الفصل الثامن

«أزمة المتَّسع»

«أدَّى العبء المتمثِّل في حكم التجمعات الحضرية الفقيرة والشاسعة إلى جعل إدارة الدول أكثر إرهاقًا مما كانت عليه في أيِّ وقتٍ مضى عبر التاريخ.»

المؤلف
باعتباري أستاذًا زائرًا في الأكاديمية البحرية الأمريكية في أنابوليس قبل سنوات، قمت بتدريس دورة حول التحديات المستقبلية في مجال الأمن الوطني. بدأت الفصل الدراسي بجعل ضباط الصف البحريين يقرءون كتاب «نار في الشرق: صعود القوة العسكرية الآسيوية والعصر النووي الثاني» من تأليف أستاذ العلوم السياسية بجامعة ييل، بول براكِن Bracken ولكونه عملًا ألمعيًّا وجيزًا ومستبصرًا لم يحقق مبيعات جيدة عندما نُشر في العام ١٩٩٩م، فإن كتاب براكِن يُظهر روح ماكيندر وسبيكمان بدرجةٍ كبيرة، على الرغم من أنه لا توجد إشارات إليهما في نصه. أما براكِن، الذي عمل مستشارًا في الأغلبية العظمى من مشروعات إعادة التقييم التي أجرتها الحكومة الأمريكية خلال فترة ما بعد الحرب الباردة، فيرسم خريطة مفاهيمية لأوراسيا تتحدَّد بالانهيار المستمر لكلٍّ من الزمن والمسافة، وبملء المساحات الفارغة — وهو أمرٌ نبهنا إليه أولًا وليام ماكنيل McNeill في الفصول الأخيرة من تاريخه الأكبر للبشرية. ولكن لأن براكِن كتب مؤلَّفه خلال مرحلة أكثر دراماتيكية من هذا التطور، فقد أدَّى به هذا إلى الإعلان عن أن ثمَّة «أزمة في المتَّسع». يشير براكِن هنا إلى فكرة عالم الرياضيات الهنغاري-الأمريكي الكبير جون فون نيومان von Neumann، الذي اعتبر أن الجغرافيا القليلة السكان التي تميَّز بها الماضي قد عملت كآليةٍ وقائيةٍ ضد التطورات العسكرية والتقنية. ومع ذلك، فقد شعر فون نيومان بالقلق من أن تكون الجغرافيا الآن في سبيلها إلى خسارة المعركة. ومما لا يمكن إنكاره أن «الحجم المحدود للأرض» سيعمل على نحوٍ متزايد باعتباره قوة مُسببة لعدم الاستقرار، مع اختزال الأجهزة hardware والبرامجيات العسكرية المسافات على الخريطة الجيوسياسية. ويحذرنا براكِن من أن «هذا التغيير يسهل تفويته؛ لأنه تدريجي.»١

اسمحوا لي الآن بأن أوجز شرح فرضية براكِن في بضع صفحات؛ لأن لها أهمية كبيرة في طرح فرضيتي.

وفي حين يركِّز الأمريكان والأوروبيون على العولمة، فإن جاذبية القومية والقوة العسكرية تتنامى في أوراسيا. إن اختبارات الصواريخ والقنابل، وبرامج الحرب البيولوجية، وتطوير الأسلحة الكيميائية هي «منتجات آسيا المزدهرة والمتحررة»، كما أشار إليه براكِن. أما ما «فشل الغرب في تقديره» فهو أن تقنيات الحرب وبناء الثروات كانت دائمًا وثيقة الارتباط: فمن النهضة الاقتصادية في آسيا أتى صعودها العسكري. وخلال السنوات الأولى للحرب الباردة، كانت القوات العسكرية الآسيوية في المقام الأول عبارة عن جيوش متثاقلة الحركة من نوع تلك التي شاركت في الحرب العالمية الثانية، والتي تمثِّل الغرض الأساسي منها — على الرغم من أنه غير معلن على الإطلاق — في التوحيد الوطني. «كان الجيش أداةً للتلقين الجماعي، ومدرسة عملاقة تتمثَّل مناهجها الأساسية في السيادة القومية.» وقد ساعد الجنود في جني المحاصيل أكثر بكثير مما عملوا على شحذ مهاراتهم القتالية. وهكذا، فقد انصبَّ تركيز الجيوش على الداخل، حتى على الرغم من وجود مساحات شاسعة تفصل العديد من الجيوش القومية عن الجيوش القومية الأخرى. ولكن مع تراكم الثروات الوطنية وترسُّخ ثورة الحاسوب، عملت الجيوش الآسيوية — من الشرق الأوسط الغني بالنفط إلى اقتصاديات النمور في منطقة المحيط الهادي — على تطوير مجمَّعات عسكرية/مدنية متطورة من حقبة ما بعد التصنيع، والمزودة بالصواريخ والألياف البصرية والهواتف الخليوية. وفي الوقت نفسه، فقد صارت الدول الآسيوية أكثر تماسكًا من الناحية البيروقراطية؛ مما سمح لجيوشها وقادتها بالتركيز على الخارج وبعيدًا عن السياسة المحلية، نحو دول أخرى؛ وبالتالي صارت أشد فتكًا واحترافية خلال هذه العملية. وبدلًا من التراجع إلى الريف في مواجهة الخطر، وهو الخيار المتَّبع في العهود الماضية، تراقب الآن أجهزة الاستشعار الإلكترونية الحدود الدولية، في حين تظل أسلحة الدمار الشامل على أهبة الاستعداد. أما الجغرافيا، فبدلًا من أن تكون متكأً، فقد صارت سجنًا لا مهرب منه.٢
«إن حزامًا متصلًا من البلدان، من إسرائيل إلى كوريا الشمالية» (بما في ذلك سوريا، وإيران، وباكستان، والهند، والصين) «قد كدَّس إما ترسانات نووية أو كيماوية كما يعمل على تطوير الصواريخ الباليستية. يمتد ثمَّة توازن متعدد الأقطاب من الترهيب على شكل قوس يبلغ قطره ٦٠٠٠ ميل»، ويتقاطع عبر الساحتين العسكرية والسياسية وإدارات «الدراسات الإقليمية» التي يقسِّم فيها الغرب آسيا. وبالتالي، فإن «موت المسافة» يجثم علينا، كما يحذِّر براكِن. ولنأخذ اليابان مثالًا على ذلك، وهي التي منذ أن أطلقت كوريا الشمالية صاروخًا عبرها في العام ١٩٩٨م، سقط في المحيط الهادي، لم تعد منطقةً محمية، ولكن جزءًا لا يتجزأ من المساحة العسكرية للبر الرئيس للقارة الآسيوية، على الرغم من جغرافيتها الأرخبيلية. وعلى مر القرون، تشكَّل مفهوم آسيا بفعل القوة البحرية الغربية، بدايةً من البرتغاليين في مطلع القرن السادس عشر؛ قبل أن تفكَّك إلى مناطق منفصلة بسبب الحرب الباردة. ولكن في سبعينيات القرن العشرين، مع اجتياح الطفرة الاقتصادية لشرق آسيا، وهي منطقة كبيرة وجديدة، تشكِّل «حوض المحيط الهادي»، الذي يمثِّل أساسًا للعودة إلى خريطة شاملة لآسيا. ولم يكن لقصة النجاح الاقتصادي هذه أن تتحقق إلا لأن التهديد بالقوة كان أمرًا غير وارد؛ وهذا، بدوره، كان راجعًا إلى وجود قوة مهيمنة عسكريًّا، وهي الولايات المتحدة، التي عملت ضامنًا للسلام. أما الآن، ومع عودة آسيا لتكون وحدة عضوية واحدة، فإن قوة الولايات المتحدة تنحسر ببطء، في حين أن القوة العسكرية للصين والهند، وغيرهما من الدول القومية، آخذة في الارتفاع. تتزايد آسيا في الحجم مع انهيار الوحدات الفرعية subunits الإقليمية؛ كما يتزايد خوفها من الانغلاق بسبب تزايد كلٍّ من عدد السكان ومدى الصواريخ؛ كما أنها صارت أكثر تقلبًا، بسبب تكديس الأسلحة من دون أن يترافق ذلك مع تحالفات منظمة.٣
وكما يشرح براكِن، فبسبب مساحتها الهائلة، طوال معظم الفترات التاريخية، فلم تكتسب التحالفات أهميةً كبيرة في آسيا على الإطلاق؛ إذ كانت الجيوش بعيدةً للغاية بعضها عن بعض بحيث لا يمكنها أن تقدم يد المساعدة بعضها إلى بعض. كان هذا نقيضًا للوضع في أوروبا، حيث يتزاحم العديد من الدول القوية بعضها ضد بعض في شبه جزيرة ضيقة. لكن هذا الوضع يتغير الآن؛ ففي أرجاء أوراسيا، تُنشأ قواعد الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل، وليس قوات المشاة. أما الدوريات البرِّية والبحرية من مختلف الدول، والتي تنبض بالتكنولوجيا الحديثة، فتجوب المياه البعيدة عن الموانئ الرئيسية في المحيط الهندي وغرب المحيط الهادي. وتعمل الصين، واليابان، والهند، وإسرائيل، وغيرها من الدول على تطوير شبكات الاتصالات باستخدام الأقمار الصناعية وأجهزة التنصت التي تعمل تحت الماء. أما الهند، التي كانت طوال معظم الفترات التاريخية تنظر إلى الصين على أنها غير ذات صلة بمخاوفها الأمنية؛ لأن البلدين يفصلهما أعلى الجبال في العالم، فتمتلك الآن أقمارًا صناعية وطائرات استطلاع تزودها بتفاصيل تحركات القوات الصينية في التبت. وفي الوقت نفسه، فقد أنشأت البحرية الهندية مركزًا للقيادة في الشرق الأقصى في جزر أندامان Andaman Islands، التي تقع على بعد ٧٥٠ كيلومترًا إلى الشرق من البر الهندي، لمواجهة الوجود البحري الصيني الذي يعمل بدوره على مبعدة من شواطئ بلاده. وكما كتب براكِن، فمع «تحالف القوة الصناعية الآسيوية مع القوة العسكرية الآسيوية»، فإن القارة صارت تفتقر حرفيًّا إلى أي مجال للخطأ وسوء التقدير، كما أصبحت، في الواقع، «رقعة الشطرنج الأوراسية المتقلصة».٤

وبالنسبة إلى رقعة الشطرنج المتقلصة هذه، يضيف براكِن عاملًا مزعزعًا للاستقرار، هو «التقنيات الهدامة»؛ أي التقنيات التي، بدلًا من أن تساعد في تعزيز الهيكل الحالي للقيادة والقوة العالمية، فهي «تعمل على تقويضها عن طريق عرقلة الوضع الراهن». تشمل هذه التقنيات فيروسات الحاسوب وأسلحة الدمار الشامل، خصوصًا الأسلحة النووية والقنابل البيولوجية. وفي هذا السياق، كتب براكِن:

تعمل التقنيات الهدامة على تغيير قواعد اللعبة. وعن طريق قَلب المزايا القائمة، فهي ترعى مهارات جديدة وتعزز استراتيجيات مختلفة. أما حالة عدم اليقين الناجمة فستهز أسس النظام الراسخ وتغيِّر المعايير التي تُقاس بها القيادة.٥
وبالفعل، فقد جلبت التقنيات الهدامة، بتحريض من التعصب الديني، الهضبة الإيرانية إلى أعتاب فلسطين الجغرافية، على الرغم من أن إيران وإسرائيل يفصلهما أكثر من ثمانمائة كيلومتر. كما أن إيران ليس سوى جزء من توجُّه كامل. وكما أشرت إليه سابقًا، فبدلًا من أن تكتفي بشراء أحدث الأسلحة الغربية، فإن الصين، وكوريا الشمالية، والهند، وباكستان، وغيرها من البلدان تعكف على تطوير تقنيات هدامة. وفي عصر تعمل فيه بلدان العالم الثالث السابقة على حيازة أسلحة نووية تكتيكية، فإن القواعد الأمامية الكبيرة من النوع الذي احتفظ به الجيش الأمريكي في المملكة العربية السعودية والكويت قبل حرب الخليج الثانية، قد تكون من الآن فصاعدًا عرضةً لهجوم الأعداء. تعدُ مثل هذه التطورات بإعاقة استعراض أمريكا للقوة في جميع أرجاء الأرض المحيطة لأوراسيا؛ وبالتالي تمهِّد الطريق نحو ترتيب للقوى يتَّسم بكونه متعدد الأقطاب وأقل استقرارًا. إن حرية تكديس المعدات العسكرية في المواقع الرئيسة في جميع أنحاء العالم هي التي حافظت على القوة العسكرية الأمريكية، لكن الأسلحة النووية والكيميائية-البيولوجية يمكن أن تدمر هذه المواقع الأمامية، أو على الأقل جعلها غير صالحة للاستعمال لبعض الوقت. وفي هذا السياق، كتب براكِن أن «الحفاظ على الوضع اللامتناظر، الذي تكون فيه أعظم قوة عسكرية في آسيا غير آسيوية (بل أمريكية) يعتمد على الحد من التسلح» — وهو أمرٌ صار متزايد الصعوبة مع اكتساب دول العالم الثالث السابق قدرات عسكرية هدامة. وعلى مدى عقود، استخدمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الأسلحة النووية، من دون تفجيرها في الواقع، من أجل «المناورات السياسية، والتهديدات الضمنية، والردع، وإرسال الإشارات signaling، ورسم الخطوط في الرمال، وغيرها من أشكال الأفضلية السيكلوجية». أما الآن، فهناك المزيد من البلدان التي ترغب في أن تحذو حذوهما، حتى إن بعضها يتحرك بدافعٍ من الغضب الناتج عن الفقر، على الرغم من افتقارها إلى آليات المراقبة البيروقراطية اللازمة للتحكم في استخدام هذه الأسلحة على نحوٍ مسئول. وخلال الحرب الباردة، تناولت كلٌّ من القوَّتَين العظميَين الحرب النووية بمنطق «الاستقلالية والعقلانية». لكن الأمر قد لا يكون كذلك فيما أسماه براكِن «العصر النووي الثاني»، وهو الذي تشكِّل فيه أوراسيا مساحةً صغيرة مكتظة بالبلدان الفقيرة، وبعضها من بين القوى النووية.٦
وكما يقول براكِن، فإن «انتشار الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل في آسيا يشبه انتشار المسدس في الغرب الأمريكي القديم». ولكونه رخيصًا ومميتًا في الوقت نفسه، كان المسدس بمنزلة عامل مُعادِل equalizer لأنه جعل الحجم والقوة البدنية للرجال أقل أهمية بكثير. ومثلما غيَّر المسدس من ميزان القوى بين الرجال في الغرب القديم، فإن القنابل النووية والتقنيات المدمرة الأخرى التي تمتلكها الأمم الفقيرة تغيِّر التوازن العالمي للقوى.٧
إن انتشار الأسلحة النووية في آسيا «يجعل العالم أقل توجهًا نحو أوروبا Eurocentric»؛ وبالتالي يسرِّع عملية العولمة إلى حدٍّ كبير.٨ ستصبح جغرافية أوراسيا بمثل حميمية جغرافية أوروبا، حيث يوجد عدد لا يحصى من الدول القوية، والمحصورة على نحوٍ غير مريح داخل مساحة صغيرة، والتي خاضت الحروب باستمرار، مع حلول السلام بينها بالوتيرة نفسها عن طريق ممارسة سياسات توازن القوى. لن يكون هناك تكديس لأكوام من الرءوس الحربية النووية الحرارية كمثل الذي شهدناه خلال الحرب الباردة؛ وبالتالي فإن السلام والاستقرار الناجمين عن القدرة على التدمير المتبادل لن يتحققا بالضرورة، على الرغم من أن الضرر الذي ستتمكن دولةٌ ما من إلحاقه بأخرى سيكون هائلًا — وفي عالمٍ يعجُّ بالمدن الكبرى المزدحمة — يقترب من كونه مستعصيًا على الفهم. وبالتالي، فإن الجغرافيا المغلقة ستحتاج إلى أقدر ممارسي فن الحكم المتمثِّل في موازنة القوى على طريقة ميترنيش Metternichian من أجل منع وقوع العنف الجماعي.
ومن دون ريب، فقد ندلف إلى عالمٍ من سياسة حافة الهاوية brinkmanship المتعددة الأبعاد. إن تقلُّص الخريطة لا يطمس المناطق الاصطناعية التي اخترعها الدراسات التي تناولت مجال الحرب الباردة فحسب، لكنه أيضًا يجعل تصوُّر ماكيندر وسبيكمان لوجود محور محدَّد تجاوره أراضٍ محيطة أقل وضوحًا؛ إذ تمت إعادة تشكيل أوراسيا بفعل التكنولوجيا إلى كلٍّ عضوي. وعلى سبيل المثال، يمكن للمساعدات العسكرية المقدَّمة من الصين وكوريا الشمالية إلى إيران أن تجعل إسرائيل، الواقعة في الطرف الآخر من الكتلة القارية الأوراسية، تتخذ إجراءات عسكرية محدَّدة. وبسبب الصور المثيرة للمشاعر التي يبثها التلفاز، فإن القنابل التي تسقط على غزة يمكنها الآن تحريك الحشود في إندونيسيا. وفي وسع القوات الجوية الأمريكية مهاجمة أفغانستان المحاطة بالأرض من كل جانب انطلاقًا من جزيرة دييغو غارسيا في وسط المحيط الهندي. وفي حين اعتادت الجيوش المحلية أن تظل محصورة في مناطقها، فستزداد استعراضات القوة من قِبل القوات البحرية الصينية والهندية من خليج عدن وحتى بحر الصين الجنوبي وبحر اليابان؛ أي على طول كامل الأرض المحيطة الصالحة للملاحة. وهناك العديد من هذه الأمثلة على التأثير المتبادل للأوضاع السياسية في أحد أجزاء أوراسيا على الأجزاء الأخرى. لكن هذا لا يلغي دور الجغرافيا، بل يعني فقط أنه يجب علينا إضافة عوامل أخرى إليها، فهي لم تعد مهيمنة إلى الدرجة التي كانت عليها.
ليس فقط أن مخاوف ماكيندر وسبيكمان ستشتد بفعل التقنيات الهدامة التي يركز عليها براكِن، ولكن بفعل الزيادة الهائلة في سكان المناطق الحضرية أنفسهم؛ مما لن يزيد خريطة أوراسيا إلا انغلاقًا. وفي تسعينيات القرن العشرين، خلال دورة الفكرية الأولى لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، عندما جرى التقليل من شأن مصطلحَي «الواقعية» و«الحتمية» خلال الفترة المتهورة التالية للإطاحة بالشيوعية، كما تمت السخرية من أفكار الفيلسوف الإنجليزي توماس روبرت مالثوس Malthus الذي عاش في أواخر القرن الثامن عشر من قِبل العديد من المثقفين باعتبارها قاتمة للغاية وقدرية؛ لقد تعامل مالثوس مع البشرية كنوعٍ من الأحياء يستجيب لبيئته المادية، وليس كمجموعة من الأفراد ذوي الإرادة المستقلة، والذين يتحركون بدافع من أفكارهم. بَيْد أن نظرية مالثوس المحددة — والقائلة بأن عدد السكان يزداد هندسيًّا في حين لا تزيد الإمدادات الغذائية إلا حسابيًّا — كانت خاطئة. ومع ذلك فبمرور السنين، وفي ظل التقلبات الكبيرة في أسعار المواد الغذائية والطاقة في العالم، والجموع المحتشدة الغاضبة من الدهماء المخلصين — ومعظمهم من الذكور الشبان — المعزولين في أماكن مثل كراتشي وغزة (وهي سويتو Soweto الشرق الأوسط)، فإن مالثوس، باعتباره أول فيلسوف يركِّز على الديموغرافيا وعلى التأثيرات السياسية لنوعية الحياة بين الفقراء، يحظى بقدرٍ أكبر من الاحترام. إن نصف سكان الضفة الغربية وقطاع غزة هم دون سن الخامسة عشر. وفي الواقع، في حين أن عدد سكان الشرق الأوسط الكبير سيزداد من ٨٥٤ مليونًا إلى أكثر من ١٫٢ مليار على مدى السنوات العشرين المقبلة، مع تضاعف سكان العالم العربي تقريبًا، فإن إمدادات المياه الجوفية ستقل إلى حدٍّ كبير، وخاصَّة في أماكن مثل اليمن؛ مما سيؤدي إلى آثار جانبية ناسفة على السياسة، فسوف نسمع كلمة «مالثوسي» Malthusian بصورةٍ أكثر تواترًا.
وعلى الرغم من أن إثبات صحة نظرية مالثوس قد يكون ممارسة لا طائل منها، فإن رؤيته الكونية العامة تتناسب بشكلٍ جيد مع مفهوم براكِن لفقدان المتَّسع في أوراسيا. إن المدن العملاقة المزدحمة، التي تعاني من سوء الأحوال المعيشية، وتتعرض لارتفاع في أسعار السلع الأساسية بصفة دورية، ونقص المياه، والخدمات البلدية غير المستجيبة، ستعمل بمنزلة أطباق بتري petri dishes خصبة لانتشار كلٍّ من الديمقراطية والتطرف، حتى مع تسلُّح الأنظمة على نحوٍ متزايد بالصواريخ والجيوش الحديثة ذات التوجه الخارجي.
سوف تكون المدينة العملاقة megacity في القلب من جغرافية القرن الحادي والعشرين. هناك بالفعل خمس وعشرون مدينة في العالم يبلغ عدد سكانها أكثر من عشرة ملايين نسمة، وسيرتفع هذا العدد إلى أربعين بحلول العام ٢٠١٥م، وجميعها باستثناء اثنتين في العالم الثالث السابق. تتقدم القائمة مدينة طوكيو الكبرى بسكانها البالغ عددهم ٣٥ مليونًا؛ فيما تتذيلها لاغوس بما يقرب من ١٢ مليون نسمة، في حين تقع ثلاث عشرة مدينة من الخمس والعشرين في جنوب أو شرق آسيا. إن كراتشي، وطهران، وإسطنبول، والقاهرة هي المدن العملاقة الواقعة في الشرق الأوسط الكبير. وتتمثَّل الحقيقة الأساسية في أن هناك العديد من المدن في العالم الثالث السابق غابت بفارق طفيف عن تلك القائمة، وأن أكثر من نصف البشرية تعيش الآن تحت ظروف مدينية، وهي حقيقة إحصائية سترتفع إلى الثلثين بحلول عام ٢٠٢٥م. هناك ٤٦٨ مدينة في العالم يتجاوز عدد سكانها المليون، وسيكون كل النمو الحضري المستقبلي تقريبًا في البلدان النامية، وبالتحديد في آسيا وأفريقيا. نحن نعيش في عصر تعيش فيه نسبة كبيرة من الناس في ظل ظروف بالغة السوء؛ أما في زمن ماكيندر، في مطلع القرن العشرين، فلم يكن سوى ١٤٪ من البشر يقطنون المدن.
وكما أشرت إليه، فقد كتب ابن خلدون في مقدمته، أو «مقدمة» تاريخ العالم، أن بدو الصحراء، في سبيل تطلُّعهم إلى وسائل الراحة المادية للحياة المستقرة، صنعوا الدينامية الأصلية للتمدُّن، والتي التقطها الحكام والأسرات الحاكمة القوية؛ الأمر الذي سمح بدوره، من خلال توفير الأمن، للمدن بأن تزدهر. ولكن لأن السلطة تتطلَّب الرفاهية، فإن الفساد يحل في نهاية المطاف، مع تقويض التكافل الجماعي، في حين يعمل الأفراد — من خلال تكديس الثروة والنفوذ — على إضعاف السلطة التنفيذية. وهكذا، تصبح الأنظمة هشة؛ ومن ثم تتفتَّت وتحل محلها تشكيلات أخرى.٩ وللمرة الأولى في التاريخ، فإن هذه العملية تعمل الآن على نطاق عالمي. لقد نشأ العديد من المدن الواسعة والمدن العملاقة مع هجرة سكان الريف في جميع أنحاء أوراسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية باتجاه المراكز الحضرية مبتعدين عن الأرياف المتخلفة. ونتيجةً لذلك، فإن قدرة رؤساء بلديات وحكام هذه التجمعات السكانية على حُكمها بشكلٍ فعال من نقطة تحكم مركزية قد تضاءلت أكثر فأكثر؛ وبالتالي فإن هذه التجمعات المترامية الأطراف تتفتت بصورةٍ غير رسمية إلى العديد من الضواحي ووحدات المساعدة الذاتية للأحياء، والتي غالبًا ما يتحرك قادتها المحليون بدافع من المثل والإيديولوجيات التي تنشأ من بعيد، عن طريق تقنيات الاتصالات الإلكترونية. إن الإسلام المتطرف يمثِّل، في جزء منه، قصة التمدُّن على مدى نصف القرن الماضي عبر شمال أفريقيا والشرق الأوسط الكبير. إن التمدُّن مسئول أيضًا عن إفراز المتظاهرين التقدميين من أجل الديمقراطية الذين أطاحوا بالعديد من الأنظمة العربية في العام ٢٠١١م. لننسَ صورة العرب كبدوٍ رحَّل أو من سكان الواحات الواقعة في السهوب الصحراوية، فمعظمهم من سكان المدن، بل المدن المزدحمة والمتهالكة في الأغلب، كما يحس بالارتياح ضمن الحشود الهائلة. إن الخاصية اللاشخصية للغاية التي تميِّز الحياة الحضرية، التي تُعاش بين الغرباء، هي السبب في تزايد حدَّة الشعور الديني. في القرية القديمة، كان الدين امتدادًا طبيعيًّا للتقاليد اليومية ولروتين الحياة بين أفراد الأسرة الممتدة؛ لكن الهجرات إلى المدينة واجهت المسلمين بضياع الهوية المتأصل في العيش في الأحياء الفقيرة. وللحفاظ على تماسك الأسرة ووقاية الشباب من الانجراف إلى الجريمة، كان لا بد وأن تُعاد صياغة الدين في شكل أشد وضوحًا وأكثر إيديولوجية. وبهذه الطريقة تصبح الدول أضعف أمام، أو على الأقل تضطر إلى إفساح المجال إلى حدٍّ ما؛ لأنواع جديدة ومتطرفة في بعض الأحيان من القومية والتدين التي يعززها التمدُّن. وهكذا، تترسخ مجتمعات جديدة تتجاوز الجغرافيا التقليدية، حتى إنها تشكِّل أنماطًا مكانية خاصَّة بها. كثيرًا ما تحدث التغيرات الكبرى في التاريخ على نحوٍ غير ملحوظ.١٠
إن أوراسيا وشمال أفريقيا التي تضم كثيرًا من التجمعات الحضرية الشاسعة، ونطاقات الصواريخ المتداخلة، ووسائل الإعلام العالمية المثيرة ستكون باستمرار موطنًا للحشود الغاضبة، والتي تغذيها الإشاعات وأنصاف الحقائق التي تُنقل بسرعة الضوء عبر القنوات الفضائية في جميع أرجاء الأراضي المحيطة وفسحة المنطقة المركزية، من إحدى مدن العالم الثالث إلى الأخرى. وعلى العكس من ذلك، فإن الحشود، المسلَّحة بوسائل الإعلام الاجتماعية مثل تويتر والفيسبوك، ستتغذى على نفس الحقيقة التي أنكرها الحكام المستبدون. ستمثِّل هذه الحشود عنصرًا رئيسيًّا في حقبة جديدة تُظلم فيها خريطة التضاريس بفعل المدن الكبرى المكتظة بسكانها — وأعني بالحشود هنا مجموعة كبيرة من الناس الذين يتخلَّون عن فرديتهم لمصلحة رمز جماعي مُفقد للصواب. ومن جانبه، فقد كان إلياس كانيتي Canetti، اليهودي البلغاري الإسباني المولد والحائز جائزة نوبل في الأدب، مذهولًا ومفزوعًا من عنف الغوغاء بسبب التضخم، الذي انتشر في مدينتَي فرانكفورت وفيينا ما بين الحربين العالميتين، لدرجة أنه كرس جزءًا كبيرًا من حياته لدراسة «القطيع البشري» human herd في جميع مظاهره. كانت الفكرة المُلهمة لكتابه المعنون «الحشود والقوة»، والمنشور في العام ١٩٦٠م، هي أننا جميعًا نتوق إلى أن نوجد ضمن نوعٍ ما من الحشود؛ لأنه داخل الحشد — أو مجموعة من الغوغاء، من وجهة النظر هذه — هناك ملجأ من الخطر، وعن طريق الاستدلال، من الشعور بالوحدة. إن القومية والتطرف، والتوق الديمقراطية كلها نواتج لتشكُّل الحشود؛ وبالتالي تمثِّل مظاهر للسعي إلى الهروب من الوحدة Loneliness. إن الشعور بالوحدة، الذي تُخفف حدته عن طريق تويتر والفيسبوك، هو ما يؤدِّي في النهاية إلى انهيار السلطة التقليدية وإقامة أنواع جديدة من السلطة.
يمثِّل الشعور بالوحدة سمةً خاصةً بالعيش في المناطق الحضرية، التي تتَّسم بكثرة الغرباء وبالندرة النسبية للأهل والأصدقاء الحقيقيين. وبالتالي فإن الجغرافيا الحضرية الجديدة في العالم الثالث السابق في القرن الحادي والعشرين ستشكِّل خريطة من الشوق الشخصي الانفعالي. وفي الواقع، أن تصوير جورج أورويل Orwell للطغيان يعتمد إلى حدٍّ كبير على النزعة الإنسانية، مهما حاولوا إنكار ذلك، لمبادلة الحرية الفردية بالحماية المطوِّقة والاتصال الحميم الذي توفره المجموعة. وكما قالت إحدى شخصيات رواية أورويل، التي تحمل اسم «١٩٨٤»: «عليك أن تصيح دائمًا مع الجماهير، هذا ما أقوله. إنها الطريقة الوحيدة لأن تكون آمنًا.»١١ وبالفعل، فإن شبكة الإنترنت، كما يوضح الروائي توماس بينشون Pynchon، توفر الحماية التي يمثِّلها الحشد الافتراضي، وبالتالي فهي «تَعِدُ بفرض الرقابة الاجتماعية على نطاق لم يكن في وسع الطغاة العتيقي الطراز من القرن العشرين مع شواربهم الخرقاء سوى أن يحلموا به.»١٢ وفي الوقت نفسه، تضخِّم وسائل الإعلام الوجود، والغضب، والنشوة، والفضيلة — حسب مقتضى الحال — الذي تحتويه اللحظة الحالية، سواء كان ذلك خيرًا أم شرًّا. وبعبارةٍ أخرى، فإن السياسة في عصر وسائل الإعلام الجماهيرية ستكون أشد حدَّةً من أي شيء شهدناه؛ لأنها ستعمل على طمس الماضي والمستقبل معًا.
كان علم نفس الحشود crowd psychology، كما حلَّت محله التكنولوجيا، فاعلًا في انتخاب باراك أوباما Obama وفي حركة البيع المذعورة لأسهم وول ستريت في العام ٢٠٠٨م؛ كما كان فاعلًا في المذابح المعادية للمسلمين في ولاية غوجارات الهندية في العام ٢٠٠٢م، وفي المظاهرات الجماهيرية الحاشدة في أوروبا ضد الغزو الأمريكي للعراق في العام ٢٠٠٣م، وفي كلٍّ من المظاهرات المؤيدة والمناهضة للنظام في إيران في العام ٢٠٠٩ و٢٠١٠م، وفي المسيرات الشعبوية الضخمة ضد الحكومة التايلاندية في بانكوك خلال الفترة الزمنية نفسها، وكذلك بصورةٍ متوطنة في المظاهرات المعادية لإسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ وبطبيعة الحال، في سنة الثورة في الشرق الأوسط — أي في العام ٢٠١١م، على الرغم من أن ثورات الربيع العربي قد نادت بحرمة الفرد أثناء مهاجمة قوات الحكام المستبدين الذين سلبوا من الأفراد كرامتهم. وسيُظهر علم نفس الحشود أعظم آثاره الجيوسياسية في المدن الكبرى لآسيا وأوروبا بالدرجة الأولى. وتتسم الأفكار بأهميتها، كما ينادي به الإنسانيون الليبراليون والمعادون لمبدأ الحتمية، كما أن انضغاط الجغرافيا نفسه هو ما يوفر الظروف المثلى لظهور إيديولوجيات جديدة وخطيرة — وكذلك لانتشار أفكار الدمقرطة democratizing السليمة. أما التعليم الجماهيري، ولأنه ينتج أفواجًا من الأشخاص السيئي التعليم والمتحررين من الجبرية (الإيمان بالقضاء والقدر)، فسوف يُسهم في زيادة عدم الاستقرار. وسيكون نقص المتسع هو العامل الرئيسي في ذلك. يتحول المأوى النفسي للهوية القومية بشكلٍ متزايد إلى المدينة وليس إلى الطبيعة الريفية المثالية، كما كان عليه في الماضي، على الرغم من أن الحشود في المناطق الحضرية ستطالب حكوماتهم في بعض الأحيان بانتهاج سياسات خارجية اشتراكية متطرفة maximalist بناءً على تلك التضاريس المثالية نفسها.
وستؤدي وسائل الإعلام دورًا حاسمًا في هذه العملية؛ فكما كتب أوزوالد شبنغلر في كتابه «تراجع الغرب» The Dacline of the West: «لم يتمكن أي مروِّض من التحكم في حيواناته بأكثر منها» (أي وسائل الإعلام)، ويضيف قائلًا:
أطلق العنان للشعب باعتبارهم قطيعًا من القراء، وسيندفعون عبر الشوارع وسيُلقون بأنفسهم على الهدف المحدد … لا يمكن تصوُّر مبالغة كاريكاتيرية لحرية الفكر أكثر ترويعًا من هذه. ففي السابق، لم يكن رجلٌ ما يجرؤ على التفكير بحرِّية؛ أما الآن فهو يجرؤ على ذلك، لكنه لا يستطيع؛ فإرادته للتفكير ليست سوى استعداد للتفكير وفقًا لما يمليه النظام، وهذا هو ما يشعر بأنه يمثِّل حريته.١٣
كان شبنغلر مفرطًا في التشاؤم والسخرية. ومع ذلك، لنذكر أن الكراهية التي كان السوفييت والأمريكان يكنُّونها بعضهم لبعض كانت باردة ومجردة، ودون أساس عنصري؛ كونه يفصل بينهم محيطان وسهول التوندرا في القطب الشمالي، وفي وقتٍ كانت فيه تكنولوجيا الاتصالات في سن مبكرة. لكن شاشات التلفاز الرقمية المسطحة الكبيرة في الحاضر والمستقبل (والتي، مثل التي تعرض قناة CNN في المطارات، لا يمكنك إيقافها!) تجعل كل شيء قريبًا وشخصيًّا على نحوٍ متزايد. هنا، مرةً أخرى، تظهر روح براكِن:
إن ما يجد الغربيون صعوبةً في فهمه هو شدة المشاعر التي يضفيها الآسيويون (والشرق أوسطيون) على تلك النزاعات الدينية والعرقية. من الممكن أن تنتشر الاضطرابات الداخلية بسرعة عبر أقاليم بأكملها، تُذكي أوارَها وسائل الإعلام التي تصل إلى ما وراء الحدود والمنطق السياسي الذي يبحث عن كبش فداءٍ خارجي للمشاكل المحلية. وبعد ذلك، فمن الممكن أن ينحشر القادة الوطنيون في زاوية خطابية — وهي مكان خطر بالنسبة إلى شعوب تمتلك قنابل ذرية تحت تصرُّفها.١٤
يحذر براكِن من تعرُّض النزعات القومية «لاستخفاف خطير» من قِبل المراقبين الغربيين، الذين يرون أنها جزء من ماضٍ منحسر يجعلنا التقدُّمُ الاقتصادي والاجتماعي نتجاوزه. «إن أهم قضايا القرن الحادي والعشرين هي فهم كيف تندمج النزعات القومية مع التقنيات الهدَّامة الحديثةِ الظهور في آسيا». وكما قلت، فإن القوى النووية الجديدة، مثل باكستان، والهند، والصين، سيكون لديها سكان من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة الدُّنيا، وسيحرِّض هذا نزعة قومية مستاءة وسريعة الاهتياج في عصرٍ ليست الرموز العسكرية الجديدة فيه جيوشًا، ولكن صواريخ وأسلحة نووية — وهي أحدث الأهداف المعتقدية للحشود.١٥

وعلى الرغم من أن امتلاك الصواريخ كمقتنيات تدعو إلى الفخر سيعزز النزعة القومية؛ ومن ثم القوة في بعض الدول؛ مما يجعل النزعة الوطنية أشد قوة، فإن السيكولوجيات الجماعية التي توحِّد — بمساعدةٍ من وسائل الإعلام — مختلف الجماعات العرقية والدينية، والطائفية، وكذلك الجماعات المكرِّسة للأممية الديمقراطية، ستقلِّص قوة الدول الأخرى. وفي الوقت نفسه، فإن بعض الدول ستفقد المعركة ضد العولمة ببطء ولكن دون هوادة، مع تآكل قدراتها البيروقراطية بفعل الحروب المستمرة منذ فترة طويلة، وتحركات اللاجئين المصاحبة لها، والمهمة الشاقة المتمثِّلة في إدارة المدن الكبرى ذات الخدمات الحضرية الرديئة. وخلاصة القول أنه مع تقلُّص خريطة أوراسيا بفضل التكنولوجيا والنمو السكاني، فإن الحدود الجغرافية المصطنعة ستبدأ في التهاوي بداخلها.

إن فهم خريطة القرن الحادي والعشرين يعني قبول بعض التناقضات الخطيرة؛ ففي حين صارت بعض الدول أقوى عسكريًّا؛ كونها تمتلك أسلحة الدمار الشامل، فإن البعض الآخر، خاصَّة في منطقة الشرق الأوسط الكبير، يعتريها الضعف؛ فهي تُفرخ جيوشًا لا نظامية مقيَّدة بمناطق جغرافية محددة، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من تقاليد ثقافية ودينية؛ وبالتالي فهي تقاتل على نحوٍ أفضل مما يمكن للجيوش النظامية أن تفعل في المنطقة نفسها. إن حزب الله في جنوب لبنان، ونمور التاميل السابقين في شمال سري لانكا، والناكساليين Naxalites الماويين في شرق ووسط الهند، ومختلف التجمعات القبلية من الباشتون الموالين لطالبان وغيرهم في شمال غرب باكستان، وطالبان نفسها في أفغانستان، وذلك الكم الكبير من الميليشيات العراقية، وخصوصًا خلال الحرب الأهلية التي دارت رحاها ما بين عامَي ٢٠٠٦ و٢٠٠٧م، تعد جميعها أمثلة على القوات البرِّية اللانظامية التي تعمل ضمن أراضٍ محددة. وفي زمنٍ يمكن فيه للصواريخ الدقيقة التوجيه أن تدمر منزلًا محددًا على بُعد مئات الأميال، مع ترك المنزل المجاور سليمًا على نحوٍ متعمَّد، في وسع مجموعات صغيرة من الجنود غير النظاميين الذين يرتدون العمائم استخدام الطرق المتعرجة لمنطقة جبلية معقَّدة لإرباك قوة عظمى. في الحالة الأخيرة، يبدو انتقام الجغرافيا واضحًا؛ ولكن في الحالة الأولى، أيضًا، لا بد أن هذه الصواريخ قد أطلقت من مكانٍ ما؛ الأمر الذي يتطلَّب قاعدة برِّية أو بحرية؛ مما يعود بنا إلى الجغرافيا، ولو إلى نوعٍ أقل حميميةً وتقليدية منها. بالنسبة إلى سبيكمان، تمتلك الأرض المحيطة المطلة على المحيط الهندي أهمية حاسمة بالنسبة إلى موضعة السفن الحربية الأمريكية، بصواريخها الموجَّهة إلى أعماق إيران وأفغانستان، وهما اثنتان من دول المنطقة المركزية، في حين أن الأخيرة منهما تمزقها الصراعات القبلية كما كان الحال في زمن الإسكندر الأكبر. تتعايش مفاهيم سبيكمان وماكيندر التي تعود لأوائل القرن العشرين مع تلك التي سادت في العصور القديمة، وجميعها وثيقة الصلة بعصرنا الحالي.
أدَّى العبء المتمثِّل في حكم التجمعات الحضرية الفقيرة والشاسعة إلى جعل إدارة الدول أكثر إرهاقًا مما كانت عليه في أيِّ وقت مضى عبر التاريخ؛ فكان سببًا في انهيار الدكتاتوريات المتصلبة، فضلًا عن إضعاف الديمقراطيات الفتيَّة. تمتلك دولة مثل باكستان أسلحةً للدمار الشامل، على الرغم من أنها تستطيع بالكاد توفير الخدمات البلدية وحماية سكانها من المفجرين الانتحاريين؛ كما أن هناك دولًا مثل نيجيريا، واليمن، الصومال، على سبيل المثال لا الحصر، تتَّسم بكونها بالكاد تعمل، إضافةً إلى كونها محاصرة بالميليشيات اللانظامية. وقد انخرط الفلسطينيون، وخاصَّة في قطاع غزة، في أعمال العنف باعتبارها وسيلة للاحتجاج على حالتهم، على الرغم من أنهم تجنَّبوا تقديم التنازلات المطلوبة لإقامة دولة فلسطينية. وينطبق الشيء نفسه على حزب الله في لبنان، الذي كان في وسعه الإطاحة بالحكومة في بيروت وقتما شاء، لكنه اختار عدم القيام بذلك. يتعيَّن على أي دولة أن تلتزم بقواعد معينة؛ وبالتالي تُصبح هدفًا أسهل. وبالتالي نحن أمام ظاهرة جديدة في هذا العصر الذي تميِّزه المدن العملاقة ووسائل الإعلام؛ وهي سلطة انعدام الجنسية statelessness وكما كتب جاكوب غريجل Grygiel، وهو أستاذ مشارك في جامعة جونز هوبكنز «إن الدولة تمثِّل عبئًا»؛ وبالتالي فإن هذه الجماعات اللانظامية «تسعى إلى السلطة من دون تولي مسئولية الحكم». تسمح وسائل الاتصالات والتقنيات العسكرية الحديثة لهذه الجماعات بأن تنظِّم صفوفها، وبأن تطلب المساعدة من الخارج، وتسليح نفسها بالأسلحة الفتاكة بحيث لم تعد الدولة تمتلك احتكارًا للعنف. وكما ذكرت في موضع سابق، ففي حين أن الثورة الصناعية كانت تتعلق بضخامة الحجم (الطائرات، والدبابات، وحاملات الطائرات، والسكك الحديدية والمصانع، وهلم جرًّا) فإن حقبة ما بعد الثورة الصناعية تتعلق بصغر الحجم — كالقنابل المصغرة والمتفجرات البلاستيكية، والتي لا يتطلَّب نشرها مساحة كبيرة من الأرض كتلك التي تمتلكها الدولة. أما المجموعات عديمة الجنسية الصغيرة فهي المستفيدة من هذا العصر التكنولوجي الجديد. وفي الواقع، هناك مزيد ومزيد من الأسباب لعدم الانتماء إلى دولة ما. وكما كتب غريجل:
فكلما ازدادت قدرة الدول على تدمير بعضها بعضًا، وخصوصًا القوى العظمى، زادت خطورة امتلاك دولة، خصوصًا بالنسبة إلى الجماعات التي يتمثَّل هدفها في تحدي القوى القائمة.١٦
ويستطرد قائلًا: إن الدولة تمثِّل خيارًا غير ملائم، بالنسبة إلى أولئك الذين يمتلكون أهدافًا مُطلقية absolutist مستوحاة من الحماسة الدينية أو التطرف الإيديولوجي الذي لا يمكن أبدًا أن يتحقق في وجود دولة رسمية. إن الهجرة الجماعية إلى الأحياء الفقيرة في عصرنا الحالي، ومن خلال قطع الصلة مع الريف التقليدي، قد ساعدت في عملية التحول إلى التطرف هذه عبر رقعة واسعة من الأرض المحيطة الجنوبية لأوراسيا. أما وسائل الإعلام، التي تمتلك هذه الجماعات وصولًا ميسورًا إليها، فتروِّج إعلاميًّا لمطالبها وأثناء ذلك تُعزِّز هوياتها أكثر فأكثر؛ مما يؤدِّي إلى تشكيل قطعانٍ من الحشود المؤلفة من زملائهم المفكرين الذين لا تتحدد هوياتهم بالضرورة بولاءاتهم لدولة ما. وخلاصة القول أننا إذا تراجعنا لحظةً لتدبُّر الوضع الحالي، فسنجد أمامنا خريطةً لأوراسيا المؤلفة من منطقةٍ واحدة ضخمة بدلًا من تلك التقسيمات الصغيرة لأقاليم الحرب الباردة التي اعتدنا عليها. بَيْد أن هذه الخريطة محمَّلة فوق طاقتها بعُقد التواصل والاتصالات التي لم تكن قائمة أبدًا أو كانت موجودة بالكاد من قبلُ؛ فبالإضافة إلى المدن الممتدة، ونطاقات الصواريخ المتداخلة، والإيديولوجيات التي يتردد صداها عبر وسائل الإعلام، ستكون لدينا طرق وموانئ جديدة وخطوط لأنابيب الطاقة، التي تربط الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ببقية أوراسيا من روسيا إلى المحيط الهندي إلى الصين. ومع تكدُّس الحضارات بصورةٍ مكتظة واحدة مقابل الأخرى، وكون وسائل الإعلام أداةً للانتهاكات اللفظية المستمرة، إضافةً إلى الضغط الشعبي من قِبل الجماعات المضطهدة، فإن الحاجة إلى دبلوماسية هادئة تعمل من وراء الستار ستزداد يومًا بعد يوم. ستفضي الأزمة إلى تلك التي تليها، وستكون هناك حاجة دائمة لأن يهدأ الجميع. وبسبب تماسك الخريطة وانكماشها، فإن مفاهيم مثل «المنطقة المركزية» و«الأرض المحيطة» والمناطق «الهامشية»، والتي تشير ضمنًا إلى تقسيم أفقي يفصلها إلى أجزاء مكونة كبيرة، ستكون أقل أهمية من ناحية ما، ولكن من الجانب الآخر ستكون مفعمة بالنتائج بسبب التفاعلات الدائمة بين هذه المجالات؛ إن ساعة يد، أو رقاقة حاسوبية من وجهة النظر هذه، ليست أقل تعقيدًا بسبب حجمها، ولكي نفهم كيف تعمل الساعة أو الرقاقة الحاسوبية لا يزال ينبغي للمرء تفكيكها إلى مكوناتها ليرى كيف يؤثر أحد أجزاءها على الأجزاء الأخرى. إن الطائرة، وشبكة الإنترنت، وتركُّز السياسة في المدن الشاسعة التي تبدو أكثر وأكثر شبيهةً بعضها ببعض ستعمل، دون ريب، على تقليص أهمية خريطة التضاريس. وبالفعل، فإن لسانية orality الإنترنت نفسها تمتلك طريقةً لتحويل المعارك الإقليمية إلى معارك فكرية (وهو من أسباب أن النزعة الإنسانية لإشعيا برلين أمر سنكون بحاجة ماسَّة إلى التمسك به). ولكن مع ازدياد ضعف الدول أنفسها، بغضِّ النظر عن مدى جودة تسليحها، وبالتحديد بسبب الكيفية التي صارت بها الديمقراطية والفضاء الإلكتروني مواتيةً للقوات دون الوطنية subnational وفوق الوطنية supranational، فإن الأقاليم الأصغر حجمًا ستظهر بصورةٍ أكثر جرأة، كما فعلت خلال العصور الوسطى بعد تفكك الإمبراطورية الرومانية.
ومع ذلك، نحن نعيش الآن في «النظام السياسي المغلق» الذي تصوره ماكيندر، والذي، كما أشار إليه براكِن، قد ازداد انغلاقًا بكثير خلال القرن العشرين، كما أن الخريطة تخضع بدورها لقانون الإنتروبيا (الاعتلاج entropy)، الذي يعني أن حالة من التوازن ستسود في نهاية المطاف، في حين أن جميع الموائل البشرية الموجودة على خريطة التضاريس — وليس المدن العملاقة فحسب — ستبدو شبيهة ببعضها ببعض على نحوٍ متزايد، كما ستخضع لأهواء مماثلة. أما النتيجة، وفقًا لأستاذ العلوم السياسية بجامعة ولاية أوهايو، راندال ﻟ. شويلَّر Schweller، فهي أن «نوعًا من الملل العالمي سينتج، من جرَّاء فرط الاستثارة»، والمختلط بجرعة كبيرة على نحوٍ مقلق من التطرف الفردي والمواقف العقائدية التي تتخذها الدول.١٧ وبعبارةٍ أخرى، فإن العالم سيكون مملًّا وفي الوقت نفسه أكثر خطورة من أي وقتٍ مضى. ولكن قبل أن يحلَّ الضجر بالكامل، ستكون هناك اضطرابات وتحولات في القوى وتطورات جيوسياسية طبيعية، يمكن وصفها عمليًّا بالرجوع إلى خريطة التضاريس.
وقد حان الوقت الآن لأن نستكشف بتعمقٍ عدة مناطق مختلفة من العالم، مع التركيز بشكلٍ خاص على القارة الفائقة لأوراسيا، واضعين في اعتبارنا كلَّ ما تعلَّمناه من هؤلاء المؤرخين، وخبراء الجغرافيا السياسية، وغيرهم من المفكرين. وفي الفصول التالية، سأحاول أن ألتزم بمدركاتهم وكذلك بنظرياتهم. سأكتب عن أوروبا، التي تقع بالقرب من المنطقة المركزية لماكيندر وتتأثر بها؛ وعن روسيا، وهي المنطقة المركزية ذاتها لماكيندر؛ وعن الصين، التي قد تهيمن في العقود المقبلة على جزء من المنطقة المركزية وجزء من الأرض المحيطة التي تصوَّرها سبيكمان؛ وعن شبه القارة الهندية، التي تشكِّل المنطقة الرئيسية للأرض المحيطة؛ وإيران، حيث تلتقي المنطقة المركزية والأرض المحيطة بالفعل؛ وعن الشرق الأوسط التركي والعربي، والذي يمثِّل ويكومين هودجسون تقريبًا؛ وأخيرًا عن أمريكا الشمالية، وهي الأكبر من بين التوابع القارِّية continental satellites التي تصوَّرها ماكيندر، والتي ستتحدى أوراسيا والجزيرة العالمية. سأحاول ألا أضع التنبؤات، وإنما أن أصف الجغرافيا من حيث تأثيرها على التاريخ، من أجل تكوين فكرةٍ عما قد يحمله المستقبل.
١  Paul Bracken, Fire in the East: The Rise of Asian Military Power and the Second Nuclear Age (New York: HarperCollins, 1999), pp. 33-34.
٢  Ibid., pp. xxv–xxvii, 73.
٣  Ibid., pp. 2, 10, 22, 24-25.
٤  Ibid., pp. 26–31.
٥  Ibid., pp. 37-38.
٦  Ibid., pp. 42, 45, 47–49, 63, 97, 113.
٧  Ibid., p. 156.
٨  Ibid., p. 110.
٩  Ibn Khaldun, The Muqaddimah: An Introduction to History (1377), translated by Franz Rosenthal, pp. 93, 109, 133, 136, 140, 1967 Princeton University Press edition.
١٠  R. W. Southern, The Making of the Middle Ages (New Haven: Yale University Press, 1953), pp. 12-13.
١١  George Orwell, 1984 (New York: Harcourt, Brace, 1949), p. 124.
١٢  Thomas Pynchon, foreword to George Orwell, 1984 (New York: Penguin, 2003).
١٣  Oswald Spengler, The Decline of the West, translated by Charles Francis Atkinson (New York: Vintage, 1922, 2006), p. 395.
١٤  Bracken, Fire in the East, pp. 123-24.
١٥  Ibid., pp. 89, 91.
١٦  Jakub Grygiel, “The Power of Statelessness: The Withering Appeal of Governing,” Policy Review, Washington, April-May 2009.
١٧  Randall L. Schweller, “Ennui Becomes Us,” The National Interest, Washington, DC, December 16, 2009.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥