الفصل الثالث

الجسد والبغاء والموت في «بداية ونهاية»

كانت بعيدة عن الوسامة وأدنى إلى الدمامة، وكان من سوء الحظ أن خُلقت على مثال أمها.١

***

(١) مبتدأ

كان ظهور نجيب محفوظ، في الأربعينيات من القرن العشرين نقلةً مؤثرةً في تاريخ الرواية العربية؛ إذ استطاع هذا الكاتب العبقري — خلال النصف الثاني من القرن العشرين — أن يُخرج هذه الرواية من الإقليمية إلى آفاق العالمية؛ لأنه نجح في نقل الواقع الاجتماعي المصري، دون أن يقلِّد تيارًا خارجيًّا، وإن استفاد كثيرًا بالتقنيات البنائية للرواية. وجعل نجيب محفوظ من الرواية سجلًّا اجتماعيًّا لمصر الحديثة، إذ نقل — بصدق، وبدرجة عالية من الفن — واقع الوعي المصري المعاصر، وتفاصيل الحياة اليومية الاعتيادية في حَواري وأزقة القاهرة. ويرتبط الحدث (موضوع رواية بداية ونهاية) بأسرة مصرية فقيرة فقدت معيلها (الأب)، مما دفع بأفرادها إلى ارتكاب الشر؛ الإجرام والفتوَّة (حسن)، أو إلى امتهان حرفة (الخياطة)، والوقوع في ممارسة البغاء (نفيسة)، أو متابعة الدراسة والتحصيل بمسارات مختلفة (حسين وحسنين)، بقصد تأكيد الذات بحثًا عن الكينونة والوجود. ونلاحظ أن الخطاب الاجتماعي في الرواية تشرحه وضعية وحالة أسرة آل كامل على المستوى الاقتصادي، مُمثلًا في عوزها الذي حَرَمها أبسط المتطلبات (حرمان حسين وحسنين من التردُّد على النادي والسينما ومن مصروف الجيب). وعلى المستوى الاجتماعي مُمثلًا في إبراز الطبقة الاجتماعية المدحورة التي تنتمي إليها الأسرة وتصوير واقعها. فالبداية هي انكسار اجتماعي (موت الأب)، والنهاية أيضًا انكسار اجتماعي (انتحار نفيسة). إن الاجتماعي في «بداية ونهاية» يلغي الذاتي والفردي، ويعرِّضه لعملية إقصاء وتجاوز؛ «ذلك أن الفعل القرائي لهذا النص الروائي وسياق التلقي فيه يجعل قارئه لا يحس بأن الكاتب يستتبع واقع الذات في انكساراتها وشروخها، بقدر ما يتابع واقع أسرة عربية مصرية في مأساتها الدنيوية.»٢

ومن هنا نرى أن «بداية» هي بداية انحراف نفيسة واتجاهها لممارسة البغاء، وكان بعد موت الأب، وكانت «نهاية» مع نهايتها وموتها منتحرة، ومن ثم فإننا نذهب إلى أن الرواية هي رواية نفيسة، وليست رواية أسرة مصرية، وأن البداية والنهاية مرتبطتان بنفيسة؛ حيث بداية ممارسة البغاء ونهاية حياتها بالانتحار، وهذا ما سنحاول الوقوف عنده في هذه الدراسة التي تُعنى بتقديم التحليل النفسي لشخصية نفيسة بطلة الرواية؛ لنوضح كيف أن انحرافها لم يكن بدافع الظروف الاقتصادية والفقر المادي كما قال بذلك كل الذين كتبوا عن الرواية، بل كان بسبب دوافع «نفسية» ومؤثرات ترتبط بالطفولة والنشأة والترتيب الميلادي داخل الأسرة، وصورة الجسد لدى نفيسة وموقفها من الأب، ولعل هذا ما يجعلنا نذهب إلى أن نجيب محفوظ يقدم روايةً «نفسية»، حيث تبيَّن أن البغاء يعود لعوامل نفسية.

في هذه الرواية تظهر شخصية نفيسة كما صوَّرها نجيب محفوظ في روايته بداية ونهاية، بحيث تتجلَّى فيها المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها الطبقة المتوسطة خلال الحربين العالميتين، وانتقاد نجيب محفوظ لضباط الجيش وخاصةً بعد هزيمة الجيش في حرب عام ١٩٤٨م على أرض فلسطين؛ حيث إن صدور الرواية في طبعتها الأولى كان عام ١٩٤٩م، ومفهوم صورة الجسد والموقف الأوديبي وعلاقته بشخصية البغي.

ومن جانبنا سنحاول تقديم التحليل النفسي لشخصية نفيسة، وسنرى كيف أبدع نجيب محفوظ في تحليله النفسي للبغي بما يتفق مع التراث العلمي النفستحليلي للبغي، والذي توصَّل إليه الباحثون فيما بعد صدور الرواية بزمن بعيد — ونجيب محفوظ في هذا السبق يناظر في رأينا سوفوكليس الذي سبق فرويد فيما يتعلَّق بعقدة أوديب — وعلى سبيل المثال دراسة سامي علي (١٩٥٨م) «رسوم البغايا»، ودلَّت النتائج الأولية للاختبار على ما يلي: ليس ثمة نمط واحد تنتسب إليه شخصية البغي، وتدل الحالات التي تم فحصها عن طريق الرسم على غلبة العناصر التي تتصل بما قبل المرحلة التناسلية، وتتجنَّب البغايا رسم جسم الإنسان متعللات بصعوبته، بينما السبب الأساسي هو ارتباط الجسم بصراع نفسي موضوعه العلاقات الإنسانية بين البغي والآخرين من الجنسين، وتتجه البغايا في رسومهن إلى الجمع بين عناصر متناقضة، أو إلى تغيير نسب الأشياء المرسومة.٣
وبَحَث عبد المنعم المليجي (١٩٥٨م) صورة الإنسان في أذهان البغايا، وكانت النتائج تشير إلى أن السمة الأساسية المشتركة بين البغايا في إدراكهن الجسم الإنساني هي العجز عن إدراك كائنات إنسانية متكاملة في تكوينها تكاملًا طبيعيًّا سويًّا. كما أن فكرة البغي عن الإنسان تقربه من الحيوانات الكاسرة القبيحة، أي أنه ليس بإنسان يُرتبط به عاطفيًّا. تضمنت الاستجابات تمزيقًا عنيفًا بالجسم الإنساني، وهذا يفسر موقف البغي من جسدها وما تتطلَّبه من ممارسة للبغاء.٤
وبحث المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية (١٩٦١م) وخلصت النتائج إلى أن البغايا لا ينتمين إلى نمط واحد من الشخصية، بل إلى أنماط عدة (السيكوباتية، الضعف العقلي، الحوازية، الهستيرية، الاكتئابية)، كما أن الغالبية العظمى ليس لديها القدرة على الاستجابة الجنسية.٥
ودراسة نجية إسحاق (١٩٨٣م) «البغاء وسيكولوجية الشخصية»، واتسمت النماذج الأسرية لدى مجموعة البغايا بالقسوة والتساهل وفظاظة الخلق، كما تبدو العلاقات الوالدية أكثر اضطرابًا، وتعاني أسر مجموعة البغايا من مشكلات مادية وتفكك أسري، بجانب أسلوب التربية الذي يغلب عليه العقاب الجسماني أو عدم الرقابة، واللين والتدليل الشديدان. كما توصَّلت الدراسة إلى أن أهم ما يميِّز البناء النفسي للبغايا هو الطابع السادو-مازوخي، وتشويه صورة الجسم، واضطراب المرحلة الأوديبية، وسطحية العلاقة بالآخر.٦
ودراسة محمد عارف (١٩٨٦م) «طريق الانحراف، بحث ميداني عن احتراف البغاء»، وأسفرت الدراسة عن وضع نموذج تصوُّري يتضمن عدة مراحل لعملية احتراف البغاء، ويكشف عن التفاعل بين الظروف الذاتية وظروف الموقف الاجتماعي التي تتضمنها عملية السير في طريق الانحراف، من بدايته وحتى نهايته.٧
ودراسة سامية صابر (١٩٩٢م) «العوامل النفسية التي تكمن وراء ظاهرة البغاء»، وتوصَّلت إلى وجود سبب واحد رئيسي وأساسي، وهو الذي يمكن أن يعزى إليه انحراف الفتاة وممارستها للبغاء؛ إنه اضطراب العلاقة مع الأب، حيث قسوة الأب وافتقاد حبه وحنانه جعلت «الحالات» يشعرن بالكراهية نحوه، ونحو كل الرجال، ومن خلال ممارستهن للدعارة كن ينتقمن من هذا الأب.٨
ودراسة رضوى فرغلي (٢٠٠٥م) «في ديناميات الموقف الأوديبي وصورة الجسم لدى البغيات القاصرات»، وتوصَّلت إلى أن اضطراب الموقف الأوديبي والعلاقة بالآخر جانب واضح لدى كل أفراد العينة، كما أظهرت النتائج أيضًا أن البناء السادو-مازوخي عنصر أساسي في البناء النفسي للبغايا، كما أوضحت النتائج صورة الجسد الممزَّق والكريه والمسلوب الإرادة لديهن.٩
وختامًا نعرض لأحدث دراسة في هذه الظاهرة وهي لإيناس الشربيني (٢٠١٠م) بعنوان «سيكوديناميات البغاء وصورة الجسم لدى البغي»، وتوصَّلت إلى أن اضطراب الموقف الأوديبي والعلاقة بالآخر لدى كل من «العميل، البغي، القوادة»، فكل منهم مدفوع لممارسته البغاء كي يستعيد في البناء المتخيَّل الموقف الأوديبي بتعيينات جديدة تتلاءم، والشخصيات البديلة لأشخاص الموقف الأوديبي، وإن جاءت المحاولة لتكون النتائج في اتجاه صالحهن وصالحه، فالبغي تحاول في كل مرة تمارس فيها البغاء أن تستعيد وتستحوذ على الأب الذي لم تحصل عليه في المرحلة الأوديبية. كما يوجد نكوص الليبدو بوجود تثبيتات قبتناسلية لدى البغي، فقد وجدنا كيف أن البغايا يعانين في فترات من أعراض اكتئابية تتفاوت في شدتها من الرغبة في العزلة إلى محاولات للانتحار، وهو ما يشير إلى نكوص قبتناسلي، حيث المرحلة الفموية السادية. وليس ذلك فقط ما أكد لنا ذلك النكوص، إنما نلاحظه أيضًا في إدمان جميعهن للمواد المخدرة، وهي أيضًا تثبيتات فموية، كما يجد لا شعورهن دائمًا في الإنكار كأفضل حيلة دفاعية يدافع بها الأنا عن ذاته، إذ يلغي إحدى نتائج الكبت (الشق الوجداني)، من ثم يكون النكوص الذي يؤدِّي لأعراض عصابية، بل وذات طابع ذهاني أيضًا، وفي ذلك ما يشير إلى وجود تثبيتات قبتناسلية. كما أن البغي يمكن أن تعاني العصاب أو الذهان بجانب الانحراف. وفيما يتصل بالتكوين السادو-مازوخي فهو بالفعل بُعد أساسي في شخصية البغي، فجميعهن يحملن قدرًا من العدوان الموجَّه للذات، الذي يدفعهن في كثير من الأحيان إلى إيذاء الذات والرضوخ أيضًا للإيذاء من الآخر، كما نجدهن في كثير من الأحيان يستمتعن بإيذاء الآخر.١٠

(٢) تعقيب على الدراسات السابقة

ومن خلال استعراض نتائج الدراسات السابقة من وجهة النظر النفستحليلية، يتضح تمركزها حول صورة الجسد والموقف الأوديبي للبغي، وذلك منذ الخمسينيات من القرن العشرين، حتى أحدث تلك البحوث وهي لإيناس الشربيني التي أضافت بُعدين مهمَّين في العلاقة البغائية؛ وهما العميل والقواد، وهذا ما جعل دراستها تبحر في إضافة جديدة لم يقل بها نجيب محفوظ.

(٣) سيكولوجية الجنس

منذ البدء يجب أن نُقر أنه لا ينبغي فهم الجنسية كونها مجرد حاجة بيولوجية حيوانية قائمة في ذاتها وفي معزل عن حياتنا النفسية؛ فالجنس له مكانه الطبيعي باعتباره وسيلةً رئيسيةً تنفَّذ في كل ناحية من حياتنا للأنس والمتعة، وكرباط لا بديل ولا مثيل له للجمع بين الذكر والأنثى في نفس واحدة.١١
ومن ثم فلم تأخذ الوظيفة الجنسية حقَّها في التنظير الكافي لفهم دورها الإنساني الجديد، وهو دورها في توثيق التواصل بين البشر، أساسًا بين الجنسين، دورها كدافع تجاوز هدف التكاثر، ودورها كلغة دالَّة لها ما تفيده وتحققه، هذا على مستوى التنظير، أمَّا على مستوى الممارسة فإن الإنسان عبر مراحل تطوُّره وحتى وقتنا هذا، راح يمارس هذا الدور وينظمه ويبرره ويشكِّله ويغلِّفه ويكشفه، ويخفيه ويظهره في محاولة الإنسان لكي يؤكِّد وجوده إنسانًا من خلال حضور الآخر.١٢
كما يُعَد الجنس من المفاهيم التي لم يتم الاهتمام بها ودراستها دراسةً كافيةً على المستوى النفسي قبل ظهور التحليل النفسي، ولكننا نجد أن أكثر ما تكون دراستها في الحقل الطبي الفسيولوجي، ولمَّا كان لفرويد أثر كبير في الكشف عن بناء الحياة النفسية للإنسان عامة، وعن مفهوم الجنس بصفة خاصة؛ حيث كشف لنا عن جانبين للحياة الإنسانية؛ هما الجانب البيولوجي للجنس من حيث هو حاجة، والجانب الإنساني من حيث هو رغبة.١٣
لقد كشف فرويد عن الكثير من مشاكل الجنس، ولعل أهم ما في حدسه هو إلغاؤه للحدود المصطنعة للجنس، وقصره على التناسل. فبرفع هذه الحدود بدأ تاريخ الفرد يتصل، لقد أصبح من الميسور أن ندرك السلوك الراشد في ضوء أصوله الطفلية، وأن نُلِم بمعنى الطفولة. كما استطاع أن يكشف في الجنس أمرًا بديهيًّا؛ لقد كان الجنس مرادفًا للتناسل، وكان التناسل مَحكًّا للنشاط الجنسي؛ لذلك حار الإنسان في نشاطه التناسلي. فالطفل رغم عدم نضجه التناسلي يُبدي سلوكًا جنسيًّا لا تخطئه العين، والراشد المنحرف تناسليًّا لا يُبدي في سلوكه الجنسي مظاهر تناسلية، محطِّمًا بذلك هو والطفل قاعدة فهم الحياة الجنسية. وعند مقارنة الدفعة الجنسية لدى الكائنات الحية وارتقائها فقد أوصلنا إلى ثلاث نقاط واضحة كشفت عن قانون عام لفاعلية هذه الدفعة؛ وهي أنه كلما ارتقينا في السلَّم الحيواني تأخَّر سن البلوغ والنضج الفسيولوجي، ومن ثم فإن فعل التناسل يتأخَّر. وكلما ارتقينا في السلَّم الحيواني يتعقَّد شكل اختيار الموضوع الجنسي (الجنس الآخر). وكلما ارتقينا في السلَّم الحيواني بعدت الصلة بين الهدف الجنسي (التناسل)، وبين النشاط الجنسي (اللذة).١٤
وإذا كان التحليل النفسي قد أقام نظريته في مراحل النمو النفسي ابتداءً من الوظائف البدنية في تتابعها الزمني عبر النمو، إلى المراحل النفسية التي يجتازها الإنسان على التعاقب، فقد تحوَّلت الرضاعة والتغذية إلى المرحلة الفموية، كما تحوَّلت عمليات الإخراج من تبوُّل وتبرُّز إلى المرحلة الشرجية، وبالتالي فقد تحوَّلت العملية التناسلية إلى ظاهرة الحب والعشق العاطفي.١٥
وحسب رأي نيقولاي برديائيف وإليزابيث جروز ولابلانش وبونتاليس أن الإنسان كائن جنسي، إلا إنه نصف كائن؛ فالأصل الروسي لكلمة sex معناه أيضًا نصف half منقسم وناقص يسعى إلى أن يكون كاملًا، والجنس يُحدث انقسامًا عميقًا في الأنا التي هي بطبيعتها ثنائية الجنس؛ فهي ذكر وأنثى معًا. وإذا ما نظرنا إلى مفهوم الجنس في التحليل النفسي نجد أنه لا يدل في التجربة والنظرية على الأنشطة واللذة المتوقفتين على عمل الجهاز التناسلي فقط، بل يدل كذلك على سلسلة من الإثارات والأنشطة الفاعلة منذ الطفولة، والتي تُمِد الشخص بلذة لا تختزل إلى مجرد إرواء حاجة فسيولوجية أساسية؛ مثل التنفس والجوع ووظائف الإخراج، إلخ، كما أنه يوجد على شكل مكوِّنات فيما يطلق عليه اسم «الشق السوي من الحب الجنسي».١٦

وقبل الحديث عن البغاء باعتباره انحرافًا جنسيًّا لا بد أن نذكر أن فرويد قسَّم الغرائز إلى مجموعتين رئيسيتين هما:

(٤) مجموعة إيروس Eros

ومعناها الحب أو إثارة المشاعر الجنسية أو غريزة الحياة، والتي تهدف إلى حفظ الذات وتحقيق البقاء وحب الحياة والزواج وحب الأولاد والحب الجنسي، وطاقة هذه الغريزة تسمى الليبيدو Libido، الذي استخدمه فرويد في البداية ليشير إلى الطاقة الجنسية، فقد اعتقد أن الطاقة أو الدافعية الإنسانية هي الجنس، وأن الأفراد مدفوعون للحصول على المتعة، ولكنه عدَّل هذا المفهوم ليشمل الطاقة القادمة من كل غرائز الحياة، فكل هذه الغرائز تخدم هدف البقاء للفرد وللجنس البشري، وهي موجَّهة فطريًّا نحو النمو والتطوُّر والإبداع، وبالتالي فإن الليبيدو هو مصدر الدافعية، والذي يتضمَّن كل أنواع الطاقة بما فيها الطاقة الجنسية. تجدر الإشارة إلى أن فرويد رأى أن كل سلوكات المتعة في مفهوم غرائز الحياة، وتتلخَّص رؤيته في أن هدف الحياة الأقوى هو الحصول على اللذة وتجنب الألم.

(٥) مجموعة ثاناتوس Thanatos

ومعناها غريزة الموت، وتهدف هذه الغريزة إلى معارضة مجموعة الحياة، وتدفع هذه الغريزة إلى التدمير والعدوان والحرب، وتوجِّه كل ما هو حيٌّ إلى حالته الماضية غير العضوية. ويقرر فرويد بأن الإنسان من خلال تصرفاته اللاشعورية يُظهر أمنيةً لا شعوريةً للموت وإيذاء نفسه والآخرين، ومن وجهة النظر الفرويدية فإن دوافع العدوان والجنس عبارة عن محددات قوية جدًّا للإجابة على السؤال الجدلي: لماذا يتصرَّف الإنسان هكذا أو بتلك الطريقة؟

الانحراف الجنسي

والانحراف في الدفعة الجنسية قد يسلك أحد اتجاهين؛ فقد يتجه هذا الانحراف في الدفعة إلى الطرف الإدراكي من الجهاز النفسي، فيكوِّن العصاب أو الذهان، وقد يتجه إلى الطرف الحركي فيكوِّن الانحرافات الجنسية وبعض الأفعال المرضية.

وقد حدَّد فرويد الانحراف في الدفعة الجنسية في:
  • (١)

    انحراف عن الموضوع الجنسي، وأوضح فيه الارتكاس، وغير الناضجين جنسيًّا والحيوانات باعتبارها موضوعات جنسية.

  • (٢)

    انحراف عن الهدف الجنسي، ويقصد به الإنسال، وأوضح فيه الامتدادات التشريحية والتثبيت على الأهداف الجنسية التمهيدية.

وإذا ما كان الهدف الجنسي كما حدَّده فرويد هو اتحاد الأعضاء التناسلية بغرض فك أسر التوتر الجنسي، إلا أنه — وبنظرة أعمق — رغم أنه علاقة بين رجل وامرأة مما قد يشير إلى علاقة بموضوع غيري، إلا أنه موضوع مؤقت ومتعدد ويمثل انحرافًا في السلوك بقدر ما هو انحراف عن هدف الدفعة الجنسية. فالفعل الجنسي لا يهدف فقط إلى فك أسر التوتر الجنسي، بل أيضًا — والأهم — إلى استمرار الحياة، وتكوين وحدات أرقى؛ كي تخدم دفعة الحياة، أو إن صح القول هي سبيلها. وهذه الفكرة — من زاوية الانحراف عن الهدف الجنسي — غير واردة في الفعل البغائي.

وإذا نظرنا إلى الانحراف عن الموضوع الجنسي في البغاء نجد أن العميل يختار موضوعه بشكل يبدو سويًّا؛ فهو يختار أنثى، إلا أنه لا يكفي أن يختار الرجل امرأةً لكي يكون موضوعه الجنسي سويًّا، فاختيار الرجل لبغي هو انحراف جنسي عن الموضوع السوي لعدة أسباب:
  • أولًا: أنه يختار امرأةً ناقصة، امرأة تمثل جسدًا فقط دون وجدان.
  • ثانيًا: يختار امرأةً لا تختاره ولا يعاشرها جنسيًّا هو وحده فحسب.
  • ثالثًا: لا يقصر نشاطه الجنسي عليها وحدها.

فكأن البغاء في جوهره هو انحراف عن الموضوع، وإن كانت نقطة التقائه بالسواء هي أن العميل كرجل يختار امرأة، لكنه كما سبقت الإشارة ليست له وحده، كما أن العميل ليس وقفًا عليها.

ويشير فرويد في كتابه «ثلاث مقالات في نظرية الجنسية» إلى أن الاختيار السوي للموضوع يتَّسم بضرورة المبالغة في تقويم الموضوع الجنسي تقويمًا نفسيًّا يمتد حتمًا إلى كل ما هو مرتبط به، ومن الواضح أن ذلك لا يتوفر في البغاء، بل على العكس قد يُعامِل العميل البغي كموضوع جنسي مهان، ليس له من الاهتمام أدناه، وهو ما يسوقنا إلى تناول البغاء.١٧

(٦) نظرة تاريخية للبغاء

في حقيقة الأمر لا بد أن نعترف أن البغاء حرفة لم يخلُ منها مجتمع في كل العصور، حتى في ظل وجود الأنبياء، ولم يكن تحريمها إلا دليلًا على وجوده، فكانت البغايا في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام يسمَّين «أصحاب الرايات الحمر»، وينتشرن في أسواق مكة في موسم الحج. ورغم تحريم الشريعة الإسلامية للبغاء فقد استمر وجود بيوت البغاء في بغداد في عصر العباسيين، وكانت تسمى «الكشخانة»، وكان يديرها الرجال والنساء وتقدم الخمور أيضًا. ويذكر «المقريزي» في «المواعظ والاعتبار» أحوال سوق البغاء في مصر خلال العصر الفاطمي، فيقول إنه كان يشهد مواسم ازدهار ورواج، ومواسم قحط وضمور، وكان المغنون والفاسقات يجتمعون تحت قصر اللؤلؤة بحيث يشاهدهم الخليفة، ليتظلَّموا من الضرائب الباهظة التي كانت تُفرض عليهم، والتي تم تقليلها في عصر صلاح الدين الأيوبي. ولمَّا وَلِي الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين زاد الضرائب مرةً أخرى، وضم إليها الضرائب على الحشيش.

أما السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون فقد أبطل الضرائب على الأمور المحرمة، وفي عهد السلطان برقوق اعتُرف بالبغاء وفُرضت الضرائب على البغايا، وكانت حارة الروم هي مكان تمركزهن، وكانت تُجمع الضرائب تحت مسمى «ضمان المغاني»، والمرأة التي كانت تقوم بجمعها تسمى «ضامنة المغاني»، وكانت الضامنة تتعهَّد بدفع مبلغ مُعيَّن للدولة تجمعه من المغاني مقابل حمايتهن من الدولة. ويقول ابن إياس: لو خرجت امرأة من نساء القاهرة تقصد البغاء، ونزل اسمها عند ضامنة المغاني، ودفعت ضريبة البغاء؛ لمَا قدر الحاكم منعها من ارتكاب الفاحشة. ولم يقتصر الأمر على القاهرة فحسب، بل امتد للريف أيضًا؛ ومثال هذا ما كان يحدث بدمياط التي كثرت بها بيوت الدعارة وكانت تسمى ﺑ «المواقف»، ونجد في سجلات المحاكم الشرعية أن بعض البغايا كن متزوجات من أزواج ارتضوا اشتغال زوجاتهم بهذه المهنة، وبعضهم كانوا يساعدونهن عليها. وهناك الهاربات من الآباء المتسلِّطين، والمطلقات. وامتد البغاء شمالًا تجاه الإسكندرية، وجنوبًا نحو طهطا وجرجا والمنيا وأسيوط.

وفي القرن السابع عشر جرى أول تسجيل للبغايا في مقر «الصوباشي» أو رئيس الشرطة، وكان تحت سلطته أربعون رجلًا يُعرفون ﺑ «جاويشية باب اللوق»، مهمتهم حصر الصبية والنسوة الذين لم يناموا في بيوتهم.

وعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر أصبح البغاء منظمًا إلى حد ما، فعلى مدى قرون كانت محلات البغاء تقام بالقاهرة بشكل عشوائي وفي بيوت عادية، ولكن مع مجيء الحملة الفرنسية حاولت تنظيمها وتمييزها وعزلها عن بيوت الناس. ولقد قسمت الحملة القاهرة في ثمانية أخطاط أو أحياء؛ هي الموسكي، والأزبكية، وباب الشعرية، والجمالية، والدرب الأحمر، وعابدين، والسيدة زينب، ومصر القديمة. وخصصت منطقة «غيط النوبي» القريبة من شارع الموسكي للبغاء، وأنشأت فيها بيوتًا مخصوصةً له. وقد جلب الفرنسيون معهم ٣٠٠ امرأة للتنفيس عنهم، وكان ذلك أول بند في قائمة الطلبات التي أرسلها بونابرت إلى فرنسا «١٠٠ بغي فرنسية لحفظ معنويات الجنود». ولمَّا لم يكن هذا العدد كافيًا فقد لجأ الفرنسيون للمصريات، وألبسوا البغايا ملابس مميزة، وسمحوا في بيوت الدعارة بالخمر والغناء والموسيقى، وجعلوا دخولها بتذكرة لا يُعفى منها إلا من يحمل تصريحًا مجانيًّا من السلطات الفرنسية، وأمر الفرنسيون كل بغي أن تضع على واجهة محلِّها مصباحًا، وأن تكتب السعر الذي تحدِّده لزبائنها، ولكن المصريات كن قبيحات رخيصات غير مغريات على حد تعبير المستشرق كريستوفر هيرولد، وقد أصابوا الجنود بأمراض كثيرة؛ مما دعا بونابرت إلى قطع رءوس ٤٠٠ من البغايا المصريات أُلقين في النيل.

ولم يختفِ البغاء في مصر بخروج الفرنسيين، فبقدوم الإنجليز تم تشجيع البغاء للترويح عن جنودهم، ولمَّا كان مقر تمركز المحتل الإنجليزي في الإسكندرية، فقد شهدت هذه المدينة رواج هذه الحرفة، التي ظلت تحظى باعتراف الحكومة، كما انتشروا في أحياء كثيرة من القاهرة، لم ينجُ منها حتى حي الأزهر. وقد دخل البغاء بعد ذلك مرحلةً جديدة، وهي مرحلة كانت خطوةً أولى في تحريمه، فوُضعت الضوابط المختلفة على ممارسيه؛ كالكشف الطبي الدوري في مستشفى «الحوض المرصود»، إلى أن تم إغلاق بيوت البغاء ١٩٤٩م، وتحوَّل البغاء إلى جريمة يعاقب عليها القانون، وإن لم تنتهِ الظاهرة، بل نظنها أصبحت أكثر استشراءً.

أمَّا عن الحياة الاجتماعية للبغي في ذلك الوقت، فإن أدبيات الموضوع تشير إلى أننا نجد أن البغي كانت تعيش في غابة يحكمها «القواد» «والبدرونة» «والبرمجي»، وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الغابة يتألَّف بناؤها الاجتماعي من سلَّم هرمي تقبع في أسفله البغايا، ويأتي بعدهن البدرونات؛ وهن مديرات البيوت المرخص لهن بالدعارة. والبدرونة كلمة إيطالية تعني سيدةً صاحبة رئاسة، أو مالكة، كما تعني قائد سفينة، وقائد موسيقى الشوارع. فإن مقابلها في بيوت البغاء الوطنية؛ العايقة، والتي تسمَّى في عصرنا الحالي بالقوادة وهي عادةً تكون من البغايا اللاتي كبرن وبار سوقهن، ولم يعُدن مرغوبات أو يطلبهن أحد؛ فتتجه إلى المتاجرة بأعراض النساء الصغيرات معتمدةً على خبرتها السابقة. وهكذا تتولَّى البدرونة في بيوت البغاء الأوروبية توزيع العمل وتنظيمه، وتَلَقي الأموال ودفع أجور الخدم والبلطجية، ومواجهة التعقيدات الأمنية، وهي تقريبًا نفس مهام العايقة.

فقد كانت وقتها حكومة رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي، وكان قد حل جماعة الإخوان المسلمين بعد مقتل محمود فهمي النقراشي رئيس الوزراء ورئيس الحزب السعدي على يد أحد أعضاء هذه الجماعة، وتتالت الأحداث لمقتل حسن البنا مرشد الجماعة؛ مما دفع الحكومة آنذاك لمحاولة كسب تأييد شعبي كان يطالب بإلغاء دُور البغاء وسن قانون يجرِّمه.

وبعدها بعامين فقط صدر القانون ٦٨ لسنة ١٩٥١م الخاص بمكافحة الدعارة، ثم القانون ١٠ لسنة ١٩٦١م لمكافحة الدعارة والمعمول به حتى الآن.

لكن الظاهرة لمَّا تزل قائمة، بل ونظن أنه قد زاد استشراؤها رغم قانون المنع وتجريم الفعل، فرغم ما يلقاه البغاء حاليًّا من احتقار، وما يوجهه المجتمع من مقاومة له، فإنه في ازدياد لا تخطئه العين.

وللأسف هناك انقطاع للإحصائيات العلمية التي يمكن أن نعتمد عليها لمعرفة مدى انتشار الظاهرة منذ نصف قرن تقريبًا، حيث كان بحث المركز القومي للبحوث والذي نُشر عام ١٩٥٩م، وأسهم فيه حشد من العلماء، وإن لم يخلُ الأمر من بعض الدراسات التي نشرت بعض الإحصائيات؛ مثل دراسة كلية الدراسات العليا بأكاديمية مبارك للأمن عام ٢٠٠٠م، والتي أوضحت المتوسط السنوي لقضايا البغاء، والتي قُدِّرت في العام الواحد ١١٨٩ قضية، وبالمثل يمكن أن نشير إلى تصريح مساعد وزير الداخلية اللواء أحمد ضياء الدين في البرلمان المصري؛ من أن إدارة مكافحة جرائم الآداب قامت بضبط ٤٥ ألفًا و٢٣٢ قضية آداب في الفترة بين بداية ٢٠٠٦م وحتى مارس ٢٠٠٧م، وكان من بينها ١٤٢٩ قضية تحريض على الفسق خلال أسبوع واحد، ونظن أنها أرقام تدفعنا لمزيد من الاهتمام بالظاهرة.

(٧) في سيكولوجية القِوادة

القوَّاد مصطلح مشتق من كلمة «قَوَد»، والتي تعني في اشتقاقاتها ومترادفاتها اللغوية؛ المشي أمام الدابة آخذًا بقيادها، وقالت العرب: قوَّد تقويدًا وتقوادًا الدابة، أي مشى أمامها آخذًا بقيادها. والقِوادة هي الجمع بين الرجال والنساء للزنا، أو الرجال والصبيان للِّواط. وقد اكتسبت المفردة بعد ذلك معناها الشعبي في أذهان الناس، والذي يرتبط بالعمل الجنسي مدفوع الأجر؛ لأن القوَّاد أو القوادة من يقود الطرفين الفاعل والمفعول به إلى الفعل الجنسي. وأصبحت اللفظة تُطلق على كل من يحترفها، فتُأجر نساء المتعة للرجال مقابل عمولة أو مقابل ثمن مادي أو عيني. وقد جاء في المعجم الوسيط أن القواد أو «القوادة» هو الساعي بين الرجل والمرأة للفجور. ويرى أحمد فائق أن القواد بحكم المهمة التي يقوم بها، تكفل له وساطته تلك جزءًا من الربح الذي تجنيه البغي من العميل. والقواد عادةً شخص (ذكر أو أنثى) يمتلك حرية عدد من البغايا تأتي عن طريق تحريضهن على إغراء العملاء جنسيًّا في مقابل المال الذي يحصل منه على نسبة. ويمكن تعريف القواد — والحال هذه — بأنه ذلك الوسيط بين العميل والبغي، فهو يجلب أيًّا منهما للآخر ويسهِّل لهما فعل البغاء.

وقد تختلف سيكولوجية القواد عن سيكولوجية القوادة، بقدر ما تختلف سيكولوجية الرجل عن المرأة؛ فإذا كان الفرض القائل بأن القواد عاجز عن ممارسة البغاء لسبب أو لآخر إنما هو فرض صحيح، فإن ما يفيده القواد والقوادة من دورهما كطرف ثالث للعلاقة البغائية مختلف — باستثناء الإفادة المادية — فالتكوين النفسي للقوَّاد والذي أدى به أن يكون قوادًا، مختلف عن التكوين النفسي للقوادة؛ فالقواد هو أشبه بطفل تثبَّت على أُم لا يستطيع التخلي عنها ولا الاقتراب منها في نفس الوقت، لذلك يمنحها للآخر (للأب) في مقابل أن يتعيَّن بذلك الآخر ما دام لا يستطيع أن يكونه. وإذا كانت القوادة إنما هي طفلة ثبتت على الأب فإنها تمتلك قدرًا هائلًا من العدوان والغيرة تجاه الأم — الأخت التي عينتها بالبغي — فهي إذ تزج بالبغي في العلاقة مع العميل، فهي تكرر موقفًا أوديبيًّا، وتحقق قدرًا من السادية على الأم — الأخت المنافسة في امتهانها للبغاء — (وهو ما كانت تُتهم به الأم في المستوى التخييلي). وفي الوقت ذاته فهي تشعر تجاهها بالغيرة التي كانت تشعر بها تجاه الأم — الأخت في علاقتها بأبيها — فما زالت البغي (الأم) تستحوذ على العميل (الأب)، ويرفض العميل أن يرغب إلا في البغي. فالقوادة هي امرأة لم تستطع أبدًا تخطِّي رغبتها في قضيب الأب إلى بدائل القضيب، فأصبح الحل لديها أن تمنح البغي (الأم، الأخت) للعميل (الأب) بعد أن تتعيَّن بها. فهي تفعل واقعًا بغائيًّا أصبح بمثابة تخييل لديها، وهي بذلك تفعل ما تحمله تجاه الأم — الأخت — من عدوان. والقوادون والقوادات عرفناهم في قصور الملوك والحكام العرب منذ العصر الجاهلي، وإن اختلفت التسميات والوظائف التي شغلوها أو عملوا تحت شعارها؛ فلكل خليفة عباسي — مثلًا — قواده الذي يُشرف على اختيار النساء والجواري للخليفة، بعد أن يوفِّر الغطاء الشرعي له. وتحدِّثنا كتب التاريخ عن عمليات قِوادة شارك فيها كبار ضباط الخليفة وقواد الجيوش، وتورط فيها فقهاء القصر وقضاة المملكة أو الإمارة. ولم تتوقف هذه المهنة عبر العصور إلى أن وصلت لعصرنا الحاضر، وشغل القوادون وظائف مهمة في قصور الحكام.

ويذكر لنا التاريخ شخصية أشهر قواد مصري ويُدعى إبراهيم الغربي، وهو مُخنَّث نوبي من قرية «كرسكو» بأسوان، ووالده كان يشتغل بتجارة الرقيق؛ جاء إبراهيم الغربي للقاهرة سنة ١٨٩٠م وافتتح بيتًا للبغاء الرسمي بشارع وابور المياه ببولاق، ثم استأجر بيتًا في الأزبكية لتشغيل البغايا، وألحقه بمقهًى خصصه للرقصات الخليعة مثل النحلة وغيرها، وما هي إلا سنوات حتى صار إبراهيم الغربي ملكًا متوجًا على عالم البغاء في القاهرة، وملك أكثر من عشرين بيتًا في الأزبكية وغيرها، وتمتَّع بسلطات واسعة وعلاقات وطيدة بكبار المسئولين، وكان مسئولو أمن القاهرة من المصريين يرتعبون منه لصلته بمن يقدِّم لهم خدمات من عِلية القوم (بكوات، وبشوات، بل وإنجليز)، ولِمَا يقدِّمه من أموال لمعاونيه، حتى إن بعض مسئولي الأمن كان يعمل في خدمته. والغربي كان أسمر وطويلًا وملآنَ، ومن عاداته ارتداء ملابس نسائية، وقد وصفه رسل باشا نائب حكمدار القاهرة وأَلَد أعدائه قائلًا: «نوبي ضخم الجثة، كان يشاهَد كل مساء جالسًا على مقعد خارج أحد منازله بشارع عبد الخالق واضعًا ساقًا على أخرى، مرتديًا ملابس النساء، ومنتقبًا بنقاب أبيض. كان هذا الفاسد الكريه يجلس كالصنم الأبنوس الصامت، وعادةً ما يُخرج يدًا مرصَّعةً بالمجوهرات ليقبِّلها أحد المارة من المعجبين. وكان له سلطة مذهلة في البلاد؛ إذ إن نفوذه امتد من الدعارة إلى محيط السياسة والمجتمع الراقي، وكان شراء وبيع النساء في طول البلاد وعرضها في يده. وظل إبراهيم الغربي هذا يتمتَّع بنفوذه الطاغي حتى قبض عليه هارفي باشا حكمدار القاهرة، الذي كان لا يُقيم وزنًا للبكوات والبشوات سنة ١٩١٧م، ويومها اقتيد إلى معتقل الحلمية الذي أُقيم خصيصًا للمشتغلين بالبغاء، وهو يرفل في ثوب حريري نسائي أنيق، ويداه وقدماه تتلألآن بالأساور والخلاخيل والمجوهرات، وثبتت عليه تهمة إدارة عمليات تجارة الرقيق من أسوان إلى الإسكندرية، وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات ومات في السجن.»١٨

(٨) سيكولوجية البغاء

يُعرَف البغاء prostitution بأنه مضاجعة بين الرجل والمرأة في علاقة غير شرعية، حيث تقوم بإمتاعه جنسيًّا فقط ببدنها، ويتم الفعل غالبًا دون عاطفة منها نظير مقابل تحصل عليه من الرجل، ويعد ظاهرةً اجتماعيةً غير صحية متأصلة الجذور في ثنايا التاريخ البشري؛ لأنه يضر بالمصلحة الاجتماعية ويؤدي إلى تفكك الحياة وفساد المجتمع بوجه عام؛ ولذلك فإن الأديان والأخلاق والقوانين الوضعية تشن حربًا عليه في صوره المختلفة. ولكن على الرغم مما يُبذل من جهود لمحاربته، فإن ممارسته لا تزال موجودة، بل إنها قد تميل إلى الانتشار. ولوحظ في الآونة الأخيرة انتشار هذه الظاهرة بشكل يستلفت الأنظار، ولكن مما يزيد الأمر أهمية، هو أن البغاء أصبح يمارَس بواسطة فتيات متعلمات بالثانوي والجامعة، وبدأ ينتشر بين أفراد الطبقة الاجتماعية الراقية، بعد أن كانت هذه الظاهرة قاصرةً على الفتيات اللاتي يمتهن هذه المهنة نتيجةً لفقرهن، وهذا تأكيد لوجهة النظر القائلة بأن البغاء نتيجة لعوامل نفسية. وبالرغم من بذل المحاولات العديدة للقضاء عليه وإصلاح البغايا، فقد زاد عدد البغايا في المرحلة الأخيرة، وهذا يدل على أنه اجتذب أعدادًا تتزايد باستمرار؛ لذا كان من الطبيعي أن تظهر الدراسات التي تبحث جوانب هذه الظاهرة كل بحسب اهتمامه، وعلى الرغم من هذه الدراسات التي أُجريت فإننا لا نزال بعيدين عن فهم أسباب هذه الظاهرة؛ وهذا ما جعل البغاء حتى الآن بعيدًا عن المكان المناسب في نظريات المرض النفسي أو الاجتماعي. وخلاصة القول فيه أنه ظاهرة ترتبط وتنشأ نتيجةً لتضافر وتفاعل عدة عوامل من أهمها؛ اضطراب الحياة الأسرية، حيث توجد أسر متصدعة مضطربة وغير مستقرة تسودها الخلافات المستمرة بين الأبوين، ولأن السنوات الأولى في حياة الفرد يكون لها أكبر الأثر في تكوين شخصيته، فقد كان لتلك الذكريات المؤلمة في فترة الطفولة تأثير سيئ، إضافةً إلى المتغيرات الاجتماعية كالفقر والاحتياج المادي … إلخ.١٩

(٩) سيكولوجية البغي

تقيم البغي prostitute علاقتها بالعميل على أساس عقد يتضمن شروطًا ضمنيةً متفقًا عليها؛ وأول هذه الشروط هو قصر العلاقة على حق العميل في المتعة الجنسية وحدها، والالتزام بمطلب مباشر من جسدها دون تجاوز هذا الجسد الفعلي، ويعني قيام العلاقة بين امرأة ورجل على هذا الشرط؛ أن الموضوع الجنسي (البغي) ليس موضوعًا لامتلاك كامل ودائم، فمن ناحية يؤدي قصر العلاقة على الجسد وحده إلى جعل الجانب الوجداني (الجسد المتخيل) أمرًا غير مضمون، بل ويشترط عدم المطالبة بملكية وجدان البغي، ومن ناحية أخرى يترتَّب على الالتزام بقصر المتعة على الجسد الفعلي أن تنفصم العلاقة بين البغي والعميل بمجرد إيفاء هذا الحق وإشباع هذا المطلب؛ وذلك يجعل البغي موضوعًا جنسيًّا ناقصًا ومؤقتًا. ويتضح من ذلك أن ما يطلبه العميل من البغي ليس الجنس كما يبدو للوهلة الأولى، ولكنه يطلب البغاء ذاته، ويتضح كذلك أن البغي سلعة تُشترى وليست موضوعًا حرًّا يمتلك ذاته. ويمكن أن نجمل الخصائص النفسية للبغي فيما يلي:
  • البغي موضوع جنسي ناقص ومؤقت، ولا حق لها في الوجود المستقل عن رغبة العميل فيها.

  • البغي موضوع جنسي ينكر حقه في الوجود، ويصر على أن يكون دائمًا للآخرين.

  • البغي مالكة لما لا حق لها فيه، ولا حق لها فيما تمتلك.

  • البغي من حيث هي موضوع جنسي لا تزيد عن كونها وهمًا جنسيًّا للعميل، ولا ترضى بأن تكون واقعًا جنسيًّا له.

  • البغي كموضوع للعميل سلعة تُشترى، وهذا يعني أنها لا تسمح بعلاقة ثنائية، فالجنس الممكن الحصول عليه من البغي يعني وجودها (سلعة)، ووجود عميل (مشترٍ)، وبائع (قواد)، لذلك تُعد البغي «شيئًا» وليست «موضوعًا»، كما تُعَد المتعة الجنسية معها «شيئًا» وليست «عملية».٢٠

(١٠) صورة الجسد

تُعرَف صورة الجسد Body Image بأنها الفكرة الذهنية للفرد عن جسمه، وهي الأساس لخلق الهُوية؛ إذ إن الأنا على حد تعبير فرويد إنما هو في الأساس «أنا جسمي» Body Ego، ويرى فرانسيسكو ألفيم أن صورة الجسم في علاقتها بالواقع تمثِّل جوهر الظاهرة النفسية، فهي مسألة أساسية في تكوين الشخصية؛ إذ ينفصل الأنا عن اللاأنا بفضل صورة جسمية لها تاريخ، فالأنا إنما هو جزء من الهو عُدِّلَ بواسطة التأثير المباشر للعالم الخارجي، والذي يعمل من خلال الشعور الإدراكي، فكأن صورة الجسم وصيرورتها والحال هذه يتوقف عليها وعلى تعثراتها بُعدَا السوية واللاسوية، وهي ترتبط ارتباطًا عضويًّا بمراحل النمو. ويأتي هنري هيد أول مؤسس لنظرية حول صورة الجسم ليبين كيف أن لكل منا صيغة إجمالية Schema لتكامل أجزاء الجسم، ومن ثم معيار يحكم به على أوضاع وتحركات الجسم. ولقد عمَّق المحلل النفسي بول شيلدر دراسات صورة الجسم منذ حقبة مبكرة، واهتم بدراسات مقارنة بين الفصاميين والمصابين بإصابات مخية.٢١
وترى نيفين زيور أن صورة الجسم هي الفكرة التي يتصوَّرها الفرد عن شكل جسمه الخاص، سواء أكان مدركًا أم متخيلًا، وهذه الصورة لا تشمل فقط ظهور الجسم كما يدركه كل فرد، بقدر ما تشمل أيضًا عناصر التمثيل، وكذلك الأفكار الخاصة بالوظائف الجسمية، ومن هنا فبإمكاننا أن نقرر أن تعبير صورة الجسم ليس خبرةً ذاتيةً فحسب، بل هي خبرة موضوعية في الوقت نفسه، وبعبارة أخرى فإن تكوين صورة الجسم بما هي خبرة موضوعية لا يتم إلا على أساس من تمثُّل صورة جسم لآخر، وبخاصة صورة جسم الموضوع الليبيدي.٢٢

(١١) الجسد الممزق

إن نظرية جاك لاكان Lacan عن الأصل الخيالي للعدوانية تساعد في شرح الصفة الواضحة والغامضة للتجربة البشرية الخاصة بالتعلق بفكرة البعد الجسدي والتمزيق. وهذه ظاهرة جاء ذكرها في «جمهورية أفلاطون» حيث إنه أثناء مرور أحد سكان المدينة بمكان تنفيذ حكم الإعدام علنًا، «يقال إنه لم يستطِع منع نفسه من التفرُّس في أجسام الموتى هناك». بعيون واسعة محملقة اندفع نحو المثبت صارخًا: «أيها التعساء هناك تعالوا واملئوا أنظاركم بهذا المنظر الجميل.» وقد لاحظ أوجستن أيضًا المغناطيسية الخاصة لمشهد الجسد الممزق، وهو يسأل ما وجه الإمتاع الذي يمكن أن يكون في مرأى الجثث الممزقة؟
فالناس تتجمهر وتلتف لرؤية جسد يفترش الأرض، ذلك ببساطة من أجل إحساسات الحزن والرعب التي يبعثها فيهم مرأى هذا الجسد، والقوة الجاذبة لمخاوف الجسد هذه المذكورة في تلك النصوص القديمة لها وجودها القوي في الحياة اليومية الحديثة؛ فسائقو السيارات يلوون أعناقهم عند مرورهم بحادثة في الطريق؛ ما الذي يأملون في رؤيته في قلب هذا المشهد الباعث على الخوف؟ كما أن مقالة لاكان «العدوانية في التحليل النفسي» توضِّح أن الميل نحو صور التمزيق الجسدي متأصلة في توترات داخل الأصل الخيالي للأنا، وتمثل التعبير البدائي المناهض للذات ضد قيود هُويتها الخيالية identity imaginary. ومن المفهوم جيدًا أن تصور لاكان عن العدوانية يستعيد النفس المركزية لتصوُّر فرويد، وهو أن العدوانية تمثِّل وظيفة التدمير البدائي للذات. ويتضح عند الصفحات الأولى لمقالة لاكان «العدوانية في التحليل النفسي» أن مضمونها هو إلقاء بعض الضوء على المغزى الغامض الذي عبَّر عنه فرويد بمصطلحات غريزة الموت، أما بالنسبة للاكان فالعدوانية مرتبطة بالموت.٢٣

(١٢) جسد البغي

إن تعريف البغاء وتحديده بأنه فعل تمارسه البغي بجسدها، ولا يعتبر بغاءً ما لا يمارَس بغير الجسد، إذ يبدو أن نقطة تحوُّلنا إلى فهم أعمق للبغاء هي دراسة طبيعة الجسد لدى البغي؛ فالصراع الذي تعيشه البغي يدور حول جسدها؛ حيث إنه موضوع الفعل البغائي ومادة العلاقة البغائية كذلك. فمنذ عرف فرويد الغريزة أصبح من الواضح أن علاقة الرغبة بالجسد علاقة فريدة لدى الإنسان؛ فكل رغبة هي رغبة جسد؛ لأن الجسد مصدرها ووسيلتها في الإشباع أيضًا. وإذا كان انقسام النشاط الجنسي في البغاء إلى نشاط وهمي وآخر فعلي؛ فسيكشف عن طبيعة الجسد لدى البغي؛ حيث تعيش البغي في فعلها البغائي جسدًا يخدم وظيفةً محددة، وله معنًى محدد يختلف عن جسدها الذي تعيشه في علاقتها البغائية. ففي الفعل البغائي يكون جسد البغي مجالًا للنشاط الجنسي والوهمي، أما في العلاقة البغائية فهو مجال محتمل للنشاط الجنسي الفعلي، ذلك من جانبها، أما من جانب العميل فالأمر معكوس؛ فجسد البغي مجال للنشاط الفعلي عند ممارسة الجنس، ومجال للنشاط الوهمي خلال العلاقة البغائية، وبعبارة ثانية إن جسد البغي جسدان لكل منهما وظيفة ومعنًى:

الوظيفة الأولى لجسد البغي

هي إثارة الشق الشهوي الفعلي من غرائز العميل، مع إفساد الشق الوجداني منها بتعطيل الجسد من حساسيته؛ وبذلك يصبح معنى الجسد الذي لا وجود له بالنسبة للبغي، والذي لا وجود غيره بالنسبة للعميل.

الوظيفة الثانية لجسد البغي

هي كف وجدانات العميل ليصبح الجسد الذي لا وجود غيره بالنسبة للبغي، والذي لا وجود له بالنسبة للعميل.٢٤ ولقد أثبت أحد البحوث أن رسوم البغايا كشفت عن عجزهن عن إدراك متسق للجسد مع تشبع صورة الجسد لديهن بقدر كبير من العداء الواضح في تمزق الصورة، وتنتمي هذه الصورة من الجسد إلى مستوًى بدائي من التطور النفسي.٢٥
وتوصلت واحدة من الدراسات المبكرة عن البغاء قام بها عبد المنعم المليجي (١٩٥٨م) إلى أن الصفة المشتركة عند البغايا في إدراكهن للجسم الإنساني؛ هي العجز عن إدراك كائنات إنسانية متكاملة في تكوينها تكاملًا طبيعيًّا سويًّا. كما وردت استجابات لعدد من البغايا تتضمن تمزيقًا عنيفًا للجسد الإنساني، وتفسير ذلك يكمن في موقف البغي من جسدها وما تتطلَّبه ممارسة البغاء من ملامسة جسدية بلا رغبة أو إرادة كاملة؛ الأمر الذي يؤدي بالبغي إلى الانشغال النرجسي بجسدها، مما يجعلها ترفض ذلك الجسد وتراه مشوهًا وممزقًا أيضًا.٢٦

وهكذا فإن صورة الجسم هي الأساس في خلق هُوية سوية أو غير سوية في ظروف بعينها، كما أن هذا الصراع الذي تعيشه البغي هو صراع حول الجسد الذي يباشر فعل البغاء مباشرةً جوهرية، من هنا كان علينا أن نتعرَّف على طبيعة إدراك البغي لصورة الجسم لديها، باعتبارها ركيزةً في البناء النفسي ينبني عليها — أيضًا — إدراك البغي للعالم الخارجي.

(١٣) أثر الموقف الأوديبي في انحراف الحياة الجنسية

نظرًا لأهمية العلاقات الطفلية بالوالدين في اختيار الموضوع الجنسي فيما بعد، فمن اليسير فهم أن أي اضطراب في علاقة الطفولة هذه تكون له أخطر النتائج بالنسبة للحياة الجنسية لدى الراشدين، فلا بد إذن من أن نعتبر أي انحراف عن الحياة الجنسية السوية ضربًا من توقف النمو؛ فالعقدة الأوديبية عند كل من البنت والصبي، تشكل منذ البداية جنسيتهما، والسواء أو عدمه يتوقفان على الطريق الذي يجتازه حل الصراع الأوديبي؛ فتعطُّل حل هذا الموقف يحيد بالحياة الجنسية عن سواء قصدها، وتبقى آثاره في المستقبل. هذه هي الحياة عند الرشد، ويمكن إيجاز تعطل حل الموقف الأوديبي في نقاط أساسية.

التثبيت على الموضوعات المحرمية (المحارم كالأم أو الأخت وغيرهما)، وعدم تحرير الرغبة الجنسية عن هذه الموضوعات، «فنجدنا أمام رجل أو امرأة يتعرَّف كل منهما لاشعوريًّا في كل موضوع للحب على موضوع حبه الأوديبي، فيتراجع أمام التحريم الأوديبي». وتتعطَّل الدفعة الغريزية نظرًا لارتباط إشباعها بالتحريم، وتتحوَّل الرغبة إلى نفور ومشاعر عداء تجاه الجنس الآخر، وفي حالات أخرى يكبت مشاعر الحب المتضمنة في الدفعة الجنسية من أجل إشباع رغبته الليبيدية — الجنسية — بطلبه طلبًا في إشباع رغبته المضادة، تعطل عن التخلص من الشكل الصراعي للموقف الأوديبي، الأمر الذي يؤدي إلى أن يتحوَّل كل موقف جنسي تالٍ إلى صيغة صراعية. ويرى فرويد أن ذلك ينشأ عندما يعاني الطفل إفراطًا أو تفريطًا في الإشباع في مرحلة من المراحل، فإنه يعاني التثبيت عندها، هذا التثبيت هو الذي يتيح عودة النزعات المكبوتة، وهي النزعات المميِّزة لهذه المرحلة التي يتم عندها التثبيت.٢٧

(١٤) مُلخَّص الرواية

تتكوَّن الرواية من ٩٢ فصلًا في ٣٨٢ صفحةً من القَطع المتوسط، وتدور أحداث الرواية المأساوية — التراجيدية — خلال الحرب العالمية الثانية، وتعالج القضايا الاجتماعية التي عاصرت الأزمة الاقتصادية العالمية؛ حيث كان المجتمع المصري فيها حافلًا بقضايا الطبقات، وخاصةً الطبقتين الشعبية والمتوسطة، ومحاولات كل منهما في الصعود إلى الطبقة الأرقى. وتبدأ الرواية بموت العائل تاركًا معاشًا لا يكفي الأسرة، وتبدأ جوانب المأساة الاجتماعية والنفسية. ويقدم الكاتب شخصيات المأساة الواحدة تلو الأخرى، فبدت أمامنا الأسرة كلها بما فيها الأم، والبنت نفيسة والإخوة الثلاثة حسن وحسين وحسنين. كان شعور الجميع بالكارثة فادحًا، وكان الأب المورد الوحيد لرزقهم، فكيف يعيشون بعد اليوم؟ هذه هي الأسرة تتحكم في مقدراتها عوامل الفقر والوراثة والطموح. وتتصدَّى الأم لقيادة الأسرة بصبر وعزم، فقد باتت مسئولةً عن عائلة بلا معين. وهكذا كانت البداية البائسة وتوالت الأحداث، كانت حياة الأسرة حياة كفاح وجَلَد ويأس وانحراف وندم وخطيئة وطموح وقناعة وإجرام وطيبة. كان خط الصراع مع الفقر هو الخط الأساسي، وكانت البدايات كلها سببًا وأساسًا للنهاية؛ فحسنين يرفض فكرة مساهمة نفيسة في نفقات المنزل بأن تعمل كخياطة، ولكن الحاجة أخرسته، والفقر هو الذي زاد من تعاسة نفيسة؛ فهي لا تجني من عملها إلا مبالغ زهيدة، ولذلك اهتمَّت بنفسها لكي تلفت انتباه محمد الفل، فهي ليست جميلة، فانحرفت إلى طريق الغواية ورضيت الهوان في سبيل النقود ظاهريًّا، ولكنها استسلمت له منذ البداية بدافع من الرغبة في ممارسة الجنس. وحسين يُضحِّي بفرصة التعليم العالي ويعمل ليتم حسنين تعليمه، وحسنين يتخلَّى عن بهية هروبًا من الفقر ويتطلَّع إلى مجتمع أفضل، لكنه لم يستطِع الهروب من قدره؛ لذلك رفضته أسرة الباشا زوجًا لابنتها. وتنتهي القصة وتصل المأساة إلى قِمَّتها بمطاردة الشرطة لحسن بتهمة الاتجار في المخدرات، وتنزل الضربة القاضية على حسنين في النهاية عندما يكتشف — وهو الضابط المحترم — أن أخته نفيسة تمتهن البغاء سرًّا حتى قُبض عليها؛ فيسارع حسنين لإطلاق سراحها ويقودها إلى النيل لتنتحر غرقًا. ونلاحظ أن الخطاب الاجتماعي في الرواية تشرحه وضعية وحالة أسرة آل كامل على المستوى الاقتصادي، مُمثلًا في عَوَزها الذي حرمها أبسط المتطلبات (حرمان حسين وحسنين من التردُّد على النادي والسينما، ومن مصروف الجيب)، وعلى المستوى الاجتماعي ممثلًا في إبراز الطبقة الاجتماعية المدحورة التي تنتمي إليها الأسرة وتصوير واقعها.٢٨
«فالبداية هي انكسار اجتماعي (موت الأب)، والنهاية أيضًا انكسار اجتماعي (انتحار نفيسة)». إن الاجتماعي في «بداية ونهاية» يلغي الذاتي والفردي، ويعرِّضه لعملية إقصاء وتجاوز؛ «ذلك أن الفعل القرائي لهذا النص الروائي وسياق التلقي فيه يجعل قارئه لا يحس بأن الكاتب يستتبع واقع الذات في انكساراتها وشروخها، بقدر ما يتابع واقع أسرة عربية مصرية في مأساتها الدنيوية.»٢٩

(١٥) الشخصية

لقد ركَّز نجيب محفوظ في روايته «بداية ونهاية» التي كتبها سنة ١٩٤٢م على تقنية الوصف الواقعي المتقابل في منظوراته الجدلية والتعبيرية والسردية. فوصف مجموعةً من الشخصيات، منها؛ فريد أفندي محمد (الرواية: ص١١)، وحسين وحسنين (الرواية: ص٥ وص٦)، وحسن (ص٩)، وأحمد بك يسري (الرواية: ص١٢)، والأم (الرواية: ص١٢)، ونفيسة (الرواية: ص١٤). وكانت ريشة نجيب محفوظ الوصفية تنصب على المعطى الخارجي (الفسيولوجي والبواعث السيكولوجية)، حيث يختلط الوصف بالسرد في جدلية فنية رائعة. وإلى جانب هذا، لم ينسَ نجيب محفوظ وصف الوسائل؛ كالسيارة (الرواية: ص١٢)، والأشياء؛ كالكرسي (الرواية: ص١٢)، والأمكنة؛ كالمدينة الكبيرة، والشوارع والحارات والأزقة (الرواية: ص١٤ ما بعدها).

إن الشخصية في «بداية ونهاية» لدى نجيب محفوظ هي شخصيات ملحمية صاعدة على طول المسار الدرامي للرواية، ويمكن أن نستدل على ذلك بشخصية حسنين (نموذج التلميذ النزق والمراهق المندفع وراء نزواته، والضابط المتطلِّع إلى تغيير طبقته الاجتماعية، راكبًا أنانيته وانتهازيته التي تقوده إلى النهاية المأساوية). وعلى غرار شخصية حسنين، فإن كل الشخصيات يحاصرها الواقع؛ فمنها فئة تلجأ للحنين إلى الماضي كملاذ لها، ومنها من طلَّقت الماضي، متطلعة نحو مستقبل الأحلام الجميلة في بحثها عن المطلق الميتافيزيقي. وكأن الكاتب مجرد شاهد، يصوغ همومه وانشغالاته في توليف بديع بين المتخيل والمعيش. ولجأت نفيسة إلى الخيال تعويضًا عن دمامتها وفقرها وحرفتها وفاجعة أبيها، فوظَّفته أيضًا بعد الفضيحة لاعتمال نفسها بالمشاعر المتناقضة لدرجة غدت معها لا تميِّز بين الواقعي والخيالي. حيث يصف نجيب محفوظ حالها قائلًا: «وغابت الحجرة من عينَيها، فخُيِّل إليها أنها تراهم وقد … وهزت رأسها لتطرد عنها أشباح هذه الأوهام المرعبة فعادت إلى حاضرها»٣٠ (الرواية: ص١٣٢). وهكذا نخلص إلى أنه بقدر محاولات هذه الشخصيات التعلُّق بالواقع، بقدر ما نراها تفشل في ذلك التعلق؛ فتتخذ سبيلًا لذلك التعلُّق البديل؛ التعلق بأذيال الخيال؛ لأنه الخلاص والسبيل والمعبر إلى مكاشفة الذات ومصارحتها، وإلى طمس معالم الواقع المرير. فتصرفات الشخصيات الثلاث المحورية في الرواية؛ حسن وحسنين ونفيسة، التي التجأت إلى الثورة والرفض والتمرُّد على الأشياء، وعجزها عن تحقيق التوازن الطبقي، بينما اختار حسن الصعلكة لتحقيق ذاته بطريقة عبثية وجودية. بيد أن هذه الشخصيات الثلاث كانت مصائرها ذات طابع إشكالي، انتهى بها الواقع إلى القلق النفسي والاجتماعي والانتحار. لتكتمل الدلالة المعكوسة للأسماء في الرواية، فكل الأبناء على خلاف أسمائهم؛ فنفيسة ليست نفيسة، وحسن وحسين وحسنين ليسوا شرفاء، فقد قبلوا التمتع بأموال البلطجة والراقصات.

(١٦) وصف الملامح الشكلية لنفيسة

نفيسة كانت بعيدةً عن الوسامة وأدنى إلى الدمامة، وجهها بيضاوي نحيل، وأنفها قصير غليظ، وذقنها مدبب، وبشرتها شاحبة، وفي أعلى ظهرها احديداب قليل. هذه الفتاة في الثالثة والعشرين من عمرها بلا مال ولا جمال ولا أب، شعرت بالوحدة بعد موت أبيها، ولا أمل لها بالزواج. ويصوِّرها نجيب محفوظ على أنها ساقطة يائسة، ويعلِّل ذلك بفقرها وجهلها ودمامتها، وهي شابة في مقتبل العمر، يمتلئ جسدها بالحيوية والرغبة في الحياة، ولكن وجهها الدميم يخذلها، وجهلها يقودها مغمضة العينين إلى مصيرها المحتوم، وفقرها لا يترك لها أملًا في الزواج، لقد تحالف عليها ما يدمِّر حياة أي فتاة، ولو كانت نفيسة غنيةً لربما وجدت من يتغاضى عن دمامتها ويتناسى قبحها، وربما وجدت من يغفر زلتها ويعفو عن خطيئتها؛ فالشرف قيد لا يغل إلا أعناق الفقراء وحدهم. نفيسة أقرب ما تكون إلى ملامح البطل التراجيدي الذي تضعه الحياة في مأزق، وقد زلَّت قدم نفيسة فماتت مرتين؛ يوم أن استسلمت لضعفها ويأسها، ويوم أن قفزت إلى أعماق النيل بلا رجعة.٣١

(١٧) دلالة اسم نفيسة

اسم نفيسة بطلة الرواية مشتق من النفس، وهي الروح، والجمع أنفاس ونفوس، أو نَفِسَتِ المرأة نِفَاسًا أي ولَدَت، ونفُسَ الشيء: كان عظيم القيمة فهو نفيس.٣٢ ومن هنا نلاحظ أن اسم نفيسة له علاقة بالنفس والروح (رواية نفسية)، وعملية الحمل والولادة، ومن الطبيعي أن يكون الحمل والولادة من نواتج ممارسة الجنس بطريق مشروع أو بطريق منحرف (البغاء). وهكذا تظهر القصدية في اختيار اسم نفيسة بطلة الرواية، حتى يتضح أن البغاء الذي مارسته نفيسة نتيجة رغبة نفسية وليس نتيجة عوامل خارجية أو ظروف اجتماعية. ومن المعروف أن هناك فتيات كثيرات يعشن ظروفًا ماديةً قاسيةً وطاحنة، ولا يلجأن إلى البغاء، حتى إن المَثَل العربي يقول ما يؤكد ذلك: «تموت الحرة ولا تأكل بثدييها.» كما أن اسم نفيسة يمكن أن يُفهم بالتضاد بين المعني والواقع؛ فنفيسة من النفيس الغالي، وفي الواقع لم تكن نفيسةً ولا غالية، بل كانت عكس ذلك في كل مرة تمارس فيها البغاء.٣٣

(١٨) صورة الجسد لدى نفيسة

ونطالع من البداية صورة الجسد لدى نفيسة في رواية «بداية ونهاية»، فيقول نجيب محفوظ: «إلا أن ابنتها نفيسة تُعيد حياتها وصورتها بدقة كبيرة؛ كان لها هذا الوجه البيضاوي النحيل، والأنف القصير الغليظ، والذقن المدبَّب، إلى شحوب في البشرة واحديداب قليل في أعلى الظهر، فلم تكن تختلف عن أمها إلا في طولها المماثل لطول شقيقها حسنين، كانت بعيدةً عن الوسامة وأدنى إلى الدمامة، وكان من سوء الحظ أن خُلقت على مثال أمها» (الرواية: ص١٧). وهكذا يحرص نجيب محفوظ على إبراز قبح نفيسة ودمامتها وعدم تناسق ملامحها، مما سيجعلنا نهتم بأثر صورة ذلك الجسد القبيح في تكوين شخصية نفيسة، حيث نفورها من شكلها وصورتها وعدم تقبُّلها لهما؛ ولعل ذلك ما سيجعلها تتجه نحو البغاء، حيث وجود عدوان منها موجه نحو جسدها، فها هي تهين ذلك الجسد في العلاقة البغائية. ومن ثم نلاحظ رفض نفيسة لصورة جسدها وعدم تقبلها، بل والنفور منها، ويزداد رفضها لصورة الجسد أكثر بعد أن مارست البغاء، فيقول نجيب محفوظ: «لقد كابدت من الرجال ما جعلها تحقد عليهم، ولكن دون أن تخمد لهذا رغبة جسدها الذي يسيمها (يذيقها) الهوان؛ فكرهته (أي جسدها) كما تكره الفقر. ما هي إلا أسيرة للجسد وللفقر، ولا تدري كيف تنقذ نفسها منهما» (الرواية: ص٢٤٩). كما يتَّضح أن تشويه صورة الجسد لدى نفيسة يشير إلى اضطراب في وظيفة الجسد لديها، ووجود اتجاهات عدائية نحوه.

(١٩) موت الأب

تبدأ الرواية بالموت وتنتهي به أيضًا وكأنها المأساة والكارثة؛ ففي البداية يموت الأب، وفي النهاية تنتحر نفيسة. «هرولت الخالة إلى الداخل وهي تصرخ: يا خراب بيتك يا أختي. ودوَّت العبارة في آذانهم دويًّا مفجعًا» (الرواية: ص١١).

إذا ما كان في البغاء معنى الانتقام من الأب ومن كل الرجال، فها هو نجيب محفوظ يؤكد على أنها كانت تشبه أباها في الطول، كما أنه يؤكد على وجود علاقة حميمة كانت تجمع بين الأب ونفيسة، حيث تقول عن أبيها: «لشدة ما كان يحبني كأنه يحدس ما يرصدني من شقاء، «اضحكي ما أحب ضحكتك إلى نفسي»، هكذا كان يقول لي كلما تعالت ضحكتي الرنانة، وكان يقول لي أيضًا: الخفة أنفس من الجمال، كأنه يعزِّيني عن دمامتي» (الرواية: ص٤٨). ثم ها هي تعيش تناقضًا paradoxes مع الأب الذي تعتبره لا شعوريًّا مسئولًا عن وراثتها للقبح. تقول عنه: «لست إلا خياطة، ليست كرامتي التي تعز عليَّ، ولكن كرامتك أنت يا أبي» (الرواية: ص٦٨). وكأنها تلوم نفسها على ما تفعله أو ما ستفعله. وهو نفس الأب الذي ستتجه نحوه بالعدوان في كرامته حين تمارس البغاء، ولكنها تؤجل ذلك العدوان حتى يموت الأب، وبعد موته تستطيع أن تعتدي عليه، ولا يشعر هو بذلك العدوان لكونه أصبح ميتًا. وهذا الموت قد عجَّل بشعورها بعدم إمكانية زواجها، وفجَّر رغبتها في الانتقام من الأب، حيث تقول: «طالما حلمت بهذا — أي الزواج — وأبي يقول لي إن الخفة أنفس من الجمال، ثم بلغت الثالثة والعشرين بين الإشفاق والرجاء، وبموته مات الرجاء، لماذا خُلقت هكذا دميمة؟ لماذا لم أُخلق كإخوتي الذكور؟» (الرواية: ص٧٠). كما نلاحظ أن نفيسة تلقي باللوم على الأب لا شعوريًّا، وهذا ما يُسمى اضطراب المرحلة الأوديبية، ويتمثَّل هذا الاضطراب في وضوح المنافسة والتناقض الوجداني في العلاقة مع الأم، والرغبة في استبعادها واختلال مكانتها، وانتزاع الأب منها، وكذلك تشويه صورتها. كما نلاحظ أن الأب المتخلي عن الأسرة بوفاته — موت والد نفيسة — قد أدَّى إلى الثورة عليه وتوجيه مشاعر العدوان عليه كنتيجة للفشل في الاستحواذ عليه، وهذه الصورة من الاضطراب الأوديبي تنتقل إلى العلاقة بكافة النماذج الأنثوية والذكرية، وهذا ما يتَّضح في رفضها وكرهها للرجال. ثم تقول نفيسة في بداية امتهانها حرفة الخياطة ما يجعلها تتناقض مع صورة أبيها:٣٤ «ما أغباني، هل حسبتها راضيةً عن حالي؟ إنها تكابد حيرةً قاتلةً وهي أحقنا بالعطف. إن التعاسة تَنفُذ في لحمنا كما تَنفُذ هذه الإبرة في قطعة القماش. ما كان أبي ليسمح بشيء من هذا ولكن أين هو؟» (الرواية: ص٣٥).

ويقول محفوظ: «وشعرت بأنها تهوي من علٍ، وأنها أمست فتاةً أخرى. ليس بين الكرامة والضعة إلا كلمة، كانت فتاةً محترمةً فانقلبت خياطة، أحسَّت بالخزي والهوان والضعة، وتضاعف حزنها على أبيها، فبكته بكاءً حارًّا، وبكت نفسها. مات الفقيد المحبوب فمات بموته أعز ما فيها» (الرواية: ص٤٧). ونلاحظ أن صورة الأب في الأحياء الشعبية في القاهرة تخضع لنفس المعايير الأخلاقية المتَّبعة في القرى الصغيرة المحيطة بالقاهرة؛ فقد كانت العائلات التي نزحت إلى القاهرة قادمةً من الريف تحترم تقاليد القرية، وعلى رأسها الأهمية الكبرى التي يوليها المجتمع لرب الأسرة. فقد كان مركز الأسرة ومكانتها الاجتماعية مرتبطًا به وبمركزه ووظيفته، وفي ظل ذلك الوسط تفقد البنت اليتيمة مكانتها ولا تصبح محط أنظار راغبي الزواج؛ لذا فقد أدركت نفيسة أنها فقدت فرصتها في الزواج من موظف محترم كأبيها، بالإضافة لدمامتها وعملها خياطةً متنقلةً في البيوت. ولقد امتلكها الحرمان والحقد والقنوط، وتغذَّت في أعماقها الرغبة في الانتقام من المجتمع الذي ظلمها. فيقول نجيب محفوظ: «لا جمال ولا مال ولا أب، كان يوجد قلبان يساورهما القلق على مستقبلي مات أحدهما، وشغلت الهموم الآخر، وحيدة وحيدة وحيدة وحيدة في يأسي وألمي، ثلاثة وعشرون عامًا! ما أبشع هذا! لم يأتِ الزوج بالأمس والدنيا دنيا، فكيف يأتي اليوم أو غدًا؟ وهَبْه جاء راضيًا بالزواج من خياطة، فمَن عسى أن يقوم بنفقات الزواج؟ لماذا أفكِّر في هذا؟ لا فائدة لا فائدة، سوف أظل هكذا ما حييت» (الرواية: ص٤٩).

والدمامة لم تكن لتمنع الفتاة من الزواج؛ لأن المرأة في ذلك العهد كانت تتزوَّج على صيت والدها وحسب مركزه الاجتماعي. وكما عجَّل الموت المفاجئ للأب باتخاذ أولى خطوات البغاء؛ حيث ممارسة الجنس مع سليمان ابن البقال، بعد أن زاد إحساسها بالحرمان الجنسي وفشلها في كبح جماحه: «ثم دخلها إحساس نَهِم بالتحرُّق إلى الحب، ولم تكن لها حيلة في إحساسها، فالواقع أن غريزتها الأنثوية كانت الشيء الوحيد بها الذي سلم من النقص والضعف، واستوى ناضجًا حارًّا، فلم يخلُ صدرها من عذاب سجين وقفت له تربيتها وكرامتها وأسرتها بالمرصاد» (الرواية: ص٧٢). فأخذت نفيسة تشجع سلمان على الاقتراب منها قائلةً في نفسها: «شيء خير من لا شيء، بل إن دأبه على التودُّد إليها ومغازلتها خلق بها بعض الثقة بنفسها والطمأنينة والأمل، ولم تَعُد تذكر أنه ابن البقال وأنها ابنة موظف، فاهتمامه بها أنزله من نفسها منزلةً أثيرةً رفعته فوق مقام أفضل الناس في نظرها، وانساقت إلى تشجيعه بدافع من عواطفها المشبوبة المكبوتة، ويأسها الخانق، والرغبة في الحياة التي لا تموت إلا بالموت» (الرواية: ص٨٤). ثم ممارسة البغاء من أجل المتعة وليس من أجل المال، وما يرشدنا إلى ذلك هو انكشاف سر ممارستها للبغاء بعد تخرُّج أخويها حسين وحسنين من الدراسة والتحاقهما بالعمل، مما وفَّر لها موردًا للمعيشة، ولكنها مع ذلك تمارس البغاء بهدف الإشباع الجنسي، فيصف نجيب محفوظ ذلك بقوله: «أمَّا هذه المرة فها هي تستسلم لعابر سبيل» (الرواية: ص٢٤٨). وعندما دعاها صاحب جراج للمتعة الحرام لم تتردَّد في الانطلاق معه في السيارة إلى الصحراء وهي تقول لنفسها: «إني أُدرك كل شيء، أُدرك لماذا يدعوني إلى سيارته، لا يحاول خداعي كما فعل غيره، فالأمر واضح فهل أُقدم على هذا؟ ولماذا يتعلَّق بي؟ لست جميلة — لاحظ إدراك نفيسة لصورة الجسم الدميم غير المحبوب — ولكن الدمامة نفسها سلعة لا بأس بها في سوق الخلاعة وعشاق اللذة. هذه هي الحقيقة. تثبت العديد من الدراسات النفسية والاجتماعية أن الكثير من البغايا لا يتمتعن بالجمال.٣٥

هل أدع نفسي تهوي؟! ولماذا أمنعها؟ لن أخسر جديدًا، ليس ثمة ما أخاف عليه» (الرواية: ص١٦٤).

وهذا الحوار الداخلي يكشف عن سقوط نفيسة في ممارسة البغاء بإرادتها الكاملة، وإدراكها التام لما تفعل، واستجابتها لإشباع رغبتها الجنسية. وموت الأب هو بداية الرواية، وسيحرِّك الأحداث فيما بعد؛ حيث تتَّجه نفيسة للبغاء، أي تسقط في الرذيلة لتكون النهاية أيضًا موتها وسقوطها من أعلى الكوبري إلى قاع النيل، وكأن سقوطها في فخ البغاء قد أسقطها إلى النيل. وقد عبَّر نجيب محفوظ عن هذا بلفظ هوت (سقطت) حين قال عن نفيسة بعد أن مارست الجنس مع سلمان ابن البقال: «إنها تتلهَّف على مكانٍ قصيٍّ خالٍ ينأى بها عن هذا المحيط الذي باتت تُضمر له البغض أشد البغض، مكان تستطيع أن تسأل فيه نفسها كيف هوت (سقطت) بمثل هذه السهولة، وبمثل هذه السرعة، وبمثل هذا الهوان» (الرواية: ص١٢٦). ولكنها تدرك في النهاية أنها لم تكن تمارس البغاء بدافع الحاجة إلى النقود، ولكن لإشباع رغبتها الجنسية؛ فلم تَعُد بحاجة للنقود بعد أن تخرَّج شقيقاها حسين وحسنين وطلبا منها الكف عن عمل الخياطة، ولكنها استمرَّت في الخروج للحصول على المتعة في بيوت البغاء.٣٦

(٢٠) موت نفيسة

أما عن نهاية نفيسة فقد اختارت الموت وهي في السيارة في طريقها إلى النيل. يقول أندريه ميكال: «إن نفيسة التي ظلمها المجتمع وكان وراء تعاستها وشقائها كامرأة، لذلك تحدت المجتمع بالسلاح الوحيد الذي يمكِّنها من إثبات وجودها؛ وهو السرية، ولكن انكشف سرها. فاندفعت نفيسة نحو الموت، ولكنها انتصرت على المجتمع لأنها دفعت شقيقها إلى الانتحار.» ويقول طه وادي في انتحار نفيسة: «قرَّرت نفيسة أن تموت لأن ما وراءها في الحياة أفظع من الموت! وكان انتحارها نهايةً منطقيةً لتلك السلسلة المتصلة من الآلام التي صاغت حياتها، ليست هذه الجثة التي طفت فوق مياه النيل إلا تجسيدًا للآلام الموجودة في المجتمع، وهي في نفس الوقت شاهد عيان على أن الأزمة قد استفحلت وشرست، وصارت مصر تأكل بنيها بلا رحمة، وهذا لعمري منتهى البؤس.»٣٧

أمَّا ما نراه في تفسير انتحار نفيسة؛ فهو أن موت نفيسة عن طريق الانتحار كان نتيجةً لقانون اجتماعي غير مكتوب وضعته الطبقة الشعبية والريفية، وهذا القانون يقضي بأن تقوم الفتاة التي مارست البغاء أو الجنس بغير طريقه المشروع — الزواج — بقتل نفسها منتحرةً حتى لا يتعرَّض أحد من أسرتها للسوء أو العقاب على قتلها، فكما مارست البغاء بإرادتها فلْتكن نهايتها الموت بيديها أيضًا. وهذا القانون الاجتماعي يُنفَّذ وبشكل دقيق حتى الآن في بعض البلاد العربية وفي مصر، ويُعد الحرق عن طريق سكب الكيروسين وإشعال أعواد الثقاب بعد ذلك والغرق في النيل من أكثر الوسائل شيوعًا في المناطق الشعبية والريفية. ولقد أدركت نفيسة هذا القانون عن طريق اللاشعور الجمعي، ويؤكد ذلك المشهد التالي حين حاول حسنين خنقها، أمسكت نفيسة بيده تمنعه قائلةً له: «قِف لا تفعل! لست أخاف على نفسي ولكني أخاف عليك، لا أريد أن يمسَّك سوء بسببي، لا ينبغي أن يمسك عقاب وإن هان، ثم بماذا تجيب إذا سُئلت عما دفعك إلى قتلي؟ دعني أقم أنا بهذه المهمة، فلا يكدِّرك مكدِّر ولا يدري أحد» (الرواية: ص٣٦٩).

(٢١) حسنين

حسنين هو الابن الأصغر المدلَّل، فقد نقم على الفقر، فهو يمثِّل أمام زملائه دور الفتى الغني، ويصر على دخول الكلية الحربية ويدخلها، وينفق عليه إخوته بمن فيهم حسن المنحرف ونفيسة الخياطة ثم البغي، وبعد أن يصبح حسنين ضابطًا يثور على حبه ﻟ «بهية» ويرفضها، وينقض عهده معها ومع أبيها. ويتطلَّع إلى بنت تنتمي إلى طبقة أعلى، وينتقل إلى مصر الجديدة، كما يثور على أخيه حسن. ولم يظنَّ حسنين أن الريح ستُقبل من ناحية أخته نفيسة التي مارست عمل الخياطة، ثم وقعت في الرذيلة ومارست البغاء. أما حسنين فقد يئس بعد أن حمل أخته على الإلقاء بنفسها في النيل، وجاء ذلك تعبيرًا عن انعزاله عن مجتمعه، لذلك تساءل حسنين في مونولوجه الداخلي قائلًا: «ماذا فعلت؟

إنه اليأس الذي فعل …

وإذا كانت الدنيا قبيحةً فنفسي أقبح منها. ما وجدت في نفسي يومًا إلا تمنيات الدمار لمن حولي.

فكيف أبحث لنفسي أن أكون قاضيًا وأنا على رأس المجرمين؟

لقد قُضي عليَّ.»

وينتهي مونولوج حسنين الداخلي، بل تنتهي «بداية ونهاية» بهذه الجملة: «فلْأكن شجاعًا ولو لمرة واحدة، ليرحمها الله» (الرواية: ص٣٨٢).

وبرغم هذا الحوار الداخلي لحسنين إلا أنه قد نصَّب نفسه قاضيًا ومتهمًا في الوقت نفسه، ولأن حالته ساعتها كانت مزيجًا من اليأس والاستبصار بالمصير بعد موت نفيسة، وأنه ساعدها أو وافق على انتحارها أو أمرها بالانتحار، فقد اعتبر نفسه المنفِّذ لانتحارها. وفي التحليل النفسي قاعدة تقول ﺑ «أن الرغبة تساوي الفعل». وهنا يبزغ حسنين القاتل لنفيسة، والذي يستحق القتل على ما فعل، فكان حسنين القاضي يحكم بقتل حسنين المتهم، ويجب أن يقوم حسنين بتنفيذ الحكم، فتكون النهاية وكأنه القصاص العادل الذي يحميه من الجنون، والذي نلاحظ بوادره في الإحساس بالندم والعذاب الذي يعيشه. ويعبِّر نجيب محفوظ عن ذلك بقوله:

«وعاد بانتباهه المحموم إلى الجثة.

وعلى رغمه وجد نفسه يتذكر أيادي الفتاة عليه.

ما كانت تُكِن له من حب وما جادت به من كرم.

فما كان يخطر لها ببال أن تكون نهايتها على يديه.

وشعر بإعياء وقنوط وتساءل في جزع: «لماذا هذا كله؟!»

وأغمض عينيه لأنه لم يَعُد يُطيق النظر إليها، كان رأسه محمومًا، وغَيَّض الهم كل رغبة في الحياة في قلبه، وانقلب وجه الدنيا في عينيه كهذا الوجه الأزرق — وجه جثة نفيسة — الناطق بالعدم.

وقال لنفسه وهو يتنهَّد من الأعماق: «رباه لقد قُضِيَ عليَّ»» (الرواية: ص٣٨٠-٣٨١).

ولكن حسنين الأناني والذي يتمسَّك بالحياة ولا يردعه رادع من الرغبة في محو ماضي الأسرة والتطلع لمستقبل مختلف، يرفض أن ينتحر، ويقرر نجيب محفوظ أن حسنين لم ينتحر لأنه شخصية أنانية.٣٨

وفيه صفات آخر العنقود من أثرة وثورة على القيود، وهو طموح وأناني يثور منذ البداية على الفقر، ويحزنه منظر القبر المهدَّم الوضيع بقدر ما يحزنه فقد أبيه، ويثور على ما تفرضه الأم من تقشُّف هي مضطرة إليه، وهذه الأنانية غُرست فيه بحكم مكانه في الأسرة وقوته الجسمية التي تفوق أخاه الأكبر. وقبِل تضحية أخيه حسين من أجله، وكذلك يقبل مال حسن الفتوَّة، ويقبل مال نفيسة من عملها بالخياطة والبغاء فيما بعد، وعندما طلب حسنين من أخيه حسن أن يترك الفتوَّة فيرد عليه حسن قائلًا: «حياة شريفة، حياة شريفة؟! لو أنني استمسكت بها طوال حياتي لما حلَّيت كتفك بهذه النجمة، أتحسب حياتي وحدها غير الشريفة؟! يا لك من ضابط واهم! حياتك أنت غير شريفة؛ فهذه من تلك، أنت مدين ببدلتك لهذه المومس والمخدرات، ومن العدل إذا كنت ترغب في أن أُقلع عن حياتي الملوَّثة أن تهجر أنت أيضًا حياتك الملوَّثة؛ فاخلع هذه البدلة لنبدأ حياةً شريفةً معًا» (الرواية: ص٢٩٤).

كما يلاحَظ في شخصية حسنين وتوجيه النقد لها كان رمزيًّا في شكل انتقاد لضباط الجيش الذين هُزموا عام ١٩٤٨م، ليقول نجيب محفوظ عنهم إنهم سبب الهزيمة لأنهم دخلوا المدرسة الحربية بالواسطة والمحسوبية، ولم يكن يعنيهم سوى المظهرية والانتقال من طبقة أدنى إلى طبقة أعلى.٣٩ والاسم «حسنين» (حسن وحسن) ليس مصادفة، فهو منذ اللحظة الأولى يظهر بشخصيتين، شخصية غارقة في الفقر المدقع، وشخصية أخرى خلقها بخياله الجامح، كأغنى فتًى في مصر، ففي لحظة الوفاة، كان كل ما يهمه هو مشهد الجنازة، وهل سيحضر كُبَراء القوم، ومشهد القبر العاري من أي صورة للبذخ والترف، ويعتبره «فضيحةً» ستلازمه طوال العمر. وفي المدرسة يرفض أن يأكل من الوجبة المدرسية لأنها مخصصة للفقراء! ويفضِّل الجوع على إظهار الشخصية الحقيقة لفقير حقيقي.

ورغم ذلك يذهب إلى حسن يسأله أن يمده بالمصاريف اللازمة للمدرسة الحربية، وهو على يقين أنها أموال مخدرات ودعارة، بل «لو عرف أنه ذاهب يسرقها من السويس ما وسعه إلا أن يدعو له»!

لم يَجِد «حسنين» بين الشخصيتين وقتًا للحب الطاهر الطبيعي لجارته ذات العينين الزرقاوين والقوام الجميل والقلب العاشق له، ورغم أن نجيب محفوظ يصف مشهد لقائهما بأنه: «كانت الشمس قد توارت مخلِّفةً وراءها هالةً حمراء مترامية، أقصاها حمرة دامية، تخف عند الوسط كأنها زُرقة عميقة صافية، تنمنمها هنا وهناك سحائب رقاق كتنهُّدات وانية.» رغم هذا المشهد الرقيق البديع لا يهتم حسنين إلا بمحاولة إغواء جارته واستدراجها إلى علاقة محرَّمة.

وبعد ذلك يرى أن زواجه من ابنة البك: «إذا ركبتها ركبت طبقةً بأسرها.» ثم حين يفشل يقول: «ألستِ تنامين مثل أي فتاة، وتغيبين عن الوعي كأي امرأة، وتحبلين كما تحبل الخادمة التي طردناها، وتعوين حين المخاض كأية كلبة.» دائمًا يعود إلى إحدى الشخصيتين بالحيل النفسية المعروفة مثل التبرير والإسقاط والتعميم وغيرها من حيل الدفاع عن النفس، بل يقول لأخيه حسين: «إن من يستسلم للأقدار يشجعها على التمادي في طغيانها!»

بعد لحظات من ارتداء ملابسه كضابط في الجيش، يعود إلى الحارة متأففًا، ويقلِب لحظة الفرح إلى نكد ويطلب: «يجب أن تنقطع نفيسة عن عملها «المزري»، وهذه العطفة الحقيرة تعرِّفنا على «حقيقتنا»؛ فلهذا لا أطيق البقاء فيها. وهذا البيت العاري من الأثاث، وأخي حسن وسيرته في الحياة، وقبر والدنا المكشوف بين قبور الصدقة.» فترد الأم: «طالما تمنيت أن تسعدنا وأن تسعد معنا، فإذا لم تروِّض نفسك على التسليم بالواقع وتأخذها بالصبر؛ شقيت وشقينا.» وقد كان!

كان قد أدمن الشخصية المختلقة حتى كذب على البك الذي يعلم عنهم كل شيء، فيقول للبك عندما تقدم لخطبة ابنته: «الحمد لله، لقد انقضت متاعبنا بعد أن كسبنا القضية!»

(٢٢) حسن

هو الابن الأكبر المدلَّل الذي ترك التعليم وأفسده تدليل الأب، والذي سيحترف تجارة المخدرات، ويعاشر العاهرات، ويعمل بلطجيًّا وقوَّادًا، وسيقول فلسفته في الحياة؛ أنه يحيا كأن لا يوجد بوليس ولا أخلاق ولا الله! منذ اللحظة الأولى يقول: «لماذا يعلن الله عن حكمته على حساب أمثالنا من الضحايا؟! ولا يستنكف أن يسرق من محفظة الأب في غفلة الحزن ما تيسَّر له أن يسرقه! لم يعرف الحزن على أبيه طريقًا لقلبه.»

يرى موت الأب؛ «كنت قد هدَّدتك يا أبي لو لم تشترِ لي هذه البدلة سأمشي في الطريق باللباس والفانلة، وأقتحم عليك مجلسك بقصر أحمد بك يسري شبه عارٍ. الآن لو مشيت عاريًا فلن تجد من يسأل عليك إلا الشرطي.» وعندما يحترف تجارة المخدرات والبلطجة والقِوادة، ويشتبك في عراك مع فتوَّة الحي، يقول لنفسه: «إن حظِّي في الحياة، وربما حظ أسرتي المنهارة، يتوقفان على خوض المعركة.» وبالفعل لا يتردَّد بما تبقَّى من إنسانية ضئيلة في نفسه من مساعدة أسرته بالمال الحرام؛ يساعد حسين لكي يسافر لطنطا لاستلام وظيفته، ويساعد حسنين بمصاريف الكلية الحربية عندما باع ذهب العاهرة ليمنحه ذلك المال. وحسن لم يُبعث إلى المدرسة إلا في سنٍّ متأخرة، وسُرعان ما ظهر تمرده على الحياة المدرسية، وتكرَّر هروبه من المدرسة، وتوالى سقوطه عامًا بعد عام حتى انقطع عنها ولم يجاوز السنة الثالثة، واستحال ما بينه وبين أبيه إلى شجار، ثم إلى ما يشبه العداوة الحقة؛ فكان يطرده أحيانًا من البيت، فيقضي أيامًا متسكعًا، ثم يعود إلى البيت وقد اكتسب شرورًا جديدةً من مخالطة الأشقياء والغوص في الإثم والإدمان وهو دون العشرين … (الرواية: ص٢٣-٢٤). وقد أُصيب في النهاية غدرًا من قبل خصومه، وسُلبت منه أمواله وعشيقته أثناء هروبه من الشرطة. ربما تم إنقاذه من قبل أهله، لكنه في المحصلة ظل مطارَدًا في نهاية مفتوحة على كل الاحتمالات.

(٢٣) حسين

الابن الأوسط، أشبه الأبناء بالأم العظيمة، ويستمر في التضحية من أجل إنقاذ الأسرة حتى النهاية، ولكنه حين يتوظَّف بالبكالوريا ويتزوج ابنة جاره الموظف البسيط، يستمر أيضًا في طريق الأب الراحل، في إنجاب ذرية فقيرة تنهار بعد وفاة الأب الثاني، لتكتمل الدائرة المغلقة. ولا ينسى أديبنا الفذ حسه الكوميدي الراقي عندما يصف حقيبة ملابسه أنها تحتوي على «ملابس داخلية من نسختين»؛ ليثبت لدينا فكرة الموظف التقليدي! وبالرغم من راتبه الضئيل جدًّا (سبعة جنيهات) وبعد خصم ١٥٠ قرشًا للسكن، ٢٠٠ قرش للأكل، ثم ٢٠٠ قرش للأم، لا يتبقَّى سوى ١٥٠ قرشًا للكساء والنفقات النثرية، نجده يتساءل ألا يمكن أن يقتصد شيئًا في صندوق التوفير؟ كان يرى أن أمه بين النساء مثل ألمانيا بين الدول، كانت ترقع البنطلون، حتى إذا بلغ اليأس قلبته، فإذا أدركه اليأس مرةً أخرى قصَّت أطرافه وجعلت منه سروالًا داخليًّا، ثم تصنع من بعضه طاقيةً وتستعمل بقيته ممسحة، ولا يلفظه البيت إلا فتيتًا.

(٢٤) الأم

من أروع صور الأمهات في تاريخ الأدب العالمي؛ فهي الواعية بأبعاد المأساة، وهي التي تتَّخذ القرارات المصيرية، تقرِّر أن تنتقل إلى شقة أصغر في البدروم؛ لتوفير خمسين قرشًا، وهو هبوط طبقة بأكملها؛ حيث أصبح رأس من يقف بالنافذة تحت أقدام السائرين بالحارة. أصبحوا في الدرك الأسفل من الحارة الفقيرة أصلًا. يصفها أديبنا الرائع: «الأم وحدها كانت عصب حياة الأسرة، في سبيل الأسرة انهد حيلها، وهرمت في عامين كما لم تهرم خلال نصف قرن؛ فنحلت وهزلت حتى استحالت جلدًا وعظمًا، بيد أنها لم تستسلم للمحنة، ولم تعرف الشكوى، ولم تتخلَّ عن سجاياها الجوهرية من الصبر والحزم والقوة.» هي التي تقرر أن تعمل ابنتها بالخياطة وتقمع معارضة حسنين، هي التي تقبل خطبة ابنها حسنين على ابنة الجار الموظف فقط من باب الخوف من قطع العلاقات، وهي حريصة أشد الحرص على هذه العلاقات. هي التي تسافر إلى طنطا إلى «حسين» لتمنع زواجه من بنت الباشكاتب؛ لأن هذا الزواج سيحرم الأسرة من الجنيهين اللذين يدعم حسين بهما الأسرة: «أنت لا تدري من أمر الناس شيئًا، لعل جيرانك أناس طيبون ولكنهم لا يحفلون إلا بمصلحتهم، وإذا حافظت على جيرتهم كرهتنا وأنت لا تدري.» ولم تغادر طنطا إلا بعد أن غادر حسين مسكن الباشكاتب.

ثم هي التي تعتذر لزوجها في مشهد غاية في الجمال وتقول له: «يحز في نفسي ألَّا أجد فراغًا للحزن عليك يا سيدي وفقيدي، ولكن ما الحيلة، حتى الحزن نفسه محرَّم على أمثالنا من الفقراء.» والأم في هذه الرواية ظلَّت شخصيةً ثابتةً على الصبر والتحمل والحنكة في إدارة شئون البيت في أجل الظروف؛ فهي شخصية قنوعة وراضية، فيما لم ينبعث منها أية معطيات تشير إلى نمو هذه الشخصية النمطية، وشديدة الواقعية. وحسين يرى نفسه ممثِّلًا لكل البشر التعساء فيقول: «أنا لست إنسانًا مستضعفًا، بل أنا أُمثِّل كل البشر المستضعفين.» ويكوِّن حسين أسرةً جديدةً بزواجه من بهية، وبالتالي يسود التفاؤل أيضًا في الرواية المأساوية.٤٠

(٢٥) الأب

كان للأب في الرواية سطوة وإرادة لا تُعارَض؛ فهو يفكر عوضًا عن أفراد أسرته، ويتدخَّل في كل أمورهم، ويصمم بدلًا منهم في جمع أمور الحياة، حتى في الزواج، ورفض الخطوبة وانتخاب الزوج. وطاعة الأب كانت من تقاليد الأسرة وآدابها فيما يعتبر رفضها بمثابة الجمود والطغيان؛ لذلك كان التمرُّد على هذه السيادة يدور في أعماق الشخصيات لتتحوَّل إلى دوافع نحو سلوكيات مرفوضة اجتماعيًّا. ويعود الأب مرةً واحدةً في الرواية، بعد عام من وفاته. يقول أديبنا الفذ: «لو أُتيح للأب أن يعود إلى الحياة مرةً أخرى؛ لأزعجته الدهشة لِما طرأ من تغيُّر على أسرته، شمل الأرواح والأجساد والصحة ونظرات العين، ولكن حتمًا كان سيعرفهم، سيعرف أن المرأة هي زوجه، وأن الأبناء أبناؤه. أمَّا الذي ينكره، ولا يعرفه مهما أجهد ذاكرته فهو البيت، اختفى الأثاث أو كاد، فلم يبقَ بحجرة الاستقبال إلا كنبة واحدة وبساط باهت كالح.»

(٢٦) المكان (غرفة الأب)

تبدأ أحداث الرواية بوصف المكان من الجملة الأولى: «ألقى الضابط نظرةً كئيبةً على الردهة — المكان — الطويلة التي تُفتح عليها فصول السنتين الثالثة والرابعة» (الرواية: ص١). ثم يقدِّم وصفًا للمدرسة (ص١)، والفصل الثالث والرابع (ص٢)، وشارع شبرا (ص٣). يقول السارد: «وارتقيا السلم مهرولين إلى الدور الثاني، فوجدا باب الشقة مفتوحًا (ص٧)، وغادر الشقيقان الشقة إلى باب العمارة (ص٩). مكان المقبرة، يقول حسنين: «لماذا لم يبنِ والدنا مقبرةً تليق بأسرتنا؟» (ص١٤).

وقال السارد يصوِّر أمتعة البيت — المكان — لمَّا دخل حسين وحسنين إلى بيت المرحوم بعد وفاته بساعات قليلة ليُلقيا نظرةً أخيرة: «فتراجعا خطوتين، وتولَّى حسنين عناد طارئ فتوقف. وشجَّع به حسين فتوقف كذلك، وجال بصرهما بالحجرة فيما يشبه الذهول، وكأنهما كانا يتوقعان تغيُّرًا شاملًا لا يدريانه، ولكنهما وجداها كالعهد بها لم يتغير منها شيء؛ هذا الفراش على يمين الداخل، والصوان في الصدر يليه المشجب، وإلى اليسار الكنبة التي ارتمت عليها الأخت، وقد أُسند إلى حافتها عود انغرست ريشته بين أوتاره، وثبتت عيناهما على العود في دهشة ممزوجة بالحزن. طالما لعبت أنامل الراحل بهذه الأوتار، وطالما التفَّ حولها الأصدقاء مطربين يستعيدون ويعيد، فما أعجب ما بين الطرب والحزن من خيط رقيق، أرق من هذا الوتر! ثم مر بصرهما الحائر بساعة الراحل على خوان غير بعيد من الفراش، لا تزال تدور باعثةً دقاتها الهامسة، ولعل الراحل قرأ فيها آخر تاريخ له في الدنيا وأوَّل عهدهما باليتم. وهذا قميصه على المشجب وقد لاحت آثار عرقه ببنيقته، فرنَوا إليها بحنان عميق، وقد بدا لهما في تلك اللحظة أن عرق الإنسان أشد ثباتًا من حياته العظيمة» (الرواية: ص٨).

(٢٧) المكان (البيت والأثاث)

في الرواية (بداية ونهاية) تلتجئ الأم إلى بيع الأثاث الموجود في المنزل بعد وفاة رب الأسرة (علي كامل)؛ لتعيل أولادها وتتكيَّف مع الأوضاع السوسيو-اقتصادية المعقدة؛ لأن الأب كان العمود الفقري بالنسبة للطبقات المتوسطة في المجتمع المصري أثناء الاحتلال. وللأثاث في الرواية دلالات اجتماعية وطبقية، وأبعاد أيديولوجية مفتوحة؛ لأنها تعبير عن فقر الأسرة واضمحلالها الطبقي، ونزول من درجة اجتماعية إلى أخرى أدنى منها، مما سينعكس على تصرفات الشخصيات الثلاث المحورية في الرواية وهي؛ حسن وحسنين ونفيسة، التي التجأت إلى الثورة والرفض والتمرُّد عن الأشياء، وعجزها عن تحقيق التوازن الطبقي، بينما اختار حسن الصعلكة لتحقيق ذاته بطريقة عبثية وجودية. بيد أن هذه الشخصيات الثلاث كانت مصائرها ذات طابع إشكالي، انتهى بها الواقع إلى القلق النفسي والاجتماعي والانتحار والموت.

ويقارن نجيب محفوظ في هذه الرواية بين نوعين من الطبقات الاجتماعية؛ الطبقة الدنيا من خلال افتقارها للأشياء والأثاث اللازم والضروري، والطبقة الأرستقراطية التي تنعم في الثراء المادي وامتلاك التحف الأثرية والأثاث الذي يتغيَّر من ظرف زمني لآخر، حسب الموضات والتطورات التقنية؛ فأحمد بك يسري يملك عالمًا فضائيًّا مؤثثًا بالأشياء الثمينة التي تعبِّر عن التطلُّعات البرجوازية لهذه الشخصية المتخمة. بينما أسرة المرحوم علي كامل تفتقر إلى أدنى الحاجيات التي بها تتوازن الحياة وتعتدل القيم.

ولمعرفة الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسرة يقول التاجر: «لا أدفع مليمًا واحدًا أكثر من الثلاثة الجنيهات.» قالها تاجر الأثاث وهو يلقي نظرةً على فراش المرحوم، ولم تَعُد تجدي مساومة الأم. وكانت قد أجمعت على بيع الفراش ولوازمه؛ لما يثير وجوده من الأحزان، ولأنها باتت في مسيس الحاجة إلى نقود، وكانت ترجو له ثمنًا أكثر من هذا لعله يسد بعض عَوَزها المُلِح إلى النقود، ولكنها لم تجد بُدًّا من الإذعان، فقالت للتاجر: «غلبتنا سامحك الله، ولكنني مضطرة للقَبول» (الرواية: ص٤٣).

ودفع الرجل إليها بالجنيهات الثلاثة وهو يُشهد الله أنه المغلوب، ثم أمر تابعَين بحمل الفراش، واجتمعت الأسرة في الصالة تلقي نظرة الوداع على فراش فقيدها المحبوب (الرواية: ص٤٤).

يصوِّر لنا هذا المقطع على الرغم من مأساويته الفظيعة وبُعده الدرامي الاجتماعي فلسفة الأثاث تصويرًا عميقًا قائمًا على الرؤية الإنسانية والمشاعر المرهفة التي قوامها الحزن واليأس والضياع الوجودي والواقعي، ويحدد لنا النص أيضًا أبعاد الأثاث الذي له بعدان متقاطعان؛ البعد الاقتصادي، يتمثَّل في حاجة الأم إلى النقود لإعالة الأسرة والتكيُّف مع مصاعب الحياة ومشاكلها ومشاغلها، وهذا يؤكِّد مدى الفقر المدقع الذي تعيشه الأسرة، وحاجتها الماسة إلى الجنيهات لتدبِّر أحوالها والظهور بالمظهر اللائق أمام الآخرين، كما نلاحظ أن الأثاث لم يعطِ فيه التاجر إلا ثمنًا زهيدًا مما يترتب عنه عدم قيمته وبهوت وظيفته التزيينية، ونقص دوره الديكوري والجمالي.

أما البعد الثاني فهو سيكولوجي؛ حيث يذكِّر الفراش أفراد الأسرة بالمرحوم، فوجود متاعه — هو بطبيعة الحال — يمثِّل وجود الأب في شكل ذكريات، يذكِّر الأم ويؤرقها ويشعل فيها نار الحزن والألم. لذا، فبيع الفراش تأشير على النهاية والضياع الأبدي، وتأكيد النهاية الميتافيزيقية لوجود الإنسان.

هذا، وإن نجيب محفوظ لما يصور البيت وأثاثه يسبغ عليه مشاعر إنسانية في شكل صور روائية متوترة، يتداخل فيها الشيء والإحساس الإنساني عبر علاقات شعورية ولا شعورية، ملؤها الصدق والمعاناة البشرية الذاتية والانفعالية الصادقة. وقال السارد يصوِّر أمتعة البيت لمَّا دخل حسين وحسنين إلى بيت المرحوم بعد وفاته بساعات قليلة ليُلقيا نظرةً أخيرة، فبدونه تئول الأسرة إلى الضياع والفقر والجوع المحتوم. وهكذا قرَّرت الأم بعد دفن الفقيد بيع ممتلكات المنزل؛ من دولاب وملابس المرحوم والمرآة الكبيرة التي توجد في وسط الدار؛ لتوفير نفقات الأسرة؛ لأن معاش زوجها لم يَعُد يكفي لسد حاجيات أبنائها حسن وحسين. رسم نجيب محفوظ تفاصيل البيت كلوحة تشكيلية رائعة بكل روعة توزيع الإضاءة الخافتة لتوفير النفقات، وبُعد بيع الأثاث وزجاج النافذة الذي كسره حسين إثر شجار مع حسنين. ويصل إلى قمة عالية غير مسبوقة في مشهد بيع المرآة: «كان الرجل الذي يحمل مؤخرة المرآة قصيرًا، فحُملت المرآة في وضع مائل، ورأت سطحه ينعكس عليه ركن سقف الصالة، متأرجحًا بحركة الرجلين كأنما سرى بأوصال البيت زلزال» (الرواية: ص٤٩).

١  نجيب محفوظ: بداية ونهاية، مكتبة مصر، القاهرة، ١٩٧٧م.
٢  إبراهيم القهوايجي: المنحى الواقعي في رواية بداية ونهاية لنجيب محفوظ، ب. د، ٢٠٠٧م.
٣  سامي علي: رسوم البغايا، المجلة الجنائية القومية، المجلد الأول، العدد الثاني، القاهرة، يوليو ١٩٥٨م.
٤  عبد المنعم المليجي: صورة الإنسان في أذهان البغايا، القاهرة، المجلة الجنائية القومية، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، عدد ٢، ١٩٥٨م.
٥  المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: البغاء في القاهرة، مسح اجتماعي ودراسة إكلينيكية، القاهرة، ١٩٦١م.
٦  نجية إسحاق عبد الله: سيكولوجية البغاء، دراسة نظرية وميدانية، القاهرة، مكتبة الخانجي، ١٩٨٥م.
٧  محمد عارف: طريق الانحراف، بحث ميداني في احتراف البغاء، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٨٦م.
٨  سامية محمد صابر: دراسة العوامل النفسية التي تكمن وراء ظاهرة البغاء، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة بنها، ١٩٩٢م.
٩  رضوى محمد فرغلي: في ديناميات الموقف الأوديبي وصورة الجسم لدى البغايا القاصرات، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة الزقازيق، ٢٠٠٥م.
١٠  إيناس سمير الشربيني: دراسة في سيكوديناميات البغاء وصورة الجسم لدى البغي، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة الزقازيق، ٢٠١٠م.
١١  علي كمال: الجنس والنفس في الحياة الإنسانية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ١٩٩٤م.
١٢  يحيى الرخاوي: الانحراف الجنسي إعادة قراءة مصطلح قديم، شبكة العلوم النفسية، ٢٠٠٥م www.arabpsynet.com.
١٣  فرج أحمد فرج: التحليل النفسي وقضايا العالم الثالث، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ٢٠٠٧م.
١٤  أحمد فائق: الأمراض النفسية الاجتماعية، دراسة في اضطراب علاقة الفرد بالمجتمع، القاهرة، دار أتون للطباعة والنشر، ١٩٨٣م.
١٥  صلاح مخيمر: المفاهيم المفاتيح في علم النفس، القاهرة، الأنجلو المصرية، ١٩٨١م.
١٦  هدى محمود: البناء النفسي للمضطربات جنسيًّا، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة عين شمس، ٢٠١٠م.
١٧  إيناس الشربيني: مرجع سابق، ٢٠١٠م.
١٨  إيناس الشربيني: مرجع سابق، ٢٠١٠م.
١٩  أحمد فائق: مرجع سابق، ١٩٨٣م.
٢٠  نجية إسحاق عبد الله: مرجع سابق، ١٩٨٥م.
٢١  حسين عبد القادر وفرج طه وشاكر قنديل ومصطفى كامل: موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ٢٠٠٩م.
٢٢  نيفين زيور: صورة الجسم، دراسة في التحليل النفسي لدى الأطفال العصابيين باستخدام أدوات البحث الإكلينيكي، رسالة دكتوراه، كلية الآداب، جامعة عين شمس، ١٩٧٩م.
٢٣  Richard Boothby: death and desire “psychoanalytic theory in lacan’s return to Freud”. Rutledge; New York and landon. 1991.
٢٤  أحمد فائق: مرجع سابق، ١٩٨٣م.
٢٥  سامي علي: العوامل الشخصية في البغاء، القاهرة، منشورات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، ١٩٦١م.
٢٦  عبد المنعم المليجي: مرجع سابق، ١٩٥٨م.
٢٧  نجية إسحاق عبد الله: مرجع سابق، ١٩٨٤م.
٢٨  نجيب محفوظ: بداية ونهاية، القاهرة، مكتبة مصر، ١٩٧٧م.
٢٩  إبراهيم القهوايجي: المنحى الواقعي في رواية بداية ونهاية لنجيب محفوظ، ب. د، ٢٠٠٧م.
٣٠  نجيب محفوظ: بداية ونهاية، القاهرة، مكتبة مصر، ١٩٧٧م.
٣١  نجيب محفوظ: بداية ونهاية، القاهرة، مكتبة مصر، ١٩٧٧م.
٣٢  مجمع اللغة العربية: المعجم الوجيز، القاهرة، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، ٢٠٠٧م.
٣٣  خالد محمد عبد الغني: نفيسة نجيب محفوظ، مجلة الرواية، العدد ١٨، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠١٦م.
٣٤  خالد محمد عبد الغني: نجيب محفوظ بين الأسطورة والتحليل النفسي، دار العلم والإيمان، دسوق، ٢٠١٦م، ص١١٦.
٣٥  إيناس سمير الشربيني: دراسة في سيكوديناميات البغاء وصورة الجسم لدى البغي، رسالة ماجستير، قسم علم النفس، كلية الآداب، جامعة الزقازيق، ٢٠١٠م.
٣٦  خالد محمد عبد الغني: نجيب محفوظ بين الأسطورة والتحليل النفسي، دار العلم والإيمان، دسوق، ٢٠١٦، ص١١٩.
٣٧  نقلًا عن فوزية العشماوي: المرأة في أدب نجيب محفوظ، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٥م، ص١٣٠.
٣٨  حسن عطية: نجيب محفوظ في السينما المكسيكية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٥م.
٣٩  عبد الرحمن أبو عوف: الرؤى المتغيرة في روايات نجيب محفوظ، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٢م.
٤٠  كلارا براندابور: البطولة الرواقية في الروايات الواقعية عند توماس هاردي ونجيب محفوظ، ترجمة أيمن فؤاد رضوان، مجلة ضاد الصادرة عن اتحاد الكُتَّاب المصريين، نوفمبر ٢٠٠٦م، ص١٦٢–١٦٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١