الفصل الثالث
هيرودوت وخلفاؤه
«تتَّسم الحضارات بكونها، في نواحٍ كثيرة، استجاباتٍ شجاعةً وقوية للبيئات
الطبيعية.»
المؤلف
خلال الفترة الممتدة من منتصف القرن العشرين إلى نهايته، عندما كان هانز مورغنثاو
يدرِّس
في قسم العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، كان هناك أستاذان آخران يصوغان أيضًا مسارين
أكاديميين باهرين في قسم التاريخ: وليام ﻫ. ماكنيل McNeill
ومارشال ج. س. هودجسون Hodgson. كانت الجامعة تتفجر بالصرامة
والمواهب، ومن خلال التركيز على هؤلاء الأساتذة الثلاثة، لا أقصد التقليل من شأن الآخرين.
وفي حين حدَّد مورغنثاو معالم المعرفة الواقعية لعصرنا الحالي، فعل ماكنيل الشيء نفسه
حرفيًّا بالنسبة إلى تاريخ العالم، وكذلك فعل هودجسون بالنسبة إلى تاريخ الإسلام، في
كتب ضخمة
شبيهة بحجم مجلدات هيرودوت، وهي التي نادرًا ما كانت فيها الجغرافيا بعيدة المنال. إن
الجرأة
ذاتها التي أظهرها ماكنيل وهودجسون في اختيار موضوعاتهما تظل مثيرة للإعجاب في هذه الحقبة
الأكاديمية الحالية، بسبب التركيز على تخصص ضيق؛ وهو أمر، في الحقيقة، صار ضرورةً في
ظل
تراكم الكمِّ المعرفي بشكلٍ مطرد. لكن قراءة ماكنيل وهودجسون تجعلك تشعر بما يشبه الحزن
على
فترة لم تنقضِ منذ مدة طويلة، وهي التي بدت فيها آفاق العلماء كأنها لا حدود لها.
جلب التخصص نمطه الفريد من الازدهار، لكن المجتمع الأكاديمي يمكنه الاستفادة على نحوٍ
أكثر
مما يمثِّله هذان الأستاذان في جامعة شيكاغو. وقد أظهرا أن الجغرافيا تمثِّل في حدِّ
ذاتها
وسيلة للتفكير على نطاقٍ واسع.
كان وليام ماكنيل هاردي، المولود في مقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية، في منتصف
الأربعينيات من عمره عندما نشر، في العام ١٩٦٣م، كتابه المعنون «صعود الغرب: تأريخ للمجتمع
البشري»، وهو كتاب يزيد حجمه على ثمانمائة صفحة. تمثَّل الموضوع الرئيسي للكتاب في تحدي
وجهة نظر المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي والمؤرخ الألماني أوزفالد شبنغلر
Spengler، والقائلة بأن الحضارات المنفصلة قد حققت
مصائرها على نحوٍ مستقل. وبدلًا من ذلك، يجادل ماكنيل بأن الثقافات والحضارات كانت في
تفاعل
مستمر، وأن هذا التفاعل هو ما شكَّل الدراما الأساسية لتاريخ العالم. وإذا كان الكتاب
متعلقًا بأيِّ شيء، فهو يتناول الحركات الكبرى للشعوب عبر أرجاء الخريطة قاطبة.
للتوضيح: جلبت حركة آتية من الشمال ما يسمى «فلاحو الدانوب»
Danubian
cultivators إلى وسط وغرب أوروبا ما بين عامَي ٤٥٠٠ و٤٠٠٠ قبل الميلاد.
وفي الوقت نفسه، فإن حركة جنوبية من الرعاة والمزارعين الرواد عبرت شمال أفريقيا حتى
مضيق
جبل طارق، «للالتقاء والاختلاط مع الفيضان الآتي من الدانوب». لكن جماعات الصيادين القديمة
في أوروبا لم تتعرض للتدمير، كما كتب ماكنيل؛ فبدلًا من ذلك، كان هناك اختلاط بين السكان
والثقافات.
١
وهكذا يبدأ جوهر الكتاب.
نشأت كل هذه الهجرات البشرية، في شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط، من الهلال الخصيب
وهضبة الأناضول
Anatolia، حيث كان عدم الاستقرار السياسي
ناتجًا إلى حدٍّ كبير عن الجغرافيا. «في حين تقع مصر على جهة موازية ومسالمة لطرق مرور
البشر، فقد كان العراق منذ قديم الأزل إقليمًا حدوديًّا، قائم الزاوية وبغيضًا بالنسبة
إلى المسارات المقدَّرة سلفًا للبشر»، كما كتبت أديبة الرحلات البريطانية الراحلة فريا
ستارك
Stark.
٢ وفي الواقع، كما ذكر ماكنيل، فإن بلاد ما بين النهرين تقع عبر واحدٍ من أكثر
مسارات الهجرة دموية في التاريخ. «بمجرد أن تبدأ المدن الواقعة في السهول في الازدهار»،
كنتيجة للطبيعة المنحدرة بلطف في الجزء السفلي من وادي دجلة والفرات، والذي حمل مياه
الري
لأميال، «كانت تصير أهدافًا مغرية للنهب من قِبل الشعوب الهمجية التي تعيش في البلاد
المحيطة.»
وبالإضافة إلى ذلك، فعندما زُرعت معظم الأراضي القابلة للري من بلاد ما بين النهرين،
واقتربت حقول مجتمعٍ ما مع حقول مجتمع آخر، نشبت حروب مزمنة، كما لم تكن هناك سلطة مركزية
لتسوية النزاعات الحدودية، أو لتقسيم المياه في أوقات النقص. وفي خضمِّ هذه الحالة من
شبه
الفوضى، دخل فاتحون مثل سارغون Sargon (٢٤٠٠ قبل الميلاد)
بلاد ما بين النهرين من حواف المنطقة المزروعة. وعلى الرغم من تمكنهم من إنشاء سُلطة
مركزية، فإن
العسكر المنتصرين، بعد بضعة أجيال، كما يخبرنا ماكنيل، تخلوا عن الحياة العسكرية من أجل
«أنماط الحياة الأوثر والأفخم» التي تُرى في البلدات. وهكذا، بدأ التاريخ يُعيد نفسه
مع
وصول فاتحين جدد.
يذكرنا هذا كثيرًا بالنمط الذي وصفه المؤرخ والجغرافي التونسي الذي عاش في القرن
الرابع
عشر، ابن خلدون
Ibn Khaldun، والذي لاحظ أنه على الرغم من
أن المعيشة الفاخرة تقوي الدولة في البداية عن طريق تعزيز شرعيتها، فهي تؤدِّي إلى الانحطاط
في الأجيال التالية، حيث تُستهل عملية الانهيار بصعود قادة أقوياء في المقاطعات،
يقومون بالغزو وتوطيد سلالاتهم الحاكمة في نهاية المطاف.
٣ أدَّى صعود الحضارة في العراق القديم إلى ظهور أشد الأنظمة الاستبدادية قسوةً من
أجل درء التفكك من الداخل: ولذلك نجد تغلث-فلاسر
Tiglath-Pileser في (القرنين الحادي عشر والثاني عشر قبل الميلاد)،
وآشورناصربال الثاني
Ashurnasirpal II (القرن التاسع قبل
الميلاد)، وسنحاريب في (القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد)، وغيرهم، والذين اشتهروا
بالقسوة، وجنون العظمة، وعمليات الترحيل الجماعي التي ارتُكبت باسمهم.
٤ وقد استمر هذا النمط حتى بلغ ذروته في عهد صدام حسين؛ وهو النمط الذي ساد في
منطقة معرَّضة للغزو والتشرذم، وهي التي تطلبت — طوال فترات طويلة من التاريخ — مستويات
كبيرة من
الطغيان. ولكن مرةً أخرى، ينبغي للمرء أن يتجنَّب الوصول إلى مثل هذا الاستنتاج الضيِّق:
على سبيل المثال، فما بين عامَي ١٩٢١ و١٩٥٨م، شهد العراق نظامًا برلمانيًّا جيد الأداء
على
نحو متواضع؛ الأمر الذي كان من الممكن أن يستمر لو تغيَّرت الظروف قليلًا. تحدَّث ماكنيل،
وابن خلدون، وستارك عن الاتجاهات التاريخية والجغرافية فقط؛ وبالتالي فقد تجنَّبوا الاتهام
بالحتمية.
٥
ومثلما شكلت الجغرافيا أساسًا لمستوًى غير عادي من الاستبداد والبيروقراطية في بلاد
ما بين
النهرين، يشرح لنا ماكنيل كيف انتهت في مصر إلى حكمٍ أقل استبدادًا إلى حدٍّ ما.
«منحت الصحاري أرض مصر حدودًا واضحة ويمكن الدفاع عنها بسهولة؛ في حين زودها النيل
بعمود
فقري وجهاز عصبي طبيعي»؛ وبالتالي فلم تكن مستويات القهر المتبعة في بلاد ما بين النهرين
ضرورية بطول نهر النيل. واستطرد قائلًا: إن «الدفاعات الحدودية ضد الغزاة الخارجيين نادرًا
ما مثَّلت مشكلة خطيرة بالنسبة إلى ملك مصر»؛ وفي الواقع، وبسبب موقع مصر المُواتي في
مواجهة
طرق الهجرة بالمقارنة مع بلاد ما بين النهرين، كان تسلل الليبيين من جهة الغرب والآسيويين
من الشرق يمثِّل مشكلة بسيطة نسبيًّا. كانت حدود مصر مغلقة من جهة الجنوب، حيث لا يوجد
شيء
سوى صحراء جرداء على جانبَي النهر؛ بينما تمثَّلت حدودها الشمالية في البحر الأبيض المتوسط.
ومن المحتمل أن المصريين، وطوال أربعة آلاف سنة، «لم يروا قط مضيفًا غازيًا بين ظهرانيهم».
٦ وبالإضافة إلى ذلك، فقد كانت الملاحة في النيل سهلة، كون جريان النهر يحمل
القوارب شمالًا، وحتى على الرغم من كون الرياح تهبُّ عادة من الشمال إلى الجنوب، فقد
كانت
القوارب تُبحر جنوبًا، بمساعدة الأشرعة. وهكذا تمكَّن فجر الحضارة من البزوغ في مصر.
وفي هذا
السياق، كتب ماكنيل: «على النقيض من ذلك، لم يكن يتوفر لدى حكام بلاد ما بين النهرين
أيُّ
أدوات طبيعية جاهزة يمكنهم استخدامها في تأمين سلطتهم المركزية، لكنهم اضطروا، على نحوٍ
بطيء
ومؤلم إلى وضع قانون (قمعي) وإدارة بيروقراطية باعتبارهما بديلًا اصطناعيًّا عن التمفصل
الطبيعي الذي منحته الجغرافيا لمصر.» كانت البيروقراطية الثقيلة الوطأة في بلاد ما بين
النهرين مضطرة أيضًا إلى التعامل مع المعدلات المتقلبة لفيضانات نهرَي دجلة والفرات،
على عكس
الحال مع نهر النيل؛ الأمر الذي زاد من تعقيد تنظيم منظومة الري.
٧ وحتى اليوم، فعلى الرغم من أن كلًّا من مصر والعراق ظلتا تحت حكم أنظمة
ديكتاتورية لفترات زمنية طويلة، لكن حقيقة كون النظام العراقي أسوأ بكثير هو أمر يمكننا،
ولو بصورةٍ جزئية، تتبُّع جذوره إلى العصور القديمة، وإلى الجغرافيا.
وفيما وراء الشرق الأوسط، كان هناك ما أسماه ماكنيل الحضارات «الطرفية» في الهند،
واليونان، والصين، والواقعة «على هامش العالم المتحضر قديمًا»، والتي استمدت في حالة
البلدين الأولين جزءًا كبيرًا من حيويتها من حضارتَي نهر السند وجزيرة كريت في ظل الحضارة
المينوسية Minoan Crete، على الترتيب. لكن كل الحضارات
الثلاث استفادت أيضًا من تفاعلها مع الغزاة البرابرة، حتى على الرغم من كونها محمية منهم
جزئيًّا بحكم جغرافيتها. وبالنسبة إلى اليونان والهند، فبفضل جبالهما الشمالية، فقد كانتا
على
حدٍّ سواء «محميتين على نحوٍ فعال من أي هجوم مباشر من فرسان السهوب». كانت الصين حتى
أكثر
انعزالًا منهما، بفعل الصحاري الوحشية، وقمم الجبال العالية، والمسافة المحضة؛ إذ كانت
آلاف
الأميال تفصل وادي النهر الأصفر، حيث بدأت الحضارة الصينية، عن الشرق الأوسط وعن الأراضي
المركزية الهندية.
تمثَّلت النتيجة في ثلاث حضارات أصلية تمامًا، وخصوصًا حضارة الصينيين، التي تمكَّنت
من
النمو بشكلٍ منفصل عن الاتساق الثقافي المتزايد للشرق الأوسط المكوَّن في معظمه من صحراء
كبرى،
والتي تمتد من شمال أفريقيا إلى تركستان.
٨
يشرح ماكنيل أنه طوال العصور القديمة، أدَّى المد والجزر على الحدود بين الحضارات
الهيلينية،
والشرق أوسطية، والهندية إلى توازن حضاري دقيق في أوراسيا، التي ستتعرض للتدمير لاحقًا
في
القرون الوسطى بسبب تدفق شعوب السهوب من الشمال، ولا سيما المغول.
٩ ازدهر طريق الحرير
Silk Route إلى حدٍّ كبير
عن طريق المغول، خصوصًا في القرنين الثالث عشر والرابع عشر؛ مما جعل الحضارات الأوروبية-الآسيوية
من المحيط الهادي إلى البحر المتوسط تتواصل بعضها مع بعض على نحوٍ محدود. ومع
ذلك، فقد شكَّلت الصين محيطها الخاص المنفصل جغرافيًّا مقارنة بالحضارات الواقعة إلى
الغرب
منها، مع توجيه كلٍّ من التبت، ومنغوليا، واليابان، وكوريا أنظارها تجاه المملكة الوسطى،
حيث
كوَّنت كلٌّ منها — وبدرجات متفاوتة — حضارتها الخاصَّة. ومع ذلك، فالقيود الشديدة التي
فرضتها البيئة الصحراوية القاسية «جعلت أي شيء أكثر من حضارة بدائية مستحيلًا في التبت
ومنغوليا»، كما كتب ماكنيل. أما اللاميون
Lamaists
التبتيون، الذين كانوا «مدركين دائمًا للأصول البوذية الهندية لعقيدتهم»، فكانوا في الواقع
معارضين لفرض الهوية الصينية
Sinification من خلال اتباع
تقاليد الحضارة المنافسة الواقعة في الجوار.
١٠
إن التاريخ، وفقًا لماكنيل، هو دراسة انسيابية، تبدو فيها الأمور آمنة
ومرتَّبة جغرافيًّا بكل دقة: والأهم أننا نظل دائمًا في حالة من التحولات الصغيرة والتبادلات
الثقافية.
وفي حين عارض شبنغلر، وتوينبي، وفيما بعد صامويل هنتنغتون، الأستاذ بجامعة هارفارد
وصاحب
نظرية «صدام الحضارات»، ففي معرض تأكيده على التآثر بين الحضارات بدلًا من تباعدها، فإن
كتاب ماكنيل المعنون «صعود الغرب»، على الرغم من ذلك، يشغل ذهن القارئ بكامل فكره كون
الحضارات التي تشكَّلت إلى حدٍّ كبير بفعل الجغرافيا، والتي صعدت من مناطق يمكن تحديدها
بدقة،
تحقِّق هويتها الخاصَّة؛ ومن ثم تتفاعل مع الحضارات الأخرى، مشكِّلةً بدورها هجائن جديدة.
وبهذه الطريقة، يُحبك نسيج التاريخ.
١١
وهنا يصف ماكنيل العملية بتعبيرات مجازية:
يمكن تشبيه الحضارات بسلاسل الجبال، التي ترتفع عبر دهور من الزمن الجيولوجي، والتي تعمل
قوى التآكل ببطء ولكن بصورةٍ يتعذر اجتنابها على تسويتها بمحيطها. وخلال الفترة الزمنية
الأقصر بكثير للتاريخ البشري، كانت الحضارات، بدورها، عرضةً للتآكل مع انقضاء كوكبة الظروف
الاستثنائية التي حفَّزت صعودها، بينما ترفع الشعوب المجاورة أنفسها إلى آفاق ثقافية
جديدة عن طريق الاقتراض من، أو التفاعل بصورةٍ أخرى مع، المنجزات الحضارية.
١٢
بَيْد أن هذا التآكل والاقتراض يُرعب صفاء المفكر الألماني الذي عاش في أوائل القرن
العشرين،
أوزفالد شبنغلر، الذي كتب عن «الروابط العميقة للتربة» التي تحدِّد أفضل الثقافات الرفيعة:
كيف يمكن للتطور الداخلي للممارسات والعقائد المقدسة أن يظل «مسحورًا في مكان ولادتها»؛
إذ
إن «أيًّا ما كان ما يفصلها عن الأرض فسيصبح جامدًا وصلبًا». ويستطرد قائلًا: إن الثقافة
الرفيعة تبدأ في «الريف قبل الحضري» وتصل إلى ذروتها مع «خاتمة من النزعات المادية» في
«المدن العالمية»
world cities. وبالنسبة إلى هذه الرومانتيكية
الكئيبة، التي يمكن أن تكون في آنٍ واحد طنَّانة، ومنومة، وعميقة، وبصراحة، غير مفهومة
في
بعض الأحيان عند ترجمتها إلى الإنجليزية، فإن الكوسموبوليتية
cosmopolitanism هي جوهر عدم الانتماء؛ لأنها ليست
مرتبطة بالأرض.
١٣
يثير هذا مسألة الصعود والانهيار اللاحق للحضارة الغربية في المناطق الحضرية، والذي
يتحول
ونحن نتحدث إلى حضارة عالمية، والذي يتباعد عن التربة بشكلٍ متزايد. وسأعرض لهذا التساؤل
في
موضع لاحق من الكتاب. وفي الوقت نفسه، أريد الاستمرار مع ماكنيل، الذي كان، في كل كتاباته،
وحتى أكثر من شبنغلر نفسه، وبصورةٍ أكثر وضوحًا بكثير، مهتمًّا بالمناخ والجغرافيا.
كتب ماكنيل، على سبيل المثال، أن الآريين Aryans في سهل
نهر الغانج Gangetic plain في الهند قد طوَّروا سماتٍ ثقافيةً
مختلفة وأقل ميلًا للحرب مما فعلوا في أوروبا المطلة على البحر المتوسط بسبب تأثير غابات
شبه القارة ودورة الرياح الموسمية، وهو ما شجع التأمل والمعرفة الدينية.
وفي مثال آخر، كتب أن «النضج المبكر» لمنطقة آيونيا
Ionia
اليونانية كان بسبب القرب من، والاتصال الحميم مع آسيا الصغرى والمشرق. ومع ذلك فهنا،
أيضًا، ينسحب ماكنيل من الحتمية المحضة؛ فعلى الرغم من التضاريس الجبلية في اليونان،
التي
سهَّلت إقامة وحدات سياسية صغيرة؛ أي الدول المدينية
city-states، نجده حريصًا على أن يذكر أنه في عدد من الحالات، «جرى تفتيت
مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة المتجاورة» إلى دول مدينية مختلفة، بحيث لا يمكن أن تمثِّل
الجغرافيا إلا جزءًا من القصة. وفوق كل شيء، بالطبع، هناك تاريخ اليهود، الذي يتعارض
مع
كامل منطق الاستمرارية الجغرافية للديانات الكبرى (وخصوصًا الهندوسية والبوذية)، والذي
تحمَّل ماكنيل مشقة تضمينه لهذا السبب: إن التدمير التام للمجتمع اليهودي في يهودا
Judea، والذي كان نتيجة لسحق الثورات التي اندلعت خلال
القرنين الأول والثاني للميلاد من قِبل الرومان، لم يؤدِّ إلى القضاء على الديانة اليهودية،
وهي التي واصلت طريقها بصورةٍ غير متوقعة لتتطور وتزدهر في مدن الشتات الغربي المتناثرة،
في قصة
عمرها ألفا عام، والتي تتعارض مع تعاليم الجغرافيا؛ مما يُظهر مرةً أخرى كيف أن الأفكار
والفاعلية الإنسانية تكتسب نفس أهمية البقاع المادية.
١٤
وعلى أي حال، هناك أيضًا قصة من أوروبا، تعود إلى فجر التاريخ البشري، وهي قصة
تتعلق كثيرًا بصدارة الجغرافيا. وكما أشار إليه ماكنيل، تتمتع أوروبا الغربية بمزايا
جغرافية متميزة، عملت على تفعيلها التطورات التكنولوجية خلال ما يسمى بالعصور المظلمة:
سهول واسعة وخصبة، وخط ساحلي مسنَّن، والذي سمح بإنشاء العديد من المرافئ الطبيعية الجيدة،
والأنهار الصالحة للملاحة المتدفقة شمالًا عبر هذه السهول مما عمل على توسيع نطاق التجارة
إلى حدٍّ أكبر مما كانت عليه في منطقة البحر المتوسط، ووفرة من الأخشاب والمعادن.
١٥ كانت أوروبا تتميز أيضًا بظروف مناخية قاسية، وباردة، ورطبة، دفعت
توينبي، الذي لم يكن قدريًّا، عند مستوًى حاسم، مثله في ذلك مثل ماكنيل، إلى أن يكتب
على
الرغم من ذلك قائلًا: «تتَّسم السهولة بمعاداتها للحضارة … فكلما زادت سهولة البيئة،
ضعف
الحافز تجاه الحضارة.»
١٦ وبالتالي فقد تطورت أوروبا بسبب ظروفها الجغرافية التي كان من الصعب العيش
فيها، لكنها كانت تمتلك العديد من النقاط العقدية الطبيعية للنقل والتجارة. تتَّسم الحضارات
بكونها، في نواحٍ كثيرة، استجابات شجاعة وقوية للبيئات الطبيعية.
وكمثال على ذلك، لنأخذ قُرب المنطقة الاسكندنافية
Scandinavia والضغوط العسكرية التي فرضها ذلك على شواطئ
أوروبا الغربية؛ الأمر الذي أدَّى إلى تشكُّل إنجلترا وفرنسا بوصفهما كيانين وطنيين.
أما
إنجلترا، وبالإضافة إلى ذلك، ولكونها أصغر حجمًا من الممالك الإقطاعية في القارة الأوروبية،
وكما كتب توينبي، فقد «امتلكت حدودًا أفضل تحديدًا (فقد كانت جزيرةً، على أي حال)»، فقد
حققت وجودًا وطنيًّا، مقابل ذلك الإقطاعي، قبل جيرانها بكثير.
١٧
وبطبيعة الحال، فإن بعض المناطق الطبيعية، كالقطب الشمالي، على سبيل المثال، تكون
من
الوعورة بحيث يمكن أن تؤدِّي إلى انهيار حضاري، أو إلى حضارة مقيَّدة. أما ما سبق ذلك،
وفقًا
لتوينبي، فهو عمل ثقافي بارع — مثل قدرة الإسكيمو على البقاء الفعلي على الجليد في
الشتاء وعلى صيد كلاب البحر. ولكن على الرغم من تمكنهم من إنجاز هذا العمل الفذ من البقاء
على قيد الحياة، فقد ظلُّوا غير قادرين على التحكم في البيئة إلى مدى بناء حضارة كاملة.
لقد
كتب توينبي، فضلًا عن الجغرافي المعاصر بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، جارِد دياموند
Diamond، مجلدات حول الصعوبات والانهيارات
الحضارية بين ثقافات القرون الوسطى من الفايكنغ الذين عاشوا في غرينلاند، والبولينيزيين
من
سكان جزيرة الفصح، وشعب الأنسازي
Anasazi في جنوب غرب
أمريكا، وقبائل المايا في مجاهل أمريكا الوسطى، وهي التي كانت ترتبط جميعها بوجود مشكلات
مع البيئة.
١٨
أما أوروبا، على ما يبدو، فقد أظهرت الدرجة المثلى من الصعوبات البيئية؛ مما
جعل من الصعب على سكانها الارتقاء إلى مستويات حضارية أعلى، حتى على الرغم من أنها لا
تزال
تقع في المنطقة المعتدلة الشمالية، على مقربة إلى حدٍّ ما من أفريقيا، والشرق الأوسط،
والسهوب الأوراسية، وأمريكا الشمالية؛ وبالتالي كانت شعوبها قادرة على الاستفادة بصورةٍ
كاملة من أنماط التجارة التي ازدهرت في سياق قرون من التقدم التكنولوجي في الملاحة وغيرها
من المجالات.
١٩ لننظر إلى إتقان فاسكو دا غاما
da Gama للإبحار
عبر الرياح الموسمية في المحيط الهندي، وهو الذي سمح للتخوم الخارجية من أوراسيا بأن
تصبح محور
الممرات البحرية العالمية الواقعة تحت الهيمنة الأوروبية. ولكن في رواية ماكنيل، فليس
التقدم المادي لأوروبا وحده، في ظل المادية الصعبة البيئة، هو ما أدَّى إلى صعود الغرب،
ولكن
إغلاق المساحات «البربرية»، على حدِّ تعبيره.
٢٠
تحدث ماكنيل عن «تعدٍّ لا هوادة فيه، إن لم يكن متواصلًا من دون انقطاع، للحضارات على
الهمجية: كان هذا التعدي هو ما أدَّى إلى تراكم مادة، والتنوع الداخلي، للحضارات المنفصلة
في
العالم، وزاد من وتيرة الاتصال فيما بينها؛ مما مهَّد الطريق أمام التوحيد المذهل للعالم،
والذي حدث خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الماضية.»
٢١
إن هذا الإغلاق الحضاري للمساحات الفارغة نسبيًّا من الأرض، وهي التي تقع في معظمها
في
المنطقة المعتدلة المناخ، بدأ أساسًا مع الرحلات الاستكشافية؛ والتي قام بها كلٌّ من
دا غاما،
وكولومبوس، وماجلان، وغيرهم. واستمرت خلال المراحل المعروفة من الثورات في مجالات الصناعة،
والنقل، والاتصالات وحتى عصر العولمة الذي نعيشه اليوم. وفيما بين المرحلتين، جاء انهيار
شعوب السهوب، مع تقاسم روسيا، والصين، وإمبراطورية هابسبورغ سهول ونجود وسط أوراسيا
الفارغة نسبيًّا. وكان هناك، أيضًا، انهيار جماعات السكان الأصليين مع التأمين العنيف
للحدود الغربية لقارة أمريكا الشمالية، وزحف الاستعمار الأوروبي على بلدان أفريقيا جنوبيَّ
الصحراء الكبرى.
٢٢ إن العالم، كما يصفه ماكنيل، قد اتحد الآن في نهاية المطاف تحت ثقافة غربية إلى
حدٍّ كبير، وحضرية على نحوٍ متزايد. تذكَّر أن الشيوعية، على الرغم من كونها امتدادًا
للنزعات
الاستبدادية داخل المسيحية الأرثوذكسية الشرقية؛ وبالتالي إهانة لليبرالية، فإنها كانت
تمثِّل
إيديولوجية خاصَّة بالغرب الصناعي. أما النازية، أيضًا، فقد برزت بوصفها آفةً أصابت الغرب
الذي
كان يعاني التضخم والتحول السريع إلى العصرنة. لا يتحدث ماكنيل عن الوحدة السياسية، ولكن
عن
النزعات الثقافية والجغرافية والديموغرافية الأوسع.
وعلى الرغم من أن الموضوع الرئيسي لكتاب «صعود الغرب» هو إغلاق المساحات الفارغة
على
الخريطة، فمن الواضح أن هذا لم يكن صحيحًا إلا بصورةٍ نسبية فقط. إن حقيقة أن خطَّين
للسكك
الحديدية، والقادمين من اتجاهين معاكسين، قد التقيا ولامس أحدهما الآخر لا يعني أنه لم
تعد
هناك مساحات فارغة أو قليلة السكان فيما بينهما. قد تُغلق الحدود بالمعنى الرسمي، لكن
كثافة
السكان من البشر والتواصل الإلكتروني بينهم يتزايدان بوتيرة حادة. ومعدل الزيادة هذا
هو ما
يساعد على صياغة الدراما السياسية للعالم الذي نعيش فيه اليوم. قد يعتبر ماكنيل أن العالم
المتحد هو ذلك الذي لا يبعد فيه أي جزء من الأرض المتحضرة أكثر من بضعة أسابيع عن جزء
آخر.
٢٣
ولكن كيف يمكن أن تتغير الجغرافيا السياسية عندما لا يفصل بين أبعد الأماكن سوى بضعة
أيام، أو ساعات، كما هو الحال في عصرنا الحالي؟ كان العالم موحدًا، بمعنًى ما، خلال القرنين
الثامن عشر والتاسع عشر، لكن هذا العالم لا يشبه في كثير — من حيث الديموغرافيا
والتكنولوجيا — ذلك الذي نعيشه في أوائل القرن الحادي والعشرين. إن الدراما الأساسية
لعصرنا هذا،
كما سنرى، هي الامتلاء المطرد للمساحة؛ مما يمهد الطريق أمام جغرافيا مغلقة بالفعل؛ حيث
لا
تمتلك الدول والجيوش سوى مساحة متضائلة على نحوٍ متزايد للاختباء. وعلى الرغم من كونها
ممكننة mechanized، فإن أوائل الجيوش الحديثة في القرن
الماضي كانت تحتاج لعبور أميال عديدة لملاقاة بعضها بعضًا، أما الآن فهناك مجال متداخل
للصواريخ البعيدة المدى. لا تختفي الجغرافيا في هذا السيناريو، بل إنها تصبح، كما سنرى،
أكثر أهميةً من ذي قبل.
ولتناول هذه المناقشة بطريقةٍ أخرى، اسمحوا لي أن أعود إلى مورغنثاو. كتب مورغنثاو
أن نفس
التوسع الإمبريالي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى مساحات جغرافية فارغة نسبيًّا
في
أفريقيا وأوراسيا وأمريكا الشمالية الغربية، أدَّى إلى انعطاف سياسات القوة العظمى إلى
أطراف
الأرض؛ وبالتالي تقليل الصراع. وعلى سبيل المثال، فكلما ازداد الاهتمام الذي منحته روسيا،
وفرنسا، والولايات المتحدة إلى التوسع في الأراضي النائية بطريقةٍ إمبريالية، قل الاهتمام
الذي توجهه إحداها إلى الأخرى، وازداد العالم سلامًا، بصورةٍ ما.
٢٤
ولكن بحلول أواخر القرن التاسع عشر، كان اندماج الدول والإمبراطوريات القومية
الكبرى في الغرب قد انتهى، بحيث لم يعد في إمكانها تحقيق المكاسب الإقليمية إلا على حساب
بعضها بعضًا.
٢٥ وقد لخص مورغنثاو الموقف بقوله:
عندما صار ميزان القوى عالميًّا — مع توزُّع ثقله الرئيسي في ثلاث قارات، فإن الانقسام
بين دائرة القوة العظمى ووسطها، من جهة، وبين محيطها والمساحات الفارغة فيما وراءه، من
جهةٍ
أخرى، يجب أن يختفي بالضرورة. يتزامن محيط ميزان القوى الآن مع تخوم الأرض.
٢٦
وعلى الرغم من أن رؤية مورغنثاو، التي كتبها خلال السنوات المتوترة لأوائل حقبة الحرب
الباردة، تُنذر بالخطر، فإن رؤية زميله في الجامعة نفسها، ماكنيل، وهي التي كتبها في
مرحلة لاحقة
وأكثر استقرارًا من الحرب الباردة، تُوحي بالأمل:
وجَّهت سلالة هان
Han في الصين القديمة … ضربةً قاضية
إلى الدويلات المتحاربة عن طريق إنشاء هيكل إمبراطوري بيروقراطي ظل صامدًا حتى يومنا
هذا
تقريبًا، مع انهيارات وتعديلات متواضعة بين الحين والآخر. أما الدول المتحاربة في القرن
العشرين فبدت كأنها متجهة نحو حلٍّ مماثل لصراعاتها.
٢٧
يبدو من المؤكد أن سقوط جدار برلين في العام ١٩٨٩م قد عزَّز تفاؤل ماكنيل.
ومع ذلك، يجادل البعض بأن العالم اليوم لا يزال خطيرًا بالقدر نفسه كما كان خلال
الحرب
الباردة؛ لأن الخريطة تستمر في الانغلاق بعددٍ وافر من الطرق. ولنأخذ الصين كمثال: وحَّد
ماو
تسي تونغ
Mao Zedong، بتكلفةٍ باهظة بالتأكيد، الصين
باعتبارها دولة حديثة، كما تصعد الصين حاليًّا من الناحية الاقتصادية (وإن كان بوتيرة
أبطأ)
والعسكرية إلى مصافِّ القوى العظمى، بحيث صارت تملأ رقعة الشطرنج الأوراسية حتى أكثر
مما كان
في وسع مورغنثاو أن يتخيل. وفي الوقت نفسه، فحتى أبعد مناطق العالم صارت أكثر تمدُّنًا
urbanized، وفي حين كان في وسع شبنغلر أن يرى انحسار
الحضارة في هجر التربة والحياة الزراعية، فإن التوسع العشوائي للمدن والتجمعات الحضرية
المزدحمة، كما حدس ماكنيل، تؤدِّي الآن إلى تحولات في الدين والهوية بطرقٍ قوية، وإن
كانت
مثيرة للقلق:
٢٨ فالإسلام، على سبيل المثال، يتحول من دين تقليدي قائم على الزراعة إلى دين
أكثر تزمتًا، يتَّسم بإيديولوجيته في بعض الحالات، من أجل تنظيم السلوك في الأحياء
الفقيرة الواسعة، واللاشخصية حيث تكون الأسرة الممتدة والأقرباء أقل وضوحًا وتأثيرًا؛
وهذا
يؤدِّي إلى شرق أوسط مكون من مدن كبرى وغيرها من التجمعات الحضرية التي أُنشئت في الأرياف
السابقة التي تتَّسم على الرغم من كونها فقيرة، بوجود معدلات منخفضة عمومًا من الجرائم،
حتى
لو كانت ثمرة ذلك هي أحيانًا الإرهاب العالمي المزعزع للاستقرار. وكذلك فإن المسيحية،
ونتيجةً لضغوط المعيشة في الضواحي في الجنوب والغرب الأمريكي، تصبح أكثر إيديولوجية،
حتى مع
تجذُّر شكلٍ فضفاض من الوثنية البيئية في مدن أوروبا، ليحلَّ محلَّ النزعات القومية التقليدية،
نظرًا إلى أن الدولة الفائقة المتمثِّلة في الاتحاد الأوروبي ليس لديها سوى معنًى مجرد
للجميع،
باستثناء النخبة. وفي الوقت نفسه، لم تعد الحرب — كما كان الحال في أوروبا خلال القرن
الثامن عشر — «رياضة الملوك»، ولكن أداة للتعصب القومي والديني، سواء كان ذلك على نطاقٍ
واسع
كما هو الحال في ألمانيا النازية، أو على نطاق أصغر كما هو الحال مع تنظيم القاعدة.
٢٩ ويضاف إلى ذلك أن الشبح المرعب المتمثِّل في الأسلحة النووية الموجودة لدى
النخب المتطرفة على مستوى الدولة وعلى المستوى المحلي. وفي خضمِّ كل هذه التحولات المُربكة
والمضطربة، نجد أن الجغرافيا الكلاسيكية تدير رأسها مرةً أخرى، وتشكِّل التوترات بين
الغرب
وروسيا، وإيران، والهند، والصين، وكوريا، واليابان، وهلم جرًّا، وهي التي سنحتاج إلى
استكشاف كل
منها بالتفصيل. لم تكن فرضية ماكنيل حول التفاعلات عبر الحضارات أكثر صدقًا مما هي عليه
اليوم، لكنه سيكون من الخطأ أن نساوي بين ثقافة عالمية ناشئة وبين الاستقرار السياسي؛
لأن
المساحة
space — وبالتحديد لأنها أكثر ازدحامًا؛ وبالتالي
أثمن من أيِّ وقتٍ مضى — لا تزال مهمة، بل عظيمة الأهمية. وفي حين فحصت عين ماكنيل الأكاديمية
كامل الأرض، فإن منظور مارشال هودجسون، بالنسبة إلى أغراضنا هنا، كان أضيق؛ إذ اقتصر
على
منطقة الشرق الأوسط الكبير. ومع ذلك، فإن هودجسون، بصفته عضوًا متحمسًا في طائفة الكويكرز
Quaker، تُوفي في سن السادسة والأربعين، قد أظهر
طموحًا هائلًا في كتابه المكون من ثلاثة مجلدات بعنوان «مغامرة الإسلام: الضمير والتاريخ
في
حضارة عالمية»، والمنشور بكامله في العام ١٩٧٤م، بعد ست سنوات من وفاته. وبالنسبة إلى
مؤرخ
جامعة شيكاغو هذا، والذي ظلت أعماله منسية إلى حدٍّ كبير، والأقل شهرة بكثير بين الصحافيين
المعاصرين من غيره من الباحثين المرموقين في شئون الشرق الأوسط، مثل برنارد لويس
Lewis من جامعة برينستون أو جون إسبوزيتو
Esposito من جامعة جورج تاون، فقد وضع في مؤلفه الضخم
«الإسلام جغرافيًّا وثقافيًّا»، وفقًا لماكنيل، في سياق التيارات الأكبر التي شكَّلت
تاريخ
العالم. من الممكن أن ينحرف أسلوب هودجسون باتجاه الأكاديمية والإبهام، ولكن إذا ثابر
القارئ معه، فسوف يُكافأ بتفسير للكيفية التي تمكَّن بها الإسلام من الظهور، والترسخ،
والانتشار بالطريقة الرائعة، والسريعة في معظمها، التي فعل بها ذلك، ليس فقط في جميع
أنحاء
جزيرة العرب وشمال أفريقيا، ولكن في جميع أرجاء المناطق الساحلية من المحيط الهندي، وعبر
الأراضي الممتدة من جبال البرانس إلى جبال تيان شان
Tien
Shan في الصين.
٣٠
من المهم أن نلاحظ أن هودجسون كتب معظم مادة كتاب «مغامرة الإسلام» في خمسينيات وستينيات
القرن العشرين، عندما كان تركيز وسائل الإعلام منصبًّا عمومًا على تغطية الحرب الباردة
في
أوروبا. ومع ذلك، فقد أظهر موضوع بحثه في المجلد الأول من كتابه، بفكرة أن هذه الرؤية
الأوروبية المرتكزة للعالم قد كانت خاطئة دائمًا، مع تأصُّل إجحافها في تخطيط المعاهدات.
٣١ كان «السخف مستترًا بفعل الاستخدام الواسع النطاق على نحوٍ متزايد لخريطةٍ للعالم
تتَّسم بكونها مشوَّهة بصريًّا إلى حدٍّ كبير، والمرسومة بطريقة إسقاط مركاتور، والذي
تمكَّن — عن
طريق المغالاة شمالًا — من جعل «أوروبا» ذات الحدود المصطنعة تبدو أكبر حجمًا من «أفريقيا»
بأسرها، وأن يقزِّم تمامًا شبه الجزيرة الأوراسية الأخرى؛ أي الهند.»
ينتقل هودجسون بعد ذلك إلى تحويل التركيز الجغرافي للقارئ جنوبًا وشرقًا، إلى ما
أسماه
«الويكومين»
Oikoumene، وهو مصطلح يوناني قديم بمعنى «الربع
المأهول» من العالم؛ أي المنطقة المعتدلة من اليابسة الأفرو-آسيوية الممتدة من شمال
أفريقيا إلى حدود الصين الغربية، وهي حزام الأراضي الذي أُطلق عليه أيضًا اسم «النيل
إلى جيحون».
٣٢ ثمَّة إبهام في هذه التعريفات، التي تتعارض بعضها مع بعض أحيانًا. وعلى
سبيل المثال، فإن «النيل إلى جيحون» تشير ضمنًا إلى منطقة توجد مصر عند نهايتها الغربية،
في
حين أن ويكومين قد تعني منطقة تبدأ أبعد منها بكثير غربًا، على طول السواحل الأفريقية
للبحر
المتوسط. والمقصود هنا هو أن الفروق الجامدة بين التجربة المستمدة من منطقة الحرب الباردة،
التي كانت في أوجها عندما كتب مؤلفه، وكون الشرق الأوسط متباينًا بشكلٍ حادٍّ عن كلٍّ
من
الأناضول وشبه القارة الهندية، تتداعى عندما يبيِّن لنا هودجسون جغرافية أكثر تناسقًا،
والمحددة بفعل التضاريس الطبيعية والثقافة؛ أي تلك الرقعة الشاسعة والقاحلة عمومًا من
الأراضي الواقعة بين حضارتَي أوروبا والصين، وهو العالم الذي عاش فيه هيرودوت
Herodotus في الواقع، والذي يلمِّح هودجسون إلى أنه
يحمل مفتاح تاريخ العالم.
وبالنظر إلى مدى محو العولمة اليوم الحدود، والأقاليم، والفروق الثقافية، فإن
منظومة هودجسون الجغرافية التي تتَّسم بالضخامة والمرونة عن عمدٍ هي في الواقع مفيدة
للغاية؛
لأنها تشير إلى مدى القسوة التي يمكن أن تكون عليها خريطة التضاريس بالنسبة إلى الخطوط
الثابتة
والزاهية. وبهذه الطريقة، فإن هودجسون يساعد القارئ على تصوُّر العالم المنساب الذي ساد
في
أواخر العصور القديمة والذي ظهر فيه الإسلام، فضلًا عن عالم اليوم، مع تعزيز الصين والهند
لوجودهما الاقتصادي في الشرق الأوسط الكبير (ويكومين الماضي
Oikoumene of Yore)، حتى مع عمل مشيخات
sheikhdoms الخليج العربي ذلك على نحوٍ مماثل في
أفريقيا؛ وبالتالي إلغاء التقسيمات الاصطناعية التي اعتدنا عليها.
وكما يوضح هودجسون، فإن «المنطقة التي كانت ستنشأ فيها الحضارة الإسلامية يمكن تعريفها
بصورةٍ شبه سلبية، على أنها تلك المجموعة المتبقية من الأراضي التي لم يكن للتقاليد
اليونانية والسنسكريتية جذور فيها، والتي انفصلت المناطق الأوروبية والهندية عنها في
نهاية
المطاف … وبهذا المعنى، فإن منطقتنا، خلال العصر المحوري Axial
Age (٨٠٠–٢٠٠ق.م.)، كانت تتألف من تلك الأراضي الواقعة بين البحر
المتوسط وهندوكوش (أفغانستان)، والتي لم يكن للحضارتين اليونانية والسنسكريتية فيها سوى
ازدهارات محلية أو مؤقتة في أحسن الأحوال.»
ضمن هذا الحزام الواسع من الشرق الأوسط الكبير، والممتد لما يقرب من ثلاثة آلاف ميل
أو
أكثر في المنطقة المعتدلة السفلية، عملت خصيصتان جغرافيتان على تشجيع ظهور الثقافة الرفيعة:
الموقع التجاري المحوري، وخاصَّة لجزيرة العرب والهلال الخصيب، من حيث طرق التجارة التي
تصل
بين أحد طرفَي الويكومين إلى الآخر، والجفاف الشديد الذي يميِّز المنطقة.
وهذه النقطة الأخيرة بحاجة إلى توضيح. يخبرنا هودجسون بأن النقص العام في المياه
عمل على
تقليص الثروة التي يمكن امتلاكها عن طريق الزراعة، وجعل المقتنيات المركزة للأراضي المنتجة
سلعة نادرة؛ وبالتالي اتَّسمت الحياة الريفية بانعدام الأمن؛ مما جعلها أقل منزلة من
الحياة
الحضرية في الواحات. تركَّز المال والسلطة في أيدي التجار عند «نقاط الاتصال»
juncture points الواقعة عبر طرق التجارة في الشرق
الأوسط، والتي تمتد لمسافات طويلة، وخصوصًا عندما تلتف تلك الطرق على مقربة من حركة الملاحة
البحرية في البحر الأحمر، وبحر العرب، والخليج العربي؛ مما منح التجار العرب وصولًا حاسمًا
للتدفقات الهائلة من التجارة عبر المحيط الهندي. ولأن هذا كان عالمًا من التجارة والعقود،
فقد كان السلوك الأخلاقي و«التعامل المُنصف» في غاية الأهمية من أجل حياة اقتصادية مستقرة.
وهكذا، فمع تداعي الإمبراطوريتين الشماليتين، البيزنطية والساسانية، في كلٍّ من الأناضول
وبلاد فارس، مُهِّدت الساحة في الجزيرة العربية ومنطقة الهلال الخصيب لظهور دين شدَّد
على
أهمية الأخلاق الحميدة وليس مجرد ضمان «دورات المواسم الزراعية». وهكذا، فقد نشأ الإسلام
باعتباره عقيدة ملائمة للتجار بقدر كونه ملائمًا للحياة في الصحراء.
٣٣
كان المركز التجاري الأكثر أهميةً في غرب ووسط الجزيرة العربية هو مكة المكرمة الواقعة
في
أرض الحجاز، وهي منطقة قريبة من البحر الأحمر. تقع مكة المكرمة عند تقاطع طريقين رئيسيين،
يسير أحدهما من الجنوب إلى الشمال، وهو الذي تقع مكة المكرمة عند منتصفه تمامًا، ويربط
اليمن
وموانئ المحيط الهندي بكلٍّ من سوريا والبحر المتوسط. أما الطريق الآخر فيسير من الغرب
إلى
الشرق، ويربط منطقة القرن الأفريقي الواقعة مقابل ساحل البحر الأحمر القريب من مكة ببلاد
ما
بين النهرين وإيران على الخليج العربي. كانت مكة المكرمة تقع بعيدًا عن مركز السلطة
الساسانية في إيران بما فيه الكفاية لأن تكون مستقلة عنها، حتى على الرغم من تعرضها
للتأثيرات الدينية والفلسفية الرفيعة — الزرادشتية
Zoroastrianism، والمانوية
Manichaeism، والهيلينية
Hellenism، واليهودية، وما إليها — والواردة من بلاد
فارس، والعراق، وآسيا الصغرى.
وعلى الرغم من عدم امتلاك مكة المكرمة لواحةٍ كبرى، فقد كان لديها ما يكفي من المياه
لري
الإبل، كما كانت محمية بتلالها من قراصنة البحر الأحمر، كما كانت تضم مزارًا دينيًّا،
هو
الكعبة المشرفة، حيث كان يجري جمع الرموز المقدسة من قبائل المنطقة، والتي كان الحجيج
يفِدون
إليها من كل حدبٍ وصوب. كان هذا في معظمه هو السياق الجغرافي الذي ظهر فيه النبي محمد،
باعتباره تاجرًا محليًّا محترمًا في العقد الرابع من عمره، حين انشغل بكيفية عيش حياة
مستقيمة وطاهرة. وبدلًا من أن تكون مجرد مخيم راكد في الصحراء، كانت مكة مركزًا عالميًّا
نابضًا بالحياة.
٣٤
وبطبيعة الحال، فإن الجغرافيا — في نسيج هودجسون المعقَّد — لا يمكنها تفسير الإسلام
في
نهاية المطاف؛ لأن الدين — وفقًا لتعريفه المحض — مبنيٌّ على قاعدة ميتافيزيقية أكثر
منها
مادية. لكنه يُظهر كيف أسهمت الجغرافيا في صعود الدين الإسلامي وانتشاره؛ كونها ملتصقة،
كما
كان الإسلام، بأنماط حياة التجار والبدو، التي كانت، بدورها، نتاجًا لطبيعةٍ قاحلة تتقاطع
عبرها طرق التجارة.
كانت جزيرة العرب البدوية محاطةً بثلاث أراضٍ زراعية: سوريا من الشمال، والعراق من
الشمال
الشرقي، واليمن من الجنوب. كانت كلٌّ من هذه المناطق الثلاث مرتبطة بدورها بوجود «منطقة
سياسية نائية»، وهي منطقة جبلية كانت تهيمن عليها خلال القرنين السادس والسابع للميلاد.
وبالنسبة إلى سوريا، تمثَّلت هذه المنطقة في هضبة الأناضول؛ أما في العراق، فكانت مرتفعات
إيران؛
وفي حالة اليمن، كانت هناك علاقات متبادلة أضعف إلى حدٍّ ما مع مرتفعات الحبشة (إثيوبيا
المعاصرة). غزا الإسلام معظم هذه المناطق، لكن الجغرافيا قضت جزئيًّا أن تتمكن تجمعات
الحضارات الزراعية هذه، وخاصَّة في سوريا والعراق، وهما رافدا الهلال الخصيب، من الاحتفاظ
بهويتها الطائفية وأن تصير بالتالي مراكز متنافسة للسلطة الإسلامية.
٣٥
إن وصف هودجسون التاريخي لأخريات العصور القديمة وحقبة القرون الوسطى في أول مجلدين
من
ملحمته يخبرنا بالكثير عن كيفية ظهور دول الشرق الأوسط الحديثة بالفعل، والتي بدت بوضوح
وكأنها نواتج الاستعمار الغربي، وعن سبب كونها أقل اصطناعًا مما زعم البعض. وكما رأينا،
فإن مصر، واليمن، وسوريا، والعراق، ناهيك عن المغرب، التي تطوقها البحار وجبال أطلس،
وتونس،
وريثة قرطاج القديمة، كانت كلها معاقل قديمة للحضارات، والتي تمثِّل أسلافًا مشروعة لتلك
الدول الحديثة، على الرغم من أن الحدود المرسومة لهذه الدول في وسط الصحراء المسطحة كثيرًا
ما تكون اعتباطية.
أما توينبي، المتباكي على تقسيمات العالم العربي، فيدعي أن التغريب «كانت له اليد
الطولى
قبل أن تظهر في الأفق أي دولة إسلامية عالمية».
٣٦ لكن حقيقة أن الإسلام يشكِّل حضارة عالمية لا تعني أنه كان مُصرًّا على أن يكون
كيانًا سياسيًّا واحدًا، فكما أشار إليه هودجسون، فقد كان لهذه الحضارة العديد من العُقد
السكانية المختلفة، ذات التراث الجاهلي الثري، والتي ظهر دورها في عصر ما بعد الاستعمار.
كانت المرتفعات الإيرانية، كما كتب هودجسون، مرتبطةً دائمًا بصورةٍ وثيقة بسياسة وثقافة
بلاد
ما بين النهرين، وهو ما اتَّضح كثيرًا منذ الغزو الأمريكي للعراق في العام ٢٠٠٣م، الذي
فتح
الباب أمام عودة إيران إلى المنطقة. والواقع، أن الحدود بين بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين،
التي خضعت لتحولات مستمرة، قد تمثَّلت لفترات طويلة في نهر الفرات نفسه، وهو الذي يقع
الآن في
قلب العراق. غزا العرب الإمبراطورية الساسانية، التي تقع في قلب النجد الإيراني، في العام
٦٤٤ للميلاد، بعد اثنين وعشرين عامًا من رحلة
النبي محمد، أو الهجرة، من مكة المكرمة إلى
المدينة المنورة، وهو الحدث الذي يمثِّل بداية الحقبة الإسلامية من تاريخ العالم. لكن
مرتفعات
الأناضول كانت أكثر بُعدًا واتساعًا؛ وبالتالي — الأمر الذي يرجع إلى الجغرافيا جزئيًّا
—
فلم يحدث إلا بعد أكثر من أربعمائة سنة؛ أي في العام ١٠٧١ للميلاد، أن استولى السلاجقة
الأتراك — وليس العرب — على الأراضي المركزية الأناضولية وضمها إلى العالم الإسلامي،
وذلك
في معركة ملاذكرد
Manzikert ضد الإمبراطورية البيزنطية.
٣٧
كان السلاجقة Seljuks من شعوب السهوب الذين أتوا من العمق
الداخلي لأوراسيا؛ ومن ثم فقد غزوا الأناضول من الشرق (كانت ملاذكرد تقع في شرق الأناضول).
ولكن مثلما لم ينجح العرب قط في الاستيلاء على المعاقل الجبلية للأناضول، فإن السلاجقة،
الآتين من عمق تلك المعاقل نفسها، لم ينجحوا قط بدورهم، سواء في الحفاظ على حكمٍ مستقر
لقلب
مملكة الإسلام؛ أي الهلال الخصيب والنجود الإيرانية، ناهيك عن الحجاز وبقية الأجزاء
الصحراوية من الجزيرة العربية إلى الجنوب. كان هذا ناتجًا، مرةً أخرى، عن أعمال الجغرافيا.
(على الرغم من أن الأتراك العثمانيين، وهم ورثة السلاجقة، قد غزوا الصحاري العربية، فإن
حكمهم كان ضعيفًا في كثير من الأحيان.) وصلت الفتوحات التركية شرقًا حتى البنغال، في
أقصى
بقاع شبه القارة الهندية، لكن هذا كان جزءًا من حركة السكان جنوبًا عبر كامل المنطقة
المعتدلة المترامية الأطراف، والواقعة بين شرق وغرب أوراسيا. وقد شكَّل أولئك البدو ذوو
الأصول التركية الجزء الأكبر من القبائل التي انضمت إلى جيوش المغول الشهيرة (لم يكن
المغول Mongols أنفسهم، على أي حال، سوى نخبة صغيرة
نسبيًّا).
سنتناول جحافل المغول وأهميتها الجيوسياسية في موضعٍ لاحق، لكن من المشوِّق هنا أن
نذكر
مشاهدة هودجسون بأن البداوة المعتمدة على الخيل للمغول والشعوب التركية كانت في نهاية
المطاف أكثر أهميةً في التاريخ من بداوة العرب القائمة على الإبل. ولأن الخيول لا يمكنها
أن
تتحمل الجفاف السائد في صحاري الشرق الأوسط، ولأن الأغنام التي كثيرًا ما يرتحل البدو
معها
تتطلَّب كميات كبيرة نسبيًّا من العلف، عمدت الجيوش التي يقودها المغول إلى تجنُّب أقاصي
جزيرة
العرب، وبدلًا من ذلك اجتاحت بلدانًا أقرب وذات بيئة أكثر ملاءمةً في أوروبا الشرقية
والأناضول، وشمال بلاد ما بين النهرين، وإيران، وآسيا الوسطى، والهند، والصين؛ وهي الأراضي
التي، عند أخذها مجتمعة، ستكون ذات أهمية استراتيجية ساحقة على خريطة أوراسيا قبيل ظهور
الحروب التي يستخدم فيها البارود. يمكن القول بأن غزوات المغول-التركيين
Turkic كانت أهم حدث في تاريخ العالم خلال الألفية
الثانية بعد الميلاد؛ الأمر الذي يرجع أساسًا إلى استخدام بعض الحيوانات المتعلقة بالجغرافيا.
٣٨
تُبين مناقشة هودجسون للمغول كيف أن كتابه «مغامرة الإسلام» كان أكثر بكثير من مجرد
بحثٍ
كتبه خبير في المنطقة؛ وبالتالي فإن تعريف هودجسون باعتباره مستعربًا
Arabist أو متخصصًا في الدراسات الإسلامية
Islamicist هو تقليل غير دقيق من شأنه. وبالنسبة إليه،
كان الإسلام وسيلةً لاكتشاف أعمق الاتجاهات الفكرية، والثقافية، والجغرافية المؤثرة على
المجتمعات الأفرو-أوراسية، بل على العالم القديم كله، في الواقع، في وجود ويكومين العصور
القديمة في القلب منها. وبالتالي، فلم يكن هذا عملًا متعلقًا بالجغرافيا في حدِّ ذاتها.
أنفق
هودجسون من الوقت في تعريف المذهب الباطني للمتصوفة بقدر ما أنفقه في وصف المناطق الطبيعية،
ناهيك عن التقاليد الفكرية والطائفية الأخرى التي كشف النقاب عنها. ومع ذلك، فمن خلال
إدخال
الجغرافيا في المناقشة بالطريقة التي فعلها، فقد أوضح الكيفية التي تتفاعل بها مع السياسة
والإيديولوجية لصنع نسيج التاريخ ذاته. لنأخذ مثال الأتراك العثمانيين، الذين حلوا في
نهاية
المطاف محلَّ بني جلدتهم الأتراك؛ أي السلاجقة، في الأناضول في أواخر القرن الثالث عشر.
أدَّى
«نظام الطبقية العسكرية الموحدة» الذي وضعه العثمانيون إلى فرض «حدود جغرافية متأصلة»
على
المنطقة الخاضعة لسيطرتهم، على عكس تلك الخاضعة لروسيا، مثلًا، أو حتى للمغول البدائيين.
كان العثمانيون معتادين على وجود جيشٍ كبير واحد، يجب أن يكون العاهل
padishah، أو الإمبراطور، موجودًا على رأسه دومًا.
وفي الوقت نفسه، كان عليهم أن يعملوا انطلاقًا من حاضرة واحدة، هي القسطنطينية
Constantinople، الواقعة إلى الشمال الشرقي من البحر
المتوسط وعلى البحر الأسود، حيث يقع المقر الرئيسي للهيكل البيروقراطي للسلطنة. «ونتيجة
لذلك، فلم يكن في الإمكان تسيير حملة كبيرة إلى أبعد مما يسمح به زحف الجيوش لموسم واحد»:
وبالتالي، فإن فيينا إلى الشمال الغربي والموصل إلى الجنوب الشرقي كانت تمثِّل الحدود
الجغرافية للتوسع العثماني المستقر على الأرض. كان في وسع الجيش قضاء فصل الشتاء في بعض
السنوات في صوفيا أو حلب، موسِّعًا نطاق تحركاته، على الرغم من أن ذلك كان يوقعه في صعوبات
لوجستية كبيرة. وعلى أي حال، وبشكلٍ عامٍّ، فإن هذا النظام المطلق الذي تتركز فيه كل
أوجه
السلطة في القسطنطينية، سواء على الصعيد الشخصي أو البيروقراطي، كان له تأثير تمثَّل
في أخذ
أهم المعالم الجغرافية للعاصمة وجعلها العامل الفصل. وكان هذا، بطريقةٍ أو بأخرى، معكوس
الفاعلية الإنسانية؛ كما كان له تأثير أفضى إلى اضمحلال هذه الدولة العسكرية؛ لأنه بمجرد
بلوغ الحدود الجغرافية العسكرية للجيش العثماني، فإن الروح المعنوية، فضلًا عن المكافآت
المادية، قد انخفضت في صفوف العسكر. ربما كانت إدارة الدولة بصورةٍ أقل مركزية ستؤدي
إلى
إمبراطورية أكثر أمنًا، بدلًا من تلك التي كانت واقعة تحت رحمة الجغرافيا. وفي المجال
البحري، أيضًا، أدَّى الحكم المطلق
absolutism إلى تفاقم
طغيان الدولة، حيث تركَّز معظم القوة البحرية العثمانية في البحر الأسود والبحر المتوسط
على
مقربة من الوطن، مع تحقيق نجاح «عابر» فحسب ضد البرتغاليين في المحيط الهندي.
٣٩
كان هودجسون، مثل زميله في قسم التاريخ بجامعة شيكاغو ماكنيل، أقل أكاديمية بالمعنى
المعاصر من مثقف قديم الطراز يستعين في عمله بجدِّية الاستقصاء العلمي التوجه الذي لا
يعرف
الكلل، والذي ربما كان ثمرة شدة إيمانه الشخصي بمبادئ الكويكرز. ويعني ذلك أنه حتى في
أعماق
استكشافه للتفصيلات الدقيقة، فقد كان يرى الصورة الكبيرة. كان ميدانه الرئيسي هو الويكومين
اليوناني القديم، والذي كان أيضًا، كما اتفق، يشكِّل معظم المادة التي استخدمها ماكنيل
في
دراسة تاريخ العالم؛ وكما ذكرنا آنفًا، معظم المعلومات الأساسية لكتاب هيرودوت المعنون
«التواريخ» Histories، والذي ألفه في القرن الخامس قبل
الميلاد. قد لا يكون من قبيل المصادفة أن يكون هذا هو على وجه التحديد العالم الذي يحتل
عناوين الأخبار الحالية؛ أي المنطقة الواقعة بين شرق البحر المتوسط والنجد الإيراني-الأفغاني.
إن الويكومين هو المكان الذي تتلاقى فيه اليابستان الأوراسية والأفريقية، مع
العديد من المنافذ إلى المحيط الهندي عبر البحر الأحمر والخليج العربي؛ مما يجعله فائق
الاستراتيجية، فضلًا عن وجود مزيجٍ من أنماط الهجرة؛ وبالتالي الجماعات العرقية والطائفية
المتنازعة. وقد اكتشف هيرودوت، في كتابه «التواريخ»، وجود هذا الاضطراب المتواصل.
يقع هيرودوت في قلب حجتي الداعمة لأهمية ماكنيل وهودجسون في القرن الحادي والعشرين.
لأن
هذا اليوناني، الذي وُلد كأحد الرعايا الفارسيين في وقتٍ ما بين عامَي ٤٩٠ و٤٨٤ قبل الميلاد
في
بلدة هاليكارناسوس Halicarnassus الواقعة في جنوب غرب آسيا
الصغرى، يحافظ في روايته حول أصول وطرق شن الحرب بين الإغريق والفرس على توازنٍ مثالي
بين
العوامل الجغرافية وقرارات البشر. وهو يشجِّع الحتمية الجزئية التي نحتاج إليها جميعًا؛
فهو يبين لنا عالمًا تحوم خريطة التضاريس في خلفيته — اليونان وبلاد فارس وغياب المجد
البربري لكلٍّ منهما في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا — على الرغم من أن الأهواء الفردية
قد تم
تنفيذها بنتائج سياسية مدمرة. يدعم هيرودوت الوعي الذي نحتاج إليه للتعافي، بحيث نُفاجأ
بصورةٍ أقل بالعالم الذي نحن مقبلون عليه.
«العُرف هو مَلِك الجميع»؛ هذا ما ذكره هيرودوت، نقلًا عن بندار
Pindar. يتحدث هيرودوت عن المصريين، الذين يحلقون شعر
الحاجبين حدادًا على قطةٍ محبوبة، وعن رجال القبائل الليبيين الذين كانوا يتركون شعورهم
طويلة على أحد الجانبين، ويحلقونها من الجهة الأخرى، ويلطخون أجسادهم باللون القرمزي.
وهناك
المساغيتيون
Massagetae، وهم شعب كان يعيش في شرقي بحر
قزوين، فيما يعرف الآن باسم تركمانستان، وهم الذين عندما يتقدم رجلٌ منهم في العمر، «يتجمَّع
أقاربه معًا لقتله، جنبًا إلى جنب مع عدد من الأغنام والماعز؛ ومن ثم طبخ كافة اللحوم
معًا
وعمل مأدبة منها». أولًا، لم يكن هناك سوى الأرض، والتجربة التاريخية للشعب الذي يعيش
فوقها، والآداب والأفكار التي تنشأ عن تلك التجربة. كان هيرودوت بمنزلة الحافظ لذاكرة
الحضارات ومناطقها الجغرافية، وكذلك للأساطير، والخرافات، وحتى الأكاذيب التي عاشت بينهم.
وقد كان يعلم أنه كلما زادت براعة الزعيم السياسي في فهم «ما يوجد هناك فحسب»، قل احتمال
أن
يرتكب أخطاء مأساوية. عاش السكوثيون
Scythians على الجانب
القاصي من مضيق كيرتش، حيث يكون الجو من البرودة بحيث يحتاجون لإشعال النار من أجل أن
يتمكنوا من صنع الطين في فصل الشتاء. وكما حذَّر أرتابانوس
Artabanus الملك الفارسي داريوس
Darius، ولكن من دون جدوى: لا تشن الحرب ضد السكوثيين؛
فهم شعب سريع التنقل من البدو الرُّحَّل الذين لا يمتلكون مدنًا أو أراضي مزروعة، وهم
الذين لا
يمكن لجيش كبير حسن التجهيز أن يجد نقطة محورية للهجوم عليهم.
٤٠
تتمثَّل قوة إشارة هيرودوت في استحضارها بقوةٍ لما يمكن للبشر بالتحديد أن يؤمنوا
به، وهو
اعتقاد يتجسد في حقيقة أن القدماء، الذين عاشوا من دون علم أو تكنولوجيا، كانوا يرون
ويسمعون
بشكلٍ مختلف — بل بصورةٍ أكثر وضوحًا مما نفعل. كانت التضاريس والجغرافيا بالنسبة إليهم
واقعية بطرقٍ لا يمكننا أن نتخيلها.
ولنأخذ قصة فيديبيدس Phidippides، وهو عدَّاء محترف أُرسل من
أثينا إلى إسبرطة كنذيرٍ يلتمس المساعدة ضد الفرس. أخبر فيديبيدس الأثينيين الذين التقاهم
على جبل البارثينيوم Mount Parthenium، في الطريق إلى
إسبرطة، أنه رأى الإله بان Pan، الذي أمره أن يسأل مواطنيه:
«لماذا لا تهتمون بالإله بان، الذي هو صديق جيد لشعب أثينا، والذي ساعدكم في مرات عديدة،
وسيقدم لكم يد المساعدة مرةً أخرى؟» اقتنع الأثينيون بأن فيديبيدس كان يقول الحقيقة،
وعندما
تحسنت أحوالهم، أقاموا مزارًا لبان تحت الأكروبوليس.
يمثِّل هذا أكثر من مجرد قصة ساحرة؛ بل قد يكون الحقيقة كما رواها الأثينيون لهيرودوت.
ربما
اعتقد العدَّاء أنه رأى بان، بل إنه رأى بان بالفعل. من الممكن تصديق مثل هذه الرؤية،
بالنظر
إلى التعب الذي كان يستشعره، والبانثيون
pantheon المتأصل
في منظومة اعتقاده، والخوف الممزوج بالتعجب من العناصر المادية التي فقدها البشر منذ
ذلك
الحين. كان العالم القديم «يشهد استيطانًا من الضآلة بحيث لم تكن الطبيعة قد حُجبت حتى
الآن
بفعل البشر»، كما كتب بوريس باسترناك
Pasternak في روايته
«الدكتور زيفاجو». «لقد ضربتكم الطبيعة في عيونكم بكل وضوح، وأمسكتكم بكل بشدة وبشكل
ملموس
من مؤخرة الرقبة لدرجة أنها ربما كانت لا تزال مفعمة بالآلهة حقًّا.»
٤١ إذا كانت العقلانية والعلمانية قد استحوذتا علينا لدرجة أنه لم يعد في
إمكاننا تصوُّر ما رأى فيديبيدس، فلن نتمكن إذن من فهم — وبالتالي الدفاع عن أنفسنا ضد
—
الحركات الدينية التي تقلب التنوير وتؤثر في الجغرافيا السياسية المعاصرة. وفي حين امتلأ
الفضاء في جميع أنحاء المعمورة، ولم يعُد العالم الطبيعي كما كان عليه، فإن الجغرافيا
الجديدة للأحياء الفقيرة ومدن الصفيح، والتضاريس التي لا تمثِّل هذه ولا تلك، تُظهر بالمثل
تأثيرًا نفسيًّا بالشدة نفسها على البشر، بطريقةٍ مختلفة بطبيعة الحال.
ولفهم هذه الجغرافيا الجديدة، والقيمة التي تخلعها على المساحة، وأثرها النفسي التالي،
فمن المفيد أولًا أن نتفهم الساحة العتيقة كما وصفها هيرودوت.
يتمثَّل جوهر «تواريخ» هيرودوت في إغراء الأراضي الأرخبيلية اليونانية التي تفور
بالثقافة،
والقابعة إلى الغرب مباشرة فيما وراء النجود الجبلية لبلاد فارس وآسيا الصغرى. وهنا تتضح
الحتمية الجغرافية بأوضح صورة، على ما يبدو؛ لأن الشعوب الآسيوية إلى الشرق واليونانية
إلى
الغرب قد حاربت بعضها بعضًا على مدى آلاف السنين، وبلغت خلافاتها ذروتها في عصرنا الحاضر
مع
توتر العلاقات بين اليونان وتركيا؛ وهو توتر لم يؤدِّ إلى حرب معلنة منذ عشرينيات القرن
العشرين، وهو أمر يرجع أساسًا إلى التهجير الجماعي للسكان الذي حدث في ذلك العقد، ونتجت
عنه
دولتان خالصتان موحدتا التركيبة العِرقية uniethnic.
وبعبارةٍ أخرى، فلم يترسخ السلام إلا بعد التطهير العرقي الذي سار وفقًا لإملاءات الجغرافيا.
ومع ذلك، فلم يكن هذا، في نهاية المطاف، هو ذلك الخط من التفكير الذي نقله هيرودوت.
يُظهر هيرودوت تقبُّلًا واضحًا لأحكام القلب وما يصاحبها من بروز المكائد البشرية،
وهو
يوضح كيفية حساب المصلحة الذاتية داخل زوبعة بشعة من الأهواء. إن أتوسا
Atossa، زوجة داريوس ملك الفرس، تستغل خيلاء زوجها في
الفراش لتسوِّل له غزو اليونان. وهي تفعل ذلك خدمةً للطبيب اليوناني الذي عالج ورمًا
على
صدرها، والذي كان يريد العودة لزيارة وطنه. كان الأمر برمَّته متعلقًا بالجغرافيا، حتى
صار
كله متعلقًا بشكسبير.
إن كتاب «التواريخ» لهيرودوت، عند أعمق مستوًى له، يتعلق بفهم تعقيدات المصير
fate: أو moira باللغة
اليونانية، أو «موزِّع الأنصبة». ولأن الأبطال هم الذين يتغلبون على المصير، فهم يشكِّلون
البنية الفوقية superstructure لرواية هيرودوت. وحده
هودجسون الذي كتب في مقدمة كتابه «مغامرة الإسلام»:
كتب هيرودوت تاريخه، كما قال، لحفظ ذكرى الأعمال الجليلة التي قام بها الإغريق والفرس؛
وهي أفعال لن تتكرر، وتستوجب احترامنا الدائم. ليس في الإمكان محاكاة تلك الأفعال، على
الرغم من أنه قد يمكن تقليدها، وربما تجاوُزها بمعنًى ما. لكننا نجرؤ، حتى في يومنا هذا،
على
أن نصف رجلًا بأنه عظيم، وهو الذي لا يمكن أن تضاهي أفعاله مآثرهم.
٤٢
كتب هودجسون هذا في أوائل ملحمته ليوضح أن البشر يمكنهم التحكم في مصيرهم في نهاية
المطاف، على الرغم من أنه كثيرًا ما ينهمك — عبر ثلاثة مجلدات — في وصف الاتجاهات التاريخية
والبيئية الكبرى التي، كما قد يبدو، لا يمتلك الأفراد سوى قليل من السيطرة عليها. ومن
دون
التسليم بالكفاح الفردي، فليست هناك نزعة إنسانية في دراسة التاريخ، كما يقول هودجسون.
وبالتالي، فهو يَحْبك نسيج رؤيته للإسلام كالتالي: «مركب من التقاليد الوثيقة الصلة
أخلاقيًّا وإنسانيًّا»، وهي التي تنتحل طبيعة قوة عالمية، لكنها بدأت بأفعال أفراد في
مكة
المكرمة.
وبالتالي، نعود مرةً أخرى إلى المعركة ضد المصير، ومن المستحسن أننا فعلنا ذلك؛ لأننا
نحتاج الآن إلى أن نتحصن بصفةٍ خاصَّة بأمثال هيرودوت، وهودجسون، وماكنيل، بما أننا على
وشك
ولوج طرق وعرة للغاية؛ تلك المتعلِّقة بالجغرافيا السياسية والنظريات شبه الحتمية المستمدة
منها. وفي الواقع، أنه جرى توقُّع الخطوط العريضة للتاريخ بالفعل، وربما لا يزال في الإمكان
فعل ذلك مرةً أخرى. يُعد هذا، على أقل تقدير، أمرًا مقلقًا بالنظر إلى الكيفية التي يمكن
بها
للأفراد أن يغيروا التاريخ. لكنه صحيح، كما سنرى. من شأن الرجال الذين أوشك على تقديمهم
أن
يصيبوا الإنسانيين الليبراليين بارتباكٍ شديد. كان هؤلاء الرجال بالكاد فلاسفة؛ فقد كانوا
جغرافيين ومؤرخين وخبراء استراتيجيين افترضوا أن الخريطة تحدد كل شيء تقريبًا؛ مما يترك
مجالًا ضيقًا نسبيًّا للفاعلية الإنسانية. أما الفاعلية الإنسانية، وإلى الدرجة التي
كانت
تهمُّهم بها، فهي مهمة أساسًا فيما يتعلق بالهيمنة العسكرية والتجارية. ومع ذلك، فهؤلاء
هم
الرجال الذين يتعيَّن علينا الآن دراستهم، من أجل وضع إطارٍ لما نوشك أن نصير إليه في
جميع
أنحاء العالم، ولما يمكن تحقيقه في ذلك السياق.