكبير إلى تحويل انتباهنا عنها؛ وإذا ظلت الأمور على هذا النحو، فسيؤدي ذلك إلى مزيد من الهجرة، القانونية وخاصَّة غير الشرعية، التي من شأنها خلق السيناريو الذي يتخوَّف منه هنتنغتون. أدَّت حملة كالديرون ضد أباطرة المخدرات إلى مقتل ٤٧ ألف شخص منذ العام ٢٠٠٦م، مع ما يقرب من ٤ آلاف ضحية خلال النصف الأول من العام ٢٠١٠م وحده. وفضلًا عن ذلك، طورت الكارتلات أسلوبها بحيث صارت تنفِّذ هجمات ذات طابع عسكري، في وجود مجموعة معقَّدة من الفخاخ وإغلاق طرق الهروب أمامها. من جانبه، خلص خافيير كروز أنغولو Angulo، وهو خبير أمني مكسيكي، إلى أنهم «ينفذون تكتيكات قتالية من النوع المستخدم في الحروب؛ فقد تجاوزوا تلك الاستراتيجيات المعتادة للجريمة المنظمة». أما تيد غالين كاربنتر، وهو نائب الرئيس لشئون دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كاتو في واشنطن، فقد كتب قائلًا: «إذا استمر هذا الاتجاه، فسيكون تطورًا مقلقًا للغاية بالنسبة إلى صحة، وربما إمكانية بقاء، الدولة المكسيكية». تتَّسم الأسلحة التي تستخدمها الكارتلات عمومًا بتفوقها على تلك الموجودة لدى الشرطة المكسيكية وبكونها شبيهة بتلك التي يمتلكها الجيش المكسيكي. وإلى جانب التكتيكات ذات الطراز العسكري، في وسع الكارتلات أن تنتقل، على حدِّ تعبير كاربنتر، «من كونها مجرد منظمات إجرامية إلى كونها تمردًا خطيرًا». لقد جرى نشر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الأماكن التي تشهد عنفًا أقل مما في ولايتَي سيوداد خواريز وتيخوانا. وبالفعل، صار ضباط الشرطة والسياسيون المحليون يتخلَّون عن مناصبهم خوفًا من الاغتيال، كما أن أفراد النخبة المكسيكية في قطاعَي الأعمال والسياسة يرسلون أسرهم إلى خارج البلاد، مع تواصل فرار أفراد الطبقة المتوسطة والطبقة المتوسطة العليا إلى الولايات المتحدة.٣١

تقف المكسيك الآن على مفترق طرق؛ فهي إما في المرحلة المبكرة من الهجوم أخيرًا على الكارتلات، وإما أنها تغرق في مزيد من الفوضى؛ أو كلاهما. ولأن مستقبلها معلَّق، فما تفعله الولايات المتحدة قد يكون محوريًّا. غير أنه في أثناء حدوث ذلك، انشغلت المؤسسة الأمنية الأمريكية في مجتمعات فاسدة معروفة وغير مستقرة أخرى في النصف الآخر من العالم، مثل العراق حتى العام ٢٠١١م، وأفغانستان على الأقل حتى العام ٢٠١٤م.

وخلافًا لتلك الأماكن، فإن سجلَّ التدخل العسكري الأمريكي في منطقة الحدود المكسيكية يُظهر نجاحًا معقولًا. وعلى الرغم من أن القرب من المكسيك يهدد الولايات المتحدة ديموغرافيًّا، فهو مفيد من الناحية اللوجستية عند محاولة السيطرة على الحدود. وكما أشار إليه دانيلو، فخلال القرنين التاسع عشر والعشرين، تمكَّنت الولايات المتحدة والمكسيك من تقليص اللصوصية على الحدود من خلال التعاون الثنائي بين البلدين. وما بين عامَي ١٨٨١ و١٩١٠م، تضافرت جهود الرئيس المكسيكي بورفيريو دياز Díaz مع الرؤساء الأمريكيين في القيام بدوريات مشتركة على الحدود. كان حرس الحدود المكسيكيون يركبون مع تكساس رينجرز أثناء مطاردة هنود الكومانش Comanche وفي ولاية أريزونا، شن جنود أمريكا والمكسيك حملات مشتركة ضد هنود الأباتشي Apaches. أما اليوم، فإن مهمة القضاء على كارتلات المخدرات عبر التضاريس الوعرة والنائية في الجبال والسهوب التي تمتد إلى الخلف حتى مدينة سيوداد خواريز هي مهمة يضطلع بها الجيش، الذي يقدم المساعدة للسلطات المكسيكية بهدوء؛ بَيْد أنه لا يوجد إطار قانوني لهذا التعاون، الأمر الذي يرجع جزئيًّا إلى التفسير الصارم من جانب الولايات المتحدة للقوانين المتعلقة بقوة الإقليم posse comitatus، والتي تعود إلى القرن التاسع عشر.٣٢ وفي حين أننا أنفقنا مئات المليارات من الدولارات للتأثير على النتائج التاريخية في أوراسيا، فقد كنا سلبيين على نحوٍ غريب تجاه ما يحدث في بلد نتشارك معه حدودًا برِّية طويلة، وهو الذي يوشك على السقوط في دوامة الفوضى، والذي يبلغ عدد سكانه ما يقارب ضعفَي سكان العراق وأفغانستان مجتمعين.

من المؤكد أنه في وسع المرء أن يجادل في أنه، في ظل المهمة الهرقلية التي تتمثَّل في مراقبة الحدود، يمكن لأمريكا الفعالة والقومية أن تتعايش جنبًا إلى جنب مع المكسيك المختلة والتي تعاني من الفوضى جزئيًّا، لكن هذا ينطبق أساسًا على المدى القصير.

وعلى المدى الطويل، وبالنظر عميقًا إلى القرن الحادي والعشرين وما بعده، مرةً أخرى، كما أشار إليه توينبي، فإن الحدود بين مجتمع متطور للغاية ومجتمع أقل تطورًا لن تحقق أي توازن، لكنه سيتقدم لمصلحة المجتمع الأكثر تخلفًا. وبعبارةٍ أخرى، فإن الحفاظ على القومية الأمريكية للدرجة التي ترضي هنتنغتون لا يمكن تحقيقه ما لم تصل المكسيك إلى مصافِّ دول العالم الأول. وإذا وصلت المكسيك بالفعل إلى مصافِّ دول العالم الأول، فقد تصبح حينئذٍ أقل تهديدًا؛ ومن ثم فإن وتيرة الامتزاج بين المجتمعين ستتسارع.

وفي كلتا الحالتين، وبسبب الحقائق التي تفرضها الخريطة، فنحن نتجه نحو اتحاد بين المكسيك وأمريكا بشكلٍ أو بآخر؛ على الرغم من أنه، وبطبيعة الحال، يمكن لأفعال واضعي السياسات على كلا جانبَي الحدود أن تحدد الشروط والظروف التي يمكن أن يحدث هذا بموجبها. ونعود هنا إلى توينبي:

أدَّى بناء الحوائط limes (الرومانية) إلى تفعيل التأثر بين القوى الاجتماعية، والذي كان لزامًا أن ينتهي بصورةٍ كارثية لمن قاموا ببنائه. إن سياسة عدم التعامل مع «البرابرة» فيما وراء الأسوار كانت غير عملية تمامًا. وأيًّا كان ما تقرره الحكومة الإمبراطورية، فإن مصالح التجار والرواد، والمغامرين، وما إليها ستجتذبهم حتمًا إلى ما وراء الحدود.٣٣
وقد كتب توينبي أيضًا أن «الدولة العالمية تُفرض من قِبل مؤسسيها، ويقبلها رعاياها، باعتبارها الدواء الشافي للعلل السائدة زمن الاضطرابات»، كما أنه يذكر مصر في عهد «الإمبراطورية الوسطى» والإمبراطورية البابلية الجديدة، وبلاد فارس في عهد الأخمينيين، والنظام الملكي السلوقي Seleucid، والسلام الروماني، وسلام هانيكا Pax Hanica في العالم الصيني Sinic باعتبارها جميعًا أمثلة على دول عالمية أساسًا، تعايشت فيها الشعوب والعقائد المختلفة من أجل المنفعة المتبادلة. أما روما، على وجه الخصوص، فقد أتقنت التعامل مع هذه القضية الشائكة للولاء المزدوج، بحيث لا تتعارض المواطنة للمدينة العالمية المتمثِّلة في روما مع الانتماء إلى إقليم محلي بعينه.٣٤ وقد يكون الأمر، بالتالي، أن الدولة العالمية سيثبت عند نقطة ما من المستقبل أنها الدواء الشافي لزمن الاضطرابات هذا، والذي يعصف حاليًّا بشمال المكسيك وجنوب غرب الولايات المتحدة في المنطقة الحدودية.
سيكون من الصعب أن نبالغ في أهمية هذا التحول الهائل في مفهوم وخرافة السيادة الوطنية، حتى في الوقت الذي يحدث فيه هذا ونحن نتحدث فيما هو، وفقًا لمعايير وسائل الإعلام، الزمن الجيولوجي. عندما تجوَّلت في أرجاء الولايات المتحدة في العام ١٩٧٠م، فقد عايشت بشكلٍ ملموس كيف أنه لا توجد قارة أخرى أكثر ملاءمةً لبناء الأمم من المنطقة المعتدلة من أمريكا الشمالية. وفَّرت جبال الأبالاش Appalachians حدودًا غربية لمجتمع وليد من الولايات حتى نهاية القرن الثامن عشر، لكن وديان الأنهار المتقاطعة مع هذه الجبال، مثل الموهوك وأوهايو، سمحت باختراق الغرب من قِبل المستوطنين. وفيما وراء جبال الأبالاش، وجد المستوطنون مساحات مسطحة من الأراضي الزراعية الغنية التي تفتقر إلى العوائق الجغرافية حيث كان بإمكانهم، في القرن التاسع عشر، بناء الثروات، مع طرح اختلافاتهم البشرية وصولًا إلى صياغة الثقافة الأمريكية المميزة.
يضم حوض نهر المسيسيبي الأكبر، جنبًا إلى جنب مع قناته بين الساحلية، مسافة من الأنهار الصالحة للملاحة أطول من بقية دول العالم مجتمعة، كما يُغطي أكبر قطعة من الأراضي المتجاورة الصالحة للزراعة في العالم. وبحلول الوقت الذي وصل فيه رواد الغرب إلى عوائق شاقة بالفعل — أي الصحراء الأمريكية الكبرى، على كلٍّ من الجانبين الشرقي والغربي لجبال روكي — كان خط السكك الحديدية العابر للقارة قد اكتمل بناؤه.٣٥ وكما أشارت إليه إحدى وثائق شركة ستراتفور، فإن «ساحل المحيط الأطلسي للولايات المتحدة يضم عددًا أكبر من الموانئ الرئيسية مما تحتويه بقية بلدان نصف الكرة الأرضية الغربي مجتمعة … لا يتَّسم الأمريكان بالأهمية بسبب مَن هم، بل بسبب المكان الذي يعيشون فيه.»٣٦ عندما درس الجغرافي أرنولد غويو Guyot الجزء القاري من الولايات المتحدة في العام ١٨٤٩م؛ أي قبل الحرب الأهلية وانتصار الثورة الصناعية، فقد اعتبرها — جنبًا إلى جنب مع أوروبا وآسيا — واحدة من «الأنوية القارية» التي كان من المقدر لها أن تسيطر على العالم. لكنه اعتقد في ذلك الوقت أن أمريكا ستقود الطريق متفوقة على النواتين الأخريين. أما الأسباب فهي أن أمريكا محمية وراء «ستار من المحيطات» على الجانبين؛ مما سمح لها — على الرغم من ذلك — بأن تتفاعل مع أوراسيا؛ كما أن تطورها كان مضمونًا بفعل «التواصل البيني للأجزاء الداخلية المروية جيدًا»٣٧ من القارة. وكما كتب جيمس فيرغريف في العام ١٩١٧م:
«هنا، إذن، هي الولايات المتحدة»، وهي تتبوأ مكانة في دائرة الأراضي، ممثلة «خريطة الأرض» orbis terrarium الجديدة؛ على الرغم من كونها تقع خارج النظام (الأوراسي) الذي كان الأهم حتى ذلك الوقت؛ إذ كانت متضامة ومتماسكة، مع مستودعات هائلة من الطاقة، في حين تواجه المحيطَين الأطلسي والهادي، وتمتلك علاقات مع شرق وغرب أوروبا وآسيا، ومستعدة من خلال قناة بنما المحصَّنة لدفع أسطولها الموحد إلى أي المحيطَين.»٣٨
إن هذه العظمة القارية، المؤطرة من قِبل محيطَين اثنين، لا تزال موجودة حتى الآن؛ لكن ثمَّة جغرافيا مفاهيمية أخرى بدأت في التداخل معها، وهي تلك المتعلقة برحلة كورونادو Coronado بين عامَي ١٥٤٠ و١٥٤٢م لاستكشاف الجزء الأوسط من غرب المكسيك شمالًا عبر ولايات أريزونا، ونيو مكسيكو، وتكساس، وأوكلاهوما، وكانساس. وفي حين أن الرحلة التي قام بها لويس وكلارك Lewis and Clark بين عامَي ١٨٠٤ و١٨٠٦م لاستكشاف أراضي لويزيانا وأوريغون قد جعلت أمريكا متصلة من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، ما عمل بالتالي على وضع الأساس الفكري لبناء دولة قومية قارِّية حديثة، فإن استكشافات كورونادو — من الجنوب إلى الشمال بدلًا من الشرق إلى الغرب — على الرغم من أنها جرت في وقت سابق، كانت بعد-حداثية بطريقتها الخاصَّة؛ فهي لم تكن مقيَّدة بأيِّ وعي وطني، كما وفرت توجهًا لإقامة دولة عالمية مستقبلية تمتد من المكسيك شبه الاستوائية إلى المناطق المعتدلة من أمريكا الشمالية. كان فرانسيسكو فاسكيز دي كورونادو يبحث عن الذهب، والسلب والنهب، والثروة السهلة، كما كان صاحب عقلية ترجع إلى القرون الوسطى. غير أن المهاجرين الجدد من ذوي الأصول الإسبانية المتوجهين شمالًا لم يكونوا منتمين إلى القرون الوسطى، فهم يبحثون عن وظائف — غالبًا ما تستلزم القيام بأعمال يدوية مُضنية — وبالتالي فهم على استعداد للعمل بجد لتحقيق مكاسب مادية؛ ومن ثم يخضعون للتحوُّل بفعل أخلاقيات العمل الأنجلو-بروتستانتية في نفس الوقت الذي يحولون فيه ثقافة أمريكا الأنجلو-بروتستانتية.

إن جودة وسيولة هذا التفاعل الثقافي والثنائي القومية، كما يمكن المجادلة، وأكثر من أي دينامية منفردة أخرى، تحدِّدان مدى جودة تفاعل أمريكا مع الجزيرة العالمية التي وصفها ماكيندر (أوراسيا وأفريقيا). من المرجَّح أن تتَّسم السياسة الخارجية الأمريكية بكل من الحكمة والطيش بالتناوب على مر العقود؛ لكن القوة الاقتصادية، والقوة الثقافية، والقوة المعنوية، وحتى القوة السياسية والعسكرية الأمريكية ستتأثر بشكلٍ كبير بما إن كان في وسعنا أن نتطور إلى دولة فائقة من نوعٍ ما، تتَّسم بكونها متماسكة وثنائية اللغة مع المكسيك وكندا أو، بدلًا من ذلك، أن نصبح محاصرين من قِبل منطقة حدودية مختلة، وشاسعة، وجامحة على نحوٍ متزايد، ترسِّخ التوتر الحضاري بين الثقافة الأمريكية الأنجلو-بروتستانتية التي لا تزال مهيمنة وبين نظيرتها الإسبانية. هناك ما يبرر مخاوف هنتنغتون؛ لكن الحل الذي طرحه هو الذي يتَّسم بكونه خاطئًا جزئيًّا.

لنضع في اعتبارنا، كما أخبرنا بول براكن وغيره، أن الجغرافيا السياسية للأرض تشكِّل نظامًا مغلقًا وخانقًا على نحوٍ متزايد. أما التقاطعات الثقافية والسياسية عبر البحار فستصبح عضوية أكثر وأكثر. وبالتالي، إذا لم تتقارب الولايات المتحدة والمكسيك في نهاية المطاف بنفس الدرجة التي تمتلكها الولايات المتحدة مع كندا بالفعل — أي إذا لم نتخذ المكسيك حليفًا حميمًا وموثوقًا به في المنتديات العالمية — فسيؤثر ذلك سلبًا على علاقات أمريكا الأخرى، وخصوصًا مع تزايد سكان المكسيك (وأمريكا الوسطى) بمعدلات أعلى بكثير مما لدينا؛ وبالتالي فستزداد أهمية المكسيك بمرور الوقت. إن استكشاف بروديل للبحر المتوسط في القرن السادس عشر يوضح الدور الذي تؤديه القوى الطبيعية مثل الجغرافيا على مر الزمن: ولهذا السبب يجب أن تلعب المكسيك دورًا محوريًّا في أي استراتيجية كبرى نستقر عليها.

لنفكِّر في مستقبل العالم على أنه يشبه تقريبًا النظام الملِّي millet system في الإمبراطورية العثمانية القديمة: وكما وصفه توينبي، فهو «شبكة من المجتمعات المتداخلة جغرافيًّا»، وليس «خليطًا من … الولايات الضيقة المعزولة».٣٩ وفيه ستؤثر كل علاقة في العلاقات الأخرى كما لم يحدث من قبلُ. وكما رأينا، فإن العقود المقبلة ستشهد ربط السكك الحديدية، والطرق، وخطوط الأنابيب، جميع أجزاء أوراسيا من خلال مركز يقع في آسيا الوسطى، وبصفةٍ خاصَّة في أفغانستان. ومن شأن أوراسيا المتناغمة والمتحدة أن تستلزم، من أجل موازنتها، كون أمريكا الشمالية متناغمة ومتحدة، من القطب الشمالي الكندي إلى أدغال أمريكا الوسطى. إن عدم مواصلة تعميق الروابط مع المكسيك وأمريكا الوسطى، اللتين تضمان مجتمعتين عددًا من السكان يماثل نصف عدد سكان الولايات المتحدة، ستنتج عنه رؤية المكسيك وربما بعض جيرانها الجنوبيين، وهي تنزلق إلى مدار دبلوماسي وسياسي عدائي في عالم ستكون أوراسيا فيه أقرب مما كانت عليه في أيِّ وقت مضى. يتمثَّل الطريق في الوقاية من فنزويلا الموالية لإيران، وغيرها من الدول الراديكالية الأخرى التي قد تظهر من وقت إلى آخر في نصف الكرة الأرضية الغربي، هو إدراج منطقة الكاريبي الكبرى في منطقة للتجارة الحرة والهجرة البشرية، ستكون، بالضرورة، خاضعة للهيمنة الأمريكية، حيث يورِّد السكان الشبان من المكسيك وأمريكا الوسطى القوى العاملة بدلًا من سكان أمريكا الذين تداهمهم الشيخوخة. وبطبيعة الحال، فهذا ما يحدث بالفعل، غير أن شدة التبادل البشري ستزداد، كما ينبغي لها أن تفعل.
وكما كتب نيكولاس سبيكمان، فإن «الحرب العالمية، وكذلك السلام العالمي، يعني أن جميع الجبهات والمناطق مترابطة. ومهما كان مقدار تباعدها بعضها عن بعض، فإن النجاح أو الفشل في واحدة منها سيكون له تأثير فوري وحاسم على تلك الأخرى.»٤٠ ويصح هذا الأمر اليوم على نحوٍ أكثر بكثير مما كان عليه في العام ١٩٤٤م، عندما نُشر هذا التصريح بعد وفاته؛ كما سيكون أكثر صحةً بكثير في المستقبل. وكما أشار إليه روبرت شتراوس-هوبي، فإن «تاريخ اليونان هو كفاح من أجل البقاء على قيد الحياة في مواجهة الغزوات الدورية القادمة من آسيا.»٤١ إذا فكَّرنا في مدى قرب اليونان القديمة من بلاد فارس، فسنستشعر مدى قربنا نحن من أوراسيا الآن، بالنظر إلى الثورة الجارية في وسائل النقل والاتصالات؛ وبالتالي، فإن التأكد من أن إحدى القوى في نصف الكرة الأرضية الشرقي لن تصبح مهيمنة بصورةٍ مفرطة؛ وبالتالي تهدد الولايات المتحدة في نصف الكرة الأرضية الغربي، ستكون مهمة أسهل بكثير إذا عزَّزنا الوحدة في نصف الكرة الأرضية الغربي في المقام الأول.

يجب أن نعمل باعتبارنا قوةً موازِنة في أوراسيا وقوة موحِّدة في أمريكا الشمالية؛ فالقيام بالدورين معًا سيكون أسهل من القيام بدور واحد فقط. وبطبيعة الحال، لا بد من القيام بحفظ توازن القوى لغرضٍ معين يتجاوز حماية المصالح المادية والاقتصادية للولايات المتحدة. ويتمثَّل ذلك الغرض في استخدام الاستقرار الذي يكفله توازن القوى في نصف الكرة الأرضية الشرقي في تعزيز القضية الفكرية الليبرالية لأوروبا الوسطى؛ ومن ثم في جميع أنحاء العالم.

وكما يؤكد ستيفن ديدالوس Dedalus «أهميته باعتباره حيوانًا عقلانيًّا واعيًا»، وهي التي تعني في الواقع مقاومة المصير. يجب علينا ألا نستسلم للجغرافيا مطلقًا، لكن يجب أن نكون واعين بها في الأساس خلال سعينا من أجل تحقيق عالم أفضل. إن التوق إلى مفهوم أوروبا الوسطى الكوزموبوليتانية الذي ظهر في أعقاب الحرب الباردة، والذي استرشدتُ به في بداية هذه الدراسة، هو ما وصلنا إليه في نهايتها. أما إن كان هذا الهدف قابلًا للتحقيق أو لا، فهو أمرٌ يستحق دائمًا أن نسعى جاهدين إليه، على أمل أن تكون المكسيك إلى جانبنا. وقد استشعر ماكيندر هذا بحدسه في دعوته إلى إنشاء دول عازلة حيوية ومستقلة بين أوروبا البحرية والأرض المركزية، مشيرًا إلى أن العالم المتوازن هو عالم حُرٌّ.
١  Fernand Braudel, The Mediterranean: And the Mediterranean World in the Age of Philip II, vols. 1 and 2, translated by Sian Reynolds (New York: Harper & Row, 1949, 1972, 1973).
٢  Ibid., vol. 1, pp. 243, 245-46.
٣  H. R. Trevor-Roper, “Fernand Braudel, the Annales, and the Mediterranean,” The Journal of Modern History, University of Chicago Press, December 1972.
٤  Barry Cunliffe, Europe Between the Oceans: Themes and Variations: 9000 BC–AD 1000 (New Haven: Yale University Press, 2008), pp. 17-18.
٥  Jakub J. Grygiel, Great Powers and Geopolitical Change (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2006), p. 17.
٦  Michael Lind, “America Under the Caesars,” The National Interest, Washington, July-August 2010.
٧  Grygiel, Great Powers and Geopolitical Change, p. 123.
٨  Ibid., pp. 63, 79–83.
٩  Francis G. Hutchins, The Illusion of Permanence: British Imperialism in India (Princeton: Princeton University Press, 1967), pp. 196-97; Niall Ferguson, Empire: The Rise and Demise of the British World Order and the Lessons for Global Power (New York: Basic Books, 2003), pp. 137-38, 151–53; Robert D. Kaplan, Imperial Grunts: The American Military on the Ground (New York: Random House, 2005), p. 368.
١٠  Edward N. Luttwak, The Grand Strategy of the Roman Empire: From the First Century A.D. to the Third (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1976), pp. 192–94.
١١  Edward N. Luttwak, The Grand Strategy of the Byzantine Empire (Cambridge: Harvard University Press, 2009).
١٢  W. H. Parker, Mackinder: Geography as an Aid to Statecraft (Oxford: Clarendon Press, 1982), p. 127; Robert Strausz-Hupé, Geopolitics: The Struggle for Space and Power (New York: G. P. Putnam’s Sons, 1942), p. 240.
١٣  Bernard DeVoto, The Course of Empire (Boston: Houghton Mifflin, 1952), p. xxxii, 1989 American Heritage Library edition.
١٤  David M. Kennedy, “Can We Still Afford to Be a Nation of Immigrants?,” Atlantic Monthly, November 1996.
١٥  Joel Kotkin, “The Rise of the Third Coast: The Gulf’s Ascendancy in U.S.,” Forbes.com, June 23, 2011.
١٦  Arnold J. Toynbee, A Study of History, abridgement of vols. 1–6 by D. C. Somervell (New York: Oxford University Press, 1934, 1946), p. 10.
١٧  Henry Bamford Parkes, A History of Mexico (Boston: Houghton Mifflin, 1960), pp. 3-4, 11.
١٨  David J. Danelo, “The Many Faces of Mexico,” Orbis, Philadelphia, Winter 2011.
١٩  Jackson Diehl, “The Crisis Next Door: U.S. Falls Short in Helping Mexico End Its Drug War,” Washington Post, July 26, 2010.
٢٠  Mackubin T. Owens, “Editor’s Corner,” Orbis, Philadelphia, Winter 2011.
٢١  Robert C. Bonner, “The New Cocaine Cowboys: How to Defeat Mexico’s Drug Cartels,” Foreign Affairs, New York, July-August 2010.
٢٢  Robert D. Kaplan, “Looking the World in the Eye: Profile of Samuel Huntington,” Atlantic Monthly, December 2001.
٢٣  Samuel P. Huntington, Who Are We? The Challenges to America’s National Identity (New York: Simon & Schuster, 2004).
اعتمد كتاب هنتنغتون بدرجةٍ محدودة على كتابي، والذي طرح فرضية مماثلة.
Robert D. Kaplan, An Empire Wilderness: Travels into America’s Future (New York: Random House, 1998), Chapters 10–13.
٢٤  Huntington, Who Are We?, pp. 39, 59, 61, 63, 69, 106.
٢٥  Ibid., p. 221.
٢٦  Peter Skerry, “What Are We to Make of Samuel Huntington?,” Society, New York, November-December 2005.
٢٧  Kennedy, “Can We Still Afford to Be a Nation of Immigrants?”.
٢٨  Carlos Fuentes, The Buried Mirror: Reflections on Spain and the New World (Boston: Houghton Mifflin, 1992), p. 343.
٢٩  Huntington, Who Are We?, pp. 115-16, 229-30, 232, 238; Peter Skerry, Mexican Americans: The Ambivalent Minority (Cambridge: Harvard University Press, 1993), pp. 21-22, 289.
٣٠  Huntington, Who Are We?, pp. 246-47; The Economist, London, July 7, 2001.
٣١  Ted Galen Carpenter, “Escape from Mexico,” The National Interest Online, Washington, June 30, 2010.
٣٢  David Danelo, “How the U.S. and Mexico Can Take Back the Border—Together,” Foreign Policy Research Institute, Philadelphia, April 2010.
٣٣  Arnold J. Toynbee, A Study of History, abridgement of vols. 7–10 by D. C. Somervell (New York: Oxford University Press, 1957), p. 124.
٣٤  Ibid., pp. 15-16, 75.
٣٥  Kaplan, An Empire Wilderness, p. 14. See the bibliography in that book.
٣٦  Stratfor.com, “The Geopolitics of the United States, Part 1: The Inevitable Empire,” Austin, Texas, August 25, 2011.
٣٧  Saul B. Cohen, Geography and Politics in a World Divided (New York: Random House, 1963), p. 95.
٣٨  James Fairgrieve, Geography and World Power, p. 329.
٣٩  Toynbee, A Study of History, vols. 7–10, p. 173.
٤٠  Nicholas John Spykman, The Geography of the Peace, edited by Helen R. Nicholl (New York: Harcourt, Brace, 1944), p. 45.
٤١  Robert Strausz-Hupé, The Zone of Indifference (New York: G. P. Putnam’s Sons, 1952), p. 64.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥