الفصل السابع

جاذبية القوة البحرية

«توفر الجغرافيا خلفيةً لما تدبِّره الخيارات البشرية.»

المؤلف
في حين انصبَّ تركيز ماكيندر على القوة البرِّية بسبب التطورات التقنية الناشئة في السكك الحديدية والنقل البري، فإن الثورة الصناعية نفسها هي التي جعلت الكابتن البحري الأمريكي ألفريد ثاير ماهان Mahan، وهو معاصر ماكيندر يكبره قليلًا في العمر، من دعاة القوة البحرية. اعتقد ماهان أن القوة البحرية ليست أكثر أهميةً من القوة البرِّية فقط في الكفاح من أجل الهيمنة، لكنها أيضًا أقل تهديدًا للاستقرار الدولي. وقد أشار ماهان إلى أن «القدرة المحدودة للقوات البحرية على تمديد القوة القسرية إلى الأجزاء الداخلية من البلاد» هي التي تجعلها لا تمثِّل أي خطر على الحرية. اعتقد ماهان أنه بدلًا من أخذ الأراضي المركزية لأوراسيا باعتبارها المحور الجغرافي للإمبراطوريات، على العكس من ذلك، ما يشكِّل مفصلتَي hinges المصير الجيوسياسي هو المحيطان الهندي والهادي؛ فمن شأن هذين المحيطَين السماح لدولة بحرية بإبراز قوَّتها في جميع أنحاء الأرض المحيطة لأوراسيا؛ مما يؤثر على التطورات السياسية الداخلية — بفضل السكك الحديدية نفسها وشبكات الطرق المغذية لها — وصولًا إلى عمق آسيا الوسطى. أما نيكولاس سبيكمان، ولكونه هو نفسه يركز على الأرض المحيطة حول المحيطَين الهندي والهادي، فقد تأثر عميقًا بأفكار ماهان كما تأثر بماكيندر.

وعلى الرغم من أن ماكيندر كان متهيبًا من قوة روسيا، بالنظر إلى سيطرتها على الأرض المركزية، فإن ماهان، الذي سبق كتابه المعنون «مشكلة آسيا» نشر مقالة «المحور الجغرافي للتاريخ» لماكيندر بأربع سنوات، قد ألمح إلى قابلية روسيا للتعرض للخطر، بالنظر إلى بُعدها عن المياه الدافئة للمحيط الهندي. وقد ذكر ماهان أن «بُعد روسيا الذي يتعذر إصلاحه عن البحر المفتوح قد ساعد على وضعها في موقف ضعيف من حيث القدرة على تكديس الثروات». وبناءً على ذلك، فمن الطبيعي والسليم أنها ينبغي أن تكون غير راضية، وعدم الرضا يأخذ بسهولة شكل العدوان. وبالتالي فإن ماهان يكشف أعمق أغوار التيارات النفسية — التي تستند، في الواقع، على الجغرافيا — للطبيعة الوطنية الروسية. أطلق ماهان على الأمم الواقعة إلى الجنوب من روسيا وشمال المحيط الهندي اسم «الأراضي المتنازع عليها» لآسيا، فقد وصفها بأنها «منطقة النزاع بين القوة البرِّية الروسية والقوة البحرية البريطانية». (أما سبيكمان، وبعد أربعة عقود، فقد أطلق على هذه المنطقة اسم الأرض المحيطة.) ومن بين هذه الأراضي المتنازع عليها، يؤكد ماهان على أهمية الصين، وأفغانستان، وإيران، وتركيا. وليس من قبيل المصادفة أنه تمكَّن في العام ١٩٠٠م من تحديد الدول المحورية ذات الأهمية الجيوسياسية في عصرنا الحالي؛ فالجغرافيا غير قابلة للتغيير.

ساعدت الجغرافيا على فرض استراتيجية الاحتواء ضد الاتحاد السوفييتي من الصف الجنوبي للدول الأوراسية خلال الحرب الباردة التي اكتنفت كل هذه الدول الواقعة في الأرض المحيطة؛ وكذلك فإن الجغرافيا تساعد على التعرف على أهمية الصين، باعتبارها دولة وحضارة ممتدة من الأراضي المركزية لأوراسيا إلى المياه الدافئة للمحيط الهادي، حتى إن الجغرافيا تساعد على التعرف على أفغانستان وإيران باعتبارهما اثنتين من دول الأرض المركزية، اللتين تكتسبان أهمية بالغة بالنسبة إلى مصير منطقة الشرق الأوسط. كان ماهان، في العام ١٩٠٢، هو أول من استخدم مصطلح «الشرق الأوسط» للدلالة على المنطقة الواقعة بين شبه الجزيرة العربية والهند والتي تمتلك أهمية خاصَّة بالنسبة للاستراتيجية البحرية. وقد أشار إلى أن الهند؛ كونها تقع في وسط الشريط الساحلي للمحيط الهندي، والتي تحمي جناحيها الخلفيين سلسلة جبال الهيمالايا، تمتلك أهميةً محورية لاختراق كلٍّ من الشرق الأوسط والصين من ناحية البحر. وقد اتَّضح أن القوة البحرية، توفر الوسيلة الماهانية Mahanian التي يمكن بها للولايات المتحدة البعيدة أن تؤثر على أوراسيا في ظل «النظام المغلق» الذي تصوَّره ماكيندر.١
بَيْد أن رؤية ماهان المرتكزة على المحيطات لها عيوبها. وكما يشرح روبرت شتراوس-هوبي في كتابه «الجغرافيا السياسية»؛ «ففيما يتعلق بحقيقة تمسك بريطانيا والولايات المتحدة بمذهب ماهان، فإنهم (هاوسهوفر وغيره من الجغرافيين السياسيين الألمان الآخرين) قد رأوا فرصةً سانحةً لألمانيا. وما دام أن القوى الأنجلوساكسونية هذا المذهب (الماهاني) — الذي يتَّسم بجاذبيته الشديدة لأنه يعد بالأمن والعمل كالمعتاد — أساسًا لدفاعها، فقد ضمنت ألمانيا وجود المتنفس الذي تحتاج إليه تمامًا لتنظيم حرب شاملة.»٢ وبعبارةٍ أخرى، فإن مذهب ماهان حول القوة البحرية، مع تركيزه على الأمن الكلي لأوراسيا، لم يأخذ في اعتباره بشكلٍ كافٍ، على الرغم من عُنفه، قدرة القوة البرِّية على فرض حصار سريع على أوروبا من شبه جزيرة أيبيريا إلى جبال الأورال.
ومع ذلك فقد غطى ماهان تحركاته؛ إذ كتب أن «الاستخدام والتحكم الجيد في البحر ليس إلا حلقة واحدة في سلسلة التبادلات التي تتراكم من خلالها الثروات.»٣ ومع ذلك، فقد كان تفكيره أكثر ملاءمةً لتوسيع القوة البحرية للولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم مما كان عليه للمحافظة على توازن القوى داخل أوروبا. كانت هناك، على حدِّ تعبير شتراوس-هوبي، «إمبريالية مفعمة بالحيوية» في أفكار ماهان، الذي رأى أن الهدف النهائي للقوة الأمريكية هو أكثر من مجرد «البحر إلى البحر المتلألئ» للمصير الظاهر Manifest Destiny، لكن أن يشمل أيضًا الهيمنة على منطقة الكاريبي والمحيط الهادي، الذي من شأنه أن يجعل الولايات المتحدة هي القوة المتفوقة الغالبة على مستوى العالم. اعتقد ماهان أن الأمة يجب أن تتوسع أو أن تضمحل — لأنه يستحيل على أي دولة أن تحافظ على كيانها وهي جامدة في مكانها. وعلى الرغم من كونه خبيرًا تكتيكيًّا، فكثيرًا ما كان محايدًا أيضًا؛ إذ كان يؤمن بتركيز القوة البحرية من خلال التفوق في الأساطيل المقاتلة: أو «أسطول السفن المحتشدة على خط المعركة».٤
لكن ماهان، الذي نشر تسعة عشر كتابًا خلال فترة عشرين عامًا، ابتداءً من العام ١٨٨٣م، يصعب تحديد توجهاته: كانت الإمبريالية المفعمة بالحيوية مجرد جانب واحد من جوانبه؛ فقد كان أيضًا ديمقراطيًّا، وهو الذي — على الرغم من ملاحظته لأن الدول الديمقراطية لا تُحبذ الإنفاق العسكري، كان يعلن تفضيله للديمقراطية على الحكم الملكي. لم يكن ماهان يشعر بالضرورة بأن وجود أسطول ضخم كان ضروريًّا للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، التي كان يعتقد أنها يجب أن تتعاون مع بريطانيا العظمى، باعتبار أن التفوق البحري لم يكن ليتحقق إلا من خلال ائتلافٍ ما coalition.
وقد اعتبر أن الحرب تُعد حالة غير طبيعية للأمم، التي، على الرغم من ذلك، يجب عليها أن تستعد لها على نحوٍ مأساوي. وقد تنبَّأ بظهور نظام متعدد الجنسيات من التحالفات الملاحية لحراسة المشاعات commons العالمية. لذلك فمن المهم عدم تشويهه على نحوٍ مبالغ فيه.٥
وضع ماهان رؤيته الشاملة في كتاب «تأثير القوة البحرية على التاريخ بين عامَي ١٦٦٠ و١٧٨٣م». والمنشور في العام ١٨٩٠م، والذي أثَّر على تفكير الرئيسين وليام ماكينلي McKinley وثيودور روزفلت Roosevelt — فضلًا عن تفكير القيصر الألماني فلهلم الثاني Wilhelm II — وساعد في تحفيز بناء القوات البحرية قبل الحرب العالمية الأولى. أظهر ماهان أنه لكون البحر يمثِّل «الطريق العظيم» أو «المشاع الواسع» للحضارة، فإن القوة البحرية — أي القدرة على حماية الأساطيل التجارية — كانت دائمًا هي العامل المحدِّد في الصراعات السياسية العالمية، خاصَّة وأن «كلًّا من السفر وحركة المرور عبر المياه كانت دائمًا أسهل وأرخص من تلك البرِّية». تكمن قوة حجته في أصالتها بقدر ما تعتمد على شموليتها.٦

يبدأ ماهان ملحمته بالتأكيد أن «الدولة السلمية المحبة للربح ليست بعيدة النظر، لكن هناك حاجة إلى بُعد النظر من أجل الاستعداد العسكري الكافي، خصوصًا في هذه الأيام». لم يكن ماهان داعية حرب ولا نصيرًا للاستبداد. وفي الواقع، وكما أشار، فبسبب الاستبداد و«الجشع الضاري» لم تصل إسبانيا ولا البرتغال، على الرغم من كونهما قوتين بحريتين كبيرتين، إلى مصافِّ الأمم الكبرى في التحليل النهائي. ومع ذلك، «فإذا كانت ثمَّة حكومة ديمقراطية فستمتلك البصيرة، والحساسية الذكية لتحقيق المكانة الوطنية» اللازمة لردع الخصوم يبقى «سؤالًا مفتوحًا»؛ لأن المرافئ الأجنبية الصديقة التي توجد في جميع أنحاء العالم لا تستمر على الدوام، كما يقول لنا. ليس فقط أن الأمم في حالة السلم تكون غافلة بشكلٍ عامٍّ عن المأساة الناتجة عن عدم تنشئة وعي تراجيدي، بل إن مؤرخيها يغفلون عن البحر على وجه التحديد، ويجهلون تلك المساحات الشاسعة من الأراضي التي تمارس نفوذًا كبيرًا على المناطق المكونة من أراضٍ جافة، والتي تساهم في أمنها وازدهارها. وبالتالي، فثمة حاجة ملحة، كما يحذر، إلى الكتابة عن تاريخ الحرب البحرية: خاصَّة بسبب ثبات مبادئ هذه الحروب، على الرغم من التطورات التقنية من السفن التي تعمل بالمجاذيف إلى السفن البخارية (وإلى حاملات الطائرات والغواصات التي تعمل بالطاقة النووية في أيامنا هذه). يوضح ماهان هذه النقطة بإجراء قياس تمثيلي مع أحد الجيوش البرِّية:

عندما جرى استبدال الزحف على القدمين بحمل القوات في العربات، وعندما أفسح هذا الأخير بدوره مجالًا لخطوط السكك الحديدية، ازداد حجم المسافات، أو، إذا صح التعبير، تضاءل حجم الزمن؛ لكن المبادئ التي تفرض النقطة التي ينبغي أن يُحْشد الجيش عندها، والاتجاه الذي يجب أن يتحرك فيه، وذلك الجزء من موقع العدو الذي يجب أن يُهاجم، وحماية سبل الاتصالات، ظلت على حالها من دون تغيير.٧
اهتم ماهان بصفةٍ خاصَّة بالفترة منذ العام ١٦٦٠م، والتي «بدأ فيها بوضوح» عصر السفن الشراعية، وحتى العام ١٧٨٣م، الذي شهد نهاية الثورة الأمريكية. وأشار إلى أن جورج واشنطن Washington قد عزا انتصار أمريكا في حربها من أجل الاستقلال — بصورةٍ جزئية — إلى سيطرة فرنسا على البحار؛ على الرغم من أن فرنسا خسرت قبل ذلك بعقود حرب السنوات السبع، جزئيًّا، بسبب إهمالها للقوة البحرية. ومع ذلك فإن تعليق ماهان البانورامي على التكتيكات البحرية، وكذلك شروحه حول مدى أهمية البحر في تاريخ البشرية، يشملان فترات زمنية أبعد من ذلك بكثير. وكانت سيطرة الرومان على المياه هي التي أجبرت هانيبال Hannibal على خوض «تلك المسيرة الطويلة، المحفوفة بالمخاطر عبر بلاد الغال، والتي فقد فيها أكثر من نصف قواته من المحاربين المخضرمين. طوال فترة الحرب، كانت فيالق «الرومان» تُنقل عبر المياه، من دون إزعاج ومن دون إنهاك، ما بين إسبانيا التي كانت قاعدة هانيبال، وإيطاليا.» وقد أشار ماهان إلى أن عدم وقوع معارك بحرية كبرى خلال الحرب البونيقية الثانية Second Punic War، بسبب هيمنة روما على البحر الأبيض المتوسط، كان عاملًا حاسمًا في هزيمة قرطاج. ولو كان البحر الأبيض المتوسط مجرد صحراء مسطحة، كما كتب ماهان، وكانت الأرض هي الجبال الناتئة من الأرض الصحراوية، لكانت البحرية السائدة هي القوة القادرة على السفر ذهابًا وإيابًا عبر الصحراء من سلسلة جبال إلى أخرى وفق الرغبة. كان هذا هو الحال مع روما. ولكن لأن الماء هو عنصر غريب، ولأن البحارة «يمثِّلون منذ زمن سحيق جنسًا غريبًا متميزًا»، لم نضع القوات البحرية في المكانة الرفيعة التي تستحقها. وهنا يستطرد ماهان قائلًا: «ما البحرية في جوهرها إلا قوات خفيفة، فهي تحافظ على اتصالات مفتوحة بين موانئها؛ وتعترض سبيل اتصالات العدو؛ لكنها تجتاح البحر لخدمة البر، كما تسيطر على الصحراء حتى يمكن للبشر أن يعيشوا ويزدهروا على العالم الصالح للسكنى.»٨
وهكذا، وكما تغنَّى به ماهان، «ليس أخذ السفن أو القوافل المنفردة» هو الأمر المهم؛ بل إن «امتلاك تلك القوة الطاغية في البحر، والتي تطرد منه أعلام العدو، أو لا تسمح لها بالظهور إلا وهي هاربة» هو الذي يهم حقًّا. «وإذا قدِّر لأمة ما أن تمتلك موقعًا يجعلها غير مضطرة للدفاع عن نفسها من ناحية البر ولا مدفوعة إلى السعي إلى توسيع أراضيها من ناحية البر، فستمتلك أفضلية، بفعل وحدة هدفها الموجَّه إلى البحر، بالمقارنة بشعب لا يمتلك إلا حدودًا قارِّية.»٩
تمتلك هذا الموقع كلٌّ من إنجلترا وأمريكا، وكلتاهما شهدت فترات طويلة من القوة العالمية عبر مسار التاريخ. لكن موقع أمريكا الجغرافي، كما أشار إليه ماهان، له مساوئه الحقيقية أيضًا. صحيح أن أمريكا هي جزيرة افتراضية ضخمة وغنية بالموارد، وهي التي تقع في المنطقة المعتدلة، بعيدةً عن صراعات القوى المنهكة في أوراسيا، غير أنها في الوقت نفسه تفصلها مسافات شاسعة عن الموانئ الأوراسية، وبخاصَّة في منطقة المحيط الهادي؛ مما يعيق قدرتها على بسط نفوذها عليها. وبالتالي، فإن بناء قناة بنما في أمريكا الوسطى؛ الأمر الذي توقَّعه في كتابه، سيزيد من اتصال الأساطيل التجارية والحربية الأمريكية مع كلٍّ من طرفَي أوراسيا. غير أن المسافة سوف تظل شاسعة؛ الأمر الذي «سيسبب نفقات هائلة». وعلى الرغم من أن الأثر الحقيقي لقناة بنما سيتمثَّل في تحويل منطقة الكاريبي من «محطة نهائية» terminus و«مكان لحركة المرور المحلية» إلى «واحد من الطرق السريعة الكبرى في العالم»؛ إذ ستعبر القناة ليس فقط سفن الولايات المتحدة، بل وسفن الدول الأوروبية، في طريقها إلى المحيط الهادي. وفي ضوء ذلك، على حدِّ تعبيره، «فلن يعود الأمر بالسهولة نفسها» على الولايات المتحدة «أن تقف بمعزل عن التعقيدات الدولية».١٠
إن الجغرافيا، التي تجعل إنشاء هذه القناة البرزخية ممكنًا في المقام الأول، تتطلَّب أيضًا وجود علاقات أوثق بين الولايات المتحدة وجيرانها في أمريكا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي من أجل حماية القناة والسيطرة على البحار القريبة منها. وعن طريق جعل أمريكا أقرب فعليًّا إلى آسيا، وأكثر اكتنافًا في الشئون الأوروبية من خلال عمليات الشحن التجاري، فستساعد القناة في نهاية المطاف على إضعاف النزعة الانعزالية وما يترتب على ذلك من صعود نزعة دولية internationalism ليبرالية قوية في أروقة السلطة في واشنطن.

غير أنه من المؤكد أن ذلك لم يكن قدرًا محتومًا، على الرغم من الدور القيادي للجغرافيا. كانت قناة بنما نتيجة للعديد من الظواهر التي تنطوي كلٌّ منها على الفاعلية الإنسانية: الحرب الإسبانية-الأمريكية، وسياسات القوة العظمى التي حرمت في نهاية المطاف أي دولة أوروبية من أن يكون لها دور في المشروع، أو في إبرام الصفقات خلف الكواليس التي أسفرت عن اختيار بنما بدلًا من نيكاراغوا، وقهر الأمراض المنتشرة في المناطق المدارية من أمريكا الوسطى، وقبل كل شيء العمل الهائل والبراعة. ومرةً أخرى، توفر الجغرافيا خلفيةً لما تدبره الخيارات البشرية.

سعى ماهان بوضوح إلى التأثير على الخيارات البشرية. وفي كتابه الضخم، الذي نُشر على نحوٍ ملائم في نفس العام الذي وحَّد فيه الجيش الأمريكي القارة الأمريكية بفعل انتصارٍ ظاهري نهائي (على الرغم من بشاعته) في الحروب الهندية، وقبل بضع سنوات فقط من تمكُّن الولايات المتحدة، نتيجة للحرب، من الاستيلاء على الإمبراطورية الإسبانية في غرب المحيط الهادي، وكذلك الهيمنة على منطقة البحر الكاريبي، دعا ماهان إلى حمل السلاح من خلال القوة البحرية العالمية. لم يكن ماهان جغرافيًّا بقدر كونه مؤرخًا وخبيرًا في التكتيك الحربي، كما أنه يمثِّل حسًّا إمبرياليًّا يحمل في طياته تضمينات جغرافية واضحة. وهذا هو التفسير القاطع لاحترام سبيكمان الشديد له. ليس الأمر أن سبيكمان كان أحد المتحمسين للغزو؛ لكنه أدرك بحدسه، كما فعل ماهان، أن أمريكا لن يكون أمامها أي خيار سوى الدخول في صراعات القوة في جميع أنحاء العالم لأن موقعها المتميز جغرافيًّا في النصف الغربي من الكرة الأرضية هو ما منحها نفوذًا في النصف الشرقي.

وكما هو متوقع، فقد كان لماهان أعداؤه؛ ومنهم السير نورمان آنجيل Angell، وهو الذي — في معرض دفاعه الجذاب والحماسي عن مبدأ السلامية pacifism، وهو كتابه المعنون «الوهم الأعظم»، المنشور في العام ١٩٠٩م — شجب كتابات ماهان باعتبار أنها «هراء مؤذٍ للغاية». كان هذا الصحافي والسياسي البريطاني، الذي يحسب له أنه كان يكره هاوسهوفر، يستنكر تأكيد ماهان على أن «بسط السلطة الوطنية على المجتمعات الأجنبية» يمكن أن يمثِّل مبادرة جليلة؛ لأنه «على غرار الأفراد، فإن الأمم والإمبراطوريات تمتلك أرواحًا كما تمتلك أجسادًا.» وبالتالي فإن ماهان، في رأي آنجيل، كان يرفض بكل سخفٍ الواقع الملموس تمامًا للفرد ويستبدله بالواقع غير الملموس نسبيًّا للدولة. وكما يقول آنجيل، «هل يفكر أي شخص في توقير الفلاحين الروس moujik لمجرد أنهم ينتمون إلى واحدة من أكبر الإمبراطوريات مساحة؟ هل يفكر أحد في احتقار إبسن Ibsen … أو أي مواطن اسكندنافي أو بلجيكي أو هولندي مثقف، لمجرد انتمائه إلى أصغر دولة في أوروبا؟»١١ وبعبارةٍ أخرى، فإن ماهان، وبالاستدلال سبيكمان، وماكيندر، وغيرهم من المتخصصين في الجغرافيا؛ الجغرافيا السياسية، هم جميعًا حتميون وجوهريون essentialists تنبع توجهاتهم المولعة بالحرب عن نظرتهم، كما اشتكى إشعيا برلين، للدول والإمبراطوريات باعتبارها أكثر واقعية من الأفراد الذين تحتويهم. ومرةً أخرى، فلا يمكننا سوى أن نعرض دفاع هاوسهوفر؛ فإذا لم ينخرط ماهان والآخرين في ذلك النوع من الحتمية التي يدينه آنجيل، فسيتركون ساحة الاستراتيجية الكبرى لأولئك الذين هم أشرار حقًّا. وللأسف، نحن بحاجة إلى النقائص الأخلاقية لأمثال ماهان.

وفي الواقع، أن كتاب آنجيل حول سبب كون الحروب وتناحر القوى العظمى أمورًا غير منطقية عانى من سوء الحظ المتمثِّل في كونه قد نُشر قبل بضع سنوات فقط من اندلاع الحرب العالمية الأولى، التي استهلَّت قرنًا من الحروب والصراعات التي لم يسبق لها مثيل في أوروبا. أما آنجيل فقد صار، ظلمًا، أضحوكة في كثير من الأوساط. وأقول ظلمًا لأن كتابه، في حدِّ ذاته، يمثِّل قراءة ممتعة تستحوذ على اهتمام القارئ، بالإضافة إلى براعة حجته؛ كما أن كتابه ربما أثبت كونه مستبصرًا لو كانت الطبيعة البشرية أقل دناءة بقليل مما هي عليه. وبسبب وجود نقائص في الطبيعة البشرية، التي تضخمها الانقسامات التي تفرضها الجغرافيا، فإن كاتبًا مثل ماهان تظل أفكاره باقية بصورةٍ أفضل بكثير على مدى العقود من واحد مثل آنجيل.

وفي علامة على كيفية تغيير ديناميات القوة في العالم، فإن الخبراء الاستراتيجيين الهنود والصينيين يقرءون كتابات ماهان بشغف؛ بل إنهم هم أتباع ماهان Mahanians اليوم أكثر بكثير من الأمريكان؛ فهم يبنون أساطيل مصممة لخوض النزاعات المسلَّحة في البحر، في حين تنظر القوات البحرية الأوروبية إلى القوة البحرية من حيث وظيفتها الشرطية فقط. وعلى سبيل المثال، ففي ندوة عُقدت في بكين في العام ٢٠٠٤م، فإن «عالمًا بعد عالم كان يقتبس مقولات ماهان … ما يدل على تأثيره القوي. ومن دون استثناء تقريبًا، فقد كانوا يقتبسون الأكثر دعوةً إلى الحرب من بين تعاليم ماهان، وهي التي تساوي بين السيطرة على البحر وبين امتلاك قوة طاغية تُغلق الممرات البحرية المشتركة أمام سفن العدو.»١٢ كما كتب الأستاذان في كلية الحرب البحرية جيمس ر. هولمز Holmes وتوشي يوشيهارا Yoshihara.

ومنذ ذلك الحين، ومع تزايد حجم البحرية الصينية واتساع نطاق عملياتها، فإن المَيل إلى ماهان لم يزدد إلا قوةً في بكين، خصوصًا مع تنامي القوة البحرية الهندية، التي يخشاها الصينيون؛ أما الهنود ومن جانبهم، فينظرون إلى الصينيين بطرقٍ ماهانية مماثلة. وفي الوقت نفسه، يبدو أن الأسطول الأمريكي قد تبنَّى نظرية أخرى، فاسمحوا لي أن أوضح الأمر.

لم يختلف جوليان كوربيت Corbett — وهو مؤرخ بريطاني من الحقبة نفسها — كثيرًا مع ماهان؛ بَيْد أنه طرح نهجًا أكثر دهاء للاستراتيجية البحرية، يركز بدرجةٍ أكبر على تحقيق نتائج أكبر في البحر باستخدام عدد أقل من السفن. ويؤكد كوربيت أن مجرد فقدان أمةٍ ما للسيادة على البحر لا يعني بالضرورة أن أمة أخرى قد امتلكت هذه الهيمنة (كما كان يعتقد ماهان). إن تحالفًا بحريًّا قد يبدو ضعيفًا ومشتتًا يمكنه، إذا جرى تشكيله كما ينبغي، أن يمتلك «واقعًا من القوة». وأطلق كوربيت على هذا اسم «الأسطول المتاح» — أي مجموعة من السفن التي يمكن أن تُجمع بسرعةٍ لتشكيل أسطول موحد عند الضرورة. ولن يحتاج هذا الأسطول المتاح للهيمنة على الأساطيل الأخرى أو إغراقها؛ بل يمكن أن يكتسب فعاليته عن طريق الاستيلاء على القواعد ومراقبة نقاط الاختناق. بَيْد أن هذا الأسطول القادر بصورةٍ مضلِّلة، كما جادل كوربيت، يجب أن يسعى «إلى حياة نشطة وقوية» من خلال تسيير دفاعات محدودة.١٣ وبمحض المصادفة، فقد نُشر كتاب كوربيت بعد أن قلَّصت البحرية الملكية البريطانية وجودها في جميع أنحاء العالم من خلال الاستفادة من القوة البحرية المتنامية لحليفتيها، اليابان والولايات المتحدة.
أما الآن، فإن الولايات المتحدة تحظى بمكانة مماثلة لتلك التي امتلكتها بريطانيا منذ مائة سنة؛ ومع ذلك فإن عدد قطع البحرية الأمريكية ظل يتناقص: من نحو ستمائة سفينة خلال الحرب الباردة، إلى ٣٥٠ خلال تسعينيات القرن العشرين، إلى ٢٨٠ الآن، مع إمكانية التراجع إلى ٢٥٠ خلال السنوات والعقود القادمة — بسبب تخفيضات الميزانية وتجاوزات التكلفة. وعلى هذا النحو، فهي تعمل على ضم حلفاء بحريين مثل الهند، واليابان، وأستراليا، وسنغافورة. وفي أكتوبر ٢٠٠٧م، نشرت البحرية الأمريكية وثيقة بعنوان «استراتيجية تعاونية للقوة البحرية في القرن الحادي والعشرين»، تتَّسم بأنها أقرب إلى روح كوربيت، التي تؤكد على التعاون، منها إلى روح ماهان، التي تؤكد على الهيمنة. وتستطرد الوثيقة قائلة: «إن مصالح أمتنا ستتحقق بأفضل صورة من خلال رعاية نظام عالمي سلمي يتألف من شبكات مترابطة للتجارة، والتمويل، والمعلومات، والقانون، والشعوب، والحوكمة». وكما تراه البحرية الأمريكية، فقد صار عالمنا مترابطًا على نحوٍ متزايد، مع تجمع سكان العالم في عُقد ديموغرافية نابضة بالقرب من البحار التي ستكون عرضةً لاضطرابات كبيرة، مثل الهجمات عديمة التناسق والكوارث الطبيعية. حتى الصراعات الكبرى على السلطة، كما تقول الوثيقة، صارت عرضةً لأن تكون خفيَّة وغير متناسقة. هناك قليل من الحديث هنا عن المعارك البحرية والبرِّية التقليدية، كما أنه لم يُشر حتى إلى تنامي القوة البحرية للصين، في حين أن روح «الأمن الجماعي» في كل مكان. «ليست هناك أمة واحدة تمتلك الموارد اللازمة لتوفير السلامة … عبر النطاق البحري بأكمله». وفي هذا النطاق البحري، تشير الوثيقة إلى أن غرب المحيط الهادي والمحيط الهندي سيكونان أولى المناطق المتساوية في الأهمية الاستراتيجية.١٤
وبالتالي، فإن الأرض المحيطة لأوراسيا والرعن promontory العالمي الأكبر حجمًا (ساحل الجزيرة العالمية)، إذا أردنا استخدام تعبيرات سبيكمان وماكيندر، ستواجهان اثنتين من الحقائق العسكرية، على ما يبدو. فمن ناحية، سيكون هناك سلاح البحرية الأمريكي، بأسطوله الذي لا يزال مهيمنًا على الرغم من تراجعه، والذي يقوم بدورياته، استلهامًا لأفكار كوربيت، بالتنسيق مع الحلفاء المحليين من أفريقيا إلى شمال شرق آسيا، من أجل الحفاظ على كون البحار آمنة أمام حركة التجارة. ومن الناحية الأخرى، سيكون هناك تأكيد على القوة المتنامية من قِبل الصين في المقام الأول، والهند في المقام الثاني، وكلٌّ منهما مسلَّحة بميولها الماهانية. وبالتحديد بسبب ترحيب الصينيين بهذه الأيقونة الأمريكية للطموح الإمبريالي، فإن البحرية الأمريكية لن تتمكن من الإفلات تمامًا من روحه؛ سيستمر الصراع الأبدي على سياسات القوة، بقدر رغبتنا في الهروب منه. وكما كتب أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، جون ميرشايمر Mearsheimer، فإن «القول بأن التوسع مضلَّل بطبيعته يعني أن كل القوى العظمى على مدى السنوات الثلاثمائة والخمسين الماضية قد فشلت في فهم الكيفية التي يعمل بها النظام الدولي، وهي حجة لا يمكن تصديقها كما هي.» ويستطرد ميرشايمر قائلًا: «بالنظر إلى الفوائد الهائلة للهيمنة»، ففي ظل نظام فوضوي لا توجد فيه قوة مهيمنة في العالم، «ستكون هناك رغبة دائمة لدى الدول القوية لمنافسة الولايات المتحدة؛ ومن ثم محاولة الهيمنة على المنطقة التي تقع فيها من العالم.»١٥ وحتى الآن، وفيما يتعلق بسمعته، فإن أفضل أيام ماهان لم يأتِ بعد.

ومع اكتظاظ المنطقة الساحلية لأوراسيا على نحوٍ متزايد بالسفن الحربية من أجل تلبية طموحات الصينيين، والهنود، وغيرهم إلى جانب تلك الأمريكية، على الرغم من أن ثمَّة مسارًا قطبيًّا أكثر فعالية يقلص المسافات بين أوراسيا وأمريكا الشمالية على نحوٍ متزايد، فإن صراعات الهيمنة في جميع أنحاء العالم لن تزيد إلا سرعة وحدَّة. وبالتالي، نحن الآن بحاجة إلى استكشاف ملامح أي نظام جغرافي مغلق.

١  A. T. Mahan, The Problem of Asia: And Its Effect Upon International Policies (London: Sampson Low, Marston, 1900), pp. 27-28, 42–44, 97, 161; Cohen, Geography and Politics in a World Divided (New York: Random House, 1963), pp. 48-49.
٢  Robert Strausz-Hupé, Geopolitics: The Struggle for Space and Power (New York: G. P. Putnam’s Sons, 1942), pp. 253-54.
٣  A. T. Mahan, The Influence of Sea Power Upon History, 1660–1783 (Boston: Little, Brown, 1890), pp. 225-26, 1987 Dover edition.
٤  Strausz-Hupé, Geopolitics, pp. 244-45.
٥  Jon Sumida, “Alfred Thayer Mahan, Geopolitician,” in Geopolitics, Geography and Strategy, edited by Colin S. Gray and Geoffrey Sloan (London: Frank Cass, 1999), pp. 53, 55, 59; Jon Sumida, Inventing Grand Strategy and Teaching Command: The Classic Works of Alfred Thayer Mahan (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1997), pp. 41, 84.
٦  Mahan, The Influence of Sea Power Upon History, p. 25.
٧  Ibid., pp. iii, 8, 26-27, 50–52, 67.
٨  Ibid., pp. iv–vi, 15, 20-21, 329.
٩  Ibid., pp. 29, 138.
١٠  Ibid., pp. 29, 31, 33-34, 138; Eric Grove, The Future of Sea Power (Annapolis: Naval Institute Press, 1990), pp. 224-25.
١١  Norman Angell, The Great Illusion (New York: Cosimo Classics, 1909, 2007), pp. 310-11.
١٢  James R. Holmes and Toshi Yoshihara, Chinese Naval Strategy in the 21st Century: The Turn to Mahan (New York: Routledge, 2008), p. 39.
١٣  Julian S. Corbett, Principles of Maritime Strategy (London: Longmans, Green and Co., 1911), pp. 87, 152-53, 213-14, 2004 Dover edition.
١٤  U.S. Navy, U.S. Marine Corps, U.S. Coast Guard, “A Cooperative Strategy for 21st Century Seapower,” Washington, DC, and Newport, Rhode Island, October 2007.
١٥  John J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics (New York: W. W. Norton, 2001), pp. 210, 213, 365.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥