الفصل العاشر

حصار الخرطوم وسقوطها

لما هزم المهدي هكس باشا وأباد تجريدته، تحقق أن السودان كله قد صار عند قدميه، ولم تكن مسألة الاستيلاء على الخرطوم سوى مسألة وقت، وكان أول أعماله عندئذ أن أرسل قريبه خالد إلى دارفور؛ حيث كان يعرف أنه لن يجد أية مقاومة، وبواسطة كرم الله استولى على بحر الغزال، وكل ما حدث أن حول الموظفون ولاءهم للخديو إليه، وكان مك آدم قد خضع وجاء هو وأسرته وسكن الأبيض، ورسخت المهدية في شرقي السودان ووجدت وطنًا معدًّا لها بين العرب الشجعان النازلين هناك، وأبيدت الجيوش المصرية في سنكات وطمانيب، وكانت نكبة الجنرال بيكر قد زادت ثقةَ العرب بأنفسهم، وكان مصطفى حوال يحاصر كسلة.

أما في الجزيرة بين النيل الأبيض والنيل الأزرق، فإن صهر المهدي واد البصير هزم الحكومة عدة مرات، وقد كانت هذه حالة البلاد عندما وصل غوردون إلى بربر في ١١ فبراير سنة ١٨٨٤.

وكانت الحكومة المصرية باتفاقها مع الحكومة الإنجليزية قد قر رأيهما على إرسال غوردون للسودان اعتقادًا بأن معرفته البلاد تسكن الفتنة، ولكن الحقيقة أن هاتين الحكومتين وغوردون نفسه كانوا يجهلون خطورة الحالة في السودان، فهل كانت الحكومتان تظنان أن غوردون لشجاعته الشخصية واشتهاره بالرفق بالفقراء في دارفور يستطيع أن يقف تيار التعصب؟ وهل نفوذ غوردون يمكنه من تهدئة عرب الجعالين النازلين بين بربر والخرطوم وفي الجزيرة؟

لقد كان عكس ذلك هو المنتظر، فإن الحاكم الذي أمر بطرد الجلابة من الجنوب في حرب الزبير كان خليقًا بأن يكرهه عرب الجعالين لا أن يحبوه، فإنْ أمر غوردون بطرد الجلابة فقد أفقد عددًا كبيرًا من الجعالين من آبائهم أو إخوتهم أو أقاربهم، ولم يكونوا ينسون أن غوردون هو السبب في كل ذلك.

وفي ١٨ فبراير وصل غوردون إلى الخرطوم فتلقاه الناس والموظفون بالبشر والحماسة، وكان المتصلون به والمنتفعون منه يعرفون أن الحكومة لن تترك مثل هذا الرجل وحيدًا بلا معونة. وكان أول ما عمله أنه أذاع منشورًا بتعيين المهدي حاكمًا على كردوفان، والإذن بالنخاسة والرق، واقتراح الدخول في مفاوضات مع المهدي، وطلب منه الإفراج عن الأسرى، وأرسل إليه هدايا من الملابس الثمينة. ولو أن غوردون أذاع هذا المنشور ومعه قوة في الخرطوم يستطيع أن يسير بها إلى كردوفان، لتم له ما أراد، ولكن الأخبار بلغت المهدي بأنه جاء الخرطوم وليس معه سوى عدد قليل من الحرس، ولا شك في أن المهدي تعجب من غوردون كيف يمنحه بالكلام ما حصل عليه هو بالسيف، وما لا يمكن غوردون أن يسترده منه، وقد رد عليه المهدي بخطاب طلب فيه منه أن يسلم المدينة ويحقن بذلك دمه.

وكان الخليفة عبد الله يد المهدي اليمنى، وكانت قرابة المهدي يكرهونه لهذا السبب ويكيدون له، ولكنه كان يعرف تمامًا أن المهدي لا يستطيع أن يدبر الأمور بدونه، فشكا إلى المهدي دسائس هؤلاء الناس وطلب منه أن يعترف في وعظه بما قام به من الخدم للمهدية، فأذاع المهدي منشورًا لا يزال يشار إليه للآن كلما احتاج الخليفة عبد الله إلى تغيير في الحكومة أو سن قانون من جديد، وهذا المنشور يقضي على جميع أتباع المهدي بالطاعة للخليفة، وأن ينظروا إليه كأنه نائب المهدي الذي يقوم بتنفيذ مشيئته.

ولما قل الماء عزم المهدي كما سبق أن ذكرنا على الرحيل بمعسكره إلى رهاد، وهي على مسيرة يوم من الأبيض. وحوالي منتصف أبريل تم انتقال هذه الكتلة العظيمة المؤلفة من رجال ونساء وصبيان.

وكان المعسكر في رهاد عبارة عن بحر طام من العشش المصنوعة من القش، يمتد إلى أبعد ما يصل إليه النظر، وكان المهدي يقضي نهاره في الصلاة والوعظ وسائر واجباته الدينية. وكان قد عَين محمد أبو حرجة واليًا على الجزيرة، وأنفذه إليها مع عدد كبير من الأتباع، وأمره بأن يرأس الثورة على الحكومة ويحاصر الخرطوم.

وهذا هو وصف الحالة كما وجدناها عند وصولنا أنا واليوناني زيجادة وسيد بك جمعة إلى رهاد. ولما اقتربنا أرسلت أحد خدمي إلى الخليفة لكي يعلمه بقدومنا، ولكنه تأخر فعزمنا على الركوب إليه بأنفسنا.

واتخذنا الطريق المؤدي إلى سوق وسمعنا صوت الأومبية — الطبل — التي تؤذن بمقدم الخليفة، واتفق أني وجدت أحد أهالي دارفور فسألته عن معنى دق الطبل، فقال لي: «الأرجح أن الخليفة عبد الله قد أمر بقتل أحد الناس، وهذا أمر للناس لكي يشهدوا القتل.»

ولو كنت من الذين يؤمنون بالتفاؤل والتشاؤم لتشاءمت من هذه المقابلة؛ حيث يقتل إنسان عند أول دخولي المعسكر، ولكننا سرنا حتى بلغنا مكانًا رحبًا مكشوفًا، ورأيت خادمي ووراءه رجل آخر وكلاهما يسرع إلينا، وصاح بنا هذا الرجل وقال: «قفوا حيث أنتم؛ فإن الخليفة وحرسه قد خرجوا للقائكم وكان يظن أنكم خارج المعسكر.»

ووقفنا وعاد الرجل يخبر الخليفة بوصولنا، وبعد دقائق رأينا جمعًا من الفرسان وحولهم جمع آخر من المشاة المسلمين وهم يسيرون على إيقاع الطبل، ووراء هذا الجمع رأينا الخليفة نفسه وكان قد وقف وإلى يمينه ويساره صفان من الفرسان ينتظرون أوامره، وأمرهم الخليفة بأن يشرعوا في رياضة خيولهم، وكانت هذه الرياضة عبارة عن أربعة من الفرسان يخرجون بخيولهم صفًّا واحدًا ويجرون شوطًا ثم يعودون أدراجهم، ويكررون هذا الجري عدة مرات حتى يضطرهم الإعياء إلى الراحة، وكانوا يركضون خيولهم إلى مكاننا ورماحهم مشرعة، حتى إذا بلغونا هزوا الرماح قريبًا من وجوهنا وقالوا: «في شأن الله ورسوله»، ثم ركضوا خيولهم ثانيًا إلى مكان الخليفة.

وبعد أن تكرر هذا الركض نحو نصف ساعة جاءني أحد خدم الخليفة وأخبرني بأن الخليفة يرغب في أن أركض على هذا النحو إليه، ففعلت ذلك وهززت في وجهه الرمح وقلت: «في شأن الله ورسوله»، وعدت إلى مكاني.

فأرسل إليَّ يطلب مني أن أتبعه، وبعد قليل بلغنا منزله، وساعده على النزول عن جواده خادم، أما سائر الفرسان فوقفوا على مسافة منه ثم اختفى وراء السياج، وبعد دقائق أرسل إلينا يطلبنا، فقادنا الخادم إلى مكان فسيح داخله منزل من القش حيطانًا وسقفًا، وكان فيه عدد كبير من العنجريبات عليها حصر من ورق النخل، وأمرنا بالقعود على عنجريب، ثم قُدم لنا مزيج من الماء والعسل في قرعة وبعض البلح، فأصبنا منهما وانتظرنا مجيء الخليفة، ودخل علينا بعد مدة وجيزة فوقفنا، فأخذ يدي وضمها إلى صدره وقال: «الحمد لله الذي جمعنا، كيف حالك في هذا السفر الشاق؟» فقلت: «شكرًا لله الذي أبقاني حتى أرى هذا اليوم، لقد ذهب عني تعبي عندما رأيت طلعتك.»

وكنت أعرف أن سبيل الحصول على مكانةٍ ما لديه هو تمليقه، ثم أعطى يده لسيد بك ولِديمتري فقبلها كلٌّ منهما وسألهما عن حالهما، وصرت أتفرس فيه فرأيت أن لون وجهه هو السمرة الخفيفة ووجهه عربيٌّ عليه مسحة من الرقة، وكانت لا تزال آثار الجدري بادية فيه، وكان أنفه منقاريًّا، وفمه حسن عليه شاربان صغيران وعلى خده شعر خفيف يتكاثف حول الذقن، وكان ربعة بين القصير والطويل، وسطًا بين السِمَنِ والنحافة، وكان لابسًا جبة مرقعة مؤلفة من رقع مربعة، كل رقعة تختلف في اللون عن الأخرى، وعلى رأسه طاقية قد تعمم عليها بعمامة من القطن، وكان إذا تكلم تبسم فتبدو أسنانه البيضاء.

ولما حيَّانا رغب إلينا في الجلوس، فجلسنا على الحصير فوق الأرض وجلس هو على عنجريب، ثم أعاد السؤال عن صحتنا وأبدى ارتياحه لبلوغنا مقام المهدي، وأشار لأحد الخدم فأحضر لنا طبقًا من العصيدة وآخر من اللحم، ووضعهما أمامنا ثم نزل إلينا وطلب منا أن نأكل، وكان يأكل بشهوة قوية كأنه يستمرئ طعامه كل الاستمراء. وكان يسألنا بعض الأسئلة ونحن نأكل، وقال: «لمَ انتظرتم خارج المعسكر ولم تدخلوا بلا إذن؟ وهل يحتاج الناس للإذن لكي يدخلوا بيوت أصدقائهم؟!»

فقلت: «نحن نرجو عفوك، غاب عنا خادمنا مدة طويلة ولم يخطر ببال أحدنا أنك تخرج للقائنا، ولما اقتربنا من المعسكر سمعنا دق الطبل، فسألنا عن معناه فقيل لنا إن أحد المجرمين يُقتل، وكنا ننوي أن نسير وراء الطبل ولكن رسولك جاءنا عندئذ.»

فقال: «وهل بلغ من ظلمي أنه عندما تقرع طبولي يظن الناس أن مجرمًا سيقتل؟»

فقلت: «كلا يا مولاي، أنت مشهور بالصرامة مع العدل.»

فأجاب: «أجل إني صارم، وهذا ما يجب عليَّ، وستعرف السبب في ذلك عندما تطول مدة إقامتك معنا.»

وكان بعض من يعرفونني قبلًا قد استأذنوا الخليفة لكي يدخلوا ويسلموا عليَّ، فأذن لهم الخليفة ودخلوا، ولكنهم لم تتح لهم الفرصة للكلام معي سوى عبد الرحمن بن نجا الذي كان في تجريدة هكس، فقد قال لي بلهجة سريعة خافتة: «خذ حذرك والزم الصمت ولا تثق بأحد.» فأثر كلامه فيَّ ونقشته في قلبي.

ثم غادرنا الخليفة. وحوالي الساعة الثانية بعد الظهر أرسل إلينا لكي نتوضأ ونذهب إلى المسجد، وبعد دقائق جاءنا هو وأخبرنا بأن نسير وراءه، وكان يسير على قدميه؛ لأن المسجد الذي كان قريبًا من عشة المهدي لم يكن يبعد عن منزل الخليفة سوى نحو ٣٠٠ ياردة، ولما دخلنا وجدناه مزدحمًا بالمصلين الذين اصطفوا صفًّا بعد صفٍّ، ولما دخل الخليفة تنحوا له باحترام، وفرش على الأرض لنا جلدة شاة وأشار هو علينا بأن نقعد خلفه. وكان مقام المهدي مؤلفًا من عدة عشش كبيرة محاطة بسياج من الشوك في الجنوب الغربي للمسجد، وكان في المسجد شجرة تظل عددًا كبيرًا ولكن سائر المصلين كانوا يصطلون الشمس المحرقة، وكان في المسجد في أقصى طرفه الأمامي إلى اليمين عشة صغيرة، كان يقعد فيها المهدي بعد الصلاة لمحادثة من يرغب في رؤيتهم على حدة، وبعد الصلاة دخل الخليفة إلى هذه العشة، وظننا أنه يريد أن يخبر المهدي بمجيئنا، وعاد إلينا وقعد معنا، وفي الحال خرج المهدي ويمم نحونا، فوقف الخليفة ووقفنا جميعًا وراءه، أما الباقون فقد لزموا مكانهم ولم ينهضوا، وتقدمت أنا قليلًا فحياني المهدي بقوله: «السلام عليكم». فرددنا عليه بقولنا: «عليكم السلام». ثم مد يده فقبلتها عدة مرات، وفعل كل من سيد بك جمعة وديمتري مثلي، ثم أشار علينا بالجلوس، ثم وجه الخطاب إليَّ قائلًا: «هل أنت مسرور؟»

فقلت: «أجل يا مولاي، لقد سررت ونلت السعادة بقربي منك.»

فقال: «بارك الله فيك أنت وأخويك — يريد ديمتري وسيد جمعة — لقد كانت تبلغني أخبار المعارك بينك وبين أتباعي فكنت أدعو الله لهدايتك، وقد سمع الله ونبيه لدعائي، وكما خدمت مولاك السابق لأجل المال الزائل يجب أن تخدمني الآن؛ لأن من يخدمني يخدم الله والإسلام، وينال السعادة في هذا العالم والفرح في العالم الثاني.»

فأبدى كلٌّ منا ولاءه، وكنت قد أوصيت قبلًا بأن أطلب مبايعته فانتهزت هذه الفرصة وطلبت ذلك، فدعانا إلى أن نركع على طرف جلد الشاة، ثم وضع كلٌّ منا يديه في يديه وأقسمنا هذه اليمين:

بسم الله الرحمن الرحيم

بايعنا الله وسوله، وبايعناك على توحيد الله ولا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي البهتان ولا نعصيك في المعروف، بايعناك على ترك الدنيا والآخرة (كذا …) ولا نفر في الجهاد.

ولما انتهينا من البيعة قبَّلنا يديه وصرنا معدودين من أنصاره المخلصين، ولكنا كنَّا أيضًا عرضة لأن يقع بنا عقاب هؤلاء الأنصار. وشرع المؤذن في الأذان وكان المهدي يؤمنا فيصلي ونحن نكرر ما يقول، ولما انتهت الصلاة رفع الجميع أيديهم يدعون بالنصر للمؤمنين، ثم ابتدأ المهدي في وعظه.

وكان حوله جموع عظيمة من الناس يعظهم عن غرور العالم وزواله، ويحضهم على الزهد وألا يفكروا إلا في الدين والجهاد، وكان يصف لهم ملذات النعيم التي سيلاقيها المؤمنون بمذهبه، الداعون إلى دعوته. وكان بعض المتحمسين يقاطعونه بصيحات التواجد والطرب، والحق أني مقتنع بأن جميع الحاضرين سوانا كانوا مؤمنين إيمانًا حقًّا بدعوته، وكان الخليفة قد خرج من المسجد في مهمة ما، ولكنه نبه الملازمين لي أن يطلبوا منا البقاء مع المهدي إلى الغروب.

وسنحت لي الفرصة عندئذ بأن أنظر إلى المهدي وأتعرف أوصافه، كان طويلًا عريض الأكتاف خفيف السمرة متين البنية، وكان رأسه كبيرًا وعيناه براقتين، وكانت له لحية سوداء وعلى كلٍّ من خديه ثلاثة حزوز، وكان أنفه وفمه حَسَنَي الوضع، وكانت عادته الابتسامة على الدوام، وإذا ابتسم بدت أسنانه الناصعة، وكان أفلج بين ثنيتيه فرجة يتفاءل بها السوادنيون ويسمونها فلجة، وكان هذا سببًا في حب النساء له؛ إذ كانوا يسمونه «أبو فلجة»، وكان يلبس جبة قصيرة قد أجيد غسلها وقد عطرت بالمسك والصندل والورد، واشتهرت عنه هذه الرائحة حتى صارت تسمى «ريحة المهدي»، وكانوا يقولون إنها تماثل رائحة الفردوس إن لم تفقها.

وقد قضينا الوقت كله ونحن مكاننا قعود فوق سيقاننا المطوية تحتنا حتى وجبت صلاة المغرب.

وفي هذه الأثناء كان يروح ويغدو من المسجد إلى البيت عدة مرات، ولما انتهت الصلاة استأذنت في الخروج؛ لأن الخليفة كان قد وعدني بلقائه في ذلك الوقت، فأذن لي ونصح لي بأن ألزم الخليفة وأرصد نفسي لخدمته، فوعدته بالطاعة وبلزوم أمره بالحرف، ثم قبلنا يده أنا وديمتري وسيد بك وخرجنا.

وكانت ساقاي قد تخدرتا من القعدة الطويلة حتى ما كدت أقوى على المشي عليهما، ولم يبدُ على سيد بك ألمٌ؛ لأنه معتاد هذه القعدة، أما ديمتري فسار وراءنا وهو يتلفظ ألفاظًا خافتة باللغة الإغريقية يلعن فيها المهدي، ورافقَنا ملازم إلى منزل الخليفة حيث قعدنا إلى وقت العشاء.

وأخبرنا الخليفة بأنه بعد أن رآنا في الصباح وفد إليه حسين خليفة مدير بربر، فثبت لدينا من ذلك سقوط بربر، وكانت الإشاعات قد بلغتنا ونحن على حدود دارفور، ولكننا لم نلاقِ أحدًا نتحقق منه هذا الخبر، ويبدو أن المدينة سقطت على يد الجعالين، وبذلك انقطعت المواصلات بيننا وبين مصر، وكان هذا الخبر سيئًا للغاية، وكنت أنتظر لقاء حسين خليفة لكي أتعرف منه صدق هذا الخبر.

وغادرنا الخليفة لكي ينام فمد كلٌّ منا ساقيه على عنجريبه واستسلم للأقدار.

وفي الصباح بعد فطور العصيدة واللبن، سمعنا قرع الطبول تؤذن بخروج الخليفة، وأسرجت الخيول في الحال، وأشرت على الخدم بأن يعدوا لنا أنا والسيد بك جمعة جوادين امتطيناهما وأدركنا بهما الخليفة الذي كان قد سبقنا، وكان راكبًا جواده بقصد النزهة فقط. وكان معه عشرون من المشاة وكان على يمينه رجل أسود ضخم من قبائل الدنكا، وعلى يساره عربيٌّ طويل جدًّا يدعى أبا تشيكة كان يعاونه في الركوب والنزول، ولما بلغ الرحبة التي كان بها في الأمس أمر الفرسان بأن يكرروا الرياضة التي قاموا بها أمس، وبعد مدة سرنا إلى نهاية المعسكر؛ حيث أراني الخليفة آثار زريبة وخنادق وأخبرني أنها من عمل هكس قبل أن تباد قوته، وكان قد مكث هناك ينتظر المدد من تاج الله، وكانت هذه الخنادق مصنوعة لمدافع كروب، وقد أثار هذا المنظر في نفسي ذكرى أليمة عن تلك الآلاف التي أبيدت عن آخرها تقريبًا، وأن هذه النكبة هي سبب وجودي في مكاني هذا الآن.

وعند رجوعنا عرج بنا الخليفة إلى منزل أخيه يعقوب الذي كانت عشته قريبة من عشة الخليفة؛ إذ لم يكن بين سياج كلٍّ منهما سوى ممرٍّ ضيق. وتلقاني يعقوب بالبشاشة، وبدا عليه من دلائل السرور مثل ما بدا على أخيه ونصح لي بأن أخدم الخليفة بأمانة.

ويعقوب أقصر من الخليفة عريضُ الأكتاف مستدير الوجه وبه آثار الجدري، وله أنف يرتفع من طرفه وشاربان ولحية خفيفة، وحظه من الدمامة أكثر من حظه من الجمال، ولكن طريقته في الحديث عجيبة من حيث إظهاره عطفه على محدثه، وكان يخاطبنا وهو يبتسم كما يفعل الخليفة والمهدي، ولا غرابة في ذلك ما دامت أحوالهم في هذا الرواج، ويعقوب يقرأ ويكتب وقد حفظ القرآن عن ظهر قلبه، أما الخليفة فبالمقابلة إلى أخيه يعتبر جاهلًا، وهو أصغر سنًّا من الخليفة، ولكنه مستشاره الأمين وصاحب الرأي الذي لا يعلى عليه، وويل لمن يرتئي رأيًا يخالف يعقوب أو يشتبه في أنه يدس له؛ إذ لا رجاء في حياته.

وأصبنا شيئًا من البلح الذي قدمه لنا ثم استأذنا في الخروج وعدنا إلى رقوبة؛ حيث قصدنا إلى المسجد وقعدنا إلى الغروب كما فعلنا البارحة، وجاء المهدي فوعظ الناس في الزهد في الدنيا والجهاد حتى ينالوا نعيم الفردوس، وتحمس المصلون وقد أسكرهم التواجد فصاحوا بمدائح المهدي، أما نحن التعساء فكنا نتألم من قعدتنا ونلعن في قلوبنا المهدي والخليفة وجميع من حولهما من السفلة المنافقين.

وفي اليوم التالي طلبنا الخليفة وسألنا هل نرغب في السفر إلى دارفور، وكنت أعرف أن هذا السؤال لم يوجه إلينا إلا على سبيل الامتحان، فأجبنا بصوت واحد إننا نأسف أشد الأسف لفراق المهدي، ورأيت أنه كان ينتظر هذا الجواب فابتسم وامتدحنا لحسن اختيارنا.

واقترح علينا الخليفة أن نترك عشتنا، وأرسل ديمتري مع ملازم إلى أميره وكان يونانيًّا أيضًا وأمر بمنحه عشرين ريالًا، فلما غادرنا التفت إلى سيد بك وقال: «وأنت يا سيد جمعة مصريٌّ، وكل إنسان يحب بني وطنه، وعندنا كثير من المصريين وكلهم ابن مجرب، ثم أنت شجاع يمكن الاعتماد عليك؛ ولذلك يجب أن ترافق أمير المصريين حسن حسين وسيعطيك منزلًا ويقضي لك حوائجك، وسأعمل أنا أيضًا كل ما فيه راحتك.»

وسُرَّ سيد بك جمعة لهذا الترتيب ثم التفت الخليفة إليَّ وقال: «أما أنت يا عبد القادر فغريب وليس لك أحد سواي، وأنت تعرف العرب في جنوبي دارفور معرفة جيدة، فبناء على أمر المهدي يجب أن تبقى معي ملازمًا لي.»

فأجبت مسرعًا: «هذه هي أمنية قلبي، وإنه لحظٌّ حسنٌ لي أن أتمكن من خدمتك، ولك يا مولاي أن تثق بطاعتي وأمانتي.»

فقال: «إني أعرف ذلك، حماك الله وقوى إيمانك، ولا شك في أنك ستكون ذا منفعة كبرى للمهدي ولي.»

ثم اختليت بالخليفة فأعاد على مسمعي التعبير عن سروره بخدمتي ومرافقتي له، ثم حذرني من الاختلاط بأقاربه الذين يحسدونه وربما أحدث اختلاطهم بي قطيعة بيني وبينه، وأمر ببناء بضع عشش لي من القش في الزريبة المجاورة له، والتي يملكها أبو أنجة — وكان غائبًا في جبال النوبة — وفي أثناء ذلك أبقى بعششي وأحضُرُ الظهر والمساء وأسمع وعظ المهدي، فشكرته شكرًا جزيلًا ووعدته بالأمانة والولاء.

وفي اليوم التالي حضر حسين باشا خليفة وبدأ الخليفة في سؤاله، وكان أول ما سأل عنه حالة والي بربر السابق، فأجابه حسين باشا بالجواب المعتاد، فأخذ في سؤاله عن الحالة في وادي النيل، فوصف له حسين باشا البلاد التي بين بربر وفشودة، وقال إنها صارت الآن تابعة للمهدي، وإن المواصلات بينها وبين مصر قد انقطعت، أما الخرطوم فإن غوردون يدافع عنها ولكن عرب الجزيرة قد حاصروها، وكان بالطبع يصف الأحوال بالصيغة التي تروق الخليفة، وكان الخليفة مسرورًا بهذه الأخبار وسروره يبدو عليه في إشاراته واستفهاماته، ووعد الخليفة حسين باشا بأن يقدمه في صلاة الظهر للمهدي، وأكد له عفوه عنه، وقبل ذلك الميعاد يمكنه أن يستريح معي.

ورافقت الخليفة بعد ذلك إلى المسجد ومعنا حسين باشا الذي قدم إلى المهدي وعاد معي إلى منزلي لقضاء الليلة، وتعشينا عند الخليفة كالعادة ثم قمنا إلى عشتي، فلما خلا كلٌّ منا إلى أخيه أعدنا التسليمات والتحيات وصرنا نندب الحالة التي وقعت فيها البلاد، والتي أنزلتنا إلى هذا الدرك، ثم قلت: «يا حسين باشا، إني أعدك بالصمت، فأخبرني عن الحالة في الخرطوم وما يفعل السكان هناك.»

فقال: «وا أسفاه! هي كما وصفت للخليفة، فإن إذاعة المنشور بإخلاء السودان قد قلبت الحالة وكانت سببًا غير مباشر في سقوط بربر، ولست أشك في أنها كانت ستسقط على أية حال، ولكن هذا المنشور أسرع في سقوطها، ولما كان غوردون في بربر منعته من اتخاذ هذه الخطة، ولا أدري ما الذي جعله يسلكها ثانيًا.»

وتحدثنا كثيرًا عن الأحوال والحوادث التي وقعت لحسين باشا، وكان رجلًا مسنًّا وقد تعب فنام. ولكن حديثه أطار النوم من عيني، وجعلت أفكر في غوردون، وقلت في نفسي هل هذا هو غاية مجهودات غوردون لخدمة البلاد؟ وهل تذهب ضحايا الرجال والمال بلا فائدة؟ لقد عولت الحكومة المصرية على ترك البلاد، وهي وإن لم ننتفع منها في الماضي سيكون مستقبلها عظيمًا، وأقل ما فيها تلك الآلاف من الجنود السود الذين يمكن أن يجندوا في الجيش، وستترك الحكومة هذه البلاد لأهلها وتبقى علاقتها بها ودية، وتسحب حامياتها وذخائرها منها وترضى بقيام حكومة محلية.

وكان هذا هو الغرض من إرسال غوردون؛ أملًا في أن تقديره بين الأهالي واحترامهم له — وكان هو يُكْبرهما أكثر من حقيقتهما — يمكنانه من تأدية هذه المهمة. ومن الحقائق أن غوردون كان محبوبًا في المناطق الغربية والمناطق الاستوائية؛ حيث كسب حب الناس بطيبة قلبه وسخائه، وكان وقت إقامته في تلك المناطق يكثر من التجوال والسياحة، وكان جسورًا عطوفًا وقبائل تلك الجهات تقدر هاتين الصفتين، فلا شك إذن في أن تلك القبائل كانت تحبه، ولكنها صارت الآن تعبد المهدي ولذلك نسيت غوردون.

وليس السودانيون أوروبيين؛ إذ هم عرب وزنوج ولا يقدرون العطف والرقة قدرهما، وقد أذيع المنشور بإخلاء السودان بين العرب وأخصهم الجعالين وكانوا يكرهون غوردون؛ لأنهم لم ينسوا بعد ما فعله مع الجلابة.

ولما جاء غوردون إلى الخرطوم وليس معه قوة يستند إليها، عرف هؤلاء العرب أنه يعتمد على نفوذه الشخصي في تحقيق أغراضه، ولكن الواقفين على الحالة كانوا يعرفون أن النفوذ الشخصي هو نقطة من بحر في حل المشكلة السودانية.

فما الذي أغراه بإذاعة هذا المنشور والإعلان فيه عن إخلاء الحكومة المصرية السودان، وقد نصح له حسين باشا ألا يقرأه في بربر، ولكن عندما وصل إلى متمه قرأه أمام جميع الناس، فهل لم تبلغ غوردون منشوراتُ المهدي التي أرسلها عقب سقوط الأبيض؟ ألم يعرف أنه كان يدعو الناس في هذه المنشورات إلى إعلان الجهاد على الحكومة، وأن من يعصيه في هذا الأمر يعتبر خائنًا للدين؛ فتصفى أملاكه وتؤسر نساؤه وأولاده ويصيرون عبيدًا للمهدي؟

لقد كان غوردون يرمي إلى الحصول على معاونة هذه القبائل؛ حتى يتمكن من سحب الحاميات وكان يمكنه أن يتفق معها على ذلك، ولكنه الآن أضاع هذه الفرصة؛ إذ كيف يمكن أن تساعده هذه القبائل إذا كان هو قد أعلن إخلاء السودان؛ ومعنى ذلك أن تترك هذه القبائل لرحمة المهدي؟ وماذا كان يفعل المهدي بهم لو أنه علم أنهم عاونوا غوردون على أن يسحب الحاميات؟ ثم هل كان يمكنهم أن يقاوموا المهدي ومعه أربعون ألف جنديٍّ كلٌّ منهم يحمل بندقية، وذلك غير الآلاف المتحمسين الذين يشتاقون إلى الدمار والغنائم؟

كلا، لقد كانت هذه القبائل أعقل وأحصف مما حسبها غوردون، كانت تعرف أنه إذا انسحب غوردون من البلاد وتيقن المهدي أنهم عاونوه، فإنه يستأصل شأفتهم ويسبي نساءهم وأولادهم، ولم يكونوا هم في حاجة إلى هذه التضحية.

وإذا لم يكن في مقدور الحكومة لأسباب سياسية وغير سياسية أن تحتفظ بالسودان، فإن من العبث أن يرسل غوردون ويضحَّى به بلا فائدة. ولم تكن ثَم حاجة إلى رجل ذي مهارة شاذة لكي يسحب جنود الحاميات والذخائر على البواخر إلى بربر بحجة رفع الحصار عن المدينة، وعندئذ تسحب جميع الحاميات أو معظمها، ولكن كان ينبغي السرعة في هذا العمل، ثم هو لم يكن ممكنًا بعد سقوط بربر. ويجب أن نذكر أن بربر لم تسقط إلا في ١٩ مايو؛ أي بعد ثلاثة أشهر من وصول غوردون إلى الخرطوم. وعلى كل حال نقول إن إذاعة منشور غوردون قد عجل سير الأحوال إلى حدٍّ مزعج؛ فإن الأهالي عرفوا نية الحكومة في إخلاء السودان، وصار كلٌّ منهم ينظر إلى مصالحه الخاصة التي صارت على خلاف مع مصالح الحكومة التي قلبها مواطنهم المهدي.

ولم يكن في مقدور غوردون، مع صفات الشجاعة والنشاط التي يتصف بها بحقٍّ، أن يقف سير الأحوال بعد أن ارتكب هذه الغلطة السياسية الكبرى.

ولقد كنت أتقلب في العنجريب وأنا في هذه الأفكار، بينما كان حسين باشا يغط في نومه، ورأيت أن الإيمان بالقضاء والقدر يفيد في مثل هذه الساعة، ولكني كنت ما زلت أوروبيًّا لم تبلغ نفسي هذه المرحلة، وإن كنت قد تعلمت بعد ذلك أن أنظر إلى الأشياء نظر التسليم والهدوء وعلمتني تجاربي في السودان أن أمارس تلك الفضيلة الكبرى؛ فضيلة الصبر.

وانتشرت بعد أيام قلائل إشاعة بأن غوردون أغار على أبي حرجة وجرحه، وأن قواته التي كانت قد طوقت الخرطوم قد وقعت وهزمت، فامتلأ قلبي سرورًا بهذه الأخبار، وإن كنت قد تظاهرت بعدم المبالاة.

ووصل إلى معسكرنا صالح واد المك، وكان قد سلم نفسه في فيداس ثم أرسله أبو حرجة بعد ذلك إلينا، وعفا عنه الخليفة والمهدي فأثبت هذه الأخبار وأمدني ببعض معلومات عن غوردون.

وفي هذا المساء استدعاني الخليفة للعشاء معه، وما كدنا نشرع في تمزيق كتلة اللحم الكبيرة التي أمامنا، حتى سألني قائلًا: «هل سمعت الأخبار اليوم عن الحاج محمد أبي حرجة؟»

فقلت وأنا أشعر بالنفاق: «كلا، لم أترك بابك طول اليوم ولم ألتقِ بأحد.»

فقال الخليفة: «لقد فاجأ غوردون الحاج محمد من البر والبحر، وكان البحر الأزرق في الفيضان، وقد أحاط البواخر بما يمنع رصاص البنادق من الوصول إلى جنده، هذا الكافر رجل ماكر ولكنه سينال عقاب الله، وقد تقهقر رجال الحاج محمد، وغوردون الآن في طرب النصر، ولكنه مخدوع؛ فإن الله لا ينصر إلا الذين يؤمنون به وسينتقم الله منه قريبًا. وليس الحاج محمد ذا كفاية؛ ولذلك سيرسل المهدي واد النجومي لكي يطوق الخرطوم.»

فقلت وأنا أقصد عكس ما أقول: «أرجو ألا يكون الحاج محمد قد خسر خسائر فادحة.»

فقال الخليفة بحقٍّ: «لا حرب بلا خسارة، ولكني لم أقف على التفاصيل بعد.»

وكان انتصار غوردون قد عكر مزاجه، فذهبت عنه دماثته وكان يبدو عليه أنه يخشى النتائج لهذا الانتصار. ولما ذهبت إلى عشتي بعثت خادمي لكي يدعو صالح واد المك سرًّا لزيارتي، فأخبرته بأن الخليفة يؤيد رواية انتصار غوردون، فقال لي إنه سمع أيضًا هذا الخبر من أفراد قرابته، وامتلأ قلبي بهجة وطربًا لهذا النصر، ووجدت نفسي أتحدث وأنا كلي رجاء بالمستقبل، ولكن صالح كان يعد هذا النصر وقتيًّا، وكان يبني اعتقاده هذا على أسباب معقولة.

وأخذ يوضح لي الحالة بقوله إنه عندما وصل إلى الخرطوم بدأ تأثير المنشور عن إخلاء السودان يظهر، وزادت لذلك صعوباته، وصارت قبائل الجعالين تجتمع وقد اختارت لها الحاج علي واد سعد رئيسًا، وقد اجتمعت لديه قوة كبيرة، ولكنه لأسباب شخصية كان يميل إلى الحكومة فجعل يسوِّف في القتال.

ورأى القناصل في الخرطوم أن الحالة تتفاقم فطلبوا من غوردون أن يرسلهم إلى بربر، وقد كان مما يشك فيه أن يصلوا سالمين إلى بربر؛ ولذلك نصح لهم غوردون بالبقاء في الخرطوم فبقوا. أما أهالي الخرطوم فقد أخذوا يتوجسون من غوردون؛ لأنهم تحققوا من المنشور أن غوردون إنما جاء لكي يسحب الحامية، وإن كانوا قد عرفوا بعد ذلك أن غوردون إنما جاء لكي يدافع عنهم أو يموت معهم.

وجمع الشيخ عبيد، وهو من أكبر مشايخ الطرق في السودان، أتباعه في حلفا لكي يحاصر بهم الخرطوم، وأرسل غوردون بعض الجيش بقيادة حسن باشا حسين الذي كان حاكمًا على شقة لكي يجلوا المحاصرين عن أماكنهم، ووقف غوردون على سطح قصره يراقب جنوده منه بتلسكوبه، فرأى بعض ضباطه يفاوضون الثائرين في التسليم، فأحضرهم في الحال وعقد لهم محكمة عسكرية، ثم ضربوا بالرصاص، ولكنه على الرغم من هذه النكبة تمكن من تخليص الشايجية، وكانوا موالين للحكومة؛ فإنه ندب لهم السنجق عبد الحميد واد محمد فأنقذهم وأحضرهم إلى الخرطوم.

وكان صالح واد المك في فيداس قد طوقه الثائرون، فرجا غوردون أن يفك الحصار عنه، ولكن غوردون لم يتمكن من ذلك فاضطر إلى التسليم ومعه ألف وأربعمائة من الجنود غير النظاميين وذخائرهم، وبعد هذا النصر جمع الحاج محمد أبو حرجة جميع سكان الجزيرة لمحاصرة الخرطوم.

وبينما كانت هذه الأحوال تجري حول الخرطوم كان محمد الخير — معلم المهدي السابق وكان قبلًا يدعى محمد الذكر — قد أتى إلى النهر، فعين المهدي تلميذه السابق أميرًا على بربر ووضع جميع القبائل في تلك المديرية تحت تصرفه، فجمع محمد الخير جميع أنصاره من الجعالين قبيلته وأمدهم بعدد كبير من البرابرة والبشارية وسائر العرب، ثم طوق بهم مدينة بربر، فلم يمض عليها بضعة أيام حتى سقطت.

وكانت مديرية دنقلة لا تزال ثابتة على ولائها للحكومة؛ وذلك يرجع إلى مكر مديرها مصطفى بك ياور؛ فإنه عرض تسليم المدينة إلى المهدي مرتين ولكن المهدي توجس شرًّا منه لأنه تركيٌّ، وأرسل أحد قرابته سيد محمود علي لكي يشترك هو وأمير الشايجية الشيخ حداي في تسليم المدينة، فلما علم مصطفى بك ياور ذلك — وكان عنده في ذلك الوقت ضابط إنجليزيٌّ، هو اللورد كتشنر، يشجعه على القتال — جهز جيشًا وأوقع بحداي ثم سحق المهديين في كورش، وقُتل الأميران محمود وحداي.

أما في سنار فلم تكن الحال على ما يرام؛ فقد حوصرت وكان المدخر بها من القمح كثيرًا، ولكن مواصلاتها كانت مقطوعة، وحاول الحاكم نور بك أن يرد المحاصرين فنجح وأرجعهم إلى مسافة بعيدة.

وجاءت الخطابات تترى إلى المهدي رجاء أن يقدم إلى النهر، ولكنه لم يكن في حاجة إلى العجلة؛ إذ كان متأكدًا أن السودان كله قد صار في يديه، وأنه لا يمكن أن يؤخذ منه إلا بجيش مصريٍّ أو أجنبيٍّ كبير. وكان يعرض الجيش كل يوم جمعة ويحضر العرض بنفسه، وكان جيشه مؤلفًا من ثلاثة أقسام، يقود كل قسم منه خليفة، ولكن الخليفة عبد الله كان يسمى «رئيس الجيش»، وكان قسمه يسمى الراية الزرقاء، وكان أخوه يعقوب ينوب عنه. وكان الخليفة علي واد هلو يقود الراية الخضراء، أما الراية الحمراء، أو راية الإشراف، فكان يقود قسمها الخليفة محمد شريف، وكان للأمراء الأصاغر رايات خاصة.

وكان أمراء الراية الزرقاء يصفُّون جنودهم يوم العرض بحيث تواجه الشرق.

وكان جنود الراية الخضراء يصفون أمامهم بحيث يواجهون الغرب، ويصل بين هذين الصفين جنود الأشراف وأمراؤهم بحيث يواجهون الشمال.

وكانت جنود المهدي قد كثر عددها، فكان العرض يحتاج إلى ميدان كبير جدًّا مفتوح من ناحية واحدة يدخل منها المهدي ومعه صحابته، ويقول آخر إنه سمع أصواتًا من السماء تبارك في أنصار المهدي وتعِدُهم بالنصر، بل بعضهم يقول ويؤكد أنه رأى الملائكة تبسط أجنحتها وتؤلف سحابة تقي الجيش وهج الشمس.

وبعد ثلاثة أيام من وصول خبر هزيمة الحاج أبي حرجة وصل إلينا في رهاد رجل إيطاليٌّ يدعى يوسف كوزي آتيًا من الخرطوم، وكان قبلًا في بربر، فلما سقطت تركه المسيو ماركة وكيل شركة ديبورج لكي يتمم بعض الحسابات في بربر، وأرسله محمد الخير بعد سقوط بربر إلى أبي حرجة، وهذا بعثه إلى غوردون بخطاب، ولكن غوردون رفض أن يتلقاه ورده إلى خطوط العدو على الشاطئ الشرقي للنيل الأزرق، فلما وصل إلى المهدي أرسله ثانيًا إلى غوردون بصحبة رجل يونانيٍّ يدعى جورجي كالامنتينو ومعه خطاب إلى غوردون يطلب فيه منه التسليم، وأرسلت أنا على يد هذا اليوناني بضع كلمات لكي يحملها إلى غوردون سرًّا، وأذن لليوناني بأن يدخل إلى الخرطوم، أما كوري فلم يؤذن له؛ لأن الضباط اتهموه بأنه عندما دخل في المرة الأولى دعاهم إلى التسليم.

ولما انتهى شهر رمضان استُدعي أبو أنجة ومن معه من القوات في جبل الدائر، وأعلن المهدي عندئذ أن النبي قد أوصى إليه أن يقوم إلى الخرطوم ويحاصرها بنفسه، وأمر جميع الأمراء بجمع رجالهم والتهيؤ للسفر، وكل من يتخلف عن هذا الجهاد تصفى أملاكه.

ولكن الناس الذين لم يكن لحماستهم حدٌّ لم يكونوا في حاجة إلى التحذير من التخلف؛ فإنهم كانوا يهرعون إلى القتال، وكلٌّ منهم طامع في الغنيمة التي تنتظر انتصار المؤمنين، وكانت نتيجة إعلان المهدي الجهاد أن هاجر الناس جملة، وكانت هجرتهم لا مثيل لها في تاريخ السودان.

وغادرنا رهاد في ٢٢ أغسطس، وكانت قوات المهدي تسير في ثلاث طرق مختلفة، فاتخذت القبائل التي تحمل على الجمال الطريق الشمالي، وكان طريقها على فرس وصلبة وطرة الحضرة. أما الطريق الوسطى التي تمر على طيارة وشرقلة والشط ودريم، فقد اتخذها المهدي والخلفاء والأمراء. أما البقارة وسائر القبائل التي لها مواشٍ، فقد اتخذت الطريق الجنوبية. وكنت أنا بالطبع ملازمًا للخليفة أرافقه، ولكني كنت عندما تحط رحالنا أرسل في طلب صالح واد المك الذي كان في رفقة المهدي. وكان الخليفة لسبب لا أعرفه يكرهه وأمرني بأن ألزمه أنا وخدمي، وكلف ابن عمه عثمان واد آدم بأن يعنى بأمري، ومع ذلك كنت أدقق من وقت لآخر لرؤية صالح واد المك، وكان واقفًا على الدوام على الحالة في مديريات النيل.

ولما كدنا نبلغ شرقلة شاعت إشاعات عن رجل مسيحيٍّ مصريٍّ وصل إلى الأبيض، وأنه في طريقه إلى المهدي. وكان البعض يقولون إنه إمبراطور فرنسا، وآخرون يكذبونهم ويقولون بل هو قريب ملكة إنجلترا. فلم يكن ثمَّ شكٌّ في أن الرجل أوروبيٌّ، فشعرت بأشد الشوق لرؤيته.

وأخبرني الخليفة في المساء بأن رجلًا فرنسيًّا وصل إلى الأبيض، وأنه بعث في طلبه وإحضاره إلى المهدي، ثم قال: «هل أنت فرنسيٌّ؟ وهل عندكم في بلادكم قبائل مختلفة كما هو الحال في السودان؟»

وكان الخليفة يجهل أوروبا كل الجهل، فجعلت أنير ذهنه عن الموضوع بقدر إمكاني، ثم قال الخليفة: «ولكنْ ما يريد منا رجل فرنسيٌّ يأتي إلينا ويقطع هذه الطريق الطويلة؟ عسى أن يكون الله قد هداه إلى الصراط المستقيم.»

فقلت: «لعله يبقى في صحبتك وصحبة المهدي.»

فنظر إليَّ الخليفة، وكان لا يصدق قولي، وقال: «سنرى».

ثم بلغنا شرقلة، وما كدنا نحط رحالنا حتى أرسل إليَّ مولاي وقال: «يا عبد القادر، لقد وصل الفرنسي إلينا وأمرت بإحضاره هنا، فانتظر واسمع ما يقوله؛ إذ ربما نحتاج إليك.»

ثم جاءنا حسين باشا وبدا لي أن الخليفة استدعاه، وبعد مدة جاءنا ملازم وأعلن أن الرجل الغريب واقف أمام الباب، فأذن له بالدخول. ورأيته رجلًا طويلًا حوالي الثلاثين من عمره، وكانت الشمس قد لوحت وجهه، وكان شارباه ولحيته خفيفة اللون، وقد لبس الجبة والعمامة، وحيا الخليفة بقوله: «السلام عليكم»، فلم يتحرك الخليفة من العنجريب، بل أشار عليه بالقعود وبدأه بقوله: «لمَ جئت هنا؟ وماذا ترغب منا؟»

فأجاب بلهجة غريبة غير مفهومة بأنه فرنسيٌّ جاء من فرنسا.

فقال الخليفة: «تكلم بلغتك مع عبد القادر وهو يوضح لنا ما تقصد.»

فتحول الغريب إليَّ، ونظر إليَّ متوجسًا وقال بالإنجليزية: «نهارك سعيد يا سيدي.»

فقلت: «هل تتكلم الفرنسية؟ أنا اسمي سلاطين، الزم الجد ولا تتطوح، وبعد ذلك يمكنك أن تخبرني على حدة ما تريده.»

فتذمر الخليفة قائلًا: «ماذا تقولان؟ إني أعرف ماذا يطلب.»

فقلت له: «أخبرته يا مولاي عن اسمي وطلبت منه أن يتكلم بصراحة؛ لأنك أنت والمهدي قد وهبكما الله معرفة ما يدور في أفكار الناس.»

وأسعفني حسين باشا وكان قاعدًا خلفي فقال: «هذا حقٌّ، الله يطيل عمر الخليفة.» ثم التفت إليَّ وقال: «لقد أحسنت في تنبيه الغريب.»

فسُر الخليفة لهذا التمليق وقال: «باحثه عن غرضه.»

فقال الغريب بالفرنسية: «اسمي أوليفيه بان، وأنا رجل فرنسيٌّ، ومنذ صباي وأنا متعلق بالسودان، أحب أهله، وجميع أهل بلادي يشعرون شعوري، ونحن في أوروبا بيننا وبين بعض الأمم أحقاد، والأمة الإنجليزية هي إحدى هذه الأمم، وقد أرسخت قدمها في مصر وأحد قوادها غوردون موجود الآن في الخرطوم، فأنا جئت لكي أقدم للمهدي مساعدتي أنا وأمتي.»

فقال الخليفة بعد أن ترجمت له هذه الأقوال: «أية مساعدة؟» فقال أوليفيه بان: «مساعدتي الآن هي النصيحة، ولكن أمتي ترغب في صداقتكم وهي مستعدة لمعاونتكم بالمال والسلاح بعد شروط.»

فقال الخليفة وكأنه لم يسمع ما قاله: «هل أنت مسلم؟»

فأجابه: «أجل، أنا مسلم منذ زمن طويل، وقد أعلنت إسلامي في الأبيض.»

فقال لي الخليفة: «اقعد أنت وحسين باشا هنا مع هذا الفرنسي، وسأذهب أنا إلى المهدي لكي أخبره عنه وأعود.»

فلما غادرنا الخليفة حييت هذا الغريب وعرفته بحسين باشا، ولكن شعرت بشيء من الكراهية له لعلمي أنه قدِم لمساعدة أعدائنا، ولكن مع ذلك نبهته إلى أن يحذر في كل ما يقوله وأن يدعي أن الباعث له على المجيء هو الإيمان لا الأغراض السياسية، واغتاظ حسين باشا من هذا الفرنسي حتى قال لي بالعربية: «هل تقديم المال والسلاح لهؤلاء الناس يعد سياسة؟ هؤلاء الناس ليس لهم غرض إلا القتل ونهب الناس واستعباد النساء والبنات. لقد كنتم تنسبوننا إلى القسوة والشر وتعاقبوننا حين كنا نشتري العبيد السود، مع أن العبد الأسود لا يمتاز على الحيوان إلا في أنه يقدر على حرث الأرض.»

فقلت: «معلهش اللي عمره طويل بيشوف كتير.»

وأخذنا كلنا نفكر ونتأمل كلٌّ في حاله ننتظر مجيء الخليفة، وبعد مدة عاد إلينا وأمرنا بالوضوء استعدادًا للصلاة مع المهدي، فتوضأنا وذهبنا إلى مكان الصلاة ووجدنا عددًا عظيمًا من الناس كلهم يبالغون ويهولون في شأن هذا الغريب الفرنسي.

ولما أخذ كلٌّ منا مكانه جلس أوليفيه بان في الصف الثاني. وجاء المهدي عندئذ وكانت جبته نقية معطرة، وعمامته قد رتبت طياتها ترتيبًا يفوق المعتاد، وعيناه مكحلتين لهما بريق شديد، وكان يبدو عليه أنه عني عناية كبيرة لكي يؤثر بهيئته في الناس، ولا شك في أنه شعر بالسرور والزهو لرؤيته رجلًا يأتيه من بلاد بعيدة يعرض عليه المعاونة.

وقعد على سجادة وطلب أوليفيه بان وحيَّاه بابتسامة ولكنه لم يصافحه، ثم أذن له بالقعود وسأله عن سبب مجيئه، وكنت أنا المترجم بينهما.

وأعاد أوليفيه بان حكايته فطلب مني المهدي أن أترجم أقواله بصوت عالٍ يسمعه جميع الحاضرين، ولما انتهيت قال هو أيضًا بصوت عال: «لقد سمعت أقوالك وفهمت مقاصدك، ولكني لا أعتمد على معونة الناس وإنما أعتمد على الله ورسوله، فإن أمتك غير مؤمنة ولا يمكنني أن أعقد محالفة بيني وبين أمة غير مؤمنة، وبمعونة الله سنهزم أعداءنا ونظفر بهم بواسطة الأنصار والملائكة الذين يبعثهم إلينا النبي.»

وعلا الهتاف من آلاف المجتمعين عند سماعهم هذا الكلام، ولما عاد النظام والسكون قال المهدي: «تقول إنك تحب الإسلام وتعترف أنه حقٌّ فهل تؤمن به؟ وهل أنت مسلم؟»

فقال الفرنسي: «أجل، إني مسلم، لا إله إلا الله محمد رسول الله.»

فمد المهدي يده فقبلها، ولكنه لم يطالبه بيمين الولاء، ثم جاء ميعاد الصلاة فنظمت الصفوف وقضينا الصلاة، ثم وعظنا المهدي وشرح لنا الزهد في الدنيا وكيفية النجاء، وخرجنا مع الخليفة الذي أشار عليَّ بأن آخذ أوليفيه بان معي إلى عشتي وأنتظر أوامره.

وخلا كلٌّ منا إلى الآخر فتحادثنا مليًّا لا نخاف شيئًا، وكنت أكره المهمة التي جاء من أجلها، ولكن أيضًا كنت أتحسر عليه لجهله، فأعدت عليه التحية ورحبت به وقلت له: «والآن ياعزيزي أوليفيه بان نحن هنا وحدنا لن يزعجنا أحد فلنتكلم بصراحة، ولو أني لا أوافق على مهمتك، ولكن أؤكد لك بأني سأعمل كل ما في استطاعتي للمحافظة عليك، لقد عشت أنا هنا جملة سنوات بعيدًا عن المدنية، فأخبرني عما يحدث الآن في العالم.»

فقال لي: «إني أثق بك كل الثقة، وأعرف اسمك وأحمد المقادير التي جمعتني بك، وهناك عدة أشياء تهمك معرفتها، ولكن أقصر كلامي الآن على مصر.»

فقلت له: «أخبرني إذن عن ثورة عرابي باشا والمقتلة التي حدثت بسببه وتدخل الدول واحتلال الإنجليز مصر.»

فقال: «أنا محرر في جريدة الإنديبندانس التي يرأس تحريرها روشفور الذي أظن أنك سمعت عنه، وأنت تعرف أن فرنسا وإنجلترا نقيضان في السياسة، وأننا نضع في وجه إنجلترا كل ما يمكننا من العراقيل، ولم أحضر أنا ولي صفة النيابة عن أمتي، بل جئت بصفتي الشخصية فقط، ولكن الأمة تعلم بمجيئي وتوافق عليه، وقد عرف ولاة الأمور الإنجليز مقاصدي وقبضوا عليَّ في وادي حلفا لإرجاعي، ولكن لما بلغت إسنا اتفقت مع العرب على أن يحملوني سرًّا إلى الأبيض عن طريق الكعب، وقد استقبلني المهدي مرحبًا بي كما ترى؛ ولذلك فإني أرجو الخير على يده.»

فقلت: «وهل تظن أنه يقبل اقتراحك.»

فقال: «إذا رفض اقتراحي فإني أظن أنه يعمل لإيجاد علاقات حسنة بينه وبين أمتي، وهذا يكفيني. وأظن أنه بما أني جئت مختارًا فهو لا يعارض في سفري ثانيًا إلى بلادي.»

فقلت: «هذا مما أشك فيه. قل لي، هل لك عائلة؟»

فقال: «نعم، لي زوجة وولدان في باريس، وهم لا يغيبون عن بالي، وأرجو أن أراهم قريبًا. ولكن أخبرني لمَ يعارض المهدي في سفري؟»

فأجبته قائلًا: «إني أعرف هؤلاء الناس، وإلى الآن لا أظن أن هناك ما يدعو إلى الخوف على حياتك، ولكني لا أقدر أن أقول متى وكيف يمكنك أن تسافر إلى بلادك، وأرجو أن المهدي يرفض اقتراحاتك التي أظن أنها ربما تفيده، ولكني أرجو أيضًا أن تعود سالمًا لعائلتك التي تنتظرك بنافد الصبر.»

وكنت قد أمرت الخدم بإحضار شيء نأكله، وطلبت إحضار جوستاف كلوتز — خادم ودنفان الذي كان قد فر من جيش هكس وانضم إلى المهدي — لكي يأكل معنا، وما كدنا نشرع في تناول الطعام حتى دخل اثنان من ملازمي الخليفة وطلب من أوليفيه بان أن يتبعهما، فدهش لهذه الدعوة الفجائية وبدا عليه الخوف وهمس إليَّ بأن أسأل عنه، ودهشت أنا أيضًا لأن لغته العربية لم تكن مفهومة، فلماذا يطلبه الخليفة وحده؟ وكنت أقول ذلك لمصطفى «كلوتز» وإذا بملازم يطلبني أنا أيضًا، ولما دخلت على الخليفة وجدته قاعدًا وحده وأشار عليَّ بالقعود فقعدت إلى جانبه.

ثم قال لي بلهجة الذي يُسِرُّ إليَّ شيئًا: «يا عبد القادر أنت واحد منا، قل لي ماذا تظن في هذا الفرنسي؟»

فقلت: «أظن أنه مخلص وأن قصده حسن، ولكنه لا يعرفك ولا يعرف المهدي، ويجهل أيضًا أنكما تعتمدان على معونة الله وحده ولا تحتاجان إلى معونة إنسانية، وأن هذا هو سبب انتصاراتكم المتتابعة؛ لأن الله يكون على الدوام مع المؤمنين به.»

فقال الخليفة: «لقد سمعت كلام المهدي عندما قال إنه لا يرغب في أية علاقة بينه وبين غير المؤمنين، وإنه يمكنه أن يهزم أعداءه بدون أن يستعين بهم.»

فقلت: «هذا أكيد، ولا فائدة من وجود هذا الرجل هنا، ويمكنه أن يعود إلى وطنه ويخبر الناس هناك بالانتصارات التي يحرزها المهدي وخليفته.»

فقال الخليفة: «لعله يفعل ذلك بعد، أما الآن فقد أمرته أن يبقى مع زكي طومال الذي سيعنى به ويقدم له حاجاته.»

فقلت له بلهجة التوسل: «ولكنه يجد مشقة عظيمة في التعبير عن فكره بالعربية؛ إذ هو لا يزال يجهلها.»

فقال الخليفة: «لقد تمكن من الوصول إلينا بدون مترجم، ولكني مع ذلك أسمح لك بزيارته.»

ثم أخذ يتكلم عن أشياء أخرى وأخذني لرؤية الخيول التي أهداها إليه زوجال من دارفور، وكنت أعرف بعضها جيدًا. وبعد أن تركته ذهبت إلى أوليفيه بان فوجدته قد أسند رأسه على يديه وهو في تفكير عميق، ولما رآني هب واقفًا وقال: «لا أعرف ماذا أقول عن كل هذا، لقد أمروني أن أمكث هنا وأحضروا لي أمتعتي ووكلوا بي رجلًا يدعى زكي، فلمَ لم يتركوني أمكث معك؟»

فقلت بلهجة العطف: «هذه هي طبيعة المهدي، والخليفة شرٌّ منه في ترتيب الأشياء على ضد ما يرغب الإنسان، وأنت الآن تمتحن في الصبر والطاعة والإيمان، ولكن لا تخش شيئًا فإن الخليفة يتوجس منا شرًّا نحن الاثنين، ويجب أن نبقى منفصلين حتى لا ننتقد أعماله.»

ثم قلت لزكي طومال: «يا صديقي هذا رجل غريب فأنا أوصيك به خيرًا، فكن معه بحق صداقتنا القديمة.»

فقال: «لن يحتاج إلى شيء أستطيع تقديمه إليه.»

ثم قال بتؤدة: «ولكن الخليفة أمرني أن أمنع الناس من مخاطبته، فأرجوك ألا تقابله كثيرًا.»

فقلت: «هذه الأوامر لا تنطبق عليَّ، فأنا كنت منذ برهة عند مولاي الخليفة فأمرني أن أزور هذا الغريب، فأكرر عليك أن تعامله معاملة حسنة.»

ثم عدت إلى أوليفيه بان وحاولت أن أدخل السرور في قلبه، وأخبرته بأن الخليفة قد منع الناس من مخالطته، وأن هذا الأمر في مصلحته؛ لأن اختلاطهم به قد يؤدي إلى أن يدسوا له عنده ويوقعوا به، أما أنا فإني أزوره كلما سنحت الفرصة.

وفي اليوم التالي قرع طبل الخليفة إيذانا باستئناف السير، وكانت عادتنا أن نسير من الصباح إلى الظهر ولذلك كان سيرنا بطيئًا. وكنا عندما نقف أذهب إلى الفرنسي فأجده قاعدًا في خيمته كالعادة، وكانت صحته جيدة ولكنه كان يشكو من سوء الطعام. وقال زكي بعد أن سمع هذه الشكوى إنه أحضر إليه العصيدة فلم يذقها، فأوضحت له أنه غريب لم يألف بعد الطبخ السوداني، واقترحت عليه أن أجعل خادمي يهيئ له طبقًا من الحساء وآخر من الرز، وسألني الخليفة في تلك الليلة: هل رأيت أوليفيه بان؟ فأخبرته بأني قابلته وأني وجدته صائمًا لا يستطيع أن يأكل العصيدة، فجعلت خادمي يهيئ له طعامًا لئلا يمرض؛ ولذلك أرجوه أن يسمح لي بذلك، فوافق الخليفة ولكنه قال: «ولكنك أنت تأكل من طعامنا فيحسن به أن يعتاد هذا الطعام في أقرب وقت، ثم أين مصطفى «كلوتز» فإني لم أره منذ بارحنا رهاد؟»

فقلت: «إنه عندي يساعد الخدم على العناية بالخيول والجمال.»

فقال الخليفة: «اطلبه الآن» ففعلت، وجاء بعد برهة صغيرة ووقف أمامنا، فقال له الخليفة: «أين كنت؟ إني لم أرك منذ أسابيع، هل نسيت أني مولاك؟»

فقال كلوتز في لهجة التأفف: «لقد ذهبت إلى عبد القادر بإذنك، وأنت لا تعنى بي وقد تركتني وحدي.»

فقال الخليفة وهو غاضب: «سأُعنى بك في المستقبل.» ثم هتف بأحد الملازمين وطلب منه أن يخبر كاتبه ابن نجا بأن يضع مصطفى في الأغلال، وخرج مصطفى وهو لا ينبس بكلمة.

ثم قال الخليفة: «إن عند مصطفى وعندك ما يكفيكما من الخدم، فيمكنك أن تستغني عنه، وقد كنت اختصصت به ولكنه تركني بدون سبب، فأمرته بأن يلزم أخي يعقوب ولكنه تركه أيضًا، والآن عندما ذهب إليك قام في ذهنه أنه يمكنه أن يستغني عنا جميعًا.»

فقلت: «اعفُ عنه فإن الرحيم يعفو، ائذن له بالبقاء مع أخيك فلعل هذا يصلحه.»

فقال: «يجب أن يبقى مصفدًا عدة أيام حتى يعرف أني مولاه وهو ليس مثلك، فأنت تأتي إليَّ كل يوم.»

وشعرت كأنه يقول هذا لكي يطمئنني لأنه رآني قد تألمت، ثم أمر بالعشاء فأحضر وأكلت أنا بشهوة أكثر من المعتاد حتى أوهمه بأني راضٍ. وكان قليل الكلام وقت الطعام يبدو عليه كأنه مغموم، وبعد العشاء حاول أن يقول شيئًا يزيل به أثر الكآبة ولكن لهجته كذبته. ثم انفصلنا وعدت إلى خيمتي وأنا أتأمل في الحالة، فقد كنت عازمًا على أن أبقى على وفاق مع الخليفة حتى تتاح لي ساعة الخلاص، ولكن صلفه وغطرسته وسوء أدبه قد جعلت هذا الواجب ثقيلًا عليَّ.

وبعد أن سرنا خمسة أيام بلغنا الشط، حيث وجدنا الآبار مسدودة فشرعنا في فتحها وأقمنا بعض العشش هناك؛ لأن المهدي قرر الإقامة هنا بضعة أيام، وكنت وقت مسيرنا أزور أوليفيه بان فأجد آماله التي جاء بها تذهب بالتدريج، وكانت معرفته العربية قليلة جدًّا، ولم يكن يؤذن له بالكلام إلا مع العبيد الذين كانوا في خدمته، ولم تمض عليه أيام حتى نسي مهمته الأصلية وصار لا يذكر شيئًا سوى زوجته وأولاده. وكنت أحثه على التفاؤل بالمستقبل، وأن ينزع عن نفسه هذه الكآبة التي لا تنفعه في شيء. وكان الخليفة قد نسيه تقريبًا فلم يكن يذكره أبدًا.

وبعد وصولنا بيوم إلى الشط وافانا محمد الشريف شيخ المهدي السابق، الذي كان قد طرده من طريقته وكان أصدقاؤه قد حثوه على أن يذهب إليه ويستغفره، ولكن المهدي أحسن استقباله وسار معه بنفسه إلى خيمته وأهدى إليه فتاتين حبشيتين جميلتين وخيولًا وغير ذلك، وبهذه المعاملة السمحة جذب المهدي إليه أنصار الشيخ محمد الشريف وضمن ولاءهم.

ولما غادرنا شرقلة جاءتنا الأخبار بأن جيوش غوردون هُزمت هزيمة منكرة، ولما بلغنا الشط جاءتنا تفاصيل هذه الهزيمة التي انتصر فيها الشيخ عبيد علَى محمد علي باشا في أم درمان، وكانت نتيجة هذا النصر أن الثائرين زادوا ضغطهم في حصار الخرطوم، ولما أمدهم واد النجومي بجيشه وجد غوردون أنه لم يعد في قوته أي فتق في القوة التي تحاصره.

وخرجنا من الشط إلى الدويم؛ حيث عرض المهدي الجيش عرضًا عظيمًا وأشار إلى النيل وقال: «إن الله قد خلق هذا النهر ووهبكم مياهه لتشربوها، وقسم لكم أن تملكوا جميع ما على ضفتيه من أرض.» فهتف له الجميع هتاف الفرح والسرور وكلٌّ منهم يعتقد أن تلك البلاد العجيبة قد وقعت فريسة للمهديين.

وغادرنا الدويم إلى طرة الحضرة، حيث قضينا أيام العيد، وكان أوليفيه بان الفرنسي قد أصيب بحمى، ولما زرته قال لي: «لقد جازفت جملة مجازفات في حياتي دون أن أفكر في نتائجها، ولكن مجيئي هنا غلطة فادحة، وقد كان أصلح لي لو أني وقعت في يد الإنجليز ومنعوني من تنفيذ إرادتي.» وكنت أجهد جهدي لكي أعزيه وأسري عنه، ولكنه كان يقابل كلامي بهز رأسه.

وفي العيد صلى المهدي بصوت عالٍ غير عادي، ولما وصل إلى الخطبة بكى وانتحب انتحابًا مرًّا، وكنا نحن الذين لا يؤمنون بدعوته نعرف أن هذا البكاء نفاق لن يعقبه خير لأحد، ولكن كانت له النتائج المرغوبة؛ فإن قبائل النيل الأبيض سارعت إلى الانضواء تحت رايته، وتحمس الناس أشد تحمس لسماعهم خطبته.

وبعد أن استرحنا يومين استأنفنا السفر، وكنا نزحف زحفًا كالسلحفاة لكثرة جموعنا وازدياد عددهم يومًا بعد يوم، وكانت حالة أوليفيه بان تسوء كل يوم، وتبين أن ما به هو التيفوس، ورجاني أن أطلب من المهدي بضعة نقود؛ لأن الذين يعنون به يضايقونه بما يطلبونه منه، ففعلت، وأمر المهدي أمين بيت المال بأن يعطيه خمسة جنيهات ودعا له بالشفاء، وأخبرت الخليفة بحال بان وبأن المهدي وهبه خمسة جنيهات، فلامني لأني فعلت ذلك بدون إذنه، وقال لي: «إذا مات هنا فإنه يكون سعيدًا؛ فإن الله بقدرته قد نقله من الكفر إلى الإيمان.»

وفي صباح اليوم التالي أرسل إليَّ بان فذهبت ووجدته ضعيفًا لا يقوى على النهوض، وكان قد مضى عليه يومان لم يذق فيهما شيئًا من الطعام الذي كنت أرسله له، ولما قعدت إلى جانبه وضع يده في يدي وقال: «لقد جاءت ساعتي، وأنا أشكر لك حنوَّك عليَّ ورعايتك لي، وآخر ما أطلبه منك من المعروف إذا نجوت من هؤلاء المتوحشين وأتيحت لك الفرصة بزيارة باريس أن تذهب إلى زوجتي المسكينة وأولادي، وتخبرهم أني وأنا أموت كنت لا أفكر إلا فيهم.»

وكان وهو يقول هذا الكلام تنحدر العبرات على خديه الغائرين، وعدت إلى تعزيته وتقويته، ولكني سمعت قرع الطبول فاضطررت إلى تركه، وكانت هذه آخر مرة رأيته فيها، وأمرت أحد خدمي المدعو نطرون أن يبقى معه، ثم ذهبت إلى الخليفة فأخبرته بحالته السيئة ورجوته أن يأمر بإبقائه في إحدى القرى حتى يشفى، فوافق الخليفة على مقترحي وطلب مني أن أذكره بهذه المسألة عند الغروب.

ثم جاء الغروب ولكن المريض لم يجئ، بل جاء نطرون، فقلت له وكان يتفزز من خاطر يساوره: «أين يوسف؟» ويوسف هذا هو اسم أوليفيه بان الذي تسمى به حين صار مسلمًا.

فقال: «مات سيدي، وهذا سبب تأخيرنا، وقد دفناه.»

فدهشت وقلت: «كيف مات؟ أخبرني عما حدث.»

فقال: «اشتدت به علته حتى لم يستطع الركوب، ولكنا كنا مضطرين إلى السير، وكان من وقت لآخر يغيب عن وعيه ثم يفيق ويتكلم بكلمات لا نفهمها، فوضعنا على سرج الفرس عنجريبًا وربطناه به وجعلناه يرقد عليه، ولكنه كان من الضعف بحيث لم يتماسك فوقه فوقع فجأة ولم يفق بعد ذلك، ثم مات فكفناه في شال من القطن ودفناه وأخذ زكي جميع أمتعته.»

فتبين لي أن مرضه كان قد بلغ به وأن السقطة قد عجلت الموت وكانت السبب المباشر له. يا له من مسكين! جاء إلينا وآماله لا تسعه ثم تكون هذه خاتمته.

وذهبت في الحال إلى الخليفة فأخبرته بوفاته فقال: «إنه لسعيد». ثم أرسل إلى زكي أحد الملازمين لكي يأمره بالاحتفاظ بأمتعته، ثم أرسلني أنا إلى المهدي لكي أخبره بوفاته. وتأثر الخليفة وقال بضع كلمات تدل على عطفه وحنانه ثم تلا صلاة الموتى.

وبعد ثلاثة أيام اقتربنا من الخرطوم وصرنا على مسيرة يوم منها، وكنا ونحن في الطريق قد رأينا بواخر غوردون في النهر، وبدا لنا أنها أتت إلينا للاستطلاع ثم عادت بدوران تطلق عيارًا.

ولما جاء المساء وضربنا خيامنا جاءني ملازم من المهدي وطلب مني أن أذهب إليه، فذهبت ووجدته قاعدًا مع عبد القادر وادام مريم، وكان قاضيًا سابقًا وله نفوذ عظيم بين قبائل النيل الأبيض، وكان حسين خليفة هناك، فصرت أنا رابعهم.

فقال المهدي: «بعثت في طلبك لكي تكتب إلى غوردون أن يسلم المدينة فلا يتعرض للهزيمة، وأخبره بأني المهدي الصادق فعليه تسليم الحامية فيسلم، وأخبره أيضًا أنه إذا رفض التسليم فإننا سنقاتله جميعًا، وقل له إنك ستقاتله أنت بنفسك، وإن النصر مضمون لنا، وإنك إنما تقول له ذلك حقنًا للدماء.»

فالتزمت الصمت حتى دعاني حسين خليفة للإجابة فقلت: «مولاي المهدي، أرجوك أن تنصت إليَّ، فإني أريد أن أكون أمينًا مخلصًا، فلا تغضب إذا وجدت في قولي ما يخالف رأيك، فإني إذا كتبت إلى غوردون أقول له إنك المهدي المنتظر فإنه لا يصدقني، وإذا هدَّدته بأني أقاتله بيدي فهو لا يخاف من ذلك شيئًا، ولما كانت رغبتك الوحيدة هي حقن الدماء فإني أطلب منه التسليم فقط، وسأقول له إنه ليس عنده من القوة ما يمكنه من قتال المهدي، وإنه لا أمل له في الحصول على معونة أحد، ثم أقول إني سفير الصلح بينك وبينه.»

فقال المهدي: «أنا موافق على ما تقول، اذهب الآن واكتب الخطابات وفي الغد تحمل إلى غوردون.»

فذهبت إلى خيمتي وكانت خيمتي قد تمزقت وبليت فأهديتها إلى بعض من حولي، ونصبت بدلًا منها بعض الملابس على عصيٍّ كنت أجلس تحتها وأتظلل بها في النهار، أما في الليل فكنت أنام في الخلاء، وبحثت عن مصباح وأخذت في كتابة الخطابات وأنا قاعد على عنجريب، وكتبت أولًا بضعة سطور لغوردون باللغة الفرنسية، قلت فيها إني قد فقدت المعجم الفرنسي لأن المهديين قد أحرقوه؛ ولذلك فأنا أكتب بالألمانية حتى يمكنني التعبير بإسهاب عن أغراضي، وقلت إني أؤمِّل أن ألاقيه قريبًا، وإني أدعو الله لنصره، وقلت أيضًا إن بعض الشايجية الذين انضووا قريبًا إلى راية المهدي لم يفعلوا ذلك إلا خوفًا على أنفسهم وأولادهم، وإن صدورهم لا تحمل الحقد أو البغضاء لغوردون.

ثم كتبت خطابًا مسهبًا بالألمانية قلت فيه إني سمعت من جورج كالامنتينو أنه — أي غوردون — قد غضب من تسليمي للمهدي، وإني لذلك أوضح الحقائق راجيًا منه أن ينظر فيها ويعتبرها. ثم شرعت في شرح التجريدات التي جردتها لمقاتلة السلطان هارون. ثم قلت إنه عند بدء الثورة المهدية كان الضباط الذين في جيشي يسمعون أخبارًا عن عرابي، وأنه طرد الأوروبيين من مصر، وأن هزائمي تُعزى إلى أني غير مسلم، فاضطررت لذلك إلى القضاء على هذه الدسائس بالادعاء بأني مسلم، ونجحت بهذه الطريقة إلى أن اصطلم جيش هيكس وانقطع كل أمل في المعونة. وأخبرته عن تناقص جيشي بالحروب المتوالية حتى صار عدده لا يبلغ بضعة مئات من الجنود، وأن الذخيرة نفذت أو كادت، وأن الضباط والجنود طالبوني بالتسليم، فلم يكن بدٌّ بعد ذلك بصفتي أوروبيًّا وحيدًا من الخضوع. وأخبرته بأن هذا التسليم كان من أشق الأعمال عليَّ، ولكنِّي شعرت باعتباري ضابطًا نمسويًّا أني عملت عملًا لا أخجل منه. ثم قلت إني بما سلكته من المسلك الحسن مع الخليفة والمهدي قد حصلت على ثقتهما، حتى أذنا لي بالكتابة إليه بحجة أني أطلب منه التسليم، ولكني أعرض عليه نفسي لكي أقاتل معه حتى الموت أو النصر، فإذا وافق على قراري لكي أنضم إليه فأنا أرجو أن يكتب إليَّ بضعة أسطر بالفرنسية بهذا المعنى، ولكن لكي تجوز الحيلة يجب أن يكتب إليَّ بضعة سطور بالعربية أيضًا، يطلب مني فيها أن أستأذن المهدي لكي أذهب إلى أم درمان للمفاوضة في الصلح والتسليم. ثم أشرت إلى ولاء صالح بك وبعض المشايخ الآخرين له، ولكنهم لا يمكنهم أن يفروا إليه؛ لأنهم في هذه الحالة يضحون أولادهم وزوجاتهم.

ثم كتبت خطابًا آخر بالألمانية إلى القنصل هانسل أرجوه أن يعمل كل ما في جهده لكي أعود إلى الخرطوم، وأني إذا رجعت إلى الخرطوم أكون ذا فائدة كبيرة؛ لأني أعرف مقاصد المهدي ومبلغ قوته وما إلى ذلك. ولكني أخبرته بأنه في حالة انعقاد النية على تسليم الخرطوم لا داعي لي للهرب؛ فقد ذاعت إشاعة بين رجال المهدي مقتضاها أنه إذا لم تأت معونة لغوردون فإنه سيسلم. وبدهيٌّ أنه إذا سلم غوردون ووجدني المهدي قد فررتُ إليه فإنه يصرف غضبه كله إليَّ؛ لأني عاونت عدوه عليه.

وقد بدا لي أنه من الإنصاف والعقل أن أتأكد من هذه المسألة، وكانت الإشاعات القائلة بأن حامية الخرطوم قد سئمت القتال تروج بيننا، وأنها تنوي التسليم، فشددت لذلك من عزم هانسل وقويته على الثبات، وأن قوات المهدي ليست بالكثرة التي يشاع عنها، وأنه يكفي الجيوش المصرية أن تثبت وتنشط حتى يحق لها النصر، وحضضته على الثبات ستة أسابيع على الأقل حتى تتمكن النجدات من إنجادهم، ولما عدت إلى القاهرة في سنة ١٨٩٥ علمت أن خطاباتي هذه قد بلغت إلى ولاة الأمور الإنجليز وطبعت مع يوميات غوردون.

وأخبرته أن عندنا إشاعة تقول إن الباخرة الصغيرة التي أرسلت إلى دنقلة قد تحطمت في وادي غمر، ولكني لا أعرف مبلغ هذه الإشاعة من الصحة أو الكذب.

وفي صباح اليوم التالي في ١٥ أكتوبر أخذت هذه الخطابات وذهبت إلى المهدي وأخبرته بأن يرسلها مع أحد خدمي إلى أم درمان، ثم ذهبت وبحثت عن الصبي مرجان فورًا — وكان عمره يومئذ ١٥ سنة — فسلمته الخطاب أمام المهدي، وأمر المهدي واد سليمان بأن يعطيه حمارًا ومقدارًا من النقود، وقبل أن يغادرنا مرجان أمرته وأكدت عليه بألا يخاطب أحدًا سوى غوردون والقنصل هانسل، وأن يقول لهما بأني أرغب في الذهاب إليهما.

وفي الظهر جاءنا فرسان من بربر وأكدوا لنا رواية تحطيم الباخرة وقتل الضابط ستيورات ومن معه، وأحضروا معهم جميع الأوراق والوثائق التي كانت في الباخرة، وأمرني الخليفة بأن أقرأ ما هو مكتوب منها باللغات الأوروبية، ووجدت بين هذه الأوراق جملة خطابات مرسلة من الخرطوم ووثائق رسمية أخرى.

وكان أهم ما في هذه الأوراق التقرير الحربي الذي يصف الحوادث اليومية في الخرطوم، ولم يكن ممهورًا بتوقيع، ولكنني لم أشك في أن كاتبه هو غوردون، ولم أطلع إلا على جزء من المكاتبات التي لم أنتهِ من قراءتها قبل أن دعاني المهدي وسألني عن محتويات هذه الأوراق، فأجبته بأن معظمها رسائل شخصية، وأن بها تقريرًا حربيًّا لم أفهمه. وكان بين هذه المكاتبات لسوء الحظ بعض الخطابات والتقارير المكتوبة بالعربية، تمكن المهدي والخليفة أن يقفا منها على الحالة في الخرطوم، وكان بينها خطاب نصفه بالأرقام ونصفه بالحروف مرسل من غوردون إلى الخديو، وقد تمكن عبد الحليم أفندي الكاتب السابق في كردوفان أن يفهمه، ووجدت بين تقارير القنصليات خبر وفاة صديقي أرنست مارنو الذي مات في الخرطوم من الحمى.

وناقشني المهدي في الأوراق التي نرسلها إلى غوردون لكي نقنعه بأن الباخرة قد تحطمت وأن الضابط ستيورات قد قتل، وكان يعتقد أن هذا يجعل غوردون مضطرًّا إلى التسليم، فأشرت على المهدي بأن أحسن ما يقنعه هو تقريره الحربي، وأنه يجب لذلك رده إليه. وطال الجدال في هذا الموضوع وأخيرًا استقر الرأي على مقترحي.

وفي مساء اليوم الثاني عاد إليَّ مرجان الذي كنت أرسلته بخطاب إلى غوردون وغيره، ولكنه لم يحضر معه جوابًا، فلما سألته عن سبب ذلك قال إنه عندما وصل إلى قلعة أم درمان وسلم الخطابات، خرج إليه بعد مدة ضابط القلعة وأخبره بأن يعود وأنه لن يجاوب على الخطابات.

وأخذت هذا الصبي في الحال إلى المهدي فأعاد هذا الجواب، ثم ذهبت إلى الخليفة وأخبرته بما جرى. وفي المساء نفسه دعاني المهدي وأمرني بأن أكتب خطابًا آخر، وقال إنه متأكد أن غوردون سيجاوب عندما يسمع بتحطيم الباخرة. وأبديت استعدادًا في الحال لطاعة أمره، وأشار عليَّ بأن يحمل مرجان هذا الخطاب أيضًا، فذهبت إلى مكاني على العنجريب وقعدت إلى ضوء مصباح ضعيف وكتبت بضع كلمات عن فقدان الباخرة ووفاة ستيوارت، وذكرت جملة أشياء كنت قد شرحتها في خطاباتي السابقة. وقلت له إنه إذا كان يعتقد أني أتيت أمرًا يخالف واجبات الضابط، وأن هذا هو الذي منعه من الإجابة على خطاباتي؛ فأنا أرجوه أن يتيح لي الفرصة لكي أدافع عن نفسي حتى يحكم عليَّ حكمًا سديدًا.

وفي الصباح ذهبت مع مرجان إلى المهدي، وأمر المهدي أحمد واد سليمان أن يعطي مرجان حمارًا وسلمه خطابي، ثم سافر مرجان وجاءنا بعد يوم ومعه جواب من هانسل مكتوب بالألمانية ومعه ترجمة بالعربية وهذا نصه:

عزيزي سلاطين بك

لقد وصلت خطاباتك، وأنا أعرض عليك أن تمضي إلى طابية راغب بك — في قلعة أم درمان — وأنا أرغب في أن أخاطبك بشأن الإجراءات الخاصة بتخليصنا، ويمكنك أن ترجع بعد ذلك إلى صديقك.

المخلص لك
هانسل

ولم أفهم المقصود من هذا الخطاب؛ هل غايته الحقيقية خدع المهدي؟ إذ لو كانت هذه هي الغاية لكانت الصيغة العربية كافية، ثم خطر ببالي أنه كان يمكنه أن يوضح غرضه باللغة الألمانية، ولكن لعله توقى ذلك خشية وجود أحد في معسكرنا يفهم هذه اللغة فيغرر بي، واعتبرت ألفاظ الخطاب فوجدته يقصد أو يلمح إلى انضمامه إلينا، وقد كانت راجت بيننا إشاعات عن خوفه من سقوط المدينة ورغبته هو وسائر الضباط النمسويين في التسليم للمهدي، ولكن لم يكن من الممكن أن يبت الإنسان في هذه النية، ثم قوله «ويمكنك بعد ذلك أن ترجع إلى صديقك»، هل يقصد به رجوعي إلى المهدي أو رجوعي إلى غوردون؟ والحق أني قد غُطي عليَّ المعنى ولكنه كشف لي بعد مدة قليلة.

وأخذت الخطاب في الحال إلى المهدي وأخبرته بأن النص العربي يوافق النص الألماني، ولما أتم قراءته سألني هل أرغب في الذهاب إليه، فأجبت بأني مستعدٌ لتلبية أمره وأني على الدوام طوع إشارته.

فقال لي: «إني أخشي أنك إذا ذهبت إلى أم درمان ولقيت القنصل يقبض عليك غوردون ويقتلك؛ لأني لا أعرف السبب في عدم كتابته إليك لو كان يحسن بك الظن.»

فقلت: «لست أعرف سبب سكوته عن الرد، وربما كان عنده من الأوامر ما يمنعه من مخاطبة العدو، ولكني أظن أنه يمكن تسوية الحالة عندما ألتقي ﺑ «هانسل»، وأنت تقول إن غوردون ربما يقبض عليَّ، ولكني لا أخشى ذلك، ولو حدث هذا لأمكنك أن تخلصني. أما أنه يقتلني، فهذا ما لن يحدث.»

فقال المهدي: «إذن يمكنك أن تستعد للسفر وتنتظر أوامري.»

وكنت عند ذهابي إلى عشة المهدي قد سمعت بمجيء لبتون بك من بحر الغزال، وعند رجوعي الآن ذهبت إليه ووجدته واقفًا بباب الخليفة ينتظر الإذن بدخوله، ولم يكن من القواعد المرعية أن يخاطب الإنسان أحدًا لم يحصل بعد على عفو المهدي، فقال لي إنه يؤمل الأمل كله أن أذهب إلى الخرطوم، وقال أيضًا إنه ترك خدمه وأتباعه على مسيرة ساعات من المعسكر، وطلب مني أن أستأذن الخليفة في مجيئهم، وبعد دقائق دعاه الخليفة فعفا عنه وأذن له بإحضار أتباعه، وأخبره أنه سيقابل المهدي.

وذهبت أنا إلى مكاني وقعدت على العنجريب وأنا في أشد القلق أنتظر الأوامر لكي أذهب إلى أم درمان، وكان يخطر ببالي وأنا قاعد أن المهدي ربما قد غير فكره ورجع عن عزمه بشأن سفري.

وأخيرًا جاءني خادم يخبرني أن الخليفة أرسل ملازميه في طلبي، فلما نهضتُ أخبرني الملازم أن أسير معه إلى عشة يعقوب حيث كان أخوه الخليفة، فسارعت إلى عمامتي فتعممت واحتزمت وسرت وراءه. ولكن لما بلغنا يعقوب قيل لنا إن الخليفة قد غادرها إلى عشة أبو أنجة، وداخلني شكٌّ من هذا التطواف في الليل؛ إذ لم تكن هذه عادتنا، وكنت أعرف مقدار ما عند هؤلاء الناس من المكر والخديعة فاستعددت لأي حادث، ولما بلغنا زريبة أبو أنجة أذن لنا بالدخول، وكانت هذه الزريبة واسعة، وكان بها مظلات من قماش كلٌّ منها قائمة على عمود من خشب، وكل واحدة منفصلة عن الأخرى بحائط من الذرة، وذهبنا في ضوء مصباح إلى إحدى هذه المظلات، فوجدت يعقوب وأبو أنجة وفضل المولى وزكي طومال والحاج زبير قاعدين في حلقة يتكلمون بجدٍّ ونشاط، وكان وراءهم بضعة رجال قد وقفوا وهم مسلحون، ولكني لم أجد أثرًا للخليفة الذي قيل لي إنه يستدعيني، وتأكدت عندئذ أن هناك مؤامرة عليَّ. وتقدم الملازم وخاطب يعقوب ثم أمرت بالتقدم وقعدت بين الحاج زبير وفضل المولى مواجهًا لأبي أنجة.

فخاطبني أبو أنجة قائلًا: «لقد وعدت المهدي يا عبد القادر أن تخلص له، وواجب عليك أن تفي بوعدك، ثم عليك أن تطيع الأوامر وإن كان فيها ما يؤلمك، أليس كذلك؟»

فقلت: «هذا حقٌّ، وأنت يا أبا أنجة إذا سلمت لي أمرًا من المهدي أو من الخليفة تجدني مطيعًا.»

فقال: «إني أمرت بالقبض عليك ولكن لا أعرف السبب.» وعندما قال هذا استل الحاج زبير سيفي — وكنت قد وضعته على ركبتي كما هي العادة — ثم سلمه لزكي طومال وقبض بكلتا يديه على ذراعي اليمنى، فقلت للحاج زبير: «لم آت هنا لكي أقاتل، فعلام تقبض على ذراعي؟ ولكن افعل ما أمرت به يا أبا أنجة.»

وهكذا قضي عليَّ بما كنت أقضي به على غيري، ثم وقف أبو أنجة والحاج زبير وخلى ذراعي، ثم أشار أبو أنجة إلى مظلة في الظلام وقال: «اذهب إلى هذه المظلة.»

فرافقني السجان ومعه ثمانية آخرون إلى المظلة، ثم طلب مني أن أقعد على الأرض وأحضرت لي السلاسل، وقعدت فوضع في كلٍّ من ساقيَّ حلقة طرقت حتى تَضامَّ طرفاها، ثم وضع حول عنقي حلقة أخرى وبها سلسلة كانت تعوق حركة عنقي، وتحملت كل ذلك وأنا صامت، ثم غادرني الحاج زبير، وقال لي الحارسان اللذان تركا معي أن أقعد على الحصير الذي بجانبي.

والآن بدأت أفكر. وكنت ألوم نفسي على أني لم أجازف وأفر إلى الخرطوم على جوادي، ولكن هل كان غوردون يقبلني وقد صرت بعيدًا عن الخطر كما قال المهدي؟ ولكن ما هو حظي الآن؟ هل هو حظ محمد باشا سعيد وعلي بك شريف؟ ولم تكن عادتي التفكير في همومي الشخصية. وتذكرت قول المادبو: «كن مطيعًا وصبورًا، اللي عمره طويل بيشوف كتير»، وقد مارست الطاعة والآن يجب أن أمارس الصبر، أما العمر الطويل ففي يد الله وحده.

وبعد ساعة لم أتمها بالضرورة رأيت عددًا من الملازمين يقتربون مني ومعهم المصابيح، وعندما اقتربوا رأيت بينهم الخليفة عبد الله فوقفت وانتظرت.

ورآني واقفًا أمامه فقال: يا عبد القادر، هل سلمت أمرك للقدر؟

فقلت بلهجة الاطمئنان: «مذ كنت طفلًا. لقد اعتدت الطاعة، والآن يجب أن أطيع أردت أو لم أرد.»

فقال: إن صداقتك لصالح واد المك وخطاباتك لغوردون قد جعلتنا نشتبه في أمرك، وهذا هو ما ألجأني إلى أن أجبرك على أن تسير في الطريق القويم.

فقلت: «إنني لم أخف صداقتي مع صالح واد المك، إنه صديقي وأظن أنه مخلص لك، أما خطاباتي لغوردون فقد أمرني المهدي أن أكتبها.»

فقال الخليفة: هل أمرك بأن تكتب ما كتبت؟

فقلت: «لقد كتبت ما أمرني به المهدي، ولا يمكن أحدًا أن يعرف محتويات هذه الخطابات سواي أنا ومن كتبت إليه، وكل ما أرجوه يا مولاي هو العدل وألا تصغي لأقوال الدساسين.»

ثم غادرني، فحاولت أن أنام ولكن أعصابي كانت هائجة، فكانت الخواطر المختلفة تمر برأسي، وكان الحديد حول عنقي وساقي يؤلمني أشد الألم؛ فلم يكن النوم مستطاعًا، وما كدت أغفو تلك الليلة برهة قصيرة. وفي شروق الشمس جاءني أبو أنجة ومعه خدم يحملون طعامًا، وقعد على الحصير إلى جانبي ووضع بيننا الطعام، وكان الطعام فاخرًا يحتوي على فراريج ورز ولبن وعسل ولحم مشويٍّ وعصيدة، ولكني قلت له إنه ليس عندي شهوة للطعام، فقال لي: «أظنك خائفًا يا عبد القادر ولهذا لا يمكنك أن تأكل.» فقلت: «كلا، لست أخاف شيئًا، وإنما لا أشتهي الطعام الآن، ومع ذلك سآكل شيئًا حتى لا تستاء.» ثم بلعت لقمتين. وكان أبو أنجة يتودد إليَّ ويظهر لي أني ضيفه المكرم.

ثم قال لي: «لقد استاء الخليفة لأنك لم تظهر له خضوعًا وقال إنك عنيد، وإن هذا في رأيه هو السبب في عدم خوفك.»

فقلت: «هل كان يجب علي أن ألقي نفسي على قدميه وأطلب منه العفو عن جرائم لم أرتكبها؟ أنا في يديه فليفعل بي ما يشاء.»

فقال: «غدًا سنتحمل ونسير نحو الخرطوم ونضيق الحصار على المدينة ثم نهجم هجمة واحدة، وسأطلب من الخليفة أن تبقى معي وسيكون هذا أهون عليك من ذهابك إلى السجن.»

فشكرته وغادرني.

وقضيت اليوم كله وأنا وحدي، وكنت أؤدي الصلاة بعناية أمام الحرس وغيرهم، وكان في يدي مسبحة أسبح بها كما هو الشأن بين المسلمين الطيبين، ولكن الحقيقة أنني كنت أكرر عليها صلاة النصارى: «أبانا الذي في السموات.»

وكنت أرى على مسافة مني خيولي وخدمي وسائر أمتعتي، وجاء أحد خدمي إليَّ وأخبرني بأنه أمر بأن يلتحق بأبي أنجة.

وفي بكور اليوم التالي قرعت الطبول للتقدم، فقوضت الخيام وحملت الجمال وتحرك المعسكر بأجمعه، وكان الحديد في ساقيَّ يمنعني من المشي، فأحضروا لي حمارًا. وكانت السلسلة المربوطة بها الحلقة التي حول عنقي طويلة تحتوي على ٨٣ حلقة، كنت أسلي نفسي بعدِّها وأطويها طيات حول جسمي. وحملت إلى ظهر الحمار يسندني من كل جانب رجل حتى لا أقع، وكنت وأنا سائر يمر بي أصدقائي فيتحسرون ولا يجسرون على مخاطبتي، ووقفنا بعد الظهر على ربوة أمكنتنا من رؤية نخيل الخرطوم، فشعرت بالشوق الشديد يغالبني للانضمام إلى الحامية.

ثم حططنا وأمرنا بضرب خيامنا مؤقتًا تحت إمرة الخليفة عبد الله، أما الأمراء الآخرون فقد ذهب كلٌّ منهم بجنده واختار مكانًا لمعسكره، وكنت في هذا الوقت قد شعرت بالجوع الشديد واشتقت إلى شيء من الطعام الذي قد قدمه لي أبو أنجة في الأمس، ولكن أبا أنجة كان قد التحق بالخليفة وكان قد نسيني.

وحدث أن زوجة أحد الحراس اهتدت إليه وأحضرت له خبزًا من الذرة فأكلت معه، وفي الصباح استأنفنا مسيرنا وبقينا نمشي نحو ساعة، ثم حططنا ثانيًا في المكان الذي اختير نهائيًّا للمعسكر.

وكان أبو أنجة قد رتب كل شيء لكي أبقى معه ولا أرسل إلى السجن، فنصبت لي خيمة ممزقة قديمة وضع حولها زريبة من الشوك، فقعدت تحت هذه الخيمة ووضع على بابها ديسة من الشوك يليها الحرس.

وأمر المهدي الآن بتضييق الحصار، وفي المساء أرسل عددًا من الأمراء إلى الضفة الشرقية لمعونة واد النجومي وأبي حرجة، وطلب من جميع أهالي هذه الناحية أن ينضموا إلى المحاصرين، وأمر أبو أنجة وفضل المولى بأن يذهبا إلى قلعة أم درمان لحصارها، وكانت تقع على بعد نحو ٤٠٠ متر من النهر من الضفة الغربية، وكان يدافع عنها فرج الله باشا وهو ضابط سودانيٌّ ترقى من رتبة كابتن في عام واحد إلى أن صار قائدًا للقلعة، وكان الذي رقاه بهذه السرعة غوردون، وتمكن أبو أنجة من أن يحفر الخنادق بين القلعة والنهر ويضع فيها جنوده على الرغم من إطلاق النار عليه من البواخر والقلعة، بل تمكن أبو أنجة من أن يُغرق إحدى هذه البواخر وهي الباخرة «حسينية» بواسطة مدفع سدد مرماه إليها، ولكن البحارة فروا إلى الخرطوم.

وأهمل أمري مدة الحصار، وكان حرسي يغير كل يوم وكانت معاملتهم تختلف، وكانت الرقابة تشتد عليَّ إذا كان الحرس مؤلفًا من عبيد أسرى، ولكن إذا كانوا جنودًا يعرفونني فإنني كنت ألاقي منهم بعض الحرية، وكانوا يؤدون لي الخدمات الصغيرة، ولكنهم كانوا يمنعونني من مخاطبة أي إنسان، وكان طعامي سيئًا، وكان أبو أنجة مشتغلًا بالحصار فبقيت أنا مدة غيابه تحت رحمة زوجاته، وكان قد أمرهن بطعامي.

وحدث في إحدى المرار أن حارسي كان أحد جنودي القدماء، فبعثته برسالة إلى رئيسة زوجات أبي أنجة أشكو إليها عدم إطعامي مدة يومين، فأرسلت إليَّ جوابها تقول: «هل يظن عبد القادر أننا نسمنه هنا بينما عمه غوردون باشا لا عمل له إلا في إلقاء القنابل على زوجنا الذي ربما يقتل بسببه؟!»

وقد كانت هذه المرأة مصيبة في قولها إذا اعتُبرت وجهة نظرها.

وكان يسمح أحيانًا لبعض اليونان بالمجيء إليَّ ومخاطبتي، وكانوا يخبرونني بما يجدُّ من الأخبار.

وكنا عندما حططنا رحالنا هنا قد قبض على لبتون بك وقيد بالسلاسل بتهمة محاولة الانضمام إلى غوردون، ولما فتشت أمتعته وجدت فيها وثيقة وقع عليها الضابط، مؤداها أنه اضطر إلى تسليم المديرية وأُخذت زوجته وابنته البالغة من العمر خمس سنوات إلى بيت المال، وكانت زوجته زنجية في خدمة «روسيت» القنصل الألماني من الخرطوم، ولما عين مديرًا في دارفور ذهبت معه، فلما مات في الفاشر التحقت بلبتون بك وسافرت معه إلى بحر الغزال، وأمر الخليفة بتصفية جميع ما يمتلكه لبتون، ولكنه أذن لزوجة لبتون وابنته بأن يكون معهما خادم.

وفي أحد الأيام جاءني جورجي كالامنتينو وأخبرني بأن الجيش الإنجليزي بقيادة ولسون يتقدم نحو دنقلة، ولكنه لا يزال في صعيد مصر وإن كانت الطلائع قد بلغت دنقلة.

وكان غوردون بعد أن أذاع منشور إخلاء السودان قد أفهم أهالي الخرطوم أنه سيجيء إليهم جيش لإنجادهم، وتمكن من بث روح الشجاعة والرجاء في جنود الحامية؟ ولكن بقي الشك في ميعاد مجيء الجيش، وهل يأتي قبل فوات الفرصة؟

وفي أحد الأيام جاءني ملازم من قبل الخليفة وطوق عنقي وساقي بملفات أخرى غير ما كان عليَّ، وأضاف إليها قضيبًا من حديد، وظننت أن الغرض من ذلك إذلالي، وكنت لا أقوى قبلًا على النهوض لثقل ما أحمله من القيود، فلم تزد إضافة هذه القيود الجديدة شيئًا لأني كنت راقدًا طول الوقت!

ومضى اليوم التالي دون أن يحدث فيه شيء، وكنت أسمع من وقت لآخر فرقعة العيارات بين المحصورين والحاصرين، ولكن اليونان الذين كانوا يزودونني قبلًا من الأخبار منعوا الآن من مخاطبتي، فبقيت لذلك في جهل من كل ما يجري حولي.

وفي إحدى الليالي بعد غروب الشمس بنحو أربع ساعات عندما كان النوم يتسلل إلى أعضائي وينسيني ما أنا فيه، أمرني الحارس بأن أنهض في الحال، فوقفت ورأيت مُلازمي الخليفة الذين أخبروني بأن الخليفة في أثرهم قادم إليَّ، ثم رأيت جماعة تحمل مصابيح فأخذت أسائل نفسي: لمَ يأتي إليَّ الخليفة الآن؟

ولما اقترب الخليفة مني قال لي بلهجة الملاطفة: «يا عبد القادر اقعد.»

ثم بسط له خدمه فروته فقعد إلى جانبي وقال: «هنا ورقة أرغب في أن تخبرني عما فيها لكي تثبت لي أمانتك.» فأخذت الورقة وقلت: «سأفعل يا مولاي.»

وكانت الورقة لا تزيد في الحجم عن نصف ورقة سيجارة، وقد كتبت من الجانبين، وكان مكتوبًا عليها باللغة الفرنسية ما يلي:

عندي عشرة آلاف رجل تقريبًا، ويمكنني الدفاع عن الخرطوم إلى آخر شهر يناير، وإلياس باشا كتب إليَّ، وقد أجبر على ذلك، إنه رجل مسنٌّ وغير كافٍ، أنا أغفر له، جرب محمد أبو حرجة أو غنِّ لنا أغنية أخرى.

غوردون

ولم يكن هناك ما يشير إلى الشخص المرسلة إليه هذه الرسالة، وكنت متأكدًا بأنه ليس في معسكرنا من يعرف الفرنسية؛ وهذا هو سبب مجيء الخليفة إليَّ.

ثم قال الخليفة وقد نفد صبره: «قل هل فهمت مضمونها؟»

فقلت: «الرسالة من غوردون وهي مكتوبة بخطه بلغة جفرية لا يمكنني أن أفهمها.»

فقال الخليفة وقد بدا عليه الغضب: «ماذا تقول؟ أوضح ما تقول.»

فقلت: «هنا كلمات لا أدرك معناها، فإن لكل كلمة معنى خاصًّا ولا يمكن أن يفهمها إلا من اعتاد تفسير الجفر، ولو سألت أحدًا من الموظفين السابقين لأكَّد لك صحة قولي.»

فهاج الخليفة وصاح بي غاضبًا: «أليس في الرسالة اسم إلياس باشا واسم محمد أبو حرجة؟»

فقلت بلهجة التهكم: «لقد صدق من أخبرك بهذا فإني يمكنني أن أقرأ اسميهما، ولكن لا أفهم شيئًا عما يقصد من ذكرهما، ولعل الذي أخبرك بهذين الاسمين يمكنه أن يفسر سائر ما في الرسالة، ثم إني أجد فيها أيضًا رقم ١٠٠٠٠، ولكن لا أعرف هل المقصود منه عدد الجنود أو غير ذلك.»

فأخذ الورقة من يدي وهو يقول: «إني مهما عجزت عما في هذه الورقة فإن غوردون سينهزم وستسقط الخرطوم.» ثم تركني مع الحرس.

والآن عرفت أن غوردون يقول إنه يمكنه الثبات إلى آخر يناير، وكنا في أواخر ديسمبر فهل يمكن إنقاذ البلدة قبل فوات الفرصة؟ ولكن ماذا يعنيني من كل ذلك؟ ها أنا ذا مقيد بالسلاسل ولست أقدر على عمل شيء يغير مجرى الحوادث.

وبلغنا أول يناير الذي يقول غوردون إنه يمكنه أن يثبت فيه إلى آخره، وأخذت أشعر أن الساعة الحاسمة تقترب.

واشتد القتال بين قلعة أم درمان وبين الدراويش، وكان فرج الله باشا يجهد جهده، وحاول على الرغم من قلة عدد الحامية أن يفتق فتقًا في القوة المحاصرة ويخرج، ولكنه رد إلى القلعة ثانيًا، وفقدت مئونة القلعة وشرع عندئذ في مفاوضات التسليم، وكان فرج الله قد خاطب غوردون بالرايات عن التعليمات الواجب اتباعها، فأذن له غوردون في التسليم إذا لم يكن قادرًا على الثبات، وعفا المهدي عن جميع رجال الحامية، ولما خرجت الحامية دخل رجال المهدي ولكنهم خرجوا في الحال؛ لأن مدفعية الخرطوم أمطرتهم وابلًا من القنابل، وكان في القلعة مدفعان ولكن مداهما أقصر من المسافة التي بينهما وبين البلدة، وحدث التسليم في ١٥ يناير سنة ١٨٨٥.

ووقع أن أم درمان سقطت؛ فإن المهدي لم يرسل أي أمداد للمحاصرين في شرقي الخرطوم وجنوبها؛ لأنه كان يعرف أن القوة المحاصرة تكفي للمهمة المنتدبة لها. وكان كما كانت حامية الخرطوم، كلاهما ينظر بعين القلق الشديد إلى الشمال حيث تكون الكلمة الفاصلة.

وكان غوردون باشا قد أرسل إلى متمة خمس بواخر بقيادة خشم الموس وعبد الحميد واد محمد؛ لكي تنتظر مجيء الإنجليز وتجيء بهم إلى الخرطوم بأسرع ما يمكنها، وكان غوردون ينتظر مجيئهم بغاية القلق، وكان قد خاطر بكل شيء على مجيء القوة الإنجليزية، ولكن كل إنسان كان يجهل ما تم في أمرها.

وأذن غوردون في أوائل الشهر لجملة عائلات بمبارحة الخرطوم، ولم يكن إلى هذا الوقت يجيز لنفسه طردهم؛ ولذلك اضطر إلى توزيع المئونة عليهم، فكان يوزع مئات الأوقات من البسكويت والذرة على الفقراء كل يوم، وهو على هذا العمل يستحق مكافأة الله، ولكنه في الوقت نفسه قضى على نفسه وعلى رجاله، فقد نفد الزاد وصار كل إنسان يبكي ويطلب الخبز، وعاد الآن إلى إغراء الأهالي بالخروج من المدينة، وهو لو كان قد فعل ذلك منذ شهرين أو ثلاثة لكان عنده من المئونة ما يكفي رجاله مدة طويلة، ولكنه كان يعتمد على مجيء الجيش؛ وكان لذلك لا يُعنى بادخار المئونة، فهل كان يعتقد أنه لا يمكن جيشًا إنجليزيًّا أن يتأخر عن ميعاده؟

وبعد ستة أيام من سقوط أم درمان سمعت عويلًا في المعسكر لم أسمع مثله منذ خروجي من دارفور، وكان المهدي يمنع الناس من إظهار الحزن على الموتى أو القتلى؛ لأنهم في مذهبه يدخلون النعيم، ففهمت أنه لا بد أن قد حدث شيء غير عاديٍّ حتى يخالف الناس مذهب المهدي، وكان الحراس المكلفون بحراستي يتطلعون لمعرفة سبب هذا العويل، وقد تركوني لهذه الغاية، وعادوا بعد قليل يقولون إن طلائع الجيش الإنجليزي التقت بالقوات المجموعة من البرابر والجعالين والدغيم وكنانة الذين يقودهم موسى واد حلو، وهزمتهم في أبو نلا — أبو كلبة — وقد هلك كثيرون ولم ينج إلا عدد قليل عادوا وأكثرهم به جراحات وقد فني الدغيم وكنانة تقريبًا، وقتل موسى واد هلو وعدد من الأمراء أيضًا.

فيا للبشرى! لقد كان قلبي يثب وُثوبًا لهذه الأخبار، وقلت لنفسي لقد جاء الرجاء بعد هذه السنوات الطويلة، وأمر المهدي والخليفة بأن يكف الناس عن العويل، ولكنه استمر مع ذلك عدة ساعات وأرسلت الأوامر لنور أنجرة بأن يقوم إلى متمة.

وبعد يومين أو ثلاثة جاءتنا أخبار هزيمة أخرى في أبي كر وهزيمة أخرى أيضًا في قبة «جوبات» وتيار قلعة على النيل قريبة من متمة.

وعقد المهدي وأمراؤه مجلسًا للتشاور، فقد رأوا أن كل ما جنوه من الانتصارات السابقة قد بات في خطر، حتى إن المحاصرين للخرطوم خافوا وارتدوا من الحصار، وصار القضاء على المهدي مسألة يمكن إنهاؤها في بضعة أيام، فيجب عليهم أن يخاطروا بكل شيء، فأرسلت الأوامر للمحاصرين بأن يستعدوا الاستعداد التام للهجمة الأخيرة.

ثم لمَ لم تأتِ البواخر التي تحمل الجنود الإنجليزية؟ فهل كان قواد هذا الجيش يجهلون أن حياة جميع من في الخرطوم قد باتت في خطر؟ ولقد انتظرنا طويلًا لكي نسمع صفير البواخر يؤذن بمقدم الإنجليز ودوي مدافعهم فوق خنادق الدراويش، ولكن انتظارنا كان عبثًا، أجل كان عبثًا، ولم نكن نفهم علة هذا التأخير أو معناه، وكنا نتساءل هل طرأ عائق جديد؟

وكان اليوم الأحد ١٥ يناير، وهو يوم لن أنساه في حياتي؛ ففي مساء ذلك اليوم عبر المهدي وخلفاؤه في زورق إلى الشط الشرقي، حيث كان رجالهم مجتمعين للقتال، وكان قد عرف أن النية قد عقدت على مهاجمة الخرطوم في صباح اليوم التالي، وذهب المهدي لكي يحمس رجاله ويذكرهم بالجهاد والقتال إلى الموت، وكنت أدعو الله أن يكون غوردون قد عرف هذه النية واستعد لها.

وفي هذا الوقت أمر المهدي والخلفاء أتباعهم بألا يهتفوا ولا يصيحوا؛ حتى لا تدخل الشُبَه في قلوب رجال الحامية الذين أنهكهم الجوع والكلال، وخطبهم المهدي وهم سكون ثم عادوا إلى الشط الغربي بعد أن خلف الخليفة شريف الذي رجاه أن يبقى مع المجاهدين.

وكانت تلك الليلة أحفل لياليَّ في قلق النفس وثورتها، فقد كنت أقول لنفسي لو أن الحامية تثبت هذه الليلة وتصد المغيرين، إذن لن أخشى شيئًا على الخرطوم، أما إذا انهزمت فإننا نفقد كل شيء في السودان، وشعرت بإعياء في الفجر وبدأ النوم ينسل إليَّ، وإذا بي أسمع ضجيج المدافع والبنادق من آونة لأخرى، ثم شمل السكون مرة أخرى، ولم يكن النور قد قشع الظلام بعدُ حتى لم أكن أتبين الأشياء، فما معنى كل هذا؟ ضجيج المدافع والبنادق ثم سكون تامٌّ؟

ثم ظهر قرص الشمس أحمر في الأفق، فتساءلت: ماذا يأتينا به هذا النهار؟ وقعدت أنتظر وأنا في أشد القلق وهياج النفس، ثم سمعت أصوات الابتهاج والنصر من بعيد وتركنا الحرس وجروا لكي يعرفوا سبب هذه الأصوات، وبعد دقائق عادوا إلينا وأخبرونا بأن الخرطوم أُخذت عنوة وصارت الآن في أيدي الدراويش، وبقي لي شكٌّ أتعلل به؛ هل تكون هذه الأخبار كاذبة؟!

ثم زحفت ونهضت وأخذت أنظر في المعسكر فوجدت جمًّا غفيرًا من الناس قد تألبوا حول مكان المهدي والخليفة، ثم رأيت هؤلاء الناس يسيرون نحوي، وكان أمامهم ثلاثة من الزنوج يدعى أحدهم «شطة»، وكان سابقًا أحد الحرس العبيد عند ضيف الله، وكان في يده قماش مشرب بالدم قد لفَّ على شيء وكان وراءه جمهور من الناس يبكون، واقترب العبيد الثلاثة مني ثم وقفوا وهم يشيرون إشارات الإهانة والسباب، ثم حل «شطة» القماش وأخرج لي رأس غوردون!

فدار رأسي وشعرت كأن قلبي قد وقف، ولكني جمعت كل قواي وضبطت نفسي ونظرت إلى هذا المنظر المفزع وأنا صامت، وكانت عينا غوردون الزرقاوان قد فتحتا إلى النصف، أما الفم فكان في هيئته العادية، وكان شعر رأسه وعارضيه قد علاهما الشيب.

وقال «شطة» وهو ممسك بالرأس أمامي: «أليس هذا رأس عمك الكافر؟»

فقلت بهدوء: «وما في ذلك؟ جنديٌّ شجاع وقع وهو يقاتل، إنه لسعيد إذ قد انتهت آلامه.»

فقال شطة: «ها، ها، لا تزال تمدح الكافر، ولكنك سترى النتيجة.»

ثم تركوني وذهبوا إلى المهدي ومعهم إشارة النصر المفزعة هذه ووراءهم جمهور يبكي.

ثم عدت إلى خيمتي وقد ماتت نفسي في جسمي، أجل لقد سقطت الخرطوم ومات غوردون، وهذا إذن هو نهاية حياة هذا البطل الذي وقع وسيفه في يده، هذا الرجل الذي لم يكن يعرف الخوف والذي كان له من الخصال ما أذاع شهرته في العالم أجمع.

فما هي فائدة الجيش الإنجليزي الآن؟ لقد تأخر في متمة وكان في تأخيره هلاك الخرطوم، لقد وصلت طلائع الإنجليز إلى جوبات على النيل في ٢٠ يناير، ووصلت بواخر غوردون الأربع في ٢١ منه، فلماذا لم يرسلوا على هذه البواخر جنودًا إلى الخرطوم مهما كان عددهم قليلًا؟! فلو أن الحامية رأت عددًا من هؤلاء الجنود لامتلأت قلوبهم حماسة وقوة ورجاء، ولاستطاعوا أن يتصدوا للعدو، وكان السكان الذين فقدوا كل ما عندهم من ثقة في وعود غوردون تعاودهم ثقة جديدة ويحاربون إلى صف الحامية لتأكدهم بأن القوة الإنجليزية توشك أن تنجدهم.

وقد جهد غوردون جهده لكي يثبت وقد أعلن أن جيشًا إنجليزيًّا قادم إليه، وطبع نقودًا من الورق وكان يوزع الأوسمة والرتب كل يوم بلا حساب لكي يشجع الجنود، ولما أخذت الأحوال تسوء واليأس يحل، كان هو يجاهد في تحميس الجنود وترجيتهم، ولكن اليأس قلب الرجاء، فلم يعودوا يروا فائدة في هذه الأوسمة والرتب، أما نقود الورق فربما كان هناك من يشتري ورق الجنيه بقرشين آملًا أملًا ضعيفًا في الربح إذا جاءت المصادفات بانتصار للحكومة.

ولم يكن أحد يصدق وعود غوردون الآن، ولو أن باخرة واحدة حملت بعض الجنود وجاءت بهم إلى الخرطوم وأخبرتهم بأن الإنجليز انتصروا، لامتلأت قلوب السكان والجنود حماسة وصدقوا وعود غوردون، وكان عندئذ يمكن لضابط إنجليزيٍّ أن يرى الجزء الذي دمره فيضان النيل من حصون المدينة وكان في الحال يأمر بإصلاحه، ولكن ماذا كان يمكن أن يصنعه غوردون وهو وحيد وليس معه مساعد أوروبيٌّ؟

ولم يكن في مستطاعه أن ينظر في كل شيء، كما أنه لم تكن بين يديه الوسائل التي تمكنه من التحقق من مرءوسيه؛ هل ينفذون أوامره أم لا. وكيف كان يمكن قائدًا أن ينتظر من جنوده القيام بتنفيذ أوامره إذا كان غير قادر على أن يضمن لهم قوتهم؟

وفي الليلة المشئومة ليلة ٢٥ يناير علم غوردون بأن المهديين سيهجمون على المدينة، فأرسل أوامره يخبر القواد هذا الخبر، ولعله كان يشك في صدق نيتهم في الهجوم في بكور اليوم التالي، وفي الوقت الذي عبر فيه المهدي إلى الضفة الشرقية كان غوردون قد أمر بإطلاق بعض الأسهم النارية في الفضاء، وكانت ألوانها كثيرة مختلفة، وكانت الموسيقى تعزف في الوقت نفسه، والغرض من كل ذلك تحميس الجنود الذين أضناهم الجوع حتى يثوب إليهم نشاطهم. وانتهت الأسهم النارية وسكتت الموسيقى، ثم نامت الخرطوم وشرع العدو يزحف في حذر وصمت. وكان رجال العدو يعرفون أماكن الضعف في الحصون، وكانوا يعرفون أن الجنود النظاميين قد وضعوا في الأماكن القوية، في حين أن الخندق المتهدم القريب من النيل الأبيض وأيضًا مصطبة الخندق لم يكن يحميها سوى الأهالي الضعاف.

وكان هذا الجزء من الحصون في حال سيئة؛ لأن بناءه لم يتم، وكان كل يوم يزداد الجزء المعرض منه على النيل، واجتمع معظم الدراويش عند هذه النقطة وكانت سائر قواتهم تواجه سائر الحصون، وشرع في الهجوم عند إشارة متفق عليها، وفر في الحال جميع من كانوا عند النيل الأبيض بعد أن أطلقوا بضع طلقات. وبينما كان الجنود يشتغلون في صد هجوم القوات الأخرى المهاجمة، كان الآن الدراويش يدخلون من جهة النيل الأبيض ويخوضون في الماء والوحل إلى ركبهم، ثم ينصبون في الشوارع. ودهش الجنود إذ رأوا الدراويش يهاجمونهم من خلف.

ولم يقاوم الجنود عندئذ إلا مقاومة ضعيفة ووضع كلٌّ منهم سلاحه في الحال، ثم قتل المصريون أما السود فلم يقتل منهم إلا عدد قليل، ولم تبلغ خسارة العدو ثمانين أو مائة رجل، ثم فتح الدراويش أبواب المدينة فخرج من تبقى من الجنود إلى معسكر المهدي.

ولما دخل الدراويش من جهة النيل الأبيض تصايحوا وهم يعدون في المدينة: «للسراية، للكنيسة»؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنهم سيجدون هناك الأموال المدخرة كما يجدون غوردون الذي دافعهم طويلًا عن المدينة وعكس عليهم أغراضهم، وكان القادة في هذا الهجوم رجال مكين واد النور الذي قتل بعد ذلك في معركة توسكي، وهو ينتمي إلى قبيلة العرافين، وكان قائدهم السابق شفيق مكين الذي كان يدعى عبد الله واد النور، وقد قتل في حصار الخرطوم، وكان رجاله الآن يرغبون في الثأر له، وكان عدد كبير أيضًا من رجال أبو حرجة يستبقون نحو السراي وكانوا يرغبون في الانتقام لهزيمتهم في بورى؛ حيث هزمهم غوردون.

ولما دخلوا السراي وجدوا الخدم في قبو السراي فقتلوهم في الحال، وكان غوردون واقفًا على السلم المؤدي إلى غرفة الجلوس فقال لهم عندما رآهم: «أين مولاكم المهدي؟»

ولكنهم لم يكترثوا لهذا السؤال وتقدم أولهم وطعن غوردون بحربته فوقع على وجهه دون أن ينطق بكلمة، فأخذ القتلة يجرونه على السلالم إلى باب السراي، وهنا أخذوا رأسه وأرسلوه إلى المهدي في أم درمان، أما الجسم فقد ترك لرحمة المتعصبين.

وكانت آلاف من هذه الخلائق الوحشية تمر على الجسم ويغمس كلٌّ منهم حربته في دمه، فلم يمض زمن حتى صار الجسم قطعة مشوهة من اللحم، وقد بقيت بقع الدم مدة طويلة في المكان الذي قتل فيه غوردون شاهدة على ارتكاب هذه الفظيعة، بل كانت ترى أيضًا على درجات السلم مدة عدة أسابيع، ولم تغسل إلا حين قرر الخليفة أن يتخذ هذه السراي مأوى لزوجاته السابقات واللاحقات.

ولما أحضر رأس غوردون للمهدي قال إنه كان يود أن يحضر إليه غوردون حيًّا؛ لأنه كان ينوي أن يدخله في الإسلام ثم يقايض به الحكومة الإنجليزية على عرابي باشا؛ لأنه كان يأمل أن يساعده عرابي في فتح مصر. واعتقادي، أن المهدي كان ينافق في تأسفه هذا على قتل غوردون؛ لأنه لو كان يرغب حقيقة في الإبقاء على حياته لما خالف أمره أحد.

وقد فعل غوردون كل ما في استطاعته لكي يقي حياة الأوروبيين الذين كانوا في الخرطوم؛ فقد أذن للضابط ستيورت مع بعض القناصل وعدد كبير من الأوروبيين في السفر إلى دنقلة، ولكن بحارة الباخرة «عباس» كانوا غير كفاة، وكانوا أيضًا مستائين، فصدموا الباخرة في الشلالات فوقع الضابط ستيورات ومن معه فريسة للغدر الذي قضى عليهم.

وكان غوردون يرغب في هروب اليونان، فسلمهم باخرة وتعلل في الظاهر بأنهم يعرفون البحر، وأمرهم بالتفتيش في النيل الأبيض؛ وذلك كي يتيح لهم الفرصة بأن يسافروا جنوبًا إلى أمين باشا ولكنهم أبوا ذلك. وكان غوردون مهمومًا بسلامتهم فاقترح اقتراحًا آخر؛ فإنه أمر الناس بعدم السير في الطرق المؤدية إلى النيل الأزرق بعد الساعة العاشرة، ثم كلف اليونانيين بحراسة هذه الطرق؛ وذلك لكي تتاح لهم الفرصة بالفرار على باخرة قد أرسيت قريبًا، ولكن اليونان اختلفوا فيما بينهم فضاع هذا التدبير.

وأنا لا أشك في أن هؤلاء اليونانيين لم يكونوا يرغبون في الفرار إلى الخرطوم؛ فإن معظمهم كانوا يعيشون في بلادهم أو في مصر في فاقة شديدة، وهم لم ينالوا الثروة إلا في السودان؛ ولذلك لم تطاوعهم نفوسهم على تركه.

وكان غوردون يريد أن يقي نفوس جميع الناس إلا نفسه، ويمكنني الآن أن أنتقد غوردون من حيث إنه لم يحفر خنادق ولم يُقم تحصينات تحمي السراي، ولكن الأرجح أن الذي منع غوردون من عمل ذلك أنه خشي أن يتهم بالاهتمام بحياته، وربما كان هذا أيضًا هو السبب في عدم وضعه حراسًا حول السراي.

وكان يمكنه أن يستعمل عددًا من الجنود لهذا الغرض، وهل يمكن أحدًا أن يشك في الفائدة التي تعود على الجميع من حماية نفسه؟ وكان يمكنه بمثل هذا الحرس أن يصل إلى الباخرة «إسماعيلية» القريبة من السراي. وكان فرغلي ربان هذه الباخرة قد رأى العدو وهو يهجم على السراي، فوقف بالباخرة ينتظر مجيء غوردون، ولم يبرح الشط حتى تأكد أنه قتل، فاقتلع المرساة وسار إلى وسط النهر ثم أخذ يروح ويغدو أمام المدينة حتى أشار إليه الدراويش بعفو المهدي.

وكان لفرغلي زوجة وعائلة في الخرطوم، فسلم بعد أن حصل على الأمان، ولكن ما كان أكثر انخداعه! فإنه ذهب إلى بيته فوجد ابنه — وكان في العاشرة من عمره — مقتولًا ووجد زوجته قد ألقت بنفسها على ابنها وجسمها ممزق بالحراب.

وليس من الممكن أن يصف الإنسان مبلغ الفظاعة والقسوة في المذبحة التي تلت قتل غوردون؛ فإنه لم ينج أحد سوى الرجال والنساء من العبيد وكل امرأة عليها شيء من الملاحة من الأحرار، أما غير هؤلاء الذين نجوا من القتل فلم تكن نجاتهم إلا مصادفة. وانتحر كثير من الناس وكان من بينهم محمد باشا حسن ناظر المالية، فإنه زحف إلى جنب ابنته وزوجها، وكان كلاهما قد قتل، وقد رآه أصدقاؤه في هذه الحال فحضوه على الفرار ولكنه أبى، فحاولوا أن يأخذوه عنوة ولكنه صار يصيح ويدعو على المهدي ودراويشه، فمر به بعض الدراويش فأجهزوا عليه.

وقتل عدد من الناس من أيدي عبيدهم السابقين وكانوا قد انضموا إلى العدو، وكانوا أدلاءه فاشتركوا الآن في القتل والنهب والاغتصاب.

ويمكن أن يملأ الإنسان مجلدًا عن هذه الفظائع التي ارتكبت في ذلك اليوم المشئوم، ولكني أشك في مصير الذين أُبقي على حياتهم؛ هل كان أفضل من مصير القتلى؟

وعندما احتل الدراويش المنازل شرع في البحث عن الكنوز ولم يكن يُقبل عذر أو إنكار، وكان معظم السكان قد خبئوا أموالهم، فكان كل من يشتبه فيه يعذب حتى يفشي السر أو حتى يقتنع معذبه بأنه لا يملك شيئًا، وكان السوط يستعمل بإسراف، فكان الناس يجلدون حتى يتناثر لحمهم، ومن ضروب التعذيب التي كانت تستعمل أن يعلق الرجل من إبهاميه إلى عمود من الخشب فيترجح هو تحته في الهواء حتى يغمى عليه، وكانوا يأتون بسلخين من القصب الهندي ويضعون كلًّا منهما على وجه الرجل ثم يربطون طرفيهما ثم يضرب هذان السلخان بعصًا فيحدث من اهتزازهما آلام مضنية، وكانوا يعذبون النساء بهذه الكيفية أيضًا، ويعذبونهن في أماكن أجسامهن الحساسة بطريقة لا يمكنني أن أصفها هنا، وحسب القارئ أن يعرف أن أفظع الطرق في التعذيب كانت تستعمل للحصول على الأموال.

ولم ينج من هذا التعذيب سوى النساء الصغيرات في السن والفتيات؛ وذلك خوفًا من أن يعترض هذا التعذيب الغاية التي ستستخدم لها هذه النساء والفتيات.

وجميع هؤلاء النساء والفتيات أرسلن إلى المهدي يوم فتح الخرطوم، فاصطفى منهن ما أراد وردَّ سائرهن إلى الخلفاء والأمراء، واستمر جمع النساء والانتخاب بينهن عدة أسابيع، حتى امتلأت بهن بيوت هؤلاء الأوغاد الشهوانيين، بل فاضت بشباب الخرطوم الذي قضى عليهن النحس أن يقعن في أيدي الدراويش.

وفي اليوم التالي منح عفو عامٌّ لجميع الأهالي ما عدا الشايجية الذين أهدر دمهم، ولكن على الرغم من هذا العفو استمر القتل وارتكاب الفظائع عدة أيام بعد سقوط الخرطوم.

وحملت الغنائم إلى بيت المال ولكن بعد اختلاس أشياء كثيرة منها، ووزعت المنازل المهمة على الأمراء، ويمم المهدي والخليفة في الباخرة «إسماعيلية» إلى الخرطوم، ورأيا نتيجة انتصارهما الدموي، ولم يبدِ أحدهما أية علامة على التحسر أو الأسف، بل ذهب كلٌّ منهما إلى المنزل المخصص له، وكان كلٌّ منهما يقول لأتباعه: إن الله أنزل العقاب بسكان المدينة لعسفهم وعدم اتباعهم إيمان المهدي.

وقضيت الأيام الأولى في اللهو واتباع الشهوات، ولما شبع المهدي وأتباعه من النساء ابتدءوا يلتفتون إلى الخطر الذي يداهمهم من الخارج، فأمر الأمير عبد الرحمن واد نجومي المشهور بأن يجمع قوة كبيرة ويذهب بها إلى متمة لمقاومة الإنجليز ويطرد هؤلاء الكفار، الذين قيل إنهم بلغوا النيل قريبًا من هذه البلدة.

وفي صباح يوم الأربعاء بعد سقوط الخرطوم بيومين حوالي الساعة الحادية عشرة، سمعنا إطلاق القنابل وعيارات البنادق في ناحية جزيرة توني، ثم ظهرت باخرتان وهما «الثلامونية» و«بردين»، وكان عليهما السير تشارلس ولسون وعدد من الضباط والجنود الإنجليز جاءوا لإنقاذ غوردون، وكان السنجق خشم الموس وعبد الحميد محمد، اللذان كان غوردون أرسلهما لقيادة الشايجية، على هاتين الباخرتين أيضًا، وسمعوا جميعًا بما حدث لغوردون، ولكنهم أرادوا أن يتأكدوا من الخبر وجاءوا إلى نصف الطريق بين جزيرة توني والنيل الأبيض.

وأطلق الدراويش نيرانهم على الباخرتين من الخنادق الواقعة في الشمال الشرقي لقلعة أم درمان، ولكن الباخرتين عادتا في الحال عندما رأى رجالهما سقوط الخرطوم.

وسمعت بعد ذلك من بعض بحارة هاتين الباخرتين أنهم هم والإنجليز تأثروا لسقوط الخرطوم، وعرفوا أن السودان قد بات تحت سيطرة المهديين، وكان المفهوم من الحديث الذي كان يتحدث به الجنود على البواخر أن الغرض هو إنقاذ غوردون، فلما تأكد الخبر عن موته عادت البواخر إلى دنقلة.

ثم اتفق دليل الباخرة «الثلامونية» على أن يجنح بالباخرة إلى الشاطئ حتى يكسرها ثم يفر في النيل هو والربان عبد الحميد. ونجحت هذه الخطة وبلغ من شدة اصطدام الباخرة أنها عطبت حتى احتاجوا إلى نقل ما فيها بسرعة إلى الباخرة «بردين»، وفر كلاهما وقت الاصطدام وحصلا بواسطة أصدقائهما على عفو المهدي وعادا إلى الخرطوم، واستقبلهما المهدي استقبالًا حسنًا وامتدح صنيعهما في كسر الباخرة. ومع أن عبد الحميد كان من الشايجية المكروهين وأحد أقارب صالح واد المك، فإن المهدي خلع عليه مرقعة إكرامًا له، وكان عدد كثير من النساء قرابته قد سُبِينَ عند سقوط الخرطوم ووُزِّعْنَ على الأمراء، فلما عُفي عنه أعدن إليه.

أما الباخرة «بردين» فإنها في عودتها جنحت وارتطمت بالوحل، ولما كانت حمولتها ثقيلة فإنه لم يمكن إنقاذها، وكان ذلك قريبًا من متمة، وكان عليها السير تشارلس ولسون، فشعر عندئذ بحرج مركزه، وكان الجنود الذين معه قليلين فلم يكن في وسعه أن يعبر إلى الشط الغربي ليلتحق بسائر قوته في جوبات؛ لأن العدو كان قد خندق بينه وبينها في واد حبشي، وكانت قوة الدراويش في واد حبشي — بعدما أصابها من الخور وانحلال العزيمة بعد هزيمة أبو كلبة — قد عادت إليها شجاعتها بعد سقوط الخرطوم وانتشار خبر مجيء النجومي، وكان في جوبات باخرة ثالثة تدعى «صفية»، فأرسل السير تشارلس إليها ضابطًا في زورق يطلب المعونة.

وقامت «صفية» في الحال وعلم العدو بذلك، فخندق على الشاطئ وتهيأ لمجيئها، فلما اقتربت صب عليها نارًا حامية من البنادق والمدافع، ولكن الجنود فيها قاتلوا ببسالة عازمين عزمًا صادقًا على إنجاد الباخرة «بردين» مهما كلفهم ذلك، واستمر سير الباخرة حتى أصيب المرجل.

ولكن الربان أمر في الحال بإصلاح الخلل، فأخذ العمال يصلحونه والنار تنصب عليهم من العدو. وقضي الليل كله في هذا الإصلاح، حتى إذا كان الصبح تمكنت «صفية» من استئناف السير ومقاتلة الدراويش، بل تمكنت من إسكات مدافعهم وقتل أميرهم حمد واد فايد وعدد آخر من صغار الأمراء.

وبلغت «صفية» «بردين» وأنقذت السير تشارلس ورجاله، وكان لهذا العمل العظيم أثر آخر في إنجاد الجنود الإنجليز في متمة.

وكان جيش النجومي يسير ببطء لصعوبة جمع الرجال، وقد أضره أيضًا خبر قتل الأمير حمد واد فايد وهزيمة الدراويش في واد حبشي أمام باخرة واحدة. وقد قيل لي بعد ذلك عند عودتي إلى مصر إن ربان الباخرة «صفية» عند إحرازها ذلك النصر كان اللورد تشارلس بريسفورد. ويقال إن النجومي عندما سمع بهذا النصر قال لرجاله إنه إذا عزم الإنجليز على الدخول إلى السودان فإنهم بالطبع سيقاتلونهم، أما إذا اتجهوا نحو الشمال فإنه لا قتال بينهم وبين رجاله، بل يحتلون البلاد التي جلوا عنها، وتأخر في سيره حتى بلغ متمة بعد جلاء الإنجليز عنها وعن جوبات، ومع أنه طاردهم إلى أبو كلبة فإنه لم يشتبك معهم في قتال.

وعندما جلت طلائع الإنجليز تحقق المهدي أن السودان بأجمعه قد أصبح ملكه، فطفح عندئذ سرورًا، وأعلن هذا الخبر في المسجد، وأخذ يصف للدراويش فرار الإنجليز وكيف أن النبي قد أوحى أن الله قد خرق قرَبهم فماتوا جميعهم عطشًا.

وفي اليوم الخامس لسقوط الخرطوم رأيت ثلة من الجنود أمام خيمتي الممزقة، فوضعوني على حمار وأنا في قيودي وساروا بي إلى السجن العمومي، وهناك طوقوا حولي عمودًا وحلقة من الحديد يبلغ وزنهما ثمانية عشر رطلًا، وكان هذا القيد الجديد يسمى «الحاجة فاطمة»، وكان لا يقيد به إلا من كانت جناياتهم خطيرة أو من يوصفون بالعناد من المسجونين.

وكنت أجهل السبب في سقوط مكانتي في عين الخليفة إلى هذا الحد، ولكن علمت بعد ذلك أن غوردون عندما عرف من خطابي أن القوة التي أرسلها المهدي إلى الخرطوم غير قوية أذاع هذا الخبر بين الجنود في خطوط الدفاع، وهذا المنشور الذي نشره غوردون وقعت منه نسخة في يد حمد واد سليمان وكيل بيت المال فسلمها للمهدي والخليفة، فتأكدت لديهما عندئذ الشبهات في خيانتي وتدبيري السابق لكي ألتحق بغوردون.

ووضعوني في زاوية من الزريبة الكبيرة — أي السجن العمومي — ومنعوني من محادثة أي إنسان بحيث إذا خالفت هذا الأمر فإن العقاب هو الجلد. وكنا في الليل أربط أنا وجميع المسجونين في سلسلة طويلة إلى شجرة، وفي الصباح يفك الرباط، وكان يربط معي بعض العبيد الذين قتلوا أسيادهم، وكنت أرى لبتون بك في زاوية أخرى من الزريبة وكان قد مضت عليه مدة في هذا المكان حتى ألفه، وكان قد أذن له في مخاطبة جميع من يريد باستثنائي أنا وحدي.

وفي اليوم الذي دخلت فيه السجن أفرج عن صالح واد المك، وكان أخوه وابنه وجميع قرابته تقريبًا قد قتلوا، وأذن له أن يخرج ويبحث علَّه يجد أحدًا منهم.

وكان طعامي سيئًا للغاية، فشعرت كأني قد وقعت من الرمضاء في النار، فقد كنت قبلًا أشكو من الجوع الذي كان يصيبني من وقت لآخر، ولكن الآن صرت لا أجد طعامًا سوى الذرة الجافة آكلها كما يأكلها العبيد، وكان مع ذلك مقدارُ ما يعطى لي قليلًا جدًّا. ورأتني وأنا في هذه الحال زوجة أحد السجانين، فأخذتها الشفقة وصارت تأخذ مني الذرة وتسلقه ثم تعيده إليَّ طريًّا فآكله، ولكن لم يأذن لها زوجها بأن تقدم لي طعامًا آخر؛ لئلا يعرف رئيس السجانين ذلك فيبلغ الخبر للخليفة. وكنت أنام على الأرض وأضع تحت رأسي حجرًا كوسادة، وكان هذا يحدث لي صداعًا مستمرًّا. ولكن حدث في أحد الأيام ونحن نساق إلى النهر لكي نغتسل أني وجدت في الطريق بطانة بردعة، يظهر أن صاحبها ألقاها لعدم فائدتها، فحملتها وخبأتها تحت ذراعي، ونمت عليها تلك الليلة كما ينام الملك على وسادة من زغب.

ولكن أحوالي أخذت في التحسن؛ فإن رئيس السجانين الذي لم يكن يكرهني صار يأذن لي بالتحدث مع سائر المساجين، وخفف قيودي. أما «الحاجة فاطمة» وأختها فكانتا لا تزالان في مكانهما، ولا يمكنني أن أقول إنهما كانتا تزيدان في رفاهيتي في تلك الأشهر المضنية التي قضيتها في السجن.

وبعد أيام حدثت حركة بين السجانين وأخبرني رئيسهم أن الخليفة سيأتي قريبًا لزيارة السجن، فسألته عما يجب أن أفعله أمامه حتى أسترضيه، فنصح لي بأن أجيب فورًا على الأسئلة التي توضع لي، وألا أشكو أي شكاية، وأن أبقى منكسرًا ذليلًا في الزاوية التي خصصت لي. وحوالي الظهر حضر الخليفة ومعه إخوته وملازموه وصار يطوف على الزوايا ويرى بعينيه ضحايا عدالته، وبدا لي من مسلك المساجين أن رئيس السجن نصح لهم بمثل ما نصح لي؛ فقد كانوا هادئين في مكانهم وقد حلت سلاسل البعض وأفرج عنهم، ثم اقترب الخليفة مني وهزَّ رأسه إليَّ بعطف وقال: «عبد القادر، أنت طيب.»

فقلت: «أنا طيب يا سيدي.»

ثم تركني وسار، واقترب مني يونس واد وكيم حاكم دنقلة وأحد قرابة الخليفة، فهز يدي قال لي: «تشجع، لا تخشَ شيئًا، كل شيء سيصلح قريبًا.»

وابتدأت أحوالي تتحسن منذ هذا اليوم، ولكن كنت أشعر بطول الوقت.

وانتشرت وافدة الجدري في أم درمان، وكانت تحصد المئات كل يوم حتى بادت أسرات عن آخرها. واعتقادي، أن الخسارة من هذا المرض كانت أكبر من أية خسارة خسرها الدراويش في المعارك الماضية. والغريب أن العرب أصيبوا به أكثر من غيرهم ومات منه معظم المساجين، أما نحن المسجونين فلم نُصب بشيء وإن كنا قد فزعنا فزعًا شديدًا، ولعل الله في رحمته رأى أن فيما نقاسيه أكثر مما نتحمل.

وأتيحت لي الفرص الآن للتحدث مع لبتون الذي كان يزداد سأمًا كل يوم، وقد كان يبلغ به الحنق والغيظ أن يشكو أحيانًا مر الشكوى وبصوت عالٍ، حتى كنت أخشى عواقب فعله هذا، ولكن المعيشة التي كنا نعيشها في السجن كانت قد أثرت فيه حتى خفت على صحته، وتمكنت بعد محادثات طويلة معه من تهدئته، وكان مع عمره الذي لم يعد الثلاثين قد شاب رأسه ولحيته في مدة سجنه هذه.

وأشيع في أحد الأيام أن الخليفة مزمع المجيء إلى السجن، فهيأت خطبة وعنيت بإنشائها، وفعل لبتون مثل ذلك، وكان المرجح أنه سيخاطبني أولًا.

ثم جاءت الساعة الخطرة ودخل الخليفة إلى صحن السجن، وبدلًا من أن يطلب المسجونين واحدًا بعد آخر، وُضع له عنجريب وقعد عليه وأحضر له المساجين وقعدوا في نصف دائرة، فأفرج عن البعض ووعد الآخرين ببحث قضاياهم، ولكنه لم يلتفت إليَّ ولا إلى لبتون.

فنظر إليَّ لبتون وهز رأسه فوضعت أصبعي على فمي أحذره من عمل أي شيء طائش. والتفتَ الخليفة إلى رئيس السجن وقال: «هل بقي عليَّ شيء؟»

فقال السجان: «أنا في خدمتك يا مولاي.»

ثم قعد الخليفة بعد أن كان قد همَّ بالقيام والتفت إليَّ وقال: «عبد القادر، أنت طيب.»

فقلت: «يا مولاي، اسمح لي بالكلام أخبرك عن حالي.»

فأذن لي بالكلام فقلت: «أنا يا مولاي من قبيلة غريبة، وقد جئت أطلب حمايتك فحميتني، ومن طبع الإنسان أن يخطئ ويذنب إلى الله وإلى الناس، وأنا قد أذنبت ولكني الآن أتوب، أتوب إلى الله وإلى الرسول، ها أنا ذا يا مولاي في القيود والسلاسل أمامك، ها أنا ذا عريان جوعان أفترش الأرض وأرقد هنا صابرًا أنتظر قدومك لكي تعفو عني، مولاي إني أتذلل لك وأرجو أن تفرج عني، ولكن إذا رأيت بقائي في هذه الحال التعسة، فأدعو الله أن يقويني على تحملها.»

وكنت قد حفظت هذه الخطبة جيدًا وألقيتها بفصاحة نادرة، ورأيت أني بلغت بها الأثر الذي أردته في نفس الخليفة، ثم التفت إلى لبتون وقال: «وأنت يا عبد الله.»

فقال لبتون: «لا أزيد شيئًا على ما قاله عبد القادر، اعفُ عني وأفرج عني.»

فالتفت إليَّ الخليفة وقال: «منذ مجيئك من دارفور عملت كل ما يجب أن يعمل لأجلك، ولكن قلبك بقي بعيدًا عنا وأردت أن تلحق بغوردون الكافر وتحاربنا في صفه، ولقد وفرت عليك حياتك لأنك أجنبيٌّ، ولكن إذا كنت قد تُبْتَ حقيقة فأنا أعفو عنك أنت وعبد الله، يا سجان انزع عنهما القيود والسلاسل.»

فحملنا السجانون، وبعد استعمال الحيل تمكنوا من نزع القيود ثم أعادونا إلى الخليفة الذي كان قاعدًا على العنجريب ينتظرنا، ثم أمر بإحضار القرآن فوضعه على فروة وطلب منا أن نقسم يمين الولاء له، فوضع كلٌّ منا يده على القرآن وأقسم بأن يخدمه بأمانة وولاء في المستقبل، ثم نهض وأمرنا بأن نسير وراءه، ونهضنا ونحن نكاد نجن من الفرح بالإفراج عنا بعد هذا السجن الطويل وسرنا في أثره.

ولما بلغنا منزله أمرنا بأن نبقى في مكان بعيد عنه وتركنا، وبعد دقائق عاد إلينا وقعد إلى جانبنا وحذرنا من عصيان أوامره، ثم قال إنه تسلم خطابات من قائد الجيش في مصر يقول فيها إنه قد أسر أقارب المهدي الذين كانوا في دنقلة، وإنه يعرض أن يقايض بهم على ما عند المهدي من الأسرى الذين كانوا مسيحيين.

وقال: «لقد قررنا أن نجيب بأنكم جميعًا مسلمون وأنكم متحدون معنا ولا ترغبون في أن نقايض عليكم برجال ولو كانوا من قرابة المهدي، فليفعلوا ما شاءوا بأسراهم.»

ثم أضاف إلى ذلك قوله: «ولكن لعلكم تحبون العودة إلى النصارى؟»

فأكدنا له أنا ولبتون بأننا لا نرغب في تركه وأن مسرات الدنيا كلها لا تغرينا بمفارقته، وأن بقاءنا معه يفيدنا لأنه يرشدنا إلى طريق الخلاص، فجازت عليه أكاذيبنا ووعدنا بأن يقدمنا إلى المهدي الذي كان قد وعد الخليفة بزيارته في عصر ذلك اليوم في منزله، ثم خرج وتركنا.

وجاءنا كثير من الأصدقاء يهنئوننا بالإفراج عنا، وكان بينهم ديمتري زيجادة ولكن لم يكن معه المقدار المعتاد من التبغ، وكان بينهم أيضًا صديقي القديم الشيخ عليش، فلما أخبرته بأننا سنقابل المهدي نصح لي بعض نصائح مفيدة في هذه المقابلة.

ولما غربت الشمس جاءنا الخليفة وأمرنا بأن نتبعه، فسرنا وراءه حتى دخلنا على المهدي وهو قاعد على عنجريب، وكان قد سمن سمنًا فاحشًا حتى ما كدت أعرفه، فركعنا أمامه وقبلنا يده عدة مرات، وأكد لنا أنه يرغب في الخير لنا وأن القيود والسلاسل تنفع الناس؛ يعني بذلك أن العقاب يمنع الناس من ارتكاب الجرائم فينفعهم لهذا السبب، ثم والى الحديث إلى قرابته الذين كانوا في أسر الإنجليز، وأنه رفض المقايضة بنا قائلًا: «إني أحبكم أكثر مما أحب قرابتي؛ ولهذا رفضت المقايضة.»

فأجبته مؤكدًا له الأمانة والحب، وقلت له: «إن كل إنسان يحب أن يحبك أكثر مما يحب نفسه؛ لأن من لا يفعل ذلك لا يمكنه أن يحب أحدًا من قلبه.»

وكان الشيخ عليش قد أوصاني بأن أقول له ذلك، فلما سمع المهدي كلامي التفت إلى الخليفة وقال: «اسمع ما يقول. قل ثانيًا.»

فكررت العبارة على مسامعه فأخذ يدي بين يديه وقال: «لقد قلت حقًّا. أَحبني أكثر مما تحب نفسك.»

ثم طلب لبتون بك وأخذ يده وأمرنا كلينا بأن نقسم يمين الولاء؛ لأننا قد حنثنا بيميننا الماضية، فأقسمنا من جديد، وأمرَنا الخليفة بالقيام فقبلنا يد المهدي وشكرنا له بره بنا وعدنا إلى مكاننا.

ومضى زمن قبل أن يأتينا الخليفة، ولما عاد أذن للبتون بأن يرجع إلى عائلته، وكانت لا تزال في بيت المال، وبعث معه بملازم يريه الطريق وأكد له عنايته به، ثم قال لي: «وأما أنت فأين تريد أن تذهب؟ هل تعرف أحدًا تذهب إليه؟»

فقلت: «ليس لي سوى الله وأنت، ليس لي أحد يا مولاي يُعنى بي، فافعل بي ما تراه خيرًا لي.»

فقال الخليفة: «لقد كنت أرجو وأنتظر هذا الجواب منك، ويمكنك أن تعد من هذه الساعة واحدًا من أسرتي، وسأعنى بك ولن تحتاج إلى شيء، وستنتفع بملازمتي، ولكن أشترط عليك شيئًا واحدًا وهو أن تطيع كل ما أرسله إليك من الأوامر، وواجبك ينحصر في أن تقعد مع الملازمين طول النهار على باب المنزل، أما في الليل بعد ذهابي فيمكنك أن تذهب إلى منزلك الذي سأخصصه لك، وعندما أخرج يجب أن ترافقني، وإذا ركبت فعليك أن تسير بحذائي حتى يأتي الوقت المناسب للإذن لك بالركوب إلى جانبي، فهل أنت راضٍ بهذه الشروط؟ وهل تعِدُ بالقيام بها؟»

فأجبت: «أنا راضٍ يا مولاي كل الرضا بهذه الشروط، وستجد فيَّ خادمًا مطيعًا وأرجو أن أجد القوة لكي أقوم بواجباتي خير قيام.»

فقال: «الله يقويك ويبعث لك الخير.» ثم نهض وقال: «نم هنا هذه الليلة في حماية الله وسأراك غدًا.»

وبقيت وحدي وشعرت أني خرجت من سجني فدخلت في آخر، وأدركت في الحال ما رمى إليه الخليفة؛ فإنه لم يكن في حاجة إلى خدمتي لأنه لم يكن يثق بي أقل ثقة، ولم يكن يريد أن ينتفع بي في مقاومة الحكومة المصرية أو مقاومة العالم المتمدين.

ولكنه أراد أن أكون أمام عينيه يشرف عليَّ على الدوام، ولعلَّه أيضًا أراد أن يعتزَّ ويزهو بوجودي أمامه مطيعًا كالعبد، فيفتخر بذلك أمام قبيلته التي هي الآن أساس سلطته، والتي كانت يومًا ما تحت إمرتي، وكذلك يفتخر بعبوديتي أمام سائر القبائل التي كنت أحكمها، ومع ذلك قلت لنفسي يجب أن أعنى كل العناية بألا أغضبه وألا أتيح له الفرصة للأذى، وكنت أعرف الخليفة تمام المعرفة وأدرك أن ابتساماته لا تساوي شيئًا، وقد قال لي هو ذلك في إحدى المرات؛ فقد كنا نتحدث فقال: «عبد القادر، إن من يتطلع إلى السيادة والسلطة يجب عليه ألا يظهر الناس على أغراضه، وإلا فإن خصومه وأعداءه يفسدونها عليه.»

وفي صباح اليوم التالي جاءني وطلب أخاه يعقوب، وأشار عليه بأن يخرج بي ويريني مكانًا أبني فيه عشتي بحيث لا أكون بعيدًا عنه، وكانت قرابة الخليفة قد أخذوا الأمكنة القريبة؛ ولذلك لم نجد أقرب من مكان يبعد عنه ٦٠٠ ياردة، فأخذته لبناء عشتي.

ثم طلب الخليفة كاتب سره فأراني وثيقة موجهة لقائد الجيش الإنجليزي، خلاصتها أن جميع الأسرى الأوروبيين قد دخلوا في الإسلام باختيارهم، وأنهم لا يبغون الرجوع إلى بلادهم، وطلب مني أن أوقع هذه الوثيقة.

ثم سألني فجأة: «ألستَ مسلمًا؟ أين تركت زوجاتك إذن؟»

وكان هذا السؤال مربكًا فقلت: «لي زوجة واحدة تركتها في دارة، وقد بلغني أنها أسرت مع سائر الخدم، وأنهم الآن في بيت المال.»

فقال: «وهل لك أولاد؟» فأجبته بالنفي فقال: «الرجل بلا ولد كالشجرة بلا ثمرة، وبما أنك قد صرت في خدمتي فسأعطيك بضع زوجات حتى تعيش عيشة هنية.»

فشكرت له عنايته بي، ورجوته أن يؤجل هديته إلى أن أنتهي من بناء عشتي، وقلت له في ذلك إن الحريم يجب ألا يعرض لنظر الأغراب، وكان أبو أنجة قد أخذ جميع أمتعتي، فأمر الخليفة بأن يعوضني منها بإعطائي مخلفات المرحوم أوليفيه بان، فأُرسلت إليَّ جميعها؛ وكانت تحتوي على جبة قديمة وعباءة عربية بالية وقرآن مكتوب باللغة الفرنسية. وأرسل إليَّ فضل المولى يقول إن سائر أمتعة أوليفيه بان قد فقدت منذ وفاته. وأمر الخليفة بأن ترد إليَّ النقود التي كانت قد أخذت مني وأودعت بيت المال، وكانت تبلغ أربعين جنيهًا وبعض الأقراط التي جمعتها لطرافتها، وهذه كلها سلمها إلى حمد وأرسلها له.

وشرعت في بناء منزلي، وكنت في مدة البناء أقيم في منزل الخليفة، ووكَّلت أقدم خدمي سعد الله النبوي في بناء منزلي، وكلفته بأن يجعله مؤلفًا من ثلاث عشش مستقلة داخل الحظيرة، ولم أكن أبرح باب الخليفة منذ الصباح الباكر حتى المساء، وكان كلما خرج راكبًا أو ماشيًا أسيرُ معه عاريَ القدم. وكان الخليفة عندما رأى قدمي قد تلفتا من السير بلا حذاء قد أذن لي بأن ألبس نعلين، وكانتا تحزان في قدميَّ وتؤلمانني.

وكان الخليفة يرسل إليَّ فآكل معه في بعض الأوقات، وكان أيضًا يرسل ما يتبقى من طعامه لنا فآكل مع الملازمين الذين صرت واحدًا منهم. وإذا كان الليل وذهب إلى فراشه، توجهت أنا إلى منزلي فأنسطح على العنجريب وأنا في غاية الإعياء وأنام إلى الفجر، حيث أستيقظ وأذهب إلى باب الخليفة فأنتظره للصلاة.

ولما علم الخليفة بأن منزلي قد تم بناؤه أرسل إليَّ جارية، وقال لي سعد الله إنها جاءت متلففة، وإنها قاعدة تنتظرني، فأمرت سعد الله بأن يشعل مصباحًا ويرشدني إليها ففعل، ووجدت المسكينة راقدة على حصير، وسألتها عن ماضي حياتها فأخبرتني بصوت مشئوم أنها من النوبارية، وكانت تنتمي إلى قبيلة في جنوبي كردوفان، وأنها سبيت وأرسلت إلى بيت المال فبقيت هناك إلى أن أرسلها إليَّ حمد واد سليمان، وكانت وهي تتكلم قد رفعت ما على رأسها من الأقمشة المعطرة التي كانت متلففة بها، فبدا لي وجهها وكتفاها وصدرها.

وأشرت إلى سعد الله بأن يقرب المصباح منها، ثم رأيت عندئذ أني في حاجة إلى أن أعبئ جميع قوتي لكي لا أُرعب وأقع من العنجريب؛ فقد كان لها وجه دميم تطل منه عينان صغيرتان، وكان أنفها عظيمًا مفرطحًا، تحته فم له شفتان غليظتان تكاد أن تبلغان أذنيها عندما تضحك، وكان رأسها يرتكز على عنق غليظ أشبه بعنق الكلاب التي من سلالة «البول دوج»، وكان اسم هذه المخلوقة مريم، فأمرت سعد الله بأن يأخذها بعيدًا عني ويعطيها عنجريبًا.

فهذه إذن هي أولى هدايا الخليفة لي، وهو لم يهدِ إليَّ حمارًا أو فرسًا أو بضعة نقود أستعين بها، ولكنه أرسل لي جارية دميمة لا أرتاح إلى وجودها، وهي لو كانت جميلة لما قدرت على القيام بتكاليفها.

ولما ذهبت في اليوم التالي سألني هل أرسل لي حمد واد سليمان جارية؟ فقلت: «أجل، لقد أنفذ أوامرك على الفور.» ثم وصفت له الجارية وصفًا دقيقًا.

فاغتاظ الخليفة أشد الغيظ وبعث في طلب حمد واد سليمان ووبخه على عدم طاعة أوامره، بل مخالفته أيضًا أوامر المهدي. وأُرسلت إليَّ في المساء جارية أخرى أقل دمامة من سابقتها، وكان الخليفة هو الذي اختارها، ولما هدأت بمنزلي سلمتها لمراحم سعد الله الخادم.

واطمأن المهدي والخليفة والأمراء من ناحية الغارات الخارجية، فشرع كلٌّ منهم في بناء منزل يوافق مكانته وحاجاته، وأخذت النساء سبايا الخرطوم إلى هذه المنازل الجديدة، وأخذ أسيادهن في التمتع بهن لا تزعجهم نظرة الغريب أو حسد الصديق.

ولم يكن الخليفة والمهدي وقرابتهما يحبون أن يعرف الناس أنهم أخذوا معظم الغنيمة لأنفسهم؛ لأن هذا العمل ينافي تعاليم المهدي الذي يقول بالزهد في ملذات الدنيا. وكانت منازلهم واسعة تسع أكثر ممن فيها؛ وذلك انتظارًا للغنائم التي ستأتيهم من البلاد التي لم تفتح للآن.

وفي يوم ما مرض المهدي ولم يذهب إلى المسجد للصلاة، ولم يأبه أحد لمرضه أولًا؛ لأنه كان قد أعاد على أسماع الناس عدة مرار أنه سيفتح مكة والمدينة والقدس ثم يموت بعد عمر طويل في الكوفة، وأن النبي قد أظهره على هذه الرؤيا، ولكن مرض المهدي لم يكن وعكة خفيفة؛ فقد استولت عليه حمى التيفوس، وبعد ستة أيام من مرضه بدأ الذين حوله يقنطون من شفائه.

وكان سيدي الخليفة يهتم اهتمامًا كبيرًا بمرض المهدي ولا يبرح داره ليل نهار، وكنت أنا أقف على الأبواب بلا غاية معينة.

وفي مساء اليوم السادس اجتمع جمهور كبير حول بيت المهدي وأمر المصلون في المسجد بأن يصلوا ويدعوا لشفائه لأنه بات في خطر الموت. وكانت هذه أول مرة أعلنت فيه الصفة الخطرة للمرض المصاب به المهدي أمام الناس. وفي صباح اليوم السابع أذيع أن حالته تسوء ولم يبق شكٌّ في أنه يموت.

وكان المرض الآن قد بلغ غايته، وكان المهدي راقدًا على عنجريب وحوله الخلفاء وقرابته وحمد واد سليمان ومحمد واد بشير — أحد كبار موظفي بيت المال ووكيل بيت المهدي — وعثمان واد أحمد والسيد المكي — وهو شيخ من شيوخ الدين في كردوفان — وبعض من كبار أنصاره الذين سمح لهم بالدخول في غرفة مرضه.

وكان المهدي يغيب عن وعيه من وقت لآخر، ولما شعر بأن آخرته قد قربت قال للذين حوله: «إن الخليفة عبد الله هو الخليفة الصادق، وقد عينه النبي للخلافة بعدي، فهو مني وأنا منه، وكما أطعتموني وأنفذتم أوامري كذلك افعلوا معه، الله يرحمنا.»

ثم جمع ما فيه من قوة وكرر عدة مرات عبارة: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، ووضع يديه مشبوكتين على صدره ومد ساقيه وأسلم روحه.

وقبل أن يبرد دمه أقسم أنصار المهدي يمين الولاء للخليفة عبد الله، وكان أول من بايعه سيد المكي، ثم عقب ذلك الخليفتان الآخران وتبعهم جميع الموجودين. ولم يكن من الممكن أن يُحتفظ بوفاة المهدي سرًّا لا يذاع بين الجمهور، ولكن أمر الجميع بألا يبكوا أو ينوحوا، وطلب من الجميع مبايعة الخليفة. وكانت ستنا عائشة أم المؤمنين كبرى زوجات المهدي في غرفة وفاته قاعدة متلففة في إحدى الزوايا، فلما مات خرجت من الغرفة لكي تخبر سائر النساء بوفاة مولاها وزوجها، وكان عليها أن تعزيهن وتمنعهن من النوح والندب. وكان معظمهن قد فرحن في قلوبهن بوفاة المهدي الذي جلب الخراب على البلاد، والذي دعاه الله إلى محكمته العليا قبل أن يتمتع بثمار انتصاره.

ولكن على الرغم من الأوامر القاضية بمنع النوح والندب، ارتفعت الأصوات من كل بيت، وقيل إن المهدي مات باختياره لأنه في شوق شديد لرؤية الله.

وشرع بعض الموجودين في غرفة المهدي بغسل الجثة ولفها في قماش من الكتان، وأخذ البعض في حفر حفرة عميقة في الغرفة التي مات فيها، وبعد ساعتين وضعوا الجثة في الحفرة وبنوا فوقها بالطوب، ثم طمروا الحفرة بالتراب وصبوا عليه ماء. ولما انتهوا من ذلك رفعوا أيديهم وتلوا عليه صلاة الموتى، وخرجوا من الغرفة وهدأ روع الجماهير المتكأكئة حول المنزل.

وكنا نحن الملازمين أول من دُعي إلى الخليفة الذي صار يسمى بعد ذلك خليفة المهدي، فأقسمنا له يمين الولاء، وأمرنا بأن ننقل منبر المهدي إلى مدخل المسجد وأن نخبر الجمهور بأنه سيخطبهم الآن، فلما أخبرناه بأننا قد أنفذنا أوامره خرج من غرفة المهدي وذهب إلى المسجد واعتلى المنبر لأول مرة باعتباره حاكمًا للبلاد.

وكان يتفزر من الهياج، وعبراته تنحدر على خديه، ثم قال بصوت عال: «يا أصدقاء المهدي، إنه لا مرد لقضاء الله، لقد غادرنا المهدي إلى الجنة حيث يجد ملذات النعيم، وعلينا نحن أن نتبع تعاليمه، وأن نتعاون وأن نتساند كما يتساند بناء البيت. وهذا العالم فان، فلا تنحرفوا عن طريق المهدي، واغتبطوا بالشطر الحسن الذي معكم من أنصاره وأتباعه، وأنتم أنصاره وأنا خليفته، فأقسموا الآن إليَّ يمين الولاء.»

ولما انتهى من هذه الخطبة القصيرة شرع الحاضرون في المبايعة، وكانت صيغتها «بايعنا الله ورسوله ومهدينا وبايعناك على توحيد الله … إلخ»

وكانت كل طائفة تبايع تخرج وتأتي أخرى، وكان المجتمعون كثيرين حتى كانوا في خطر الموت من الزحام، واستمرت المبايعة إلى المساء. وكان الخليفة قد سكت عن البكاء وأخذت أمارات الفرح ترتسم على وجهه عندما رأى هذه الجماهير العديدة تزدحم لمبايعته.

وكان قد جهده التعب فنزل عن المنبر واحتسى جرعة ماء بعد أن جف ريقه من تعبه طول النهار، ولكن خاطر السلطة الجديدة وأنه الحاكم للقطر السوداني كان يؤنسه ويشد من عزمه، ولم يترك المنبر إلا بعد أن ألح عليه كبار أتباعه بذلك.

وقبل أن يترك المنبر طلب أمراءه وجعلهم يقسمون يمين الولاء على حدَة، وأمرهم بلزوم طاعته وطاعة أخيه يعقوب، ونصح لهم بأن يعيشوا على وفاقٍ بعضهم مع البعض لأنهم أغراب؛ وذلك لكي يكافحوا دسائس أهل البلاد التي نزلوا فيها، ثم حضهم على لزوم تعاليم المهدي.

وكنا قد تأخرنا إلى ما بعد منتصف الليل، فلم أرغب في الذهاب إلى منزلي، وانطرحت على الأرض حيث أنا أسمع روايات الناس عن موت المهدي واستعدادهم لطاعة الخليفة.

والآن يمكننا أن نتساءل، ماذا فعل المهدي لإحياء الدين؟ وما هي تعاليمه؟

لقد دعا إلى الزهد، وكان يجحد الملذات الدنيوية وغرور هذا العالم، وهدم النظام الاجتماعي ونظام الموظفين، وسوَّى بين الأغنياء والفقراء، واختار الجبة المرقعة لباسًا عامًّا لجميع الناس، وضم المذاهب الأربعة: المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي، إلى مذهب واحد، ولم يكن اختلافها كبيرًا، فإنه مقصور على كيفية الوضوء والسجود وكيفية عقد الزواج وما إلى ذلك. واختار بضع آيات من القرآن سماها الراتب، وكان يأمر المصلين بتلاوتها بعد صلاة الصبح وصلاة العصر.

وقد سهل على الناس عملية الوضوء ومنعهم من الشراب، وكان السودانيون لا يعقدون زواجًا بدون أن يشربوا. وأنزل قيمة المهر إلى عشرة ريالات وثوبين للبكر، وخمسة ريالات وثوبين للثيب. ومن أعطى أكثر من ذلك كان يصادر في أملاكه. وقصرت وليمة العرس على طبق من اللبن وآخر من البلح؛ وكان يقصد تيسير الزواج. وكان يحتم على الآباء والأوصياء زواج بناتهم، وهن بعد صغيرات.

ومنع الرقص واللعب، وكل من خالف ذلك يعاقب بالجلد وتصفى أملاكه. وكان السباب يعاقب عليه بحساب ثمانين جلدة لكل كلمة بذيئة والحبس سبعة أيام. ومنع استعمال الخمور والمريسة وتدخين التبغ، ومن خالف هذه الأوامر يعاقب بالجلد والحبس ثمانية أيام ومصادرة أملاكه. وكان السارق يعاقب بقطع يده اليمنى، فإذا عاد إلى السرقة قطعت اليسرى.

ولما كانت عادة الرجال في عرب السودان إرسال شعورهم أمر المهدي بحلقها، وكذلك أمر بمنع النوح على الموتى أو ندبهم، ومنع الولائم التي تقام في المآتم، ومن خالف ذلك تصفى أملاكه.

ولما كان المهدي يخشى فرار جنوده، لعلمه بما يقاسونه من المعيشة التي رتبها لهم، ولعلمه أيضًا بأن مذهبه قد لا يعد صحيحًا في نظر المسلمين الآخرين؛ منع السودانيين من الحج إلى مكة، ومنع المواصلات بين السودان والأقطار المحيطة به.

وكان يعاقب كل من يصرح بالشك في صحة مذهبه ويشهد عليه اثنان بقطع يده اليمنى وساقه اليسرى، وكان يستغني أحيانًا عن شهادة الشاهدين بما يدعيه من إيحاء النبي له وإثباته جناية المتهم أو براءته.

وكان أيضًا يعرف أن معظم أوامره تخالف الدين، فأمر لذلك بمنع الناس من دروس الفقه وشروح القرآن، وقضى بأن تحرق هذه الكتب أو تلقى في ماء النيل.

هذه هي تعاليم المهدي، ولم يترك حجرًا إلا قلبه لكي ينفذ أوامره. وكان في الظاهر يبدو للناس أنه يحافظ كل المحافظة على لزوم تعاليمه، ولكنه كان هو وخلفاؤه وقرابته إذا دخلوا منازلهم استسلموا للنهم في الطعام والشراب وللهو وضروب اللذات الشهوانية المنتشرة في السودان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢