الفصل السادس

فرضية الأرض المحيطة

«رأى سبيكمان أن الأرض المحيطة تمثِّل مفتاح القوة العالمية، وليس المنطقة المركزية لماكنيدر.»

المؤلف
لم يكن روبرت شتراوس-هوبي هو الأمريكي المتجنس الوحيد الذي حذَّر مواطنيه خلال الحرب بشأن ضرورة إنقاذ الجغرافيا السياسية من براثن النازية؛ ومن ثم استعادة سمعتها، وتوظيفها لمصلحة الولايات المتحدة. ولد نيكولاس ج. سبيكمان Spykman في العام ١٨٩٣م في أمستردام. وخلال الحرب العالمية الأولى، عندما كانت هولندا محايدة، سافر على نطاق واسع كمراسل أجنبي في الشرق الأدنى (١٩١٣–١٩١٩م) والشرق الأقصى (١٩١٩-١٩٢٠م). وبعد الحرب، حصل على درجة البكالوريوس والدراسات العليا من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، حيث كان يقوم بالتدريس أيضًا، وبعد ذلك انتقل إلى جامعة ييل، حيث أسَّس معهدًا للدراسات الدولية في العام ١٩٣٥م.١ عمل على تشريب طلابه بالوعي الجغرافي بوصفه الوسيلة الرئيسية لتقييم المخاطر والفرص التي يواجهها وطنه الجديد في العالم. تُوفي سبيكمان بمرض السرطان في العام ١٩٤٣م عن عمر يناهز التاسعة والأربعين، ولكن ليس قبل أن ينشر في السنة السابقة لوفاته كتابه المعنون «استراتيجية أمريكا في السياسة العالمية: الولايات المتحدة وميزان القوى»، وهو الكتاب الذي يزودنا — حتى أكثر من كتابات ماكيندر — بإطارٍ لفهم عالم ما بعد الحرب الباردة. كانت كتابات سبيكمان، الذي عاش في وقتٍ لاحق لماكيندر، تمثِّل تحديثات لأفكار هذا الأخير بصورةٍ ما.
في أسلوب شتراوس-هوبي، ومورغنثاو، وهنري كيسنغر، وغيرهم من المهاجرين الأوروبيين في عقود منتصف القرن العشرين، الذين جلبوا الواقعية إلى البلد الذي منحهم ملجأً لكن الذي شعروا بأنه يتَّسم بالسذاجة على نحوٍ خطير، فإن سبيكمان لم يكن يمتلك أيًّا من المثالية والعاطفية التي كانت مميزة لأغلبية المفكرين الأمريكيين. وبالنسبة إليه، فإن الجغرافيا هي كل شيء. كانت الولايات المتحدة قوة عظمى ليس بسبب أفكارها، ولكن لأن وصولها المباشر إلى المحيطَين الأطلسي والهادي جعلها «الدولة الأكثر تفضيلًا في العالم من منظور الموقع الجغرافي».٢ ومع سبيكمان، لا توجد راحة من قسوة الخريطة والصراع المترتب على ذلك من أجل المساحة. وقد كتب قائلًا: «إن المجتمع الدولي هو … مجتمع من دون سلطة مركزية للحفاظ على القانون والنظام.» بل إنه في حالة من الفوضى، بعبارةٍ أخرى. وبالتالي، يجب على جميع الدول أن تكافح من أجل الحفاظ على ذاتها. يمكن لرجال الدولة أن يسعوا جاهدين من أجل القيم العالمية للعدالة والإنصاف، والتسامح، لكن فقط إلى الحد الذي لا يتداخل مع السعي من أجل القوة، الذي له هو مرادف للبقاء على قيد الحياة. «لا يكون السعي إلى القوة من أجل تحقيق القيم الأخلاقية، لكن القيم الأخلاقية تُستخدم لتسهيل امتلاك القوة». من الممكن تقريبًا أن تصدر هذه العبارة عن كارل هاوسهوفر، كما أن هناك الكثير من المآسي في سبيل تحقيقها. لكن هذا يجب ألَّا يُعمينا عن الفرق الجوهري بين الرجلين. كان سبيكمان، مثل ماكيندر وشتراوس-هوبي، يؤمن «بالأمان» الذي تمثِّله «القوة المتوازنة»، وليس بالهيمنة. ومن هذا الاختلاف، تنبع كل الاختلافات الأخرى. وفيما يتعلق ﺑ «بتوازن القوى»، كان سبيكمان حريصًا على القول بأنه يتوافق مع «قانون الطبيعة والأخلاق المسيحية» لأنه يحافظ على السلام.٣
وفي حين يضيِّق شتراوس-هوبي تركيزه على النظرية الجيوسياسية النازية وعلى الدفاع عن ماكيندر أثناء ذلك، فإن سبيكمان يوسع نطاق تركيزه ليشمل خريطة العالم من أجل تقييم احتمالات الهيمنة النازية، وكذلك تحديد الخطوط العريضة لترتيبات القوة التي تميز عالم ما بعد الحرب الذي لن يعيش ليراه. وفي سبيل ذلك، بدأ بشرحٍ جغرافي لكيف أصبحت الولايات المتحدة قوة عظمى. إن «التاريخ»، كما يقول سبيكمان، «يُصنع في خطوط العرض المعتدلة»، حيث يسود مناخ معتدل، «ولأن القليل جدًّا من مساحة اليابسة في نصف الكرة الأرضي الجنوبي يقع في هذه المنطقة، فإن صناعة التاريخ تجري في خطوط العرض المعتدلة من نصف الكرة الأرضية الشمالي.» ليس الأمر أن بلدان أفريقيا جنوبيَّ الصحراء الكبرى والمخروط الجنوبي لأمريكا الجنوبية لا تتَّسم بالأهمية، لأنها صارت أكثر أهميةً بكثير في أيامنا هذه مما كانت عليه في الماضي بسبب تكنولوجيا النقل والاتصالات التي أتاحت لكل مكان فرصة التأثير في الآخر؛ وبدلًا من ذلك، يتمثَّل الأمر في أن تأثيرها لا يزال أقل في جميع أنحاء العالم من تأثير الأماكن الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، وخاصَّة في المنطقة المعتدلة الشمالية. في هذا السياق، يشرح جيمس فيرغريف Fairgrieve، وهو شبه معاصر لماكيندر، أنه نظرًا إلى افتقارهم إلى الطاقة الشمسية بالمقارنة بالمناطق المدارية، فقد تستوجب على البشر في المناطق المعتدلة أن يعملوا بجد للتعامل مع تباينات مناخية أكبر، ومع الاختلافات في المواسم التي تؤدِّي إلى أوقات محددة للبَذْر والحصاد؛ وهكذا، ففي المناطق المعتدلة تمكَّن البشر «من التقدم من قوة إلى قوة». وفي حين أن القطب الجنوبي يتضمن قارة كبيرة تحيط بها حلقة متواصلة من المحيط، فحول القطب الشمالي يوجد محيط تحيط به حلقة شبه متواصلة من الأرض؛ وهي الأرض التي كان البشر فيها أكثر إنتاجية. كان شتراوس-هوبي أكثر تحديدًا في هذا الصدد، فيخبرنا بأن التاريخ يُصنع «ما بين دائرتَي العرض عشرين وستين درجة شمالًا». وتشمل هذه المنطقة أمريكا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا، ومعظم روسيا، والصين، والجزء الأكبر من الهند. ويلاحظ أن «زنار البرِّية» wilderness girdle الذي اقترحه ماكيندر يتوافق معه تقريبًا؛ لأنه يتضمن المنطقة المركزية والمناطق التخومية المجاورة لها في أوراسيا. وتتمثَّل الحقيقة المحورية حول الولايات المتحدة، وفقًا لهذا الخط من التفكير، في أنه — كونها تقع تحت القطب الشمالي الكندي — فهي تحتل آخر قطعة أرض كبيرة وخالية نسبيًّا من المنطقة المعتدلة، والتي لم تستوطنها الحضارة المدنية حتى عصر التنوير الأوروبي. فضلًا عن ذلك، فقد ازدهرت أمريكا في البداية، كما كتب سبيكمان؛ لأن الساحل الشرقي، بما يحتويه من مصبَّات الأنهار والتضاريس المسننة، قد وفر «مواقع مواتية لا تُعد ولا تحصى لإنشاء الموانئ».٤ وفي نهاية المطاف، ومن هذا المنظور، كانت الجغرافية هي الداعم المبكر للحرية الأمريكية.
تحتل أمريكا مكانتها باعتبارها قوةً عظمى؛ لأن الولايات المتحدة هي القطب المهيمن في نصف الكرة الأرضية الغربي، وهي التي تمتلك، كما يقول سبيكمان، «من القوة ما يكفي لادخاره للأنشطة التي تجري خارج العالم الجديد»، بحيث يمكنها أن تؤثر على توازن القوى في نصف العالم الشرقي.٥ ليس هذا عملًا عاديًّا، كما أن الولايات المتحدة يجب ألَّا تنظر إليه باعتباره أمرًا مفروغًا منه؛ لأنه متجذر في خصوصيات جغرافية أمريكا اللاتينية. لا توجد دولة أخرى في العالم، حتى الصين أو روسيا، تتَّسم بكونها قوة مهيمنة بحجم نصف الكرة الأرضية. وفي معرض تفسير كيفية حدوث هذا، يجلب سبيكمان إلى مناقشة الجغرافيا السياسية أمريكا الجنوبية — التي تجاهلها ماكيندر إلى حدٍّ كبير. وبسبب تركيز ماكيندر على أوراسيا، خصوصًا المنطقة المركزية منها، تتَّسم كتابات ماكيندر بأهميتها المحورية لفهم جغرافية الحرب الباردة؛ في حين يمتلك سبيكمان تصورًا أكثر تكاملًا للعالم بأسره؛ وبالتالي فهو أكثر أهميةً من ماكيندر في عصر يمكن فيه لكل مكان أن يؤثر في كل مكان آخر.
يتمثَّل القلب الاستراتيجي والجغرافي للعالم الجديد فيما يسميه سبيكمان «البحر المتوسط الأمريكي»، أي منطقة الكاريبي الكبرى، بما في ذلك خليج المكسيك. ومثلما اكتسبت أثينا سيطرة فعالة على الأرخبيل اليوناني بسيطرتها على بحر إيجة، بينما سادت روما العالم الغربي عن طريق الهيمنة على البحر المتوسط الأوروبي؛ فإن أمريكا، كما يوضح سبيكمان، قد صارت قوة عالمية عندما تمكَّنت، أخيرًا، في الحرب الإسبانية-الأمريكية للعام ١٨٩٨م، أن تنتزع السيطرة من دون منازع على «البحر المتوسط»، أو منطقة البحر الكاريبي، من الدول الاستعمارية الأوروبية؛ مما سمح بإنشاء قناة بنما بعد فترة وجيزة. وكما يقول سبيكمان عن حوض البحر الكاريبي، فإنه «لا يمكن أن ينشأ تهديد خطير لمكانة الولايات المتحدة في المنطقة نفسها؛ فالجزر محدودة الحجم، كما أن تضاريس أمريكا الوسطى، المقاربة لتضاريس شبه جزيرة البلقان … تناسب وجود وحدات سياسية صغيرة. حتى البلدان الكبيرة الحجم، مثل المكسيك وكولومبيا وفنزويلا، فتحرمها التضاريس، والمناخ، وعدم توافر المواد الخام الاستراتيجية من أن تصبح قوًى بحرية كبيرة.» تستطيع بحرية الولايات المتحدة أن تفرض حصارًا على الحدود الشرقية لمنطقة البحر الكاريبي ومن ثم عَزْل هذه الدول عن الأسواق العالمية؛ وبالتالي فهي في التحليل النهائي تعتمد على الولايات المتحدة. تتمثَّل قوة منطق سبيكمان، إضافة إلى غيره من المفكرين الذين أتناولهم في هذا الكتاب، في القدرة على الرؤية عبر صخب الأحداث الجارية؛ ومن ثم اكتشاف عن الحقائق الأساسية. وكما يقول، فإن الحقيقة الجغرافية الأساسية لنصف الكرة الأرضية الغربي هي أن التقسيم بداخلها ليس بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، ولكن بين المنطقة الشمالية من الغابة الاستوائية التي تهيمن عليها الأمازون والمنطقة الواقعة إلى الجنوب منها. ويترتب على ذلك أن كولومبيا وفنزويلا، وكذلك غيانا (Guianas)، على الرغم من أنها تقع على الساحل الشمالي لأمريكا الجنوبية، فهي وظيفيًّا تشكِّل جزءًا من أمريكا الشمالية والبحر المتوسط الأمريكي. يتمثَّل عالمها الجيوسياسي في منطقة الكاريبي، كما أنها لا ترتبط إلا قليلًا نسبيًّا بالدول الواقعة جنوبيَّ الغابة الأمازونية، على الرغم من أنها تتشارك القارة نفسها: فمثل البحر المتوسط الأوروبي، فإن البحر المتوسط الأمريكي لا يفرِّق بل يوحد. كما أن شمال أفريقيا يمثِّل جزءًا من عالم البحر المتوسط، لكن الصحراء الكبرى تمنعها من أن تكون جزءًا من أفريقيا الأصلية، فإن الساحل الشمالي لأمريكا الجنوبية هو جزء من العالم الكاريبي، وهو الذي انفصل بسبب الجغرافيا عن أمريكا الجنوبية الأصلية. وكما يوضح سبيكمان:
إن سلاسل الجبال التي تنحني شرقًا من جبال الإنديز تفصل حوض الأمازون عن واديَي ماغدالينا وأورينوكو وتشكِّل الحدود الجنوبية لغيانا. وفيما وراء ذلك، تقع الغابة الهائلة التي لا يمكن اختراقها والغابات الاستوائية لوادي الأمازون. يوفر النهر وروافده نظامًا ممتازًا للاتصال من الغرب إلى الشرق، لكنها لا توفر وسيلة انتقال للتحركات إلى الشمال والجنوب.٦
أما النصف الجنوبي من أمريكا الجنوبية، فتعمل الجغرافيا على تهميش أهميته الجيوسياسية، كما يوضح سبيكمان. إن الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية محشور بين المحيط الهادي وجبال الإنديز، وهي أعلى سلسلة جبال في العالم باستثناء سلسلة جبال الهملايا، وكاراكورام Karakoram، والبامير Pamirs، التي تفصل الصين عن شبه القارة الهندية. تتَّسم الوديان التي تتخلل جبال الإنديز، عند مقارنتها بتلك التي تتخلل جبال الأبلاش Appalachians التي تمنح الساحل الشرقي لأمريكا وصولًا إلى الغرب، بكونها ضيقة وقليلة العدد. لا تصلح الأنهار للملاحة؛ وبالتالي فإن بلدانًا مثل شيلي وبيرو، التي تبعد عن شرق آسيا ثمانية آلاف ميل عبر المحيط الهادي، وعدة آلاف من الأميال عن أيٍّ من ساحلَي الولايات المتحدة، تظل بعيدة عن القنوات العالمية الرئيسية للتواصل والهجرات التاريخية؛ وبالتالي لا يمكنها دعم قوات بحرية كبرى. فقط وسط وجنوب شيلي يقعان في المنطقة المعتدلة، وكما ورد عن هنري كيسنغر أنه قال ساخرًا، فإن شيلي تمثِّل ضربة خنجر في القارة القطبية الجنوبية. أما بالنسبة إلى الساحل الشرقي لأمريكا الجنوبية، فهو، أيضًا، ناءٍ ومعزول. ولأن أمريكا الجنوبية لا تقع تحت أمريكا الشمالية مباشرة، بل إلى الشرق منها، فإن الأجزاء المأهولة من ساحل أمريكا الجنوبية المطل على المحيط الأطلسي، من ريو دي جانيرو إلى بوينس آيرس — إلى أقصى الجنوب، تحت منطقة الأمازون الكثيفة الأشجار — ليست أقرب إلى نيويورك منها إلى لشبونة. وبسبب هيمنتها على البحر المتوسط الأمريكي، وانفصالها عن قلب أمريكا الجنوبية بفعل مسافة شاسعة وحزام واسع من الغابات الاستوائية، فليس أمام الولايات المتحدة سوى عدد قليل من المنافسين في نصف الكرة الأرضية الخاص بها. إن المخروط الجنوبي لأمريكا الجنوبية، كما كتب سبيكمان، هو «جارٌ قارِّي» أقل من كونه «إقليمًا خارجيًّا».٧
لكن هناك جانبًا سلبيًّا لجزء كبير من هذا الوضع: صحيح أن حوض الكاريبي يوحِّد ولا يفرق، لذلك فإن طريق تهريب الكوكايين والماريجوانا من كولومبيا عبر أمريكا الوسطى والمكسيك إلى الولايات المتحدة يوضح هذا على نحوٍ عملي. إن ما يسمى حروب المخدرات يمثِّل درسًا بارزًا في الجغرافيا، وهو الذي يهدد الآن الولايات المتحدة في حديقتها الخلفية في النصف الغربي من الكرة الأرضية. وينطبق الشيء نفسه مع الراديكالية الشعبوية المعادية لأمريكا لرجل فنزويلا القوي، هوغو شافيز Chávez، الذي ظل يمثِّل إهانة للمصالح الأمريكية في العالم؛ ليس لمجرد أنه تحالف مع روسيا وإيران، بل لأنه تحالف مع روسيا وإيران من موقعه على حوض الكاريبي: فلو كان يوجد تحت غابات الأمازون المطيرة في المخروط الجنوبي، لكان أقل تهديدًا. أدَّت العولمة Globalization — أي عصر المعلومات، وانهيار المسافة، وانفجار هجرة الأيدي العاملة من الدول الشابة ديموغرافيًّا إلى البلدان الشائخة ديموغرافيًّا — إلى دفع الولايات المتحدة لإقامة علاقة وثيقة بشكلٍ غير مريح مع أمريكا اللاتينية غير المستقرة في جميع أنحاء منطقة الكاريبي. وفي حين كانت منطقة البحر الكاريبي سابقًا مكانًا تهيمن عليه البحرية الأمريكية، لكن المتصل من جميع الأوجه الأخرى عن التيارات الرئيسية في المجتمع الأمريكي، فهي الآن جزءًا لا يتجزأ من نسيج الحياة الأمريكية. تنبأت أفكار سبيكمان بهذه التطورات، على الرغم من أنه، بطبيعة الحال، لم يكن ليتوقع تفاصيلها.
ولأنه كان يكتب في خضمِّ الحرب العالمية الثانية مثل شتراوس-هوبي، قبل تحوُّل حظوظ الحرب لصالح الحلفاء، كان التهديد الذي يشكِّله النازيون على جميع أنحاء العالم حاضرًا في ذهن سبيكمان بالدرجة الأولى. ونتيجةً لذلك، فقد نظر إلى انفصال الولايات المتحدة عن الجزء الجنوبي من أمريكا الجنوبية على أن له أهمية جغرافية كبيرة؛ فقد كان يمثِّل ميزة استراتيجية من حيث إن الولايات المتحدة لم تكن مضطرة للهيمنة على المنطقة، بنفس الطريقة التي اضطرت بها إلى السيطرة على حوض البحر الكاريبي؛ لكنه كان يمثِّل قابليةً للتعرض للهجوم vulnerability من حيث إن الولايات المتحدة لا تمتلك ميزة جغرافية خاصَّة في حال تعرض المنطقة للتهديد من قِبل عدوٍّ من أوروبا. أما المخروط الجنوبي، من ريو دي جانيرو وإلى الجنوب — ما أسماه سبيكمان «المنطقة المتساوية البُعد» — فيضم مناطق القارة الزراعية الأكثر إنتاجيةً، وثلاثة أرباع سكان أمريكا الجنوبية، والمدن الرئيسية لاثنتين من أكثر جمهوريات أمريكا الجنوبية أهمية في ذلك الوقت، وهما البرازيل والأرجنتين. ومما يضيف حتى إلى عدم أهميتها الجغرافية مقارنة بأوراسيا، كان سبيكمان قلقًا من تحول المخروط الجنوبي إلى جزء من استراتيجية التطويق لقوة معادية. وكما أن جغرافية الأمريكتين سمحت بظهور الولايات المتحدة باعتبارها قوةً مهيمنة في النصف الغربي من الكرة الأرضية، فإن تفكك الأمريكتين إلى شمالٍ حُرٍّ وجنوب يهيمن عليه محورٌ ما ربما يكتب نهاية ذلك التفوق. وفي هذا السياق، كتب سبيكمان: «إن كثيرًا من الانعزاليين قد قبلوا بسياسة الدفاع عن نصف الكرة الأرضية hemisphere defense لأنها تبدو وسيلة لتجنُّب الصراع مع ألمانيا، لكنهم أغفلوا حقيقة أنه حتى لو استطاعت الولايات المتحدة تجنُّب الحرب مع ألمانيا على أوروبا، فلم يكن في وسعها تجنُّب الصراع مع ألمانيا من أجل الهيمنة على أمريكا الجنوبية.»٨

وعلى الرغم من أن دول المحور قد انهزمت في نهاية المطاف، فإن إنذار سبيكمان ما زال صالحًا، بطريقةٍ ما. حققت أوروبا، واليابان، والصين نجاحات عميقة للغاية في التجارة مع المنطقة التي أسماها سبيكمان بالمنطقة المتساوية البُعد، كما لم يكن هناك ما يضمن أن الولايات المتحدة ستظل القوة الخارجية المهيمنة في منطقة يقل حجم تبادلها التجاري مع الولايات المتحدة عن عشرين في المائة، وزمن الطيران من نيويورك إلى بوينس آيرس هو إحدى عشرة ساعة، وهو نفس الوقت الذي يستغرقه الطيران من الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن هاجسه كان يتمثَّل في الانتصار في الحرب، فمن خلال تركيزه المحدد على الجغرافيا، سيتمكن سبيكمان من أن يرينا العالم الذي نعيش فيه حاليًّا.

كان سبيكمان يصغر ماكيندر بجيل واحد، فاستمد إطاره المرجعي وإلهامه من ذلك الجغرافي الإنجليزي. تمثِّل أمريكا اللاتينية انحرافًا طويلًا عن اهتمام سبيكمان المحوري بأوراسيا، والذي تَشاركه مع ماكيندر. تشير كتابات ماكيندر إلى صراع القوة البرِّية التي تهيمن عليها المنطقة المركزية ضد القوة البحرية، حيث تكون القوة البرِّية للمنطقة المركزية في وضع أفضل. وهنا يُقر سبيكمان جوهريًّا بالتأثير الروحي لماكيندر — على الرغم من أن كلًّا منهما قيَّم الأهمية النسبية للقوة البحرية والبرِّية بشكلٍ مختلف:

طوال مائتي سنة؛ أي منذ عهد بطرس الأكبر، حاولت روسيا اختراق الحلقة التي تطوِّقها من الدول الحدودية من أجل الوصول إلى المحيط. بَيْد أن الجغرافيا والقوة البحرية عملتا على إحباط هذه المحاولات باستمرار.٩
يصف سبيكمان الأرض المركزية باعتبارها شبه مرادف للإمبراطورية السوفييتية، والتي تحدُّها من الشمال بحار القطب الشمالي التي يعوقها الجليد، بين النرويج والشرق الأقصى الروسي، وتحيط بها الجبال إلى الجنوب، من جبال الكاربات في رومانيا إلى هضاب الأناضول، وإيران، وأفغانستان، ثم تنحرف إلى الشمال الشرقي إلى عقدة بامير، وجبال ألتاي، وهضبة منغوليا، قبل أن تنتهي أخيرًا في منشوريا وكوريا. كان هذا بالنسبة إليه هو الجغرافيا الرئيسية للعالم، والتي ستخاض الحروب حولها بشكلٍ دائم. أما إلى الشمال وإلى الداخل من هذا الحزام المؤلَّف من الجبال والنجود، فتقع المنطقة المركزية؛ وإلى الجنوب وإلى الخارج من هذا الحزام تقع عمالقة الديموغرافيا في أوروبا، وجنوب آسيا، وجنوب شرق آسيا، والصين، واليابان، فضلًا عن منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط. كانت هذه المناطق الهامشية لأوراسيا، خاصَّة المناطق الساحلية منها، هي ما أطلق عليه سبيكمان اسم الأرض المحيطة Rimland رأى سبيكمان أن الأرض المحيطة تمثِّل مفتاح القوة العالمية؛ وليس المنطقة المركزية لماكيندر، لأنه بالإضافة إلى الهيمنة على أوراسيا، فإن الأرض المحيطة ذات التوجه البحري تمتلك أهمية محورية من حيث الاتصال مع العالم الخارجي.١٠
وبطبيعة الحال، فقد كان الرجلان يتحدثان في الواقع عن الشيء نفسه؛ إذ يقول ماكيندر إن من يسيطر على المنطقة المركزية يكون في أفضل وضع للاستحواذ على الأرض المحيطة، وهي التي توفر حينئذٍ — من خلال القوة البحرية — مفتاح السيطرة على العالم. وكما كتب ماكيندر، «فإذا اعتمدنا النظرة الطويلة، فهل يتعيَّن علينا أن نتوقف عن أن نضع في اعتبارنا احتمال أن جزءًا كبيرًا من القارة العظمى قد يتوحد في يومٍ ما تحت حكم واحد، وأن ثمَّة قوة بحرية لا تُقهر قد تنبع منها؟» كان هذا، بطبيعة الحال، هو حلم الاتحاد السوفييتي؛ أي الزحف إلى المياه الدافئة للمحيط الهندي عن طريق غزو أفغانستان ومحاولة زعزعة استقرار باكستان في ثمانينيات القرن العشرين، وبالتالي الجمع بين القوَّتَين البحرية والبرِّية.١١

ومع ذلك، فإن سبيكمان يمتلك أفضلية طفيفة هنا، والمتمثِّلة في تركيزه على الأرض المحيطة. وبالنظر إلى الحالة الراهنة في العالم، مع الاضطرابات التي تعصف بالأرض المحيطة في الشرق الأوسط الكبير والتوترات الجارية في جميع أنحاء جنوب آسيا، فضلًا عن شبه الجزيرة الكورية، فإن سبيكمان — بتركيزه على الأرض المحيطة ومنظوره الأشد تعقيدًا للجغرافيا السياسية — يبدو وكأنه يعيش في عصرنا الحاضر. ينبع الجزء الأكبر من نظريات ماكيندر من العالم في مطلع القرن العشرين وخلال الحرب العالمية الأولى؛ في حين يجادل سبيكمان من منظور وقائع الحياة خلال حرب لاحقة، كانت فيها المنطقة المركزية واقعة تحت سيطرة حليف هو روسيا السوفييتية؛ وبالتالي لا تمثِّل مشكلة؛ في حين كانت الأرض المحيطة مهددة من قِبل دول المحور.

وفي حين خسرت دول المحور الحرب، استمر التنافس على الأرض المحيطة حتى حقبة الحرب الباردة. شكَّل الاتحاد السوفييتي القوة العظمى للمنطقة المركزية، والتي مثَّلت تهديدًا للأرض المحيطة في أوروبا، والشرق الأوسط، وشبه الجزيرة الكورية، وأماكن أخرى، التي عارضتها القوة البحرية الغربية. ونتيجةً لذلك، كان «الاحتواء» containment، وهو سياسة الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي التي أعلنها في العام ١٩٤٦ الدبلوماسي والخبير في الشئون الروسية جورج كينان Kennan في برقيته الطويلة، يحمل في طياته بعضًا من أفكار سبيكمان وماكيندر على حدٍّ سواء. كان الاحتواء هو الاسم الذي أطلقته القوة البحرية الطرفية على ما تدعوه قوة المنطقة المركزية «التطويق» encirclement.١٢ إن الدفاع عن أوروبا الغربية، وإسرائيل، والدول العربية المعتدلة، وإيران تحت حكم الشاه، والحروب في أفغانستان وفيتنام حملت جميعها فكرة منع الإمبراطورية الشيوعية من توسيع سيطرتها من المنطقة المركزية إلى الأرض المحيطة. وفي كتابه المعلمي، «الأسلحة النووية والسياسة الخارجية»، المنشور في العام ١٩٥٧م، كتب هنري كيسنغر الشاب أن «الحرب المحدودة تمثِّل الوسيلة الوحيدة للوقاية من الكتلة السوفييتية، بتكلفة مقبولة، من اجتياح المناطق المحيطية لأوراسيا»، ويرجع ذلك على وجه الخصوص (يستطرد كيسنغر) إلى أن الاتحاد السوفييتي — باعتباره القوة العظمى للمنطقة المركزية — يمتلك «الخطوط الداخلية للاتصالات» التي تمكِّنه من تجميع قوة معتبرة «في أي لحظة بعينها على طول محيطه».١٣ بولندا، وإيران، وأفغانستان، وفيتنام — والتي مثَّلت جميعها ساحات للقتال خلال تاريخ الحرب الباردة، والتي تقع جميعها على أطراف الشيوعية السوفييتية والصينية. كان هذا هو عالم ماكيندر، ولكن بإحساس سبيكمان.

ومن خلال استشراف سبيكمان لما وراء الحرب العالمية الثانية من موقع المراقبة الذي امتلكه في العام ١٩٤٢م، يمكننا أن نرى البصيرة المتلهفة التي يمكن للتخصص الجغرافي أن يصل إليها. فحتى مع تعرُّض الحلفاء للهزيمة وكون التدمير التام لآلة هتلر الحربية من الأولويات، فقد صرَّح سبيكمان بمخاوفه حول الآثار المترتبة على ترك ألمانيا منزوعة السلاح، فيفسر الأمر قائلًا: «إن وجود دولة روسية تمتد من جبال الأورال إلى بحر الشمال لن يكون أحسن بكثير من دولة ألمانية تمتد من بحر الشمال إلى جبال الأورال.» ستكون المطارات الروسية على القنال الإنجليزي بمثل خطورة المطارات الألمانية على أمن بريطانيا العظمى. لذلك، فمن الضروري أن تظل ألمانيا قوية بعد هتلر. وبالمثل، فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كان أمامها ثلاث سنوات أخرى من القتال الوحشي في الجزر ضد الجيش الياباني، أوصى سبيكمان بإنشاء تحالف بعد الحرب مع اليابان ضد القوى القارية لروسيا، وبخاصَّة في مواجهة الصين الصاعدة. تتَّسم اليابان بكونها مستوردًا صِرفًا للغذاء، كما تعاني من عدم كفاية إنتاج الفحم والنفط، لكنها تمتلك تقاليد بحرية عظيمة؛ مما يجعلها عرضةً للهجوم ومفيدة على حدٍّ سواء. وباعتبارها أمةً جزيرية كبيرة وبحرية تقع في شرق آسيا، ففي وسعها أن تؤدِّي لمصلحة الولايات المتحدة في الشرق الأقصى نفس الدور الذي تلعبه بريطانيا في أوروبا. يؤكد سبيكمان ضرورة وجود حليف ياباني ضد الصين القوية، على الرغم من أن الصين في أوائل أربعينيات القرن العشرين كانت ضعيفة وتترنح تحت وطأة التدمير العسكري الياباني:

إن الصين الحديثة، والمفعمة بالنشاط، والتي تمتلك القوة العسكرية … ستمثِّل تهديدًا ليس لليابان فقط، بل لمكانة القوى الغربية في البحر المتوسط الآسيوي أيضًا. ستكون الصين قوة قارِّية ذات أبعاد هائلة، التي تسيطر على قسم كبير من سواحل ذلك البحر المتوسط. سيكون موقعها الجغرافي مماثلًا لموقع الولايات المتحدة فيما يتعلق بالبحر المتوسط الأمريكي. عندما تصبح الصين قوية، فإن تغلغلها الاقتصادي الحالي في تلك المنطقة سيتخذ مدلولًا سياسيًّا من دون شك. ومن الممكن تمامًا أن نتصور اليوم الذي يجري التحكم فيه على هذه المياه ليس من قِبل القوة البحرية البريطانية والأمريكية، أو حتى اليابانية، ولكن من قِبل القوة الجوية الصينية.١٤
ربما كانت ملاحظة سبيكمان الأكثر تعبيرًا تتعلق بأوروبا، فكما أنه عارض كلًّا من الهيمنة الألمانية والروسية على أوروبا، فقد عارض أيضًا وجود أوروبا موحدة تحت أي ظرف من الظروف؛ فهو يفضِّل توازنًا للقوى بين الدول الأوروبية باعتباره أكثر فائدة للمصالح الأمريكية من اتحاد أوروبي، حتى لو كان ذلك سيتحقق سلميًّا وديمقراطيًّا. وقد كتب في هذا السياق أنه «من شأن وجود أوروبا اتحادية أن يشكِّل تكتلًا للقوة من شأنه أن يغيِّر تمامًا من أهمية موقعنا باعتبارنا قوة أطلسية ويضعف مكانتنا بشكلٍ كبير في نصف الكرة الأرضية الغربي.» ولأن الاتحاد الأوروبي لا يزال في مرحلة متوسطة من التطور، في وجود زعماء وطنيين أقوياء يسعون إلى صياغة سياسات خارجية منسقة لكنها تبقى على الرغم من ذلك مستقلة في نهاية المطاف، وعلى الرغم من إنشاء منطقة موحدة العملة، فمن السابق لأوانه إصدار حكم على تنبؤ سبيكمان. ومع ذلك، ففي وسع المرء أن يرى بالفعل أنه كلما ازدادت أوروبا اتحادًا، ازداد توترها مع الولايات المتحدة. ومن شأن دولة أوروبية فائقة حقيقية تمتلك تحت تصرُّفها قوات مسلَّحة وسياسة خارجية موحدة، أن تكون منافسًا قويًّا للولايات المتحدة، وربما قوة خارجية مهيمنة في المنطقة الموحدة البُعد من جنوب أمريكا الجنوبية.١٥ (وبطبيعة الحال، فإن الأزمة المالية الحالية التي تعصف بأوروبا تجعل هذا الاحتمال مشكوكًا فيه.) هذه هي النقطة التي يختلف فيها سبيكمان بشكلٍ ملحوظ عن ماكيندر وعن سياسة الاحتواء التي اتُّبعت في الحرب الباردة.١٦ إن سياسة الاحتواء، التي شجعت على ظهور أوروبا موحدة باعتبارها حصنًا ضد الشيوعية السوفييتية، كانت متجذرة في المُثل الليبرالية للمجتمع الحر، وكذلك في الجغرافيا السياسية. وعندما كتب جورج كينان برقيَّته الطويلة، وضع كامل ثقته في النمط الغربي للحياة، والذي اعتقد أنه سيبقى بعد زوال قيود الشمولية التي فرضتها الشيوعية السوفييتية. ونتج عن ذلك، إذن، أن تشجعت الدول الأوروبية الديمقراطية المتشابهة التفكير على المضيِّ قدمًا في جهودها نحو اتحاد سياسي واقتصادي مشترك. بَيْد أن سبيكمان، على الرغم من ذلك، كان أكثر وحشيةً من كينان — الذي كان هو نفسه واقعيًّا متشددًا. لم يكن سبيكمان ببساطةٍ ليدع أي عناصر غير تلك الجغرافية تدخل في تحليله. وعلى عكس هاوسهوفر، فلم يكن الأمر أنه لا يؤمن بالديمقراطية والمجتمع الحر: فكل ما هناك أنه لا يشعر بأن لهما دورًا كبيرًا في التحليل الجيوسياسي. كان سبيكمان يرى أن مهمته لا تتمثَّل في تحسين العالم، ولكن في وصف ما يعتقد أنه يجري فيه. كانت حساسيته الشديدة البرودة هذه هي التي سمحت له بأن يرى فيما وراء كينان والحرب الباردة. وهكذا، ففي العام ١٩٤٢م، كان لا يزال يستطيع الكتابة عن يومنا هذا:
لا يمكن إلا لرجال الدولة الذين يستطيعون إجراء تحليلاتهم السياسية والاستراتيجية من حيث وجود أرض مستديرة وحرب ثلاثية الأبعاد أن ينقذوا بلدانهم من الهزيمة على الأجنحة البعيدة. ومع دعم القوة الجوية لتلك البحرية وكون سهولة التحرك هي جوهر الحرب، فلا توجد منطقة في العالم أبعد من أن تكون غير ذات أهمية استراتيجية، أو أبعد من أن تُغفل في الحسابات السياسية للقوة.١٧
وبعبارةٍ أخرى، فبسبب القوة الجوية وقدرة الجيش الأمريكي على القيام بالحملات، على وجه الخصوص، للانتشار السريع في أي مكان، فإن ساحة اللعب تشمل الأرض بأسرها. لكنها لن تلعب لمصلحتنا وحدنا، بل لمصلحة جميع اللاعبين ضمن «النظام المغلق» الذي تصوَّره ماكيندر، وذلك بفضل تكنولوجيا الاتصالات، التي ترتبط بها القوة الجوية. ومع ذلك، فإن كوكبنا الأرضي يمثِّل نظامًا أكبر بكثير من أن تسوده دولة مهيمنة واحدة. لذلك، كما كتب سبيكمان، ستكون هناك «لامركزية إقليمية للقوة»، حيث تؤثر كلُّ منطقة كبيرة في الأخرى. لقد توقع سبيكمان عالمًا من القوى المهيمنة المتعددة: على غرار تعدُّد الأقطاب الذي نتحدث اليوم جميعًا عنه، والموجود بالفعل من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، لكن ليس تمامًا حتى الآن في الجوانب العسكرية، بسبب المسافة الهائلة التي لا تزال تفصل بين جيش الولايات المتحدة والجيوش الوطنية الأخرى. لكن العالم الناشئ للكيانات الإقليمية العملاقة: الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والصين، والهند، وروسيا — مع قوًى متوسطة مثل تركيا، وإيران، وإندونيسيا، وفيتنام، والبرازيل — سيُعزز صحة ملاحظاته.١٨
كيف ستكون ديناميات مثل هذا العالم؟ يمارس سبيكمان هنا علم المستقبليات بأفضل طريقة ممكنة، من خلال التحديق في الخرائط من زوايا مختلفة. تأتي أكثر اكتشافاته إثارةً من خريطة القطب الشمالي. «تبرز سمتان هامتان بوضوحٍ هنا: تركز كتل اليابسة في نصف الكرة الأرضية الشمالي، وتوزعها على هيئة نجم البحر انطلاقًا من القطب الشمالي كمركز لها، وباتجاه أفريقيا ورأس الرجاء الصالح، وأمريكا الجنوبية وكيب هورن، وأستراليا.» وعند الظر إلى هذا المسقط (projection)، تبدو الأرض وكأنها موجودة في كل مكان تقريبًا، في حين أنك إذا حدَّقت من المسقط القطبي الجنوبي، فسيبدو الماء كأنه في كل مكان تقريبًا. تبيِّن خريطة القطب الشمالي كيف أن القارات الشمالية تتَّسم بأنها قريبة نسبيًّا بعضها من بعض، في حين تتباعد القارات الجنوبية بعضها عن بعض. وبطبيعة الحال، ففي هذا الإسقاط تتَّسم المسافات بين القارات الجنوبية بكونها مبالغًا فيها، لكن الخريطة لا تزال ممثلة لمدى بُعد أستراليا عن أمريكا الجنوبية، وأمريكا الجنوبية عن أفريقيا. وهكذا، فإن العلاقة الوثيقة جغرافيًّا بين أمريكا الشمالية وأوراسيا تتَّسم بكونها دينامية، كما أنها تشكِّل «خطوط أساس السياسة العالمية»، في حين تتَّسم تلك الموجودة بين القارات الجنوبية بأنها أقل أهمية بكثير. ومرةً أخرى، فهو لا يقول بأن أمريكا الجنوبية وأفريقيا ليست لهما أهمية في حدِّ ذاتهما، لكن علاقاتهما معًا هي كذلك؛ إذ لا تكتسب أمريكا الجنوبية وأفريقيا أهميةً في الجغرافيا السياسية إلا من حيث علاقاتهما مع القارات الشمالية. لكن الرسالة الحقيقية بشأن هذه الخريطة القطبية تتمثَّل في العلاقة الأساسية بين أمريكا الشمالية وأوراسيا. نحن ننظر إلى المحيط الهادي الشاسع باعتبار أنه يفصل الساحل الغربي لأمريكا الشمالية عن شرق آسيا؛ لكن الطريق القطبي يدل على أنه لا يعدو كونه مجرد السفر بالطائرة شمالًا إلى ألاسكا ثم جنوبًا، وصولًا إلى الشرق الأقصى الروسي، ثم إلى المنطقة المعتدلة من اليابان، وكوريا، والصين. إن القطب الشمالي، لا سيما إذا ارتفعت درجة حرارته، سيضفي معنًى جديدًا على القوة البحرية، وعلى القوة الجوية بصفةٍ خاصَّة، خلال العقود المقبلة. في وسع وسائل النقل الأسرع من الصوت تقليص المسافة بين الساحل الغربي للولايات المتحدة والمدن الآسيوية بنسبة الثلثين؛ كما أن زيادة استخدام الطرق القطبية ستحبس الولايات المتحدة، وروسيا، والصين في عناقٍ أشد قوةً من أيِّ وقتٍ مضى. أما الجغرافيا، ولأنها ستكون أكثر سهولة، فسوف تصبح، على عكس المتوقع، أكثر أهميةً.١٩ وكذلك فإن العولمة، التي تُفهم على أنها تحطيم للجدران، ستؤدي إلى زيادة في عدد وكثافة الاتصالات؛ الأمر الذي يحمل في طياته الاحتمال الأقرب إلى كلٍّ من الصراعات وأوجه التعاون السياسية.
يجادل ماكيندر بأنه بمجرد أن يصبح العالم نظامًا سياسيًّا مغلقًا، فإن الحقيقة الجغرافية النهائية ستُظهر نفسها بنفسها.٢٠ وهو يعني بذلك الاعتراف بالجزيرة العالمية كوحدةٍ منفردةٍ في الجغرافيا السياسية، تكون فيها أمريكا الشمالية أكثر السواحل القارية أهمية في البحار المحيطة بها. يتحدث ماكيندر هنا عن النصف الشمالي من الكرة الأرضية؛ إذ يقع بداخله كلٌّ من البر الرئيسي لأوراسيا وجزء كبير من أفريقيا — وهي مكونات الجزيرة العالمية. تتوافق فرضية الأرض المحيطة لسبيكمان مع هذا السيناريو، حيث المناطق الهامشية من أوروبا والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية، والشرق الأقصى تسيطر معًا على المتصل الساحلي حول أوراسيا في المحيطَين الهندي والهادي، مدعومًا بأعداد السكان الكبيرة، والتنمية الاقتصادية، والموارد الهيدروكربونية؛ وعند تعاونها معًا، ففي وسعها كبح جماح قوة المنطقة المركزية لروسيا، حتى لو كسبت روسيا المياه التي تزداد دفئًا للساحل الشمالي للقطب الشمالي.٢١ وكما أن القطب الشمالي سيصبح مركزًا للطائرات والسفن التي تربط أمريكا الشمالية بالتخوم الشمالية للجزيرة العالمية، فإن المحيط الهندي الأكبر سيشكِّل مركز الحركة التجارية والعسكرية للجزيرة العالمية، من خلال ربط أفريقيا والشرق الأوسط بشرق آسيا.

ومع ذلك، فإن الأرض المحيطة لأوراسيا لن تكون موحدة بأيِّ معنًى سياسي محض. وفي عالم الكيانات المهيمنة الإقليمية المتعددة، فإن الخطر الذي شعر ماكيندر وسبيكمان بالقلق تجاهه، وهو وجود قوة برِّية واحدة تهيمن على أراضي أوراسيا، أو قوة بحرية واحدة تهيمن على الأرض المحيطة لأوراسيا، لا تلوح له أي بوادر في الأفق. لا يبدو أنه حتى الصينيون، مع صعود قوَّتهم البحرية، في وسعهم تحقيق هذا الإنجاز؛ إذ سيكبح جماح مساعيهم كلٌّ من البحريات الأمريكية، والهندية، واليابانية، والأسترالية، والقوات البحرية الأخرى. ومع ذلك، وكما سنرى، فإن عالمًا تحركه ترتيبات القوة الخفيَّة، حيث ستؤدي التجارة والاقتصاد إلى تآكل القوة العسكرية المحضة، سيظل عالمًا تسوده الجغرافيا السياسية التي تحكمها الجغرافيا، خاصَّة في محيطات العالم، التي ستصبح أكثر ازدحامًا من أيِّ وقتٍ مضى. ولرؤية هذا العالم البحري على نحوٍ أفضل، سننتقل بعد ذلك إلى مفكر آخر من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

١  Brian W. Blouet, Halford Mackinder: A Biography (College Station: Texas A & M Press, 1987), p. 192.
٢  Nicholas J. Spykman, “Geography and Foreign Policy I,” The American Political Science Review, Los Angeles, February 1938; Francis P. Sempa, “The Geopolitical Realism of Nicholas Spykman,” introduction to Nicholas J. Spykman, America’s Strategy in World Politics (New Brunswick: Transaction Publishers, 2007).
٣  Nicholas J. Spykman, America’s Strategy in World Politics: The United States and the Balance of Power (New York: Harcourt, Brace, 1942), pp. xvii, xviii, 7, 18, 20-21, 2008 Transaction edition.
٤  Ibid., pp. 42, 91; Robert Strausz-Hupé, Geopolitics: The Struggle for Space and Power (New York: G. P. Putnam’s Sons, 1942), p. 169; Halford J. Mackinder, Democratic Ideals and Reality: A Study in the Politics of Reconstruction (Washington, DC: National Defense University, 1919, 1942), p. 202; Daniel J. Boorstin, Hidden History: Exploring Our Secret Past (New York: Vintage, 1987, 1989), p. 246; James Fairgrieve, Geography and World Power, pp. 18-19, 326-27.
٥  Spykman, America’s Strategy in World Politics, p. 89.
٦  Ibid., pp. 49-50, 60.
٧  Ibid., p. 50.
٨  Ibid., pp. 197, 407.
٩  Ibid., p. 182.
١٠  Nicholas John Spykman, The Geography of the Peace, edited by Helen R. Nicholl (New York: Harcourt, Brace, 1944), p. 43.
١١  Mackinder, Democratic Ideals and Reality, p. 51.
١٢  W. H. Parker, Mackinder: Geography as an Aid to Statecraft (Oxford: Clarendon Press, 1982), p. 195.
١٣  Henry A. Kissinger, Nuclear Weapons and Foreign Policy (New York: Doubleday, 1957), pp. 125, 127.
١٤  Spykman, America’s Strategy in World Politics, pp. 135–37, 460, 469.
١٥  Ibid., p. 466.
١٦  Michael P. Gerace, “Between Mackinder and Spykman: Geopolitics, Containment, and After,” Comparative Strategy, University of Reading, UK, 1991.
١٧  Spykman, America’s Strategy in World Politics, p. 165.
١٨  Ibid., p. 166.
١٩  Ibid., p. 178; Albert Wohlstetter, “Illusions of Distance,” Foreign Affairs, New York, January 1968.
٢٠  Parker, Mackinder, p. 186.
٢١  Geoffrey Kemp and Robert E. Harkavy, Strategic Geography and the Changing Middle East (Washington, DC: Brookings Institution Press, 1997), p. 5.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥