الفصل الرابع

خريطة أوراسيا

«إن الحتمية تعني التفكير المتحجر؛ أي المَيل إلى الانسحاق بفعل القوى والاتجاهات الكاسحة؛ وبالتالي عدم التأثر بمفارقات التاريخ وهي تتكشف في الواقع.»

المؤلف
إن أوقات الاضطراب العالمي، التي تختبر افتراضاتنا حول ديمومة الخريطة السياسية، تؤدِّي إلى نهضة في التفكير حول الجغرافيا. ويكون هذا صحيحًا بشكلٍ خاص لأن الجغرافيا هي الأساس الحقيقي للاستراتيجية والجغرافيا السياسية. إن الاستراتيجية، كما عرَّفها نابليون، هي فن استخدام الزمان والمكان بطريقةٍ عسكرية ودبلوماسية؛ أما الجغرافيا السياسية فتمثِّل دراسة البيئة الخارجية التي تواجهها كل دولة عند تحديد استراتيجيتها الخاصَّة: على اعتبار أن هذه البيئة هي وجود دول أخرى تكافح أيضًا من أجل البقاء والأفضلية.١ وباختصارٍ، فإن الجغرافيا السياسية هي تأثير الجغرافيا على الانقسامات البشرية.٢ وكما قال نابليون، فإن معرفة الخصائص الجغرافية لأمة ما تعني معرفة سياستها الخارجية.٣
وينعت مورغنثاو الجغرافيا السياسية بأنها «علم زائف» pseudoscience لأنها تنصِّب «عامل الجغرافيا باعتباره ثابتًا مُطلقًا»؛ لأنه كان يكتب بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة، فقد كان الجغرافي البريطاني الكبير هالفورد ماكيندر Mackinder حاضرًا في ذهنه، وهو الذي أعيد إحياء نظرياته التي وضعها في مطلع القرن العشرين في خضمِّ الحرب العالمية الثانية؛ ومن ثم أسيء استخدامها من قِبل النازيين لتبرير فكرتهم عن المجال الحيوي Lebensraum، أو «فضاء العيش» باللغة الألمانية.٤ وباعتبار أن الهدف من الجغرافيا السياسية هو تحقيق توازن في القوى، وأن النازيين لم يحاولوا تحقيق أقل من الإطاحة بميزان القوى، فقد كان استخدام النازيين لنظريات ماكيندر بمنزلة تحريفٍ لأفكار ماكيندر نفسها.
إن ميزان القوى، وفقًا لماكيندر، ولأنه يمنح كل أمةٍ أمْنها، يشكِّل الأساس الحقيقي للحرية.٥ ربما كان مورغنثاو شديد التحامل على ماكيندر. وعلى أي حال، فإن بُغض مورغنثاو لماكيندر، وكذلك تلخيصه الدقيق لنظريات ماكيندر، يمثِّل في حدِّ ذاته مؤشرًا على تأثير ماكيندر القوي على الفكر الجيوسياسي الغربي على مدى عقود عديدة. لا يزال ماكيندر يتعرَّض للشجب، ومع ذلك تبقى آراؤه وثيقة الصلة بجميع الأحداث، خصوصًا في عصور مثل عصرنا الحالي، حيث لا تزال هناك أعداد كبيرة من القوات الأمريكية على الأرض في الشرق الأوسط الكبير وشمال شرق آسيا. من الواضح أن هناك حقيقة مقلقة كامنة وراء كتاباته، وإن كان هناك أيضًا خطرٌ في الإفراط في تقديرها. من الواضح أن ماكيندر كان موهوبًا، وكانت خلاصة الأعمال التي كتبها طوال حياته هي أن الجغرافيا تمثِّل مدخل الباحث العام إلى التخصص الأكاديمي.٦ وفي العام ١٨٩٠م، طرح مثالًا فريدًا على الكيفية التي تُثري بها المعرفة بالجغرافيا تفكير المرء حول الشئون العالمية:
افترض أنه قيل لي إنَّ ثمَّة عيِّنةً من القمح ستأتي من لاهور، وإنني لا أعرف أين تقع لاهور هذه. سأقوم بالبحث عنها في المعجم والتأكد من أنها عاصمة ولاية البنجاب … فلو لم أكن أعرف شيئًا عن الجغرافيا، فستتولد لديَّ فكرة مفادها أن لاهور تقع في الهند، وسيكون هذا هو كل شيء تقريبًا. أما إذا كنت قد تلقَّيت تدريبًا ملائمًا في الجغرافيا، فربما كانت كلمة البنجاب … ستعني لي ضمنًا أمورًا عديدة؛ فسأعرف أن لاهور تقع في الزاوية الشمالية من الهند، وسأتخيل صورتها وهي واقعة وسط سهل عظيم، عند سفح سلسلة من الجبال المغطاة قممها بالثلوج، وسط منظومة أنهار السند. سأفكر أيضًا في الرياح الموسمية وفي الصحراء، وفي المياه المجلوبة من الجبال عبر قنوات الري. ستكون لديَّ فكرة عن مناخ المنطقة، وعن توقيت زرع البذور وحصادها. وستلتمع في خريطتي الذهنية كلٌّ من كراتشي Kurrachee وقناة السويس. سأتمكن أيضًا من حساب في أيِّ وقت من السنة ستُسلَّم الشحنات في إنجلترا. وعلاوةً على ذلك، فإن البنجاب ستكون بالنسبة إليَّ مساوية في الحجم وعدد السكان لدولة أوروبية كبيرة، مثل إسبانيا أو إيطاليا، كما سأدرك أهمية السوق التي توفرها للصادرات الإنجليزية.٧

تتَّسم أفكار ماكيندر وطريقته في عرض الأمور، كما سنرى في الفقرات اللاحقة، بكونها مشوِّقة.

إن السير هالفورد ج. ماكيندر، وهو والد الجغرافيا السياسية في العصر الحديث، وهو الذي كثيرًا ما حاول مورغنثاو التقليل من شأنه، لا يشتهر بتأليفه أحد الكتب، بل ترجع شهرته إلى مقالة واحدة بعنوان «المحور الجغرافي للتاريخ»، نُشرت في عدد أبريل ١٩٠٤م من المجلة الجغرافية الصادرة في لندن. تمثَّلت فرضية ماكيندر في أن آسيا الوسطى، من حيث مساعدتها على تشكيل المنطقة المركزية لأوراسيا Eurasian Heartland، هي المحور الذي يعتمد عليه مصير الإمبراطوريات العالمية الكبرى؛ لأن تصميم للأرض من حيث الشرايين الطبيعية الواقعة بين سلاسل الجبال وبطول وديان الأنهار يشجِّع صعود الإمبراطوريات، سواء كانت تلك معلنة أو غير معلنة، وليس الدول. وقبل استكشاف كيف يمكن لهذا المفهوم، بعد إعادة تعريفه قليلًا، أن يساعد على إلقاء الضوء على جغرافيتنا السياسية الخاصَّة، حريٌّ بنا أن نصف الكيفية التي توصَّل بها ماكيندر إلى استنتاجه هذا. إن مقالته المذكورة، التي أخذت في اعتبارها مجمل التاريخ وكافة أنماط الاستيطان البشري، هي النموذج الأصلي للجغرافيا كتخصص علمي، والتي تذكِّرنا بأعمال هيرودوت وابن خلدون، والتي بشَّرت من حيث الأسلوب بكتابات ماكنيل، وهودجسون، والمؤرخ والجغرافي الفرنسي فرنان بروديل Braudel. وكما كتب ماكيندر، بطريقة بروديل: «يبدأ الإنسان، وليس الطبيعة، العمل، لكن الطبيعة تكون هي المتحكمة إلى حدٍّ كبير.»٨ تشير جملة ماكيندر الافتتاحية إلى الأهمية الملحمية لمقالته:
عندما ينظر المؤرخون في المستقبل البعيد إلى الوراء إلى مجموعة القرون التي نمر عبرها الآن، ويرونها بصورةٍ موجزة، كما ننظر اليوم إلى الأسرات الحاكمة المصرية القديمة، فمن المرجَّح تمامًا أنهم سيصفون القرون الأربعة الماضية باعتبارها العهد الكولومبسي Columbian epoch، وسيقولون إنها انتهت بعد العام ١٩٠٠م بقليل.٩
وهو يفسر ذلك بالقول إنه في حين كان العالم المسيحي Christendom في القرون الوسطى «محبوسًا في منطقة ضيقة ومهددًا من قِبل الهمجية الخارجية»، فقد شهد العهد الكولومبسي — وهو عصر الاستكشاف — توسُّع أوروبا عبر المحيطات إلى القارات الأخرى في مواجهة «مقاومة لا تُذكر». غير أنه اعتبارًا من الوقت الحاضر؛ أي في عصر ما بعد كولومبوس (تذكَّر أنه كان يكتب من موقع المراقبة للعام ١٩٠٤م) «يتعين علينا أن نعود إلى التعامل مرةً أخرى مع نظام سياسي مغلق»، وهو في هذه المرة نظام «يشمل نطاقه جميع أنحاء العالم». وفي معرض تفسيره، قال:
إن كل انفجار للقوى الاجتماعية، وبدلًا من أن يتبدد في دائرة محيطة من الفضاء المجهول والفوضى الهمجية، فإن صداه (من الآن فصاعدًا) سيتردد بحدَّة من الجانب الآخر من الكرة الأرضية، ونتيجةً لذلك ستتحطم العناصر الضعيفة في البنية السياسية والاقتصادية للعالم.١٠

ومن خلال إدراك أنه لم يعد هناك مزيد من المساحة على هذا الكوكب لتوسُّع الإمبراطوريات الأوروبية، فقد فهم أيضًا أن الحروب الأوروبية سيتعيَّن خوضها على نطاق عالمي؛ وهو الأمر الذي تحقق في الحربين العالميتين الأولى والثانية. ومع ذلك، وكما علمت قبل سنوات في ندوة عُقدت في كلية القيادة والأركان العامة للجيش الأمريكي في فورت ليفنوورث، فإن استنزاف الشيء نفسه يتراكم حتى يتحول إلى تغيُّر كبير. وبعبارةٍ أخرى، ففي حين أن عصر الاستكشاف قد انتهى بصورةٍ أو بأخرى بحلول العام ١٩٠٠م، فطوال القرن العشرين وحتى يومنا هذا — وخصوصًا عند استشراف العقود القادمة — فإن تلك الخريطة المغلقة والمزدحمة، أو رقعة الشطرنج بتعبير لماكيندر، كما سبق بيانه، قد امتلأت أكثر وأكثر: ليس فقط من حيث عدد السكان، ولكن من حيث مدى الأسلحة. وعلى سبيل المثال، فإن الشرق الأوسط خلال السنوات الخمسين الماضية وحدها قد تحوَّل من مجتمع ريفي إلى مجتمع من المدن الكبرى الهائلة الحجم. أما العالم، وكما تعلمت كمراسل أجنبي طوال العقود الثلاثة الماضية، حتى في بعض أبعد أصقاعه، فقد تحوَّل بقوةٍ إلى حياة المدن. سنعود لاحقًا، وبتعمق أكثر، إلى جميع الآثار المترتبة على هذه الخريطة المكتظة حديثًا، ولكن للقيام بذلك يجب أن نعود إلى الأول ماكيندر ونظريته حول المحور الأوراسي.

يطالبنا ماكيندر بأن ننظر إلى التاريخ الأوروبي على أنه «تابع» لذلك الآسيوي؛ لأنه يعتقد أن الحضارة الأوروبية مجرد نتيجة للكفاح ضد الغزو الآسيوي. كونه جاء قبل ماكنيل بعشرات السنين، أشار ماكيندر إلى أن أوروبا تحولت إلى الظاهرة الثقافية التي هي عليها بسبب جغرافيتها في المقام الأول: مجموعة معقَّدة من الجبال والوديان، وأشباه الجزر — والتي بزغت منها الدول المنفردة لاحقًا — المقابلة للأراضي الروسية المسطحة الشاسعة والمهدَّدة من جهة الشرق. كانت الأراضي الروسية المسطحة مقسَّمة بين الغابات الواقعة إلى الشمال والسهوب Steppe إلى الجنوب. وكما يوضح ماكيندر، فقد أنشئت أوائل التجسيدات في بولندا وروسيا بأكملها في الأحضان الواقية للغابة الشمالية؛ إذ جاءت من السهوب الجنوبية الجرداء ما بين القرنين الخامس والسادس عشر جحافل متوالية من الغزاة الرُّحَّل: الهون Huns، والأفراز Avers، والبلغار، والمجريون Magyars، والكالموك Kalmuks، والكومين Cummins، والباتزيناك Patzinaks، والمغول وغيرهم. وفي سهوب المنطقة المركزية، تتميز الأرض بكونها مسطحة من دون انقطاع، ويتَّسم المناخ بقسوته، ويقتصر الإنتاج النباتي على العشب، الذي يتعرَّض بدوره للتدمير بفعل الرمال، المدفوعة بالرياح العاتية. أفرزت مثل هذه الظروف أجناسًا عنيفة وقاسية من الرجال الذين يهاجمون على الفور لتدمير أي خصوم يصادفونهم وإلا تعرَّضوا للدمار هم أنفسهم؛ إذ لم تكن هناك وسيلة للدفاع في بقعةٍ ما أفضل من الأخرى. وكان اتحاد مقاطعات الفرنجة Franks، والقوط Goths، والرومان ضد أولئك الآسيويين هو ما شكَّل أساسًا لفرنسا الحديثة. وبالمثل، فإن البندقية، والنظام البابوي، وألمانيا، والنمسا، وهنغاريا، وغيرها من القوى الأوروبية المزدهرة قد نشأت، أو على الأقل نضجت، عن طريق مواجهاتها المُهدِّدة مع البدو الرُّحَّل الآتين من السهوب الآسيوية. وكما كتب ماكيندر:
عندما نتأمل في أنه خلال القرون العديدة للعصور المظلمة، كان الوثنيون الاسكندنافيون Norse pagans يستخدمون سفنهم لممارسة القرصنة في البحار الشمالية، وكذلك فعل المسلمون Saracen والمغاربيون Moorish في منطقة البحر المتوسط، وأن راكبي الخيول الأتراك القادمين من آسيا أغاروا بالتالي على قلب شبه الجزيرة المسيحي عندما كان محاصرًا من قِبل قوًى بحرية معادية، ستتكون لدينا فكرة عن الضرب الساحق، كما لو كان بين مدقَّة وهاون، الذي أسهم في صنع أوروبا الحديثة. كانت المدقَّة pestle هي القوة الأرضية الآتية من الأراضي المركزية.١١

وفي الوقت نفسه، فإن روسيا، التي حمتها ممرات الغابات ضد العديد من الغزاة الهائجين، سقطت على الرغم من ذلك في القرن الثالث عشر فريسةً للقبيلة الذهبية من المغول. وبالتالي حُرمت روسيا من الوصول إلى عصر النهضة الأوروبية، وستظل توصف إلى الأبد بألدِّ مشاعر الدونية وعدم الثقة. وكونها صارت إمبراطوريةً برِّيةً في نهاية المطاف، تفتقر إلى أي عوائق طبيعية ضد الغزو باستثناء الغابات نفسها، ستعرف روسيا إلى الأبد ما يعنيه أن يجري غزوها بوحشية، ونتيجةً لذلك سيكون لديها هاجس دائم للتوسع وامتلاك الأراضي، أو على الأقل لأن تهيمن على مناطق الظل المجاورة لها.

وفي حين أن غزوات المغول الآتين من آسيا الوسطى أهلكت وبالتالي غيَّرت ليس روسيا فقط، بل تركيا، وإيران، والهند، والصين، والمناطق الشمالية من الشرق الأوسط العربي، فإن أجزاء كثيرة من أوروبا لم تشهد هذا المستوى من الدمار؛ وبالتالي تمكَّنت من البزوغ باعتبارها قُمرة القيادة السياسية للعالم.١٢ وفي الواقع، وبالنظر إلى أن الصحراء الكبرى حجبت أوروبا عن جميع أجزاء أفريقيا تقريبًا، فإن المصير الكلي macro-destiny لأوروبا في القرون الوسطى وحتى العهد الكولومبسي، وفقًا لماكيندر، قد تشكَّل بوجه عام وفقًا لما حدث في السهوب الآسيوية. لم يكن المغول وحدهم مَن نتحدث عنهم هنا؛ فالأتراك السلاجقة، الذين انطلقوا من سهوب المنطقة المركزية خلال القرنين العاشر والحادي عشر، قد اجتاحوا معظم أجزاء الشرق الأوسط، وكانت معاملتهم السيئة للحجاج المسيحيين في القدس هي ما أدَّى على ما يبدو إلى نشوب الحروب الصليبية، التي يعتبرها ماكيندر بداية التاريخ الجماعي الحديث في أوروبا.
يستطرد ماكيندر في هذا السياق، ليبيِّن للقارئ أن أوراسيا يحدُّها الجليد من الشمال والمحيط الاستوائي في الجنوب، وأنها تضم أربع مناطق هامشية في أطرافها، تقع جميعها في ظل الرقعة الشاسعة والمحورية لآسيا الوسطى وجحافلها من المغول والأتراك. وكما يخبرنا، فإن هذه المناطق الهامشية الأربع تتوافق، ليس من قبيل المصادفة، مع الأديان الأربعة ذات العدد الأكبر من الأتباع؛ فالدين، أيضًا، في تقدير ماكيندر، يمثِّل إحدى دلالات الجغرافيا. هناك «أراضي الرياح الموسمية» monsoon lands، توجد إحداها إلى الشرق في مواجهة المحيط الهادي، وهي موطن البوذية، والأخرى في الجنوب في مواجهة المحيط الهندي، وتمثِّل موطن الهندوسية. أما المنطقة الهامشية الثالثة فهي أوروبا نفسها، وهي التي تحدها مياه المحيط الأطلسي إلى الغرب، وتعدُّ مركز الديانة المسيحية. لكن الأكثر هشاشةً من بين المناطق الهامشية الأربعة هو الشرق الأوسط، موطن الإسلام، «المحروم بفعل القرب من أفريقيا»، و«القليل السكان … إلا في الواحات» (كما كان الحال عليه في العام ١٩٠٤م). وبالنظر إلى كونه خاليًا من الغابات، وتسوده الصحراء؛ وبالتالي مفتوحًا على مصراعيه أمام غزوات القبائل البدوية وأمام الاضطرابات والثورات اللاحقة، كان الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ما سبق — بسبب تجاور الخلجان والبحار، والمحيطات — غير حصين بصفةٍ خاصَّة في مواجهة القوى البحرية (حتى على الرغم من استفادته منها). وعلى وجه الدقة، فإن الشرق الأوسط الكبير، في منظور ماكيندر المعتمد كليًّا على الجغرافيا، يمثِّل في نهاية المطاف منطقة انتقالية غير مستقرة، ومحطة على الطريق الممتد بين عالم البحر المتوسط والحضارتين الهندية والصينية، وهو الذي يُظهر جميع التحولات الكبرى في سياسة القوة. ويمثِّل هذا نذيرًا متسقًا تمامًا مع تصوير هودجسون للشرق الأوسط الكبير باعتباره ويكومين عالم العصور القديمة، والذي أنجب ثلاثة من الأديان السماوية الرئيسية (اليهودية، والمسيحية، والإسلام)، واستمر دوره المحوري في الجغرافيا السياسية حتى العصر الحديث.
وعلى أي حال، بالنسبة إلى ماكيندر، الذي كتب مؤلفاته في عصر ما قبل شركات النفط الكبرى وخطوط الأنابيب والصواريخ البالستية، المحور الجغرافي للعالم، وعلى الرغم من ذلك، يقع أبعد من ذلك قليلًا. وفي فرضيته، نجده يستبعد الشرق الأوسط ويشق طريقه متجاوزًا إياه. وكما كتب، فإن العهد الكولومبسي قد تميز باكتشاف الطريق البحري إلى الهند حول رأس الرجاء الصالح؛ وبالتالي تجاوز منطقة الشرق الأوسط. وفي حين أنه في العصور الوسطى، كانت أوروبا «محصورة بين صحراء غير سالكة إلى الجنوب، وبين محيطٍ مجهول إلى الغرب … وبين قفارٍ مكسوَّة بالجليد أو الغابات إلى الشمال والشمال الشرقي»، و«الفرسان وراكبي الجمال» إلى الشرق والجنوب الشرقي، فقد امتلكت الآن على حين فجأةٍ وصولًا عبر المحيط الهندي إلى كامل المنطقة المحيطة rimland بجنوبي آسيا، فضلًا عن اكتشافاتها الاستراتيجية في العالم الجديد. ولكن في حين أن شعوب أوروبا الغربية قد «غطت المحيطات بأساطيلها»، كانت روسيا تتوسَّع على الأرض بصورةٍ مبهرة بالقدر نفسه، «بازغة من غاباتها الشمالية» لمراقبة السهوب بواسطة قوات القوزاق Cossacks التابعة لها ضد المغول الرُّحَّل.
لذلك مثلما تمكَّن البحارة البرتغاليون، والهولنديون، والإنجليز من الدوران منتصرين حول رأس الرجاء الصالح، اندفعت روسيا بقوة إلى سيبيريا، وأرسلت الفلاحين لزرع السهوب الجنوبية الغربية بحقول القمح، والتفَّت حول العالم الإسلامي الإيراني. توصَّل توينبي وغيره إلى هذه الملاحظة بعد ذلك بعقود، لكن ماكيندر كان من أوائل مَن لاحظوها.١٣ كانت تلك قصة قديمة، أوروبا مقابل روسيا: قوة بحرية ليبرالية — كما كانت أثينا والبندقية — مقابل قوة أرضية رجعية — كما كانت إسبرطة وبروسيا. وبالنسبة إلى البحر، بالإضافة إلى التأثيرات العالمية التي يضفيها بحكم الوصول إلى المرافئ البعيدة، فإنه يوفر ذلك النوع من الأمن الحدودي الذي لا يمكن انتهاكه، واللازم لترسيخ الليبرالية والديمقراطية. (تتَّسم الولايات المتحدة بكونها دولةً شبه جزيرية يحدُّها محيطان والقطب الشمالي الكندي القليل السكان إلى الشمال؛ ولا تتهدد إلا من جهة الجنوب بفعل القوى الديموغرافية المكسيكية.)

لاحظ ماكيندر أنه في القرن التاسع عشر، أدَّت المحركات البخارية وقناة السويس إلى زيادة تنقُّلية القوى البحرية في جميع أنحاء المنطقة المحيطة الجنوبية لأوراسيا، حتى على الرغم من أن ظهور السكك الحديدية بدأ يعمل «كمغذيات للتجارة عبر المحيطات». غير أنه لاحظ أيضًا أن السكك الحديدية بدأت الآن تفعل للقوة الأرضية نفس الشيء الذي كانت تقدمه بالفعل للقوة البحرية، والذي تمثَّل على أفضل صورة في المنطقة المركزية لأوراسيا، التي تعرقلت في السابق بسبب عدم وجود الأحجار والأخشاب اللازمة لشق الطرق.

وفي النهاية، وصل إلى استنتاجه الرئيسي:

ونحن نتدبَّر هذه المراجعة السريعة للتيارات التاريخية الأوسع، ألم يتَّضح وجود استمرارية معينة في العلاقات الجغرافية؟ أليست المنطقة المحورية للسياسة في العالم هي المنطقة الشاسعة المتمثِّلة في أوروبا وآسيا، والتي لا يمكن الوصول إليها عبر السفن، غير أنها ظلت في العصور القديمة مفتوحة للقبائل الرحَّالة من راكبي الخيل، والتي توشك اليوم على أن تغطيها شبكة من السكك الحديدية؟

ومن وجهة نظر ماكيندر، حلَّت مركزية روسيا المتوسعة في بداية القرن العشرين محلَّ مركزية جحافل المغول، والتي قد يجادل البعض بأنها أحدثت أعظم تأثير على تاريخ العالم خلال الألفية الثانية. ومثلما هاجم المغول — وكثيرًا ما حطَّموا — بوابات المناطق الهامشية من أوراسيا (فنلندا، وبولندا، وتركيا، وسوريا، والعراق، وبلاد فارس، والهند، والصين)، فكذلك، أيضًا، يمكن أن تفعل روسيا، التي يقويها تماسك أراضيها؛ الأمر الذي تحقق بفعل التطورات الأخيرة في سككها الحديدية.

وكما كتب ماكيندر، فإن «الكميات الجغرافية في العملية الحسابية أكثر قابلية للقياس وأكثر ثباتًا تقريبًا من تلك البشرية». انسوا القياصرة والمفوضين الصاعدين في العام ١٩٠٤م؛ فهُم من سفاسف الأمور مقارنة بالقوى التكتونية الأعمق للجغرافيا والتكنولوجيا. ولا يعني هذا أن ماكيندر كان مدعومًا بالأحداث الجارية؛ ففي غضون أسبوعين من محاضرته الشهيرة، هاجمت البحرية اليابانية بورت آرثر عند المدخل الجنوبي لمنشوري، فيما مثَّل المعركة الأولى من الحرب الروسية-اليابانية. انتهت الحرب بعد عام واحد، في معركة مضيق تسوشيما، حيث أحرز اليابانيون انتصارًا كبيرًا في البحر. وبعبارةٍ أخرى، ففي حين نادى ماكيندر بأهمية القوة البرِّية، تمكَّنت القوة البحرية من إلحاق الهزيمة بأكثر القوى البرِّية توسعًا على وجه الأرض في هذا الصراع الذي دارت رحاه في أوائل القرن العشرين.١٤
ومع ذلك، فإن حتمية ماكيندر الظاهرية أعدَّتنا جيدًا لصعود الاتحاد السوفييتي ومنطقة نفوذه الهائلة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فضلًا عن الحربين العالميتين خلال النصف الأول من القرن نفسه، اللتين كانتا، كما أشار إليه المؤرخ بول كينيدي Kennedy، صراعًا على «الأراضي المحيطية» لماكيندر، والتي تمتد من شرق أوروبا إلى جبال الهملايا وما وراءها.١٥ وبدايةً من الثورة الروسية وحتى تفكك الاتحاد السوفييتي، توسعت السكك الحديدية في آسيا الوسطى وسيبيريا عبر نحو ٤٥٠٠٠ كيلومتر؛ مما يثبت صحة وجهة نظر ماكيندر.١٦ وعلاوةً على ذلك، فإن استراتيجية الاحتواء خلال الحرب الباردة ستعتمد بشكلٍ أساسي على قواعد الأراضي المحيطية الواقعة عبر الشرق الأوسط الكبير والمحيط الهندي. وفي الواقع، أن توسيع قوة الولايات المتحدة إلى الأراضي المحيطة لأفغانستان والعراق، والتوتر الذي نشب بين أمريكا وروسيا حول المصير السياسي لآسيا الوسطى والقوقاز — وهي التي تمثِّل المحور الجغرافي نفسه — قد خلعتا مصداقية أكبر على فرضية ماكيندر. وفي فقرته الأخيرة، يثير ماكيندر شبح الغزوات الصينية للأراضي الروسية، وهي التي من شأنها — من وجهة نظره — أن تجعل من الصين قوة جيوسياسية مهيمنة. وإذا نظرنا إلى الكيفية التي يطالب بها الآن المهاجرون الصينيون ديموغرافيًّا بانتزاع أجزاء من سيبيريا من روسيا، حتى مع إظهار السيطرة السياسية لروسيا على تخومها الشرقية لبعض الضعف، يمكن للمرء تصوُّر أن ماكيندر كان على حقٍّ مرةً أخرى.
تعرَّض ماكيندر للهجوم باعتباره حتميًّا متعصبًا وإمبرياليًّا، لكن التهمتين كانتا غير منصفتين إلى حدٍّ كبير. ولكونه عمل بالتدريس طوال حياته، فلم يكن بطبيعته متطرفًا أو إيديولوجيًّا. لم يكن ماكيندر إمبرياليًّا غير أن بريطانيا العظمى كانت تدير في ذلك الوقت إمبراطورية ممتدة في جميع أنحاء العالم، وأنه كان وطنيًّا بريطانيًّا مستنيرًا، وهو الذي رأى أن احتمالات تحقيق التنمية البشرية — وخاصَّة الديمقراطية — هي أقرب احتمالًا تحت النفوذ البريطاني منها تحت ذلك الروسي أو الألماني. وقد كان عرضةً لنفس الأحكام المسبقة التي تعرَّض لها معاصروه؛ كما كان حتميًّا فقط بقدر كون الجغرافيا موضوع اهتمامه؛ فالجغرافيا يمكنها بطبيعتها المحضة أن تكون حتمية. وبصفةٍ خاصَّة، حاول ماكيندر أن يدافع عن الإمبريالية البريطانية في أعقاب حرب البوير Boer War المنهِكة (١٨٩٩–١٩٠٢م).١٧ لكن الموضوع الرئيس لكتابه المعنون «المُثل الديمقراطية والواقع: دراسة في سياسة إعادة البناء» هو أن الفاعلية الإنسانية يمكن أن تتغلب على إملاءات الجغرافيا. وكما روى كاتب السير الذاتية و.ﻫ. باركر Parker، معيدًا صياغة آراء ماكيندر: «وعلى أي حال، على المدى الطويل، سينتصر الذين يعملون في وئام مع التأثيرات البيئية على أولئك الذين يسعون جاهدين ضدها.»١٨ وهذا هو الجوهر الحقيقي لمبدأ «الحتمية الاحتمالية» probabilistic determinism الذي وضعه رايموند آرون Aron، والذي يمكن لمعظمنا قبوله.١٩ وفي الواقع، أن آرون يدافع عن ماكيندر؛ إذ كان يؤمن عن اقتناع بأنه عالم اجتماعي وليس عالمًا بالطبيعة؛ إذ إن ماكيندر، برأي آرون، يؤمن بإمكانية هزيمة الجغرافيا عن طريق الابتكار التكنولوجي.٢٠ ولإزالة أي شك حول طريقة تناول ماكيندر للموضوع، ففي بداية كتاب «المثل الديمقراطية والواقع: دراسة في سياسة إعادة البناء»، كتب ما يلي:
في القرن الماضي، وتحت تأثير نظرية داروين، اعتقد البشر بضرورة بقاء تلك الأشكال من التنظيم التي ساعدتهم على التكيُّف بصورةٍ أفضل مع بيئتهم الطبيعية. أما اليوم فنحن ندرك، ونحن نخرج من التجربة النازية (للحرب العالمية الأولى)، أن الانتصار الإنساني يكمن في تسامينا على هذه القدرية المحضة.٢١
وقد عارض ماكيندر الرضا الذاتي complacency بجميع أشكاله. ومرةً أخرى، سأورد مثالًا توضيحيًّا من بدايات كتابه «المُثل الديمقراطية والواقع»:
تُغرينا اللحظة الحالية (في العام ١٩١٩م) لأن نؤمن بأن السلام المتواصل سيحلُّ لمجرد أن الرجال المتعبين عازمون على ألا يكون هناك المزيد من الحروب. لكن التوترات الدولية ستتراكم مرةً أخرى، ولو ببطء في البداية؛ لقد كان هناك جيل من السلام بعد معركة واترلو، لكن مَن توقَّع من بين الدبلوماسيين المجتمعين حول مائدة المؤتمر في فيينا في العام ١٨١٤م أن بروسيا سوف تصبح خطرًا على العالم؟ وهل يمكننا نحن أن نقيِّم مسار تيار التاريخ المستقبلي بحيث لا يكون هناك مزيد مما يحول دون رؤيته بوضوح. إن هذه، وليس أقل منها، هي المهمة الماثلة أمامنا إذا أردنا ألا تستخف الأجيال القادمة بحكمتنا بقدر استخفافنا بتقديرات الدبلوماسيين الذين اجتمعوا في فيينا.٢٢
لم يكن ماكيندر قدريًّا صرفًا؛ فقد اعتقد بأنه يمكن التغلب على كلٍّ من الجغرافيا والبيئة، لكن فقط إذا تعاملنا مع هذين الموضوعين بأكبر قدر من المعرفة والاحترام. ومما لا شك فيه أن كتاب «الأمير» لمكيافيلِّي Machiavelli قد صمد جزئيًّا لأنه يمثِّل دليلًا تعليميًّا لأولئك الذين لا يتقبلون أحكام القدر ويتطلَّب أقصى درجات المكر لهزيمة القوى الأشد قوة. وينطبق الأمر نفسه، أيضًا، على نظريات ماكيندر. فهو يضع رؤية مثبِّطة للهمم، تبدو مُربكة بسبب قوة حجته وتعبيراته النثرية؛ وبالتالي يتولد الإحساس بالاندفاع إلى واقع محدد سلفًا بينما هو في الحقيقة يتحدانا لأن نسمو فوقه. كان يمثِّل أفضل نوع من الحتميين المترددين؛ إذ أدرك الجهد المحدَّد المطلوب منا بذله لتجنُّب وقوع مأساة.
إن الحتمية تعني التفكير المتحجر؛ أي المَيل إلى الانسحاق بفعل القوى والاتجاهات الكاسحة، وبالتالي عدم التأثر بمفارقات التاريخ وهي تتكشف في الواقع. لكن ماكيندر كان نقيض ذلك. وكأنما كان رجلًا ممسوسًا، ظل يراجع وينقِّح فرضية «المحور» التي وضعها في العام ١٩٠٤م، بإضافة المزيد من العمق والرؤية إليها، آخذًا بعين الاعتبار الأحداث الأخيرة وكيف تؤثر عليها. إن الألمعية الحقيقية لمقالة «المحور الجغرافي للتاريخ» تكمن في توقعها لوجود نظام عالمي global في الوقت الذي كانت فيه العقول التي تنتمي إلى العصر الإدواردي لا تزال تبذل قصارى جهدها للتوصل إلى منظومة قارِّية continental أوروبية.٢٣ تعود جذور هذا النظام القاري إلى مؤتمر فيينا الذي انعقد بعد هزيمة نابليون قبل ذلك بما يقرب من مائة سنة، والذي كان يعيش أيامه الأخيرة — على الرغم من أن قليلين، باستثناء ماكيندر وبعض الآخرين، قد استشعروا وجوده بحدسهم. أدَّت كارثة الحرب العالمية الأولى، التي اندلعت بعد عقد من نشر كتاب «المحور الجغرافي للتاريخ» إلى تحريض ألمانيا-بروسيا وروسيا القيصرية بعضها ضد بعض على الجبهة الشرقية، والقوات البرِّية الألمانية ضد القوات البحرية البريطانية والفرنسية على الجبهة الغربية؛ وبالتالي دعمت على نحوٍ مبهم فكرة ماكيندر حول الصراع على المناطق المركزية، مضيفةً عليها في الوقت نفسه عددًا من التعقيدات والتعديلات. كان «المُثل الديمقراطية والواقع» تنقيحه الذي بلغ حجمه كتابًا كاملًا لمقالة «المحور الجغرافي للتاريخ»، والذي ظهر في نفس سنة انعقاد مؤتمر فرساي للسلام. حذَّر ماكيندر صانعي السلام من «أن المشكلة بين القوة البحرية والقوة البرِّية لم تُحلَّ بصورةٍ نهائية، وأن النزال بين الجرمان Teuton والسلاف لم يجرِ خوض غماره حتى الآن»، على الرغم من الحرب التي أُزهقت فيها أرواح الملايين.٢٤ كانت مقالة «المحور الجغرافي للتاريخ» عبارةً عن نظرية فقط؛ أما كتاب «المثل الديمقراطية والواقع»، ومن الناحية الأخرى، فكان أطروحة منقحة وموسعة، كانت أيضًا بمنزلة تحذير بعيد النظر.
إن أسلوب الكتابة في كتاب «المثل الديمقراطية» يغلي بالوصف، وسعة الاطلاع، وإلقاء الضوء على الظلال التي تكتنف المشاهد المعاصرة والقديمة على حدٍّ سواء؛ إذ كان ماكيندر يعرض العالم من منظور البحَّار وساكن البر على حدٍّ سواء. إن حضارة وادي النيل، كما يخبرنا، وهو يفكِّر كبحَّار، كانت محميةً من جهتَي الشرق والغرب بواسطة الصحاري، ولم تتعرض أبدًا للقرصنة من جهة البحر المتوسط بفضل المستنقعات السائدة في منطقة الدلتا الواقعة إلى الشمال: ساعد هذا على تزويد الممالك المصرية بمستويات غير عادية من الاستقرار. وإلى الشمال من مصر، وفي شرق البحر المتوسط، تقع جزيرة كريت، وهي أكبر الجزر اليونانية وأكثرها خصوبة، وهي التي مثَّلت بالتالي «أول قاعدة للقوات البحرية» في العالم الغربي؛ لأن «القوى البشرية العاملة على البحر يجب أن تُغذَّى عن طريق خصوبة البر في مكانٍ ما». وانطلاقًا من جزيرة كريت، ربما استقر البحارة في «الغرفة البحرية» الواقعة في بحر إيجة، والتي شكلت الأساس الحقيقي للحضارة اليونانية: ازدهرت القوة البحرية اليونانية حتى تحدتها القوة البرِّية الفارسية، كما أضاف ماكيندر. غير أن الغزو الفارسي باء بالفشل. كان المقدونيون Macedonians أنصاف اليونانيين الآتين من الشمال، «من أصل شبه الجزيرة اليونانية نفسه»، هم من غذوا في النهاية منطقة بحر إيجة بأكملها. أما مقدونيا، ولكونها أكثر بُعدًا عن البحر من اليونان، فقد أفرزت جنسًا من «رجال البر وسكان الجبال»، الذين كانوا أكثر طاعة لحكامهم على الرغم من أنهم كانوا محاربين أشداء؛ ومع ذلك كانت قريبة من البحر بما فيه الكفاية لإدراك أهمية العالم الأوسع. وكان هذا الغزو المقدوني، الذي جعل بحر إيجة «بحرًا مغلقًا» — وبالتالي حرم الإغريق والفينيقيين من قواعدهم هناك — هو ما أتاح للإسكندر الأكبر، وهو مقدوني، ترفَ محاولة الغزو البري للشرق الأدنى الكبير. يشرح ماكيندر بعد ذلك الأصول الجغرافية للإمبراطورية الرومانية وما تلاها، حتى على الرغم من اعترافه بأن الجغرافيا لا تمثِّل دائمًا تفسيرًا للتاريخ؛ وعلى سبيل المثال، فقد غزا المسلمون القادمون من الصحراء الكبرى في جنوب البحر المتوسط إسبانيا شمال البحر المتوسط، في حين أن الرومان الآتين من شمال البحر المتوسط غزوا قرطاج في جنوب المتوسط؛ الأمر الذي تحقق في كلتا الحالتين بسبب إرادة الرجال المتمثِّلة في شكل قوة بحرية استثنائية.
ومع ذلك، وكما أشار إليه ماكيندر، فمهما كانت درامية إنجازات الأفراد، فإن القوى الجغرافية، من خلال تأثيرها على الثقافات الإنسانية، تميل إلى الانتصار في النهاية. وعلى سبيل المثال، هناك مثال مدينة بطرسبرغ، التي جعلها بطرس الأكبر Peter the Great عاصمةً لروسيا بين «أنياب ظروف جغرافية غير مواتية»، حتى على الرغم من أن الثقافة والأفراد الشديدي الحماسة جعلوا بقاءها أمرًا ممكنًا من الناحية التقنية. وبالتالي فقد انتصر بطرس على المدى القصير، وطوال قرنين من الزمان «كانت الإمبراطورية الروسية تُدار من هذه «الحماقة»». غير موسكو المرتبطة بالأرض — ومن ثم الجغرافيا — انتصرت مجددًا في نهاية المطاف. للإرادة البشرية حدود لا يمكن تجاوزها.٢٥
تمثَّلت نقطة انطلاق ماكيندر إلى حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى في إدراكه البارز لمفهوم «المحور» لأننا نواجه للمرة الأولى في التاريخ «نظامًا مغلقًا»، يتَّسم بأن «الملكية السياسية لجميع الأراضي الجافة» جرى «ترسيمها» بالفعل. وفي هذه الجغرافيا العالمية الجديدة، تشكِّل مساحة الأراضي الجافة «رأسًا شاسعًا» vast cape، أو «نتوءًا (رَعْنًا: Promontory) عالميًّا»، على حدِّ تعبيره، يمتد من الجزر البريطانية وشبه جزيرة أيبيريا جنوبًا بطول الطريق حول نتوء غرب أفريقيا وطريق رأس الرجاء الصالح؛ ومن ثم عبر المحيط الهندي وصولًا إلى شبه القارة الهندية وشرق آسيا. وبالتالي، فإن أوراسيا وأفريقيا تشكِّلان معًا «جزيرة عالمية»، التي ستتحول بمرور العقود إلى وحدة متماسكة على نحوٍ متزايد:٢٦
هناك محيط واحد يغطي تسعة من ١٢ جزءًا من العالم؛ وثمَّة قارة واحدة — هي الجزيرة العالمية — تغطي جزأين من ١٢ جزءًا من العالم؛ وهناك العديد من الجزر الأصغر حجمًا، والتي من بينها تُعتبر أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، لأغراض فعالة، قارتين اثنتين، واللتين تغطيان معًا الجزء المتبقي من ١٢ جزءًا من العالم.٢٧
وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للمرء أن يقول إن ٧٥ في المائة من السكان البشريين يعيشون في أوراسيا (فضلًا عن أفريقيا)، التي يحتوي على معظم ثروة العالم، وستين في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وثلاثة أرباع احتياجاتها من مصادر الطاقة.٢٨
تمثَّل الافتراض الضمني في أطروحة ماكيندر في أن أوراسيا سوف تهيمن على الحسابات الجيوسياسية، حتى مع تحوُّل أوروبا شيئًا فشيئا إلى كيان منفصل عن بقية أوراسيا وأفريقيا. «لقد صار العالم قديمًا جزيريًّا insular، أو بعبارةٍ أخرى تحوَّل إلى وحدة، وهي أكبر وحدة جغرافية في عالمنا على الإطلاق». واعتبارًا من نهاية الحروب النابليونية، وباستثناء موزمبيق البرتغالية، وشرق أفريقيا الألماني، وجزر الهند الشرقية الهولندية، فقد أحاطت القوة البحرية البريطانية بهذا «النتوء العالمي». يقارن ماكيندر بين السيطرة الرومانية على البحر المتوسط، مع انتشار فيالق روما على طول الحدود المتمثِّلة في نهر الراين، وبين الهيمنة البريطانية على المحيط الهندي (وهو البحر الرئيسي للنتوء العالمي)، حيث كانت دوريات الجيش البريطاني تحرس الحدود الشمالية الغربية للهند ضد روسيا القيصرية المُعادية.٢٩

إن متضمنات «النظام المغلق» الذي تصوَّره ماكيندر، والذي يمكن فيه أن نتصور كامل عرض أوروبا وآسيا وأفريقيا كوحدةٍ عضوية واحدة، والانغلاق الإضافي لهذا النظام طوال القرن العشرين وما بعده، تشكِّل النقطة الأساسية لدراستي الخاصَّة، والتي ستنبع منها نقاط أخرى. ولكن بالقدر نفسه من الأهمية، يجب أن نعترف بأنه حتى النظام المغلق، الذي يكون فيه المحيط الهندي، على سبيل المثال، هو المركز الحيوي للاقتصاد العالمي، حيث تجمع الناقلات في المستقبل النفط والغاز الطبيعي من الصومال لتخزينه في الصين، لا يزال منقسمًا من الداخل بفعل الجغرافيا. إن الجغرافيا، في الواقع، تصبح أكثر أهميةً ضمن نظام مغلق، بسبب نزوع هذا النظام لجعل تأثير التضاريس القاسية في أفغانستان، على سبيل المثال، تتسق سياسيًّا من إحدى نهايتَي الجزيرة العالمية إلى الأخرى.

أما الآن، فلنعُد إلى استكشاف ما قصده ماكيندر بالضبط باصطلاح المنطقة المركزية Heartland، التي تؤثر كثيرًا على مصير الجزيرة العالمية. يبدأ ماكيندر ويختتم فكرته بقوله المأثور الرائع والمفرط في التبسيط، الذي كثيرًا ما استشهد به الباحثون:
من يحكم أوروبا الشرقية يسيطر على المنطقة المركزية؛ ومن يحكم المنطقة المركزية يسيطر على الجزيرة العالمية؛ ومن يحكم الجزيرة العالمية يسيطر على العالم.٣٠
إن أول شيء يجب إدراكه هنا هو أن ماكيندر، بدلًا من أن يكون حتميًّا كليًّا، يستجيب بالقدر نفسه للأحداث الناتجة عن الفاعلية الإنسانية في أثناء تنبؤه بها. وما بين نشره لمقال «المحور الجغرافي للتاريخ» في العام ١٩٠٤م وكتاب «المُثل الديمقراطية والواقع» في العام ١٩١٩م، جاءت مذبحة الحرب العالمية الأولى، وفي أعقاب تلك الحرب جاء مؤتمر باريس للسلام، الذي عُقد أثناء مثول كتاب ماكيندر للطبع. ومع انهيار الإمبراطوريتين النمساوية-المجرية والعثمانية نتيجةً للحرب، كان من بين الأغراض المحورية للدبلوماسيين المجتمعين في فرساي إعادة ترتيب خريطة أوروبا الشرقية. وبالتالي، فقد تناول ماكيندر في كتابه قضية تجاهلها في مقالة «المحور الجغرافي للتاريخ» التي كتبها قبل خمسة عشر عامًا؛ ألا وهي «الضرورة الحيوية لوجود طبقة من الدول المستقلة بين ألمانيا وروسيا». وعلى حدِّ تعبيره، فقد «كنا معارضين لحكم القياصرة الروس Czardom أنصاف الألمان لأن روسيا كانت القوة المهيمنة التي ظلت تهدد كلًّا من أوروبا الشرقية والمنطقة المركزية لمدة نصف قرن؛ كما كنا معارضين كليًّا لحكم القياصرة الألمان Kaiserdom؛ لأن ألمانيا أخذت زمام المبادرة في أوروبا الشرقية من روسيا القيصرية، وستتمكن حينئذٍ من سحق السلاف المتمردين، ومن ثم السيطرة على كلٍّ من أوروبا الشرقية والمنطقة المركزية». وهكذا، فإن أوروبا الشرقية من منظور ماكيندر في العام ١٩١٩م تصبح مفتاح المنطقة المركزية، التي تستمد قوَّتها البرِّية من ألمانيا وخصوصًا من روسيا.
ولأن روسيا كانت «تطرق البوابات البرِّية لجزر الهند»، ما يضعها في مواجهة مع القوة البحرية البريطانية، التي، بدورها، كانت «تطرق الأبواب البحرية للصين» حول رأس الرجاء الصالح وعبر قناة السويس لاحقًا. ومن خلال اقتراح إنشاء حصنٍ واقٍ مؤلف من دول شرق أوروبا المستقلة من إستونيا باتجاه الجنوب إلى بلغاريا — أي «بوهيميا العظمى»، «وصربيا العظمى»، و«رومانيا العظمى»، وهلم جرًّا — فإن ماكيندر يطرح، في الواقع، تعديلًا بسيطًا على فكرته وفكرة فيرغريف Fairgrieve حول «منطقة الحشود» التي وصفها فيرغريف على وجه التحديد في كتاباته المنشورة في العام ١٩١٥م، والتي تعني المنطقة المعرَّضة للاجتياح من قِبل القوة البرِّية الآتية من المنطقة المركزية أو القوة البحرية القادمة من أوروبا.٣١ وإذا أمكن لهذه الدول المستقلة حديثًا أن تبقى على قيد الحياة، فستكون هناك فرصة لظهور أوروبا الوسطى، بالمعنى الروحي والجيوسياسي على حدٍّ سواء، على الرغم من كل شيء. وقد توسَّع ماكيندر في طرحه، فاقترح إقامة سلسلة من الدول الواقعة إلى الشرق، إذا جاز التعبير، من أوروبا الشرقية: روسيا البيضاء (بيلاروسيا)، وأوكرانيا، وجورجيا، وأرمينيا، وأذربيجان، وداغستان، من أجل إحباط مخططات روسيا البلشفية، التي وصفها باسم «دولة القياصرة الدومينيكيين» Jacobin Czardom. وفي الواقع، مع زوال الاتحاد السوفييتي في العام ١٩٩١م، ستبزغ مجموعة من الدول المستقلة حديثًا، والمماثلة بشكلٍ لافت للنظر إلى ما طرحه ماكيندر.٣٢

غير أن ماكيندر، في البداية على الأقل، قد ثبت خطؤه في هذه المسألة؛ فلا يبدو أنه أدرك، كما فعل توينبي، أن أوروبا التي جرى ترسيم حدودها بناءً على مبدأ حق تقرير المصير الوطني كانت عرضةً لأن تكون أوروبا تهيمن عليها ألمانيا؛ كونها أكبر حجمًا وذات وضع أفضل من الناحية الجغرافية، وأقوى من أي دولة أخرى ذات أسس عِرقية. وبالفعل، ستقهر ألمانيا أوروبا الشرقية في الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن العشرين، وستغزو روسيا، باعتباره ردَّ فعل لذلك، هذه الدول المستقلة حديثًا في المنطقة العازلة التي اقترحها ماكيندر؛ ومن ثم تحبسها في سجن للأمم ما بين عامَي ١٩٤٥ و١٩٨٩م. وخلال الجيل الأخير وحده بزغ الأمل في أنه يمكن لأوروبا الوسطى الروحية أن تعيش بين القوَّتَين البريَّتين لروسيا وألمانيا. فلماذا نجد ماكيندر، باعتباره واقعيًّا متعصبًا، قد صار رخوًا فجأةً، إذا جاز التعبير، في دعم ما كان يمثِّل، في الواقع، المبادئ «الويلسونية» لحقِّ تقرير المصير الوطني؟

وكما أشار إليه أحد الباحثين، وهو آرثر بتلر دوغان Dugan، كان ماكيندر، على الرغم من نظرياته الجريئة والحتمية، ابن عصره، أو «ثمرة» لمناخ الرأي السائد «أكثر مما كان يُدرك».٣٣
كان ماكيندر في أعماقه ليبراليًّا، أو على الأقل صار واحدًا. لقد تصوَّر الكومنولث البريطاني وقد تحوَّل إلى رابطة للثقافات والشعوب، المختلفة ولكنها متساوية؛ كما آمن بأن عصبةً من الديمقراطيات ستمثِّل أفضل دفاع ضد قوة إمبريالية عظمى في قلب أوراسيا (ما يتنبأ، بالتالي، بكفاح حلف الناتو ضد الاتحاد السوفييتي).٣٤
إن انجراف ماكيندر تجاه مبادئ ويلسون، الذي بدأ في مقالة «المُثل الديمقراطية والواقع»، يشكِّل حجر الزاوية في مراجعته للنظرية التي وضعها حول «المنطقة المركزية». كان قد شرح تلك النظرية لأول مرةٍ في مقالة «المحور الجغرافي»، من دون استخدام مصطلح «المنطقة المركزية». صيغ المصطلح في الواقع من قِبل فيرغريف في كتابه المعنون «الجغرافيا والطاقة العالمية»، المنشور في العام ١٩١٥م وفي العام ١٩١٩م، أضاف ماكيندر إلى المناطق المحورية لآسيا الوسطى التي حددها في العام ١٩٠٤م، ما أسماه «المسارات النجدية التبتية والمنغولية للأنهار الكبرى في الهند والصين»، وكامل الحزام العريض المكون من البلدان الواقعة من الشمال إلى الجنوب من شبه جزيرة اسكندنافيا إلى الأناضول، وبما في ذلك أوروبا الشرقية والوسطى: بحيث تصبح المنطقة المركزية الجديدة مساوية تقريبًا للإمبراطورية السوفييتية في أوج قوَّتها خلال الحرب الباردة.٣٥ أو ينبغي أن أقول: الإمبراطورية السوفييتية بالإضافة إلى النرويج، وشمال تركيا، وإيران، وغرب الصين. ولأن الجزء الأكبر من سكان الصين لا يعيشون في الغرب ولكن في الأراضي الساحلية التي تهبُّ عليها الرياح الموسمية، فإن المنطقة المركزية لماكيندر تمثِّل الجزء الأكبر من الجزء الداخلي لأوراسيا الذي يتَّسم بأنه قليل السكان نسبيًّا، مع الضخامة الديموغرافية للصين، والهند، والنصف الغربي من أوروبا على جانبيه. أما الشرق الأوسط (وبالتحديد شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب) فلم يكن مكتظًّا بالسكان ولا جزءًا من المنطقة المركزية، ولكن كما كتب ماكيندر في العام ١٩١٩م، فقد صارت له الآن أهمية محورية بالنسبة إلى مصير الجزيرة العالمية؛ لأنها تمثِّل «الممر البري» من أوروبا إلى جزر الهند ومن الجزء الشمالي من المنطقة المركزية إلى الجزء الجنوبي، فضلًا عن كونه يمكن الوصول إليها عبر العديد من المسطحات المائية المنتشرة في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية.٣٦

لكن مصير شبه الجزيرة العربية، وكذلك مصير أوروبا، يتأثر تأثرًا كبيرًا بالمنطقة المركزية؛ كما أن الجزء الأكثر قربًا من المنطقة المركزية إلى شبه الجزيرة العربية هو إيران، وهو درس ينبغي أن نضعه في أذهاننا لاستخدامه في عصرنا الحالي. وفي الواقع، أن الهضبة الإيرانية تتَّسم بأهميتها البالغة؛ ولذلك سأتناولها في موضعٍ لاحق.

وهناك استثناء مشوِّق هنا هو اليونان، التي تمثِّل من الناحية الجغرافية جزءًا من الطبقة المستقلة من الدول العازلة بين ألمانيا وروسيا، لكن ماكيندر استبعدها من منطقته المركزية الموسعة للعام ١٩١٩م؛ لأن حدود اليونان، كما يقول، تتكون في معظمها من المياه وبالتالي يمكن للقوة البحرية أن تصل إليها. كانت اليونان أول من تحرر من بين هذه الدول من السيطرة الألمانية خلال الحرب العالمية الأولى. وهنا، أيضًا، أظهر ماكيندر بُعد نظره الثاقب؛ فكتب قائلًا: «إن الاستحواذ على اليونان من قِبل قوة مركزية كبرى يرجِّح أن يحمل معه السيطرة على الجزيرة العالمية.»٣٧ والواقع، أن هذا ما حدث تقريبًا؛ فبعد قتال عنيف في حرب أهلية بين الميليشيات الموالية للغرب وتلك الشيوعية، صارت اليونان هي الوحيدة من بين هذه الأراضي العازلة التي لم تسقط ضمن المدار السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية، وشكلت لاحقًا — مع تركيا — خط القمة ridgeline الجنوبي الاستراتيجي لحلف شمال الأطلسي (الناتو). أما السوفييت، فكما حدث، فسيخسرون الحرب الباردة لاحقًا. ووفقًا لماكيندر، فإن أوروبا والشرق الأوسط هي أكثر تأثرًا بكثير بالمنطقة المركزية من الهند والصين، اللتين يتَّسم مئات الملايين من سكانهما باكتفائهم الذاتي؛ وبالتالي يمكنهما التطوُّر سلميًّا. أدَّى به هذا الاستنتاج إلى التنبؤ بأن المستقبل يكمن إلى حدٍّ كبير في «أراضي الرياح الموسمية في الهند والصين».٣٨
لكن لماذا تتَّسم المنطقة المركزية بمثل هذه الأهمية في المقام الأول؟ وهل السيطرة على الأراضي المنخفضة الواسعة والنجود الداخلية لأوراسيا أمر محوري حقًّا لأية قوة عالمية؟ نعم، فهي غنية بالنفط والمعادن والفلزات الاستراتيجية، لكن هل هذا يكفي حتى؟ تتَّسم فكرة ماكيندر بميكانيكيتها في حدِّها الأقصى. وعلى الرغم من ذلك، كنتيجة جزئية لذلك، فهي توفر وسيلة لشرح الكثير عن الترتيب المكاني للدول والشعوب في جميع أنحاء النصف الشرقي من العالم؛ فمن الأسهل تفسير العلاقات بين إحدى نهايتَي أوراسيا والنهاية الأخرى باعتبار أن النقطة المرجعية للقياس هي المركز، وليس أي حافة ساحلية. يمكن النظر إلى المنطقة المركزية بأفضل صورة باعتبارها سجلًّا للقوة عبر الجزيرة العالمية، وليس مُحدِّدًا لها. وقرب نهاية كتاب «المثل الديمقراطية والواقع»، افترض ماكيندر أنه إذا خرج الاتحاد السوفييتي من الحرب العالمية الأولى متفوقًا على ألمانيا، «فلا بد من تصنيفه كأعظم قوة برِّية في العالم»؛ وذلك بسبب قدرته على حماية المنطقة المركزية.٣٩

وقد فعل الاتحاد السوفييتي ذلك في نهاية المطاف، وفعلها مرةً أخرى بعد الحرب العالمية الثانية. وبالتالي، فقد صار في مواجهة مباشرة، كما أشار ماكيندر إلى أنه سيفعل، ضد القوة البحرية المتفوقة في العالم؛ أي الولايات المتحدة. كان الاتحاد السوفييتي يسعى إلى القوة البحرية — من خلال البحث عن منفذ إلى المياه الدافئة للمحيط الهندي — لدرجة أن السوفييت أقدموا في نهاية المطاف على غزو أفغانستان، وهي جزء صغير من المنطقة المركزية التي استعصى عليهم إحكام قبضتهم عليها. ومن خلال الوقوع في شرك الميليشيات المتمردة في أفغانستان، انهارت إمبراطورية الكرملين بأسرها. أما الآن، فإن روسيا، التي تقلَّص حجمها كثيرًا، تحاول إعادة توحيد هذه المنطقة المركزية نفسها — روسيا البيضاء، وأوكرانيا، والقوقاز، وآسيا الوسطى. ويشكِّل هذا، في حدِّ ذاته، بعد قرن كامل من طرح ماكيندر لنظرياته، واحدًا من أهم الأعمال الدرامية الجيوسياسية في عصرنا الحالي.

١  Jakub J. Grygiel, Great Powers and Geopolitical Change (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2006), pp. 2, 24; Mackubin Thomas Owens, “In Defense of Classical Geopolitics,” Naval War College Review, Newport, Rhode Island, Autumn 1999, pp. 60, 73; Saul B. Cohen, Geography and Politics in a World Divided (New York: Random House, 1963), p. 29.
٢  Paul Kennedy, “The Pivot of History: The U.S. Needs to Blend Democratic Ideals with Geopolitical Wisdom,” The Guardian, June 19, 2004; Cohen, Geography and Politics in a World Divided, p. xiii.
٣  Zbigniew Brzezinski, The Grand Chessboard: American Primacy and Its Geostrategic Imperatives (New York: Basic Books, 1997), p. 37.
٤  Hans J. Morgenthau, Politics Among Nations: The Struggle for Power and Peace, revised by Kenneth W. Thompson and W. David Clinton (New York: McGraw Hill, 1948), pp. 170-71.
٥  Halford J. Mackinder, Democratic Ideals and Reality: A Study in Politics of Reconstruction (Washington, DC: National Defense University, 1919, 1942), p. 205; W. H. Parker, Mackinder: Geography as an Aid to Statecraft (Oxford: Clarendon Press, 1982), pp. 211-12.
٦  Mackinder, Democratic Ideals and Reality, p. 155.
٧  H. J. Mackinder, “On the Necessity of Thorough Teaching in General Geography as a Preliminary to the Teaching of Commercial Geography,” Journal of the Manchester Geographical Society, 1890, vol. 6; Parker, Mackinder, pp. 95-96.
٨  H. J. Mackinder, “The Geographical Pivot of History,” The Geographical Journal, London, April 1904, p. 422.
٩  Ibid., p. 421.
١٠  Ibid., p. 422.
١١  Mackinder, Democratic Ideals and Reality, p. 72; James Fairgrieve, Geography and World Power, p. 103.
١٢  ستواجه الولايات المتحدة مصيرًا مماثلًا؛ إذ إن الحرب العالمية الثانية تركتها شبه سالمة تمامًا، في حين أن البنى التحتية في أوروبا، والاتحاد السوفييتي، والصين، واليابان تعرضت للدمار؛ مما منح أمريكا عقودًا من التفوق الاقتصادي والسياسي.
١٣  Toynbee, A Study of History, abridgement of vols. 7–10 by D. C. Somervell (New York: Oxford University Press, 1946), pp. 151, 168.
١٤  Geoffrey Sloan, “Sir Halford J. Mackinder: The Heartland Theory Then and Now,” in Geopolitics, Geography and Strategy, edited by Colin S. Gray and Geoffrey Sloan (London: Frank Cass, 1999), p. 19.
١٥  Kennedy, “The Pivot of History: The U.S. Needs to Blend Democratic Ideals with Geopolitical Wisdom”.
١٦  Parker, Mackinder, p. 154.
١٧  Gerry Kearns, Geopolitics and Empire: The Legacy of Halford Mackinder (New York: Oxford University Press, 2009), p. 38.
١٨  Parker, Mackinder, p. 121.
١٩  Daniel J. Mahoney, “Three Decent Frenchmen,” The National Interest, Washington, Summer 1999; Franciszek Draus, History, Truth and Liberty: Selected Writings of Raymond Aron (Chicago: University of Chicago Press, 1985).
٢٠  Grygiel, Great Powers and Geopolitical Change, p. 181; Raymond Aron, Peace and War: A Theory of International Relations (Garden City: Doubleday, 1966), pp. 197-98.
٢١  Mackinder, Democratic Ideals and Reality, p. 2.
٢٢  Ibid., p. 1.
٢٣  Parker, Mackinder, p. 160.
٢٤  Ibid., p. 163.
٢٥  Mackinder, Democratic Ideals and Reality, pp. 24-25, 28, 32; Parker, Mackinder, 122-23; Fairgrieve, Geography and World Power, pp. 60–62.
٢٦  Mackinder, Democratic Ideals and Reality, pp. 22, 38, 41, 46.
٢٧  Ibid., pp. 46, 48.
٢٨  Brzezinski, The Grand Chessboard, p. 31.
٢٩  Mackinder, Democratic Ideals and Reality, pp. 41-42, 47.
٣٠  Ibid., p. xviii, from introduction by Stephen V. Mladineo.
٣١  Mackinder, Democratic Ideals and Reality, pp. 95–99, 111-12, 115; Cohen, Geography and Politics in a World Divided, pp. 85-86; James Fairgrieve, Geography and World Power (London: University of London Press, 1915).
٣٢  Sloan, “Sir Halford J. Mackinder: The Heartland Theory Then and Now,” p. 31.
٣٣  Arthur Butler Dugan, “Mackinder and His Critics Reconsidered,” The Journal of Politics, May 1962.
٣٤  Brian W. Blouet, Halford Mackinder: A Biography (College Station: Texas A & M Press, 1987), pp. 150-51.
٣٥  Mackinder, Democratic Ideals and Reality, pp. 55, 78; Cohen, Geography and Politics in a World Divided, pp. 42–44.
٣٦  Mackinder, Democratic Ideals and Reality, pp. 64-65.
٣٧  Ibid., p. 116.
٣٨  Ibid., pp. 74, 205.
٣٩  Ibid., p. 201.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥