تقديم١

تعود بي الذاكرة إلى بواكير علاقتي بعالَم نجيب محفوظ، ففي العام الدراسي ١٩٨٧-١٩٨٨م كنت في قريتي القريبة من الشمال الشرقي لمدينة القاهرة أدرس بالسنة النهائية بالمرحلة الثانوية العامة القسم الأدبي، وكان اهتمامي بالفن التشكيلي آنذاك كبيرًا، فرسمت صورة بورتريه لنجيب محفوظ، وأبرز ما فيها تلك الحسنة عند خده الأيسر، بعد أن رسمت أم كلثوم، وتوفيق الحكيم، وعباس العقاد، وطه حسين. وكانت تلك الأعمال موضوع جوائز بسيطة حصلت عليها أيام الدراسة الجامعية فيما بعد. وانتظمت في كلية الآداب بالسنة الأولى في عام ١٩٨٨-١٩٨٩م، وعند عودتي للقرية في أحد الأيام أسمع الخبر يتردد في الإذاعة وهو فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، وقبل ذلك بشهور قليلة جدًّا تعرَّفت على زميل يدرس بقسم الفلسفة، وكان يعمل في الإجازة الصيفية في المملكة الأردنية الهاشمية، وأخبرني بأنه عاد ومعه نسخة من رواية «أولاد حارتنا»، وكنت أعرف أنها ممنوعة من النشر بمصر، وأن زميلي يعتبرها نسخةً مهرَّبةً وممنوعةً من التداول. وهذا المنع ربما شجَّعني على قراءتها علاوةً على أنه قال لي يومها إن نجيب محفوظ يهاجم الله — سبحانه وتعالى — والأنبياء في تلك الرواية. وكانت أوَّل قراءة لي لنجيب محفوظ سبقتها قراءات سريعة ومبسطة، ومعلومات في الصحف أو بعض المجلات، أو متابعة لبعض الأفلام المأخوذة عن قصصه، حتى درَّس لنا الدكتور السيد فضل (الناقد والأستاذ الجامعي وعميد كلية الآداب فيما بعد) بعض روايات نجيب محفوظ ذات الطابع النفسي؛ وهي الشحاذ والطريق؛ فزاد من إعجابي بعالم نجيب محفوظ رغم التحفُّظات الدينية التي أحاطه بها بعض الدعاة؛ وكان أهمهم الشيخ عبد الحميد كشك، والشيخ محمد الغزالي، وبخاصة حول رواية «أولاد حارتنا»، التي كنت أرى في اليوم الذي قرأتها فيه أن نجيب محفوظ استحضر القرآن الكريم، وقصة خلق آدم وحوَّاء، وكذلك قصص الأنبياء؛ ليحكي تاريخ الإنسانية. وبالرغم من نشأتي الريفية القريبة من التديُّن إلا أني لم أستطِع أن أجاري المنتقدين من أنصار الجماعات الإسلامية الذين كانوا ينتشرون في الجامعة حينها، ومحاولاتهم الجادة لضَمِّي — هذه كانت طريقتهم مع كل طلاب الجامعة — إليهم وتجنيدي في صفوفهم في موقفهم من نجيب محفوظ، أو من حُبِّي للفن والأدب. وبعد سنوات بسيطة كنت قد تخرجت في الجامعة، وعملت في مجال الصحافة والمعلومات، وذات صباح في عام ١٩٩٤م قرأت الخبر المفزع عن محاولة اغتيال نجيب محفوظ بأيدي أحد الشباب على خلفية فتوى بتكفيره، وهزَّني الحدث؛ إذ كيف لشاب أن يقتل شيخًا عمره ٨٣ عامًا! وكيف طاوعه قلبه وكيف آمن عقله وكيف أمسكت يده بالسكين؟! بل والأدهى من ذلك كيف صدرت تلك الفتوى من جاهل بالدين وبالفن وبالأدب، بل وبالحياة نفسها؟ وظللت أتابع القضية وأخباره الصحية زمنًا، وأقرأ له كل ما تيسر لي. وفي عام ٢٠٠٠م سافرت للعمل خارج الوطن، وتعرَّفت على صديقي الشاعر السوري الكبير عيسى الشيخ حسن، وزاد من عمق علاقتنا أنه يعشق كل ما هو مصري، حتى لغته تحوَّلت إلى اللهجة المصرية، ليقول لي: «كُنَّا ونحن صغار نتباهى بتقليد لغة المصريين التي نراها في السينما، وكنا نتسابق لقراءة رواية أو كتاب لمبدع مصري، وإن نجيب محفوظ وجمال عبد الناصر وأم كلثوم هم من سيبقون في التاريخ.» ورأيت في مكتبته في حُجرته التي يسكنها — إذ كان يسكن في مكتبة لا في حجرة — معظم روايات نجيب محفوظ وغيره، ولقد منحني الكثير منها. وعندما جاء لزيارة مصر في صيف عام ٢٠٠٤م عاد ومعه حقائب تصنع مكتبة، وكان دافعًا قويًّا لي لكي أبدأ في مشروع القراءة النفسية للأدب الذي رأى بحدسه قدرتي على الإضافة إليه — ولعلي أكون استطعت تحقيق حدسه — وكانت البداية أن تحدثت عن الحرافيش ونجيب محفوظ في محاضرة عامة تحدثتْ عنها الصحف لأكثر من أسبوع، ونَشَر لي في الصفحة الأدبية الرئيسية بجريدة الشرق التي يعمل بها مقالَين عن الحرافيش، وفتح لي الباب للنشر في مجلة عَمَّان الثقافية بالأردن، لأحقق منها انطلاقةً بدأت من عام ٢٠٠٦م وحتى توقُّفها في نهاية ٢٠٠٩م، نشرت خلالها دراسات نقديةً للأدب، شِعرِه ونثرِه، من منظور علم النفس. وفي ٢٨ أغسطس ٢٠٠٦م سافرت للخارج وكنت مقيمًا لمدة يومين في أبو ظبي، ولم أسمع بالخبر، وعندما سافرت أيضًا لمكان عملي في دولة أخرى علمت بخلود نجيب محفوظ إلى الرفيق الأعلى في ٣٠ أغسطس، وكان حديث عيسى الشيخ حسن وعزاؤه مما لا يُنسى، وكانت الشرارة التي أشعلت في حواسي هذا الكتاب؛ فقد كتب يقول: «عرفت نجيب محفوظ يافعًا، تستوقفني عناوين روايات: خان الخليلي، خمارة القط الأسود، الشيطان يَعِظ، اللص والكلاب … إلخ، فوق أغلفة مزيَّنة برسوم تماثل ملصقات الأفلام، وطبعات من الورق الفقير الأصفر، تعمد مكتبة مدينتنا الصغيرة إلى عرضها بأكثر من طريقة لعلَّ مراهقين مثلنا يُقبلون على شرائها مضحِّين بمصروف الجيب الزهيد، وكان علينا أن ننتظر مواسم الصيف لعلنا نستطيع شراء رواية أو روايتين. وكان علينا أيضًا أن ننتظر إلى أن نصل إلى الثانوية العامة لنحفظ مقتطعات من الثلاثية وزقاق المدق؛ كي ننجح في آخر العام. وفي الوقت الذي كان فيه أحمد عاكف ورءوف علوان وسيد عبد الجواد يثرثرون فوق وسائدنا، متبرِّمين ضَجِرين قاطعين أشواطًا طويلةً ملء صفحات تتقلب بين أصابع متلهفة يهمها أن تطمئن على مصائر أشخاص معجونين بماء الواقع، في ذات الوقت كانت فلسفة نجيب محفوظ تنحفر في أذهاننا، فلسفة الحياة الواقعية التي تنحاز إلى شروطه القاسية، ولا تنتصر لرغباتنا الفظة في أن ننقذ أبطالنا من مصائرهم الصعبة، إلى الحدِّ الذي تتهم فيه الكاتب بضرب من العدمية تجاه أبطاله الذين يقضون أمامه دون أن يمدَّ يديه إليهم. ذلك أن محفوظًا «الرائي» يدرك لعبة الواقع الماكرة فيكتفي بحمل الكاميرا ويصوِّر من بعيد، من زوايا مختلفة تحاول عبثًا أن تبعدنا عن أبطالنا الذين يختنقون بين طيَّات الورق الأصفر الفقير، بالرغم من خدعة الأغلفة الملونة بملصقات الأفلام. كان عليَّ أن أعاتب محفوظًا قبل أن يرحل وأنا أشارك سعيد مهران نقمته الحادة على ضياع الثورة التي أكلت أبناءها، كان عليَّ أن أشارك أولاد حارته البحث عن المطلق في العدل، وأشارك حرافيشه محنة تقلُّب الأمر بين تيارات عدة، تنتفض في البدء ثائرةً على الظلم الذي سُرعان ما يعود، وكأنه لا نهاية لهذا الشقاء الإنساني الطويل. وكان عليَّ أن أعيش معه في أحلام فترة النقاهة، وإن كنت أعرف أن محفوظًا — من دون تحفُّظ — هدية مصر والعرب إلى العالم في القرن العشرين عمومًا، وأن «جائزة نوبل» وإن جاءته على طبق السياسة المريب، فإنها استعادت هيبتها في ثمانينيات القرن الماضي بدعوتها روائيًّا مثل نجيب محفوظ، وشاعرًا مثل المكسيكي أوكتافيو باث إلى قائمتها، بعد أن فقدت بهاءها وهي تتنقَّل بفعل السياسة من أديب مغمور إلى أديب مغمور. كان عليَّ أن أطوف خان الخليلي في أمسية قاهرية عذبة، بين دكاكين المشغولات الشرقية التي صُممت على عَجَل من أجل السياح الباحثين عن سحر الشرق، وبعض لوحات الفن التشكيلي المُغْفَلة من أسماء الرسامين، وبين مقهى الفيشاوي الذي يأتي إليه الرجل ليقضي بعض الوقت هناك. كان عليَّ أن أعود إلى أعماله الأخيرة لأرى استبصاره بالنهاية، كما يؤكد ذلك صديقي د. خالد محمد عبد الغني. كان عليَّ أن أردد بأسًى: «كم نحن بحاجة إلى روايةٍ عن عرب ما بعد ١١ / ٩ يكتبها نجيب محفوظ».»٢

وفي شهر مايو من عام ٢٠٠٥م ألقيت محاضرةً بمركز إبداع الفتاة بالدوحة حول الفن التشكيلي عند ليوناردو دافنشي، وديوان «أناشيد مبللة بالحزن» لعيسى الشيخ حسن، وملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ، كانت حديث الصحف والناس لفترة طويلة من الزمن.

وفي ١٣ / ٩ / ٢٠٠٦م كان لقائي الثاني بالأديب جمال الغيطاني — كان اللقاء الأول دون موعد في أحد شوارع القاهرة في صيف ٢٠٠٤م، وكان عيسى الشيخ حسن صاحب اللقاء الثاني الذي عرَّفني بموعده — في محاضرة عن نجيب محفوظ أُلقيت بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث بالدوحة، وطلبت منه أن ينشر لي دراسةً حول نجيب محفوظ وعاشور الناجي في جريدة أخبار الأدب التي يرأس تحريرها، وأعطيته الدراسة ووعدني بنشرها قريبًا، وفعلًا وفَّى بما وعد، ونُشرت في العدد التذكاري رقم ٧٠٠ بتاريخ ١٠ ديسمبر ٢٠٠٦م صفحة ١٤ و١٥ بمناسبة ذكرى ميلاده، وعلى الغلاف صورة كاملة لنجيب محفوظ بعدسة جمال الغيطاني.

وبعد عودتي لمصر في ١٧ مارس ٢٠٠٧م تولَّى — بمبادرة كريمة منه — عيسى الشيخ حسن إهداء كتابي «التحليل النفسي والأدب، الملحمة والرواية والشعر» لعدد كبير من المبدعين والنقاد والإعلاميين الذي أثمر حوارًا مطولًا في إذاعة مونتكارلو الدولية، مع فايز مقدسي في برنامج «أفكار» تناول موضوع الكتاب ونجيب محفوظ، وكان سؤال المذيع؛ هل رأيت نجيب محفوظ؟ وكانت إجابتي بالنفي؛ لأني يوم أن تعرفت على عالم نجيب محفوظ كان عمره قد تجاوز الثمانين عامًا بقليل، وكنت في مرحلة المراهقة وكان اللقاء مستحيلًا، فكيف الوصول إليه؟! وحكيت له كل ما سبق.

ونشرت عددًا من الدراسات عن نجيب محفوظ بمجلة «ضاد» الصادرة عن اتحاد الكُتَّاب المصريين، ومجلة «الرواية» و«إبداع» الصادرتين عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ومجلة «تحديات ثقافية»، ومجلة «عَمَّان الثقافية» بالأردن، وجريدة «أخبار الأدب» بمصر، و«الشرق» بقطر. وقمت بجمع كل هذه الدراسات لتُنشر بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة تحت عنوان «نجيب محفوظ وسردياته العجائبية» عام ٢٠١١م.

وكتب الشاعر والمفكر مهدي بندق٣ عن كتاب نجيب محفوظ وسردياته العجائبية يقول: «يعلم مؤلف هذا الكتاب أن الروائي الأعظم نجيب محفوظ قد صرح يومًا أنه لم يطَّلع على نظرية رائد التحليل النفسي سيجموند فرويد Freud، والتي ضمَّنها كتابه تفسير الأحلام، والذي ترجمه د. مصطفى صفوان، وراجعه د. مصطفى زيور، لكنه — أي مؤلفنا الشاب — قد عقد العزم على ألَّا يلقي بالًا لما يقول المبدع عن خلفياته الأداتية، ليكرِّس كتابه بأكمله للبرهنة على أن نجيب محفوظ إنما كان رائدًا للكتابة الروائية العربية — مثله مثل ديستوفسكي في الأدب الروسي — التي تجمع إلى شكلها الواقعي غرائب الأحلام وعجائب الأساطير ودلالات الرموز في مستواها الجمعي المستور.
وفي رأيي أن تلك المغامرة النقدية في تناول بعض الروايات الهامة من أدب الأستاذ نجيب، رغم كونها ليست الأولى في هذا المضمار، فلقد سبقتها محاولات جادة من جانب كثيرين، إلا أنها لَحَرية بالالتفات لما بُذل فيها من جهد، ولتناولها موضوع الدراسة من زوايا جديدة. فكاتبنا الدكتور خالد عبد الغني يستعرض آراء من سبقوه من النقَّاد بدقة وأمانة جديرتَين بالتنويه والإشادة، موضحًا كيفيات تعاملهم مع منهجية نجيب محفوظ في استخدام الحلم، سواء باعتباره — من وجهة نظرهم — آلية فرويدية أو بعد فرويدية Post-Fruedism، آخذًا على بعضهم (جمال القصاص مثلًا) إفساده لدلالات النص المحفوظي بالتطرُّف في تأويل سريرة صاحبه (نجيب محفوظ) كما لو كان مريضًا يخضع بما كتب للتحليل النفسي، وليس أديبًا عبقريًّا ذا عرض ناصع الجيب وافره!
لعل نجاح خالد عبد الغني في التحرُّر من تأثيرات من سبقوه على هذا الدرب الشاق في التفسير السيكولوجي هو ما أغراه بالانتقال من تحليل وظيفة الرمز Symbolic Function إلى اقتراح دمجه ضمن الوسائط المختزلة للوقائع البشرية، خاصةً الاستثنائي منها ليتم بهذا الدمج فهم الواقع على نحو أكثر ثراءً.

في هذا السياق يختار المؤلف سيرة عاشور الناجي (من ملحمة الحرافيش) ليطابق بين مصيره ومصير نجيب محفوظ نفسه باعتبارهما نموذجين للباحثين عن العدل والملاقين الاضطهاد بسبب بحثهم هذا، حيث يتعرَّضون للنفي والصلب (كما الحلاج) وطعنات السكاكين، وما من شك في أن التوفيق إنما كان حليف مؤلفنا حين ربط دلالة الناجي (بما تعنيه صفة اسمه) وبين نجاة محفوظ من محنة محاولة اغتياله، مذكرًا بأن نجيب وإن كتب الحرافيش قبل المحاولة الأثيمة إلا أن ذلك لا يمنعنا من أن نضع في الحسبان فكرة استبصار نجيب محفوظ بما سيتعرَّض له من اضطهاد قادم بفضل غوصه المستمر في عالم الأحلام الذي يشع بالنبوءة ضمن ما يشع. وهذا ما حدا بنجيب إلى تسمية محنة عاشور الناجي وعشيرته التي حصدتهم باﻟ «شوطة»، وإنها لنفس التسمية التي يمكن لنا أن نطلقها على ما جرى لمصر «المحروسة» — لا أدري لمَ الإصرار على هذه التسمية الزائفة؟ — حيث تحوَّلت رمال الفكر الوهابي القادمة من الشرق على أكتاف الرياح الشريرة إلى مدافع رشاشة وقنابل ورصاص وسكاكين تقتل أطفال المدارس (عدة المستقبل) والسياح ضيوف البلاد، وتحرِّض على قتل غير المسلمين (أقباط مصر في مقدمتهم) حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون! وكما جرى تكفير المفكِّرين من أساتذة الجامعات والتفريق بينهم وبين زوجاتهم الأستاذات أيضًا، انطلقت دعاوى الحسبة (القضائية) بالضد على النقَّاد والشعراء والمثقفين، حتى اكتملت باغتيال أحدهم فعلًا، وكاد أن ينجح اغتيال ثانيهم (والدهم الحاني الجميل) لولا أن نجَّاهُ الله بمعجزة لا تتكرر.

كذلك لم ينسَ الكاتب (خالد) أن يقارن بين عاشور الناجي الذي ارتضى لنفسه احتياز قصر البنان (الأصابع) في غيبة صاحبه، وبين محفوظ الذي قبل جائزة نوبل كرشوة من الصهاينة مكافأةً له على تقديره لليهود في أولاد حارتنا، علاوةً على تأييده السياسي لاتفاقيتَي كامب ديفيد ومعاهدة الصلح مع إسرائيل (وهو تفسير يتماشى مع ما روَّج له بعض المثقفين المتشنجين، جنبًا إلى جنب التيار الفاشستي «الملقب دلعًا» بالإسلام السياسي)، وأيًّا كان الحال فقد تمكَّن خالد عبد الغني من معالجة الأمر في مجمله بمهارة، إذ اعتبر أن خطأ الرجلين؛ عاشور الناجي ونجيب محفوظ، إنما وقع بحسن نية ودون تواطؤ مقصود مع قوى الشر، وآية ذلك أن محبة الناس لأديبها العبقري ظلت قائمةً مثلما استمرت محبة الحرافيش لعاشور الناجي، لا سيما وأن الرجلين كليهما أوقف ما آل إليه من ثروة — أيًّا كان مصدرها — على أعمال الخير.

وبهذا المنهاج الذي يزاوج بين ما هو واقعي وما هو أسطوري سيكولوجي، يواصل خالد عبد الغني رحلته مع النماذج المختارة من أدب نجيب محفوظ، فتراه يتلمَّس أوجه التشابه بين سفاح كرموز محمود أمين سليمان، الذي راح يضرب في ظلمات النقمة وشهوة الانتقام، وبين أوديب الذي مضى يجتر خطاياه في قتل الأب ومضاجعة المحارم، بعد أن فقأ عينيه ليحيا في ظلام لا غش فيه، ليكشف لنا (أعني خالد عبد الغني) عن سراديب الشخصية الروائية؛ سعيد مهران قاتل الأبرياء (بعمى بصيرته) والمظلوم في آن، والذي راح في النهاية يصرخ مناديًا نور (لاحظ دلالة الاسم) تلك المومس «الفاضلة» التي أحبَّت مهران ولم يحبها هو لانشغاله بالمدنس ممثلًا في شخصية زوجته السابقة الخائنة.

وفي تقديري أن مؤلف هذا الكتاب قد تمكَّن من إلقاء الضوء على رواية «اللص والكلاب» المفعمة بالرموز، والغنية بالدلالات السياسية والاجتماعية دون أن يسقط في فخ التسطيح المروِّج لفكرة القداسة النقية مقابل الدنس الخالص، وتلك مأثرة تضاف إلى رصيد جِدِّيته وجِدَّته فيما كتب حتى الآن.

ويُنهي خالد كتابه بفصل عن رواية «بداية ونهاية» أراد له أن يكون بحثًا في سيكولوجية البغاء، لكنه مضى إلى بعيد إلى درجة اعتبار نفيسة بطلة الرواية بإطلاق، وتفسير سلوكها المنحرف لا بالظروف المادية السيئة التي أحاطت بها وبعائلتها، بل برغبتها اللاواعية في أن تكون عاهرةً محترفة! وهذا ما لا أوافق عليه بحال من الأحوال. لكن اختلافي مع المؤلف في هذا الصدد لا يمنع غيري — ربما — من الاتفاق معه، وهو ما ينبغي تركه للنقَّاد.»

وبعده شاركت مع عدد كبير من النقاد في كتاب «نجيب محفوظ من الجمالية إلى نوبل» عام ٢٠١٢م، تحرير أسامة الألفي، منشورات الهيئة المصرية العامة للكتاب. وفي ١٧ مارس ٢٠١٢م عقد المجلس الأعلى للثقافة ندوةً لمناقشة كتابي «نجيب محفوظ وسردياته العجائبية» تحدث فيها الفنان عز الدين نجيب، والروائي سيد الوكيل، والروائي منتصر القفاش. وكان من طرائفها (الندوة) أنهم جميعًا كانوا يظنونني من خريجي كلية دار العلوم، وأني حاصل على الدكتوراه في اللغة العربية والنقد الأدبي، وأن موضوع الكتاب كان جزءًا من رسالة الدكتوراه، وأنها تمَّت تحت إشراف وتوجيه من أستاذ في النقد والبلاغة. وطبعًا أسعدني ذلك الظن، الذي تكرر كثيرًا أيضًا عندما نشرت بعض الدراسات في الشعر المعاصر، وبعض القراءات في الرواية العربية.

أما عن الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ ومنهجه، أود القول بأنه يحاول تقديم قراءة للنص المحفوظي تهدف إلى إضاءة النص وإبراز الجوانب التي تتعلَّق بالتحليل النفسي والأسطورة، حيث التعريف أولًا بالمفاهيم النفسية التي تدور حولها القراءة، وبعد ذلك تقديم التطبيق التحليلي للنص استنادًا إلى تلك المفاهيم حتى لا تكون القراءة مجرد شرح وتفسير للنص بمجموعة من المفردات المغرقة في الغرابة. فعالم نجيب محفوظ من العوالم الروائية السحرية التي خلَّدت نفسها بنفسها من خلال النسق الفني المتفرد الذي انتهجه نجيب محفوظ في إبداعه الروائي، والتطوُّر المتلاحق في بنية وصيغة الفن الروائي في عالمه، والعنونة عنده هي جزء لا يتجزأ من العملية الإبداعية الداخلية للنص، فهو يختار عناوين رواياته بعناية شديدة، ويطلقها على نصوصه برهافة وشفافية تكاد تصل حد الاحتدام، ولعل هذا الاهتمام الكبير الذي أولاه نجيب محفوظ لعناوين رواياته قد منحها في المقام الأول هذا الحضور وهذه المكانة في ساحة الرواية العربية، بل والعالمية أيضًا، وهو يعتبر العنوان علامةً وإشارةً مهمةً لهذا العالم الذي شيَّده وأحاطه بسياج من الرؤى، وجماليات التعبير، وسلاسة التفكير، وقوة المنطق، وجودة الحبكة، وغير ذلك من التعبيرات التي أصبحت علامةً على هذا العالم الروائي الثري الخصب. وحتى صارت كل أعماله الروائية وعلاماتها المميزة المتمثلة في عناوينها وفي الشخوص والأحداث والأماكن، لها حضورها الخاص وتوهجها النصي في ساحة التلقي والنقد كشخصية «سي السيد» التي أصبحت إشارةً لسطوة الرجل في المجتمع العربي، والعوامة، والزقاق، والحارة، وغيرها من العلامات المميِّزة لهذه المسيرة الروائية التي خرجت الرواية العربية بفضلها من المحلية إلى آفاق العالمية.٤

ويضم الكتاب الحالي فصولًا تدور الأُول حول التحليل النفسي والمؤثرات الأسطورية ومعالم النرجسية وتجلياتها في شخصية رادوبيس والفرعون الشاب، وكيف انتهى بهما المطاف إلى تحقيق أبعاد الأسطورة وهي «الحب والعزلة والموت». ودراسة حول شخصية نجيب محفوظ وعاشور الناجي في ملحمة «الحرافيش»، ومحاولة لفهم البناء النفسي لدى البغايا كما ظهر لدى نفيسة بطلة رواية «بداية ونهاية»، وشخصية سعيد مهران في «اللص والكلاب»، وتحليل أحلام فترة النقاهة والمؤثرات النفسية والفلسفية على الرواية كما جاءت في مقالاته المبكرة.

وختامًا أرجو أن تجد عزيزي القارئ في هذا الكتاب جهدًا يرضيك عن مؤلفه، وفائدة، ونفعًا، ومتعةً تسر خاطرك، وجديدًا في التناول يخالف أغلب ما كُتب عن نجيب محفوظ ورواياته موضوع الكتاب الحالي، فيساعدك على الاقتراب من عالم نجيب محفوظ وشخصيته. وعن عنوان الكتاب ومنهجه، فقد رأيت أن الثلاثية عند نجيب محفوظ تمثَّلت في المراحل التي مرَّت بها رواياته بدءًا من المرحلة التاريخية ثم الواقعية فالرمزية، ومن حيث الأبعاد المدروسة في بعض رواياته، فقد حرصت على البحث عن ثلاثة أبعاد في كل واحدة منها.

هذا، والله الهادي إلى سواء السبيل.

المؤلف
القاهرة، في الأول من سبتمبر ٢٠٢٠م
١  إذا كان حلم اليقظة بحسب تعريف «ستانلي هول» هو ضوء الشفق الذي ينبئ عن إشراقة الخيال، وإذا كان الخيال خصبًا غنيًّا فإنه يستطيع إكمال كل نقص؛ إذ يمنح الضعيف جسمًا رياضيًّا، ويهب السائل المعدِم ثراءً عريضًا، وهو بهذا الشكل مَلَكة للتعويض والتكميل. وعليه فحلم اليقظة ممتع وسار وسهل، لذلك يقدم نوعًا من الإغراء فيعيق العمل في الواقع؛ ومن ثم يجب العمل على توجيهه وحسن استخدامه حتى لا يعترض نموَّ الشعور بالواقع، ولن يتحقق ذلك دون فهمه (جورج هنري جرين: أحلام اليقظة، ترجمة: إبراهيم حافظ، القاهرة، مطبعة لجنة البيان العربي، ١٩٥٠م). وهذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ كان طوال خمس عشرة سنةً حلم يقظة، ساعدني ذلك الحلم على مواجهة الواقع بكل ما فيه من سلبيات يعلمها الجميع.
٢  عيسى الشيخ حسن: في وداع محفوظ. جريدة الشرق، ٥ سبتمبر ٢٠٠٦م.
٣  مهدي بندق: خالد عبد الغني وكتابه نجيب محفوظ وسردياته العجائبية. مجلة تحديات ثقافية، العدد ٣٩، ٢٠١١م.
٤  شوقي بدر يوسف: سيموطيقا العنوان في روايات نجيب محفوظ. خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١