الفصل الثاني

ثلاثية الحب والعُزلة والموت في رادوبيس

طوبى لمن يحمل في قلبه حلمًا سعيدًا، يؤنس وحدته، ويرطِّب جفاف ريقه.١

***

(١) تعريف الأسطورة

تتعدَّد تعريفات الأسطورة تعدُّدًا واسعًا، بسبب تعدُّد منطلقات الدرس الأسطوريِّ وغاياته ووسائله وتداول المصطلح في مختلِف مجالات العلوم الإنسانية، أي صلته بما يُسمَّى: «الحضور الكلِّي» L’ubiquité في المعرفة، أو «الدراسات البينية» L’interdisciplinaire التي تعني تردُّد موضوع واحد بين أكثر من حقل معرفي. ومن اللافت للنظر أن ثمة تباينًا، أحيانًا بين تلك التعريفات، يمتدُّ ليشمل الباحث الواحد أحيانًا أيضًا، وغالبًا ما يكون لكلِّ تعريف دوره الوظيفي، بحيث يطوِّعه هذا الباحث أو ذاك، أو يلوي عنقه، لصالح الحقل المعرفي الذي يشتغل في مجاله. ومهما يكن من أمر هاتين السمتين المميِّزتين لمجمل اتجاهات الدرس الأسطوري؛ التعدُّد والتباين، فإن ثمة قاسمًا مشتركًا يجمع بينها جميعًا؛ هو أن الأسطورة: «رواية أفعال إله أو شبه إله؛ لتفسير علاقة الإنسان بالكون، أو بنظام اجتماعي بذاته، أو عُرف بعينه، أو بيئة لها خصائص تنفرد بها»، أو هي: «مظهر لمحاولات الإنسان الأولى كي ينظِّم تجربة حياته في وجود غامض خفيٍّ إلى نوع ما من النظام المعترَف به». وقد اشترط «غريمال» Grimal لتسمية مغامرات العقل الأولى بالأساطير؛ أن تكون تلك المغامرات حول تكوين العالم وولادة الآلهة؛ أي «الأساطير التيوغونية» (المتعلِّقة بنَسب الآلهة)، أو «الأساطير الكوسموغية» (المتعلِّقة بنشأة الكون). وغير خافٍ ما يُضمره هذا الحدُّ لدى «غريمال» من دلالة على المعطى الأساسي للأصل الإغريقي لكلمة Myth التي كانت في نشأتها الأولى تعني الحكاية المقدَّسة؛ أي الحكاية التي تروي تاريخًا مقدَّسًا، أو حدثًا جرى في الزمن البدئي، وتعلِّل كيف جاءت حقيقة ما إلى الوجود، بفضل مآثر اجترحتها كائنات عليا، اتصفت أفعالها بالقدسيِّ والخارق.٢

(٢) الأسطورة والرمز

تنهض هذه النظرية على أن الأساطير جميعها فعَّالية مجازية ورمزية، وتتضمَّن في داخلها الحقائق التاريخية، أو الأدبية، أو الدينية، أو الفلسفية، ولكن على شكل رموز، تمَّ استيعابها بمرور الزمن على أساس ظاهرها الحرفي. وقد رأى «تايلور Taylor»، أحد أهمِّ أعلام هذه النظرية، أن الإنسان في المجتمعات الأولى كان يتمتَّع بقدرة خاصة، تكاد تكون نوعًا من المَلَكَة، على صنع الأسطورة، نتيجة نظرته العامة إلى الكون، وإيمانه ﺑ «حيوية الطبيعة» Animisme لدرجة تصل إلى حدِّ تجسيد مظاهرها كلِّها على نحوٍ رمزي. فالطقوس التي كان يؤديها كانت تهدف إلى أشياء أخرى غير ما تنبئ به ظواهر تلك الطقوس، بمعنى أنها كانت تجسيدًا لبعض الأفكار الغامضة لديه عن وجود كائنات عليا تملأ الكون، ولم تكن تلك الكائنات التي زخرت بها أساطيره سوى نوع من العون المادي الذي ساعد على إضفاء شكل من أشكال الوجود والذاتية على تلك الأفكار، كما لم تكن سوى رموز لهذه الأفكار نفسها، ويمكن تلمُّس مصادر هذه النظرية لدى فلاسفة الإغريق الأوائل الذين فسَّروا الأساطير على أنها «كنايات ومجازات، اخترعها مؤلفون، فضَّلوا اللجوء إلى التلميح والرمز والاستعارة»، والذين عدُّوا آلهة الأساطير رموزًا لقوًى مادية، أو لمفاهيم مجردة.٣

(٣) النرجسية

مصطلح اعتمد على الأسطورة اليونانية نرسيس (نرجس)، وكان نرجس يتَّصف بالغرور، وفي يوم من الأيام أرسل نرجس سيفًا إلى شخص يُدعى أمينوس، أحد معجبيه وأكثرهم إلحاحًا، وقتل أمينوس نفسه على عتبة نرجس داعيًا الآلهة أن ينتقموا منه؛ وسمعت الدعاء الآلهة فدعت أن يقع نرجس في الحب. فآثر في يوم من الأيام الذهاب إلى منطقة يطلق عليها «دوناكون» في إقليم ميساثيبا عند نبع ماء صافٍ، ولم يكن قد عكَّرته الأغنام، ولم تكن الطيور قد شربت منه. وعندما انثنى نرجس ليشرب وقع في حب الصورة المنعكسة في الماء، وسُرعان ما تعرَّف على نفسه فظل يحملق مفتونًا بالصورة الموجودة في النبع، وأخذ يتساءل؛ كيف يمكنه احتمال أن يمتلك وفي نفس الوقت لا يمتلك؟ وهدَّه الحزن ومع ذلك كان يسعد ويفرح في عذابه عالمًا على الأقل أن نفسه الأخرى سوف تبقى مخلصةً له مهما حدث. أما عن إكو، فبالرغم مما أصابها فإنها اشتركت معه في حزنه، وكانت تُردِّد ما يقوله نرجس، وخاصةً في آخر حياته عندما أخذ يُردِّد: «خلاص، انتهى.» عندما كان يغمد خنجره في صدره، وأيضًا آخر «آه» نطق بها نرجس هي قول: «آه أيها الشقي المحبوب دون جدوى، وداعًا.»٤
وفي الأسطورة نلاحظ أن نرجس عشق ذاته ومن ثم كانت عزلته؛ لأن الإدراك النرجسي للآخرين لا يخرج المدرك من عزلته، فما الآخر بالنسبة إليه إلا شبيه صورة كصورة المرآة أو كرجع الصدى. وهكذا تتحقَّق في التركيب النرجسي للعلاقة بالغير المعاني الثلاثة المتضمنة في الأسطورة؛ معنى العزلة ومعنى الحب ومعنى الموت. «نرجس يعشق صورته ولكنه يمقتها لأنها «تشبهه»، وهي — إذن — ليست إياه، أو هو ليس إياها»، فهو أخذ يجري وراء صورته مع ما يصاحب هذا الجري من توتر خاص مذكِّر الذات والغير على السواء بالحب الذي لا ارتواء له والعداوة القاتلة.٥

كما قام إيريك فروم أيضًا بالتفريق بين النرجسية والأنانية؛ فالأخير يشير إلى نوع من الأثرة والطمع، وهو ما يختلف عن الرؤية المشوِّهة للواقع الموجودة في النرجسيين، والذين قد لا يكونون أنانيين ولكنهم مصابون بحب الذات. وقد يكون الشخص المحب لذاته أنانيًّا ولكنه قد يكون واقعيًّا في الوقت ذاته. ويوجه بعض النرجسيين طاقاتهم نحو إخفاء حبهم لأنفسهم؛ حيث يرتدون قناع الخضوع ويشتركون في سلوكيات غير أنانية؛ مثل القيام بأعمال إنسانية عديدة كوسيلة لإخفاء نرجسيتهم. وبشكل عام فإن كل هذا يجعل من الصعوبة اكتشاف النرجسية والتعامل معها. ويطرح فروم (١٩٨٠م) مناقشةً مهمةً لما يدعو له ﺑ «النرجسية الجماعية»، ونوع الشيء الموجود داخل الناس، والذين يؤكدون كما يفعل معظم الأمريكيين — أو اعتادوا عليها على الأقل — مع إحساس بالتقوى والأفضلية؛ «نحن رقم واحد بالنسبة لشعوب العالم.» وسنرى هذا الأمر أيضًا لدى مشجعي الفرق الرياضية. ووفقًا لفروم فإن النرجسية الجماعية ترتبط بالأنظمة الاقتصادية التي تقوم على الأنانية وتحاول تحقيق الحد الأقصى من الأرباح على حساب الآخرين، وهو ما يعني أن النرجسية الجماعية ترتبط بالانحياز الذي يجده الفرد في المجتمعات الصناعية الحديثة.

إن الشخص العادي يعيش في ظروف اجتماعية تقيِّد من تنمية نرجسية مكثفة، فما الذي يُغذِّي نرجسية الفقراء الذين لهم مظهر اجتماعي أقل، والذين يميل أطفالهم إلى أن ينظروا إليهم باحتقار؟ فهو لا شيء، ولكن إذا ما كان يمكن أن يتعرف على دولته، حينها يكون هو كل شيء.

وتعد النرجسية مفيدة جدًّا للحكومات عندما ترغب على سبيل المثال في حشد شعوبها وتجهيزها لخوض الحروب. ويتساءل فروم إذا ما كان الرجل والمرأة المعاصران سيموتان من النرجسية نتيجةً لمشاركتهما بالأنا في المجتمعات الصناعية الشديدة الفنيات، تمامًا كما مات نرجس نتيجةً لوقوعه في حب صورته في بركة الماء.٦
كما نعرف أن النرجسية قد هجرها فرويد لأسباب يزعم أنها نظرية، وتركها معلقةً بعد مؤلفه؛ «ما فوق مبدأ اللذة»، ومؤلفه الآخر؛ «الموجز في التحليل النفسي»، وهو بالكاد كان يذكرها. وهكذا مضت المفاهيم مثل ضروب الحب الزائلة التي تم إهمالها حينما وجدت ضروبًا أخرى أكثر جاذبية. وإذا كانت النرجسية قد هجرها فرويد في عرض الطريق تحت ذريعة أن نظريته كانت شديدة التناقض مع نظرية يونج، الذي يرى فيه فرويد وريثه الشرعي، والذي آثر أن يكون له مثاله الخاص بأفضل من أن يختار فرويد كمثال له. وربما كان ذلك بسبب أن فرويد اكتشف في النرجسية مؤخرًا ما يمكن أن يعرِّض مشروعه للدمار؛ فأظهر أنها يمكن أن تتهادى من تلقاء نفسها. وكان يرى أن النرجسية هي التوظيف الليبيدي في الأنا، وبالتالي فهي الحب الموجه إلى صورة الذات، وأي موضوع يعكس نرجسية الذات سيكون موضوعًا للحب.٧

ولقد أشار فرويد إلى النرجسية لأول مرة عام ١٩١٠م، عندما أضاف هامشًا للمقالة الأولى من كتابه «ثلاث مقالات في النظرية الجنسية» بشأن الموضوع الجنسي لدى المنحرفين النرجسيين، إذ إنهم «يوحِّدون أنفسهم فيما بعدُ بامرأة ويتخذون من أنفسهم موضوعًا جنسيًّا فيما يمكن أن نقول إنه ينطلق من أساس نرجسي، فهم يبحثون عن رجل يافع يشبه ذواتهم ويحبونه كما كانت أمهم تحبهم هم».

وهكذا تحدد أن فرويد استخدم مصطلح النرجسية عام ١٩١٠م؛ لبيان اختبار الموضوع عند الجنسيين المثليين. ولقد أدَّى اكتشاف النرجسية بفرويد إلى طرح وجود مرحلة وسيطة من التطور الجنسي ما بين الغلمة الذاتية، وبين حب الموضوع كما ورد في حالة شريبر عام ١٩١١م، حيث يبدأ الشخص بأن يتخذ من ذاته نفسه، ومن جسده الخاص موضوعًا له مما يتيح توحيدًا أوليًّا للنزوات الجنسية.

(٤) رادوبيس (التاريخ)

التاريخ المصري القديم مليء بالقصص والحكايات الأدبية والتي أُخذ عنها العديد من القصص والروايات العالمية، ومن هذه الأعمال قصة رادوبيس الجميلة، والمعروفة في الآداب العالمية باسم «سندريلا»، وهي نموذج لأدب القصة في الدولة الحديثة، وقد وردت ضمن برديَّات شستربيتي بالمتحف البريطاني، والتي وُجدت في مقبرة «قن حرخبشف»، والذي عاش في عصر الأسرة التاسعة عشرة. وأبطال القصة هم: رادوبيس، ووالدها التاجر سنفرو، وأم رادوبيس، وزوجة أبيها، وبناتها، والأمير.٨

ورادوبيس هي الرواية الثانية التي كتبها نجيب محفوظ بعد «عبث الأقدار»، وهي واحدة من الروايات الثلاث التي تستدعي القصص والأساطير المصرية القديمة لاستخدامها — غالبًا — من أجل الإسقاط على الواقع المعاصر. فصالون رادوبيس يشبه في جانب منه صالونات الأربعينيات الثقافية، ولفظ رئيس الوزراء، وخلاف رئيس الوزراء (المحبوب من الشعب) الدائم الخلاف مع الملك، كل هذه ليست سوى دلالات وإسقاطات واضحة على العصر وحزب الوفد ورؤسائه. والشخصيات الرئيسية هي الملك «مرن رع الثاني»، الملك الشاب القوي الذي لا يخلو من تهوُّر وعناد وحب للنساء، ثم مساعدا الملك؛ وهما سوفخاتب كبير الحُجَّاب، صاحب الحكمة التي تنقصها القوة المرجوَّة، ثم «طاهو» رئيس الحرس الملكي بقوته الظاهرة التي لن تخلو من نزوة ستؤدي إلى كارثة، ثم «نيتوقريس» زوجة الملك المخلصة التي تُجرَح في كرامتها ومع ذلك تظل بجانب زوجها إلى النهاية، و«خنوم حتب» رئيس الوزراء وكبير الكهنة، وهو الشخصية المقاوِمة التي تواجه الملك وتنتصر عليه.

هذه الرواية في جانبها الاجتماعي والإسقاط على الواقع السياسي في مصر؛ حيث انتقد نجيب محفوظ فساد الملك فاروق، فالتقاطع موجود بين شخصيتي الملك والفرعون الذي ورث الحكم صغيرًا ولم يستطِع الحفاظ عليه. حيث يصفه نجيب محفوظ قائلًا: «يقال إن شبابه من نوع جامح، وإن جلالته ذو أهواء عنيفة، يُغرم بالحب ويهوى الإسراف والبذخ، ويندفع في سبيله كالريح العاصفة.»٩
كما أن الملك به من معالم النرجسية قدر كبير؛ حيث إنه لا يرى إلا رغباته فقط. فيقول نجيب محفوظ: «قال الملك الشاب بِحِدة: أريد أن أشيد قصورًا ومقابر، وأتمتع بحياة سعيدة عالية، ولا يقف في سبيل رغباتي إلا أن نصف أراضي المملكة بين أيدي أولئك الكهنة. أيجوز أن تعذبني رغباتي كالفقراء؟»١٠

وبدأ حب الفرعون لرادوبيس بفعل الصدفة (وفقًا للأسطورة)؛ بأن اختطف النسر صندل رادوبيس ورماه عند قدمَي الفرعون. عرف سوفخاتب أنه صندل رادوبيس، ورغَّب الملك في صاحبة الصندل، في حين أن طاهو ولسبب في نفسه (سبب حبه لرادوبيس) حاول أن ينفِّر الملك من رادوبيس، ووصفها بأنها ذات جمال رخيص، ولكن الفرعون مال هذه المرة لرأي سوفخاتب، وهذا بيَّن ببساطة أنه ملك يسير حسب أهوائه، وأنه ملك عابث وقد ثار عليه الشعب فيما بعد. ومع ظهور الفرعون في حياة رادوبيس تغيرت الأمور ولا شك؛ فهي لن تستطيع أن تجعل الآخرين يشاركونه جسدها، ولكنها احتفظت بحق إقامتها في قصرها ببيجة من جهة أخرى. فأمام إصرار خنوم حتب على الاحتفاظ بأراضي الكهنة، بل وتوسيط الملكة نيتوقريس في ذلك، وجد الملك أنه من الأصوب أن يعزله من منصبه، ولم يكن يقدِّر العواقب. بدأ الكهنة يوغرون صدر الشعب ضد الملك الذي يلهو مع رادوبيس في قصر بيجة، وشاركهم في ذلك طاهو الذي يشعر بالغيرة من الفرعون حين أصبحت رادوبيس له وحده؛ فيخون طاهو الملك بأن يساعد الكهنة على كشف مكيدة فرعون الذي دبَّر مع رادوبيس استدعاء الجيش بحجة أن قبائل النوبة أعلنت العصيان، وسارعوا بعمل ثورة شعبية ضد الملك، بل والمطالبة بجعل نيتوقريس ملكةً على مصر. وهكذا استطاع نجيب محفوظ أن يستبصر بعبقرية فذَّة مصير الملك فاروق والذي تحقَّق بعد سنوات من نشر الرواية عام ١٩٤٣م؛ حيث قام الانقلاب (الثورة عليه) عام ١٩٥٢م، ونجد هذه القدرة على الاستبصار بالمصير صاحَبَت نجيب محفوظ طوال حياته، وتجلَّت أكثر ما تجلت في ملحمة الحرافيش.

وبهذه الثورة على الملك الشاب تحققت الرؤية القائلة بأن الأوليجارشيه oligarchy نمط من الحكم تستعِر فيه رغبة الحاكمين في الاستحواذ على الامتلاك والاستمتاع الشخصي بالحياة، وهذا النمط من شأنه أن يقسِّم المجتمع إلى حاكم محتكر للثراء، وشعب من نصيبه الفقر والحاجة. وعادةً ما ينتهي حال الاستقطاب بين الغني والفقير إلى تفجُّر الصراع الغاضب الذي تميل فيه الكثرة المعوزة إلى الإطاحة بالقلة المترفة، وهذا ما حدث تمامًا مع الملك الشاب.١١

(٥) رادوبيس (النرجسية)

نسج نجيب محفوظ الرواية مستلهمًا أسطورة نرجس، فرادوبيس الغانية التي تأسر قلوب الرجال بجمالها وفتنتها. وقصة رادوبيس تُحكى في كتب التاريخ القديمة؛ فهيرودوت ذكرها وإن كان قد نفى عنها أنها بَنَت هَرَمًا كما شاع عنها في عصره. أمَّا روجر لانسلين جرين فقد ذكر عنها في كتابه عن أساطير مصر القديمة أن رادوبيس يونانية سباها القراصنة وباعوها لرجل غني، فكانت ضمن عبيده، وكان رفيقها في هذه الفترة إيسوب صاحب القصص الشهيرة. ثم باعها الرجل إلى تاجر يوناني مقيم في مصر اسمه كاراكسوس، وهو أخو الشاعرة سافو (وهذه التفاصيل ذكرها هيرودوت)، ولكن كاراكسوس عامَل رادوبيس بِنُبل ودلَّلها كابنته، حتى اختطف نسر ما صندلها وهي تستحم، وحلَّق عاليًا ثم ألقاه في حضن فرعون مصر أماسيس، الذي بحث عن صاحبة الصندل (على طريقة سندريلا)، وعندما وجدها جعلها زوجه، وعاشا في سعادة حتى نهاية حياتهما. بالطبع محفوظ أسقط كثيرًا من هذه التفاصيل ووضع تفاصيله الخاصة؛ فهي عند نجيب محفوظ مصرية ريفية هربت مع عشيقها إلى الجنوب حتى هجرها العشيق، ثم استطاعت بجمالها أن تتزوج من كهل ثري فأصبحت غنيةً بفضل موته؛ فأقامت صالونًا تستقبل فيه الضيوف وتسلم جسدها كل ليلة لرجل فيهم. ويذكر نجيب محفوظ ذلك على لسان امرأة قائلًا: «ما هي إلا راقصة تربَّت في بؤر الفساد والمجون، ووهبت نفسها منذ الطفولة للخلاعة والغواية، وأجادت فن المساحيق؛ فتبدَّت في هذا المظهر الخلَّاب الكاذب.»١٢
ثم يصفها سوفخاتب باطمئنان فقال: هي الجمال عينه يا مولاي، هي فتنة قهَّارة، وعاطفة لا تقاوَم.١٣

ثم يقول لها الشاعر رامون حتب: إن رؤيتك في الماء عاريةً تهيج الطيور الكاسرة!

وقال عانن بحماس: أُقسم بالرب سوتيس على أن النسر كان يتمنَّى لو يخطف صاحبة الصندل.١٤

كل ذلك الوصف لرادوبيس وجمالها وفتنتها من جانب الرجال والنساء على السواء لهو من دواعي تأجيج النرجسية في أعماقها، مما يجعلها تشعر بحب الذات وبالعزلة ونفي الآخر، ومن ثم يكون الموت في النهاية كما كان الحال عند نرجس.

ومما يؤكد ذلك أنها أمام رغبتها في استمرار حبها للفرعون لعبت بالفتى بنامون وبقلبه، ولم يشغلها ما قد يصيبه من جراء فعلها معه؛ حيث أوهمته بأنها تحبه، وعندما قالت له كلمةً رقيقةً كان حاله كما قال نجيب محفوظ: «فتورَّد خداه، ولمعت عيناه بنور الفرح، وغمرته سعادة دافئة. أحست (رادوبيس) بارتياح إلى الأثر الذي تركه الشاب الساذج في نفسها، ولعله أثار في قلبها عاطفةً جديدةً لم تدب بها الحياة من قبل؛ هي عاطفة الأمومة، وسُرعان ما أشفقت عليه من عينيها وسحرهما الذي لم ينجُ منه إنسان.»١٥

ولكن رؤيتنا لتلك المشاعر تخالف ما ظنه نجيب محفوظ؛ فرادوبيس لا تلقي بالًا لآلام الشاب بقدر ما تستمتع في أعماقها بعذابه؛ لأن ذلك من معالم النرجسية أيضًا. ويطالعنا نجيب محفوظ بعد ذلك بما يؤكد نظرتنا تلك حيث يذكر الحوار التالي بين رادوبيس وبنامون:

رادوبيس: ألا يلحقك التعب أو السأم؟

فابتسم الغلام بفخار وقال: هيهات!

– كأنك تندفع بقوة شيطان.

فأشرق وجهه الأسمر بابتسامة وامضة، وقال بهدوء وسذاجة: بل بقوة الحب.

وارتجف قلبها لوقع هذه الكلمة التي توقظ في قلبها أشهى الذكريات، وتنادي إلى مخيلتها صورةً حبيبةً مُحاطةً بالبهاء والجلال.١٦
ثم تستمر رادوبيس في خداع الشاب فتلقَّته بضحكة عذبة، وقالت له: إن لك صوتًا عذبًا فكيف أخفيته عني طوال هذه الأيام؟! فتصاعد الدم إلى وجنتيه قانيًا، وارتجفت شفتاه ارتباكًا، وقابل تلطُّفها بدهشة. وأدركت المرأة ما يدور بخلَده، فقالت تستدرجه: أراك تلهو بالغناء وتترك العمل.١٧

وتكمل خداعها له؛ «فوضعت كفها على رأسه وقالت بحنان: هكذا عرفت سر قلبي، وإني لأعجب كيف لم أعرف هذا منذ أجل طويل!

فقال بنامون، وكان يتيه في غمرات الذهول: مولاتي، أقسم لقد شهدني الليل وأنا أذوب عذابًا، سأفعل ما تريدين بروحي وقلبي.»١٨

وعاد بنامون من رحلته فقابلته رادوبيس؛ «فغمرته سعادة إلهية وارتمى على قدمَيها كالعابد، ولفَّ ذراعيه حول ساقيها بحنان ووجد، وهوى بفمه على قدميها.

وقال: معبودتي!

فداعبت شعره بأناملها.»١٩

ونتساءل ما يفعل الشاب الساذج أمام غواية هذه المرأة الغانية؟ لا بد أن يستجيب لها بكل قوة وصدق تجعله كما يصفه نجيب محفوظ بالعابد.

(٦) رادوبيس (الموت)

انتهت الرواية بنهايات مأساوية للملك الذي أصابه سهم رماه به أحد الثائرين جرَّاء نزعته للمتعة واللهو بلا حساب، ولرادوبيس التي قتلت نفسها بالسم، وهكذا يُفترض أن يموت طاهو بعد أن يُفضح أمره، وبنامون من المؤكد أن يقتل نفسه بالسم مثلما فعلت رادوبيس. وهذه النهاية تأتي على هذا النحو من تأثير الروايات ذات النهايات المأساوية مثل؛ الملك أوديب، وأنتيجون وعُطيل، وروميو وجولييت.

وهذا الموت الذي حلَّ برادوبيس بالتحديد يجعلنا نستكمل عناصر الأسطورة الثلاثة؛ «حب الذات ونفي الآخر (العزلة)، والموت». ورأينا فيما سبق كيف أحبت رادوبيس ذاتها وكيف نفت الآخر في كل الرجال الذين أحبوها، وتحديدًا الشاب بنامون (فشعرت بالعزلة والوحدة والحزن، وأخيرًا سنرى الموت الذي لا مفر منه في الأسطورة (النرجسية)، حيث طلبت رادوبيس من الشاب بنامون أن يأتيها بقارورة السم من معمل والده، وفعلًا أحضر لها السم وأعطاها إياه). ويصف نجيب محفوظ ذلك بقوله: «وسُرعان ما اتجهت أفكارها إلى القارورة العجيبة، وأحسَّت بشوق إلى النهاية؛ فبحثت عيناها الموضع الذي شغله الهودج (الذي كان به الفرعون أثناء موته) منذ حين، وصرخ قلبها أن ها هنا ينبغي أن تختم حياتها. وسمع بنامون صراخها وقال لها: لماذا انتحرتِ، يا مولاتي؟!»٢٠

وهكذا تحققت الأسطورة بأبعادها الثلاثة؛ الحب والعزلة والموت لدى رادوبيس والفرعون الشاب اللذين أحبا نفسَيهما، ثم تحقَّقت العزلة عن الآخر حيت يتم الاكتفاء بعشق الذات، وبالتالي يتم الموت، سواء المعنوي أو المادي.

١  نجيب محفوظ: رادوبيس، القاهرة، مكتبة مصر، ١٩٧٧م.
٢  نضال صالح: النزوع الأسطوري في الرواية العربية المعاصرة، منشورات اتحاد الكُتَّاب العرب، دمشق، ٢٠٠١م.
٣  نضال صالح: مرجع سابق، ٢٠٠١م.
٤  عبد الرقيب البحيري: الشخصية النرجسية، دراسة في ضوء التحليل النفسي، القاهرة، دار المعارف، ١٩٨٧م.
٥  مصطفى صفوان: شخصية الجانح في ضوء النظريات التحليلية النفسية، في: مصطفى زيور في ذكرى العالم والفنان والإنسان، باريس، مطبوعات معهد اللغة والحضارة العربية، ١٩٩٧م.
٦  خالد محمد عبد الغني: سيكولوجية الإرهاب والعدوان والنرجسية والجسد الممزق، قراءة في الثقافة العربية، مجلة تحديات ثقافية، الإسكندرية، العدد ٣٥، صيف ٢٠٠٨م.
٧  إيمان حسين السيد: مقياس الشخصية النرجسية، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ٢٠٠٨م.
٨  رضا سليمان: فتاة من نور، رادوبيس الفرعونية، موقع ديوان العرب، ٢٠٠٨م.
٩  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ١٩٧٧م.
١٠  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ١٩٧٧م.
١١  وفاء إبراهيم: الفلسفة والأدب عند نجيب محفوظ، قراءة فلسفية لبعض أعماله، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٠م.
١٢  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ١٩٧٧م.
١٣  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ١٩٧٧م.
١٤  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ١٩٧٧م.
١٥  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ١٩٧٧م.
١٦  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ١٩٧٧م.
١٧  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ١٩٧٧م.
١٨  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ١٩٧٧م.
١٩  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ١٩٧٧م.
٢٠  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ١٩٧٧م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١