الفصل السادس

الرمز والإزاحة والتكثيف في أحلام فترة النقاهة

وأخرج من جيبه مسدسًا، صوَّبه نحونا بيد مرتجفة؛ فتفرَّقنا في الحديقة تطاردنا لعناته وشتائمه.١

***

(١) أمَّا قبل

إن مفهوم الحكمة عند الأديب الكبير نجيب محفوظ يعيد تكوين التوجُّهات الفلسفية الإنسانية بشكل يلتبس فيه المدلول الثقافي الكامن بالظواهر الافتراضية الفريدة والشخصيات كعلامات غير قابلة للاختزال، ولذا فهناك ثراء في النص المحفوظي لدرجة قابليته للكثير من التأويلات الممكنة.٢
ولذلك فحين تحاول الوقوف في رحاب نجيب محفوظ، وأمام إبداع «أحلام فترة النقاهة» كونه شكلًا جديدًا من أشكال السرد الأدبي، وإعجازًا آخر يضاف لنجيب محفوظ فلا بد أن تقلق، وهذا ما عشته منذ أن بدأت أفكِّر في هذا الوقوف في تلك الرحاب، وبخاصة أن هذا الشكل التجريبي العجائبي للكتابة السردية الذي يبدو وكأنه عفوي، ينطق على عمل مركب يقوم على النظام والأمانة المطلقة، ويحرِّر الموضوع والشخصية والحدث (الفعل الإبداعي) من آنية اللحظة وصدورها إلى آفاق المطلق ومداه اللانهائي واللاشخصي. والسرد هنا لا يسير في خط مستقيم، بل هو أشبه بارتماء الأمواج على الشاطئ وانسحابها عنه، ويثمر هذا التكنيك نصًّا متوهجًا محمومًا، ولكنه مكتوب بدقة ورهافة، وهو في النهاية استكشاف وتأويل للمسكوت عنه، والمضمر لأسرار الوجود والزمن، والموت والعدم، وفهم البحث عن تراجيديا الإنسان من المهد إلى اللحد.٣
وهذه الكتابة الإبداعية التي تأخذ في رأينا شكل آليات إخراج وعمل الحلم؛ إذ يكتب نجيب محفوظ إبداعًا جديدًا يشبه شكل الحلم من حيث مضمونه — محتواه، وطريقة إخراجه — الذي توصلت إليه نظرية التحليل النفسي على يد مؤسسها سيجموند فرويد frued، حيث تعتبر تلك النظرية أن للأحلام شكلًا ومضمونًا له دلالاته الخاصة، ويحضرنا هنا اعتراف نجيب محفوظ عن نفسه بأنه لم يقرأ كتاب تفسير الأحلام لفرويد، والذي ترجمه للعربية العلامة والفيلسوف والمحلل النفسي مصطفى صفوان، ومحاولين من جانبنا، ونأمل أن يحالفنا التوفيق، التوصُّل إلى أن نجيب محفوظ يصدر عنه إبداع هذا الشكل الفني الجديد، كما يصدر النور عن الشمس الذي يأخذ ألوانًا متباينةً خلال فترة النهار؛ ففي الصباح يكون لون الضوء مختلفًا عن وقت الظهيرة، وأيضًا عند لحظات الغروب. فقد كتب نجيب محفوظ روايته التاريخية في البداية، ثم الرواية الواقعية، ثم الرواية الرمزية، وأخيرًا الأحلام — ذلك الشكل واللون الإبداعي الجديد — وخطتنا في قراءة أحلام فترة النقاهة ستقوم على اعتبارها شكلًا أدبيًّا جديدًا، وليست أحلامًا بأي من نوعيها؛ أحلام النوم أو أحلام اليقظة.
وقد غلب على هذا الشكل من الإبداع أنه كتابة أدبية رائقة مُحمَّلة بكل ألوان الصور البلاغية والتعبيرات العاطفية والرمزية والصوفية، التي تناسب المرحلة العمرية التي بلغها نجيب محفوظ، وقد صيغت تلك الكتابة الأدبية وفق آليات إخراج الأحلام، من حيث الرمزية الدالة على نجيب محفوظ، والتكثيف والإزاحة، وسنبحث عن رمزية المرأة باعتبارها الحياة، التي تتفق مع عمق رؤية نجيب محفوظ، ومعتمدين في دراستنا الحالية على التحليل النفسي الذي لم يَعُد مجرد كشف عن الصراعات النفسية أو العُقَد التقليدية الموجودة في العمل الأدبي، بقدر ما عليه أن يوضِّح وأن يصف لغة العقل الباطن الرمزية، وما لها من خصائص أصيلة، وأن الظاهرة النفسية والدال قد انعتقا من البيولوجيا لتدخل إلى عالم السيميولوجيا — علم المعاني — فالعمل الأدبي أصبح يمثل الخطاب الشرعي للظاهرة النفسية. وإن التحليل اللاكاني — نسبة إلى جاك لاكان Lacn — للأدب قد تأسَّس وفقًا لبنية ذلك الخطاب، من خلال التفسير البنيوي للاستعارة والكناية، تلك التي تمثل اللعب البشري من خلال الرمز أو العلامة، حيث تستعيد الذات بنيتها عبر بنية اللغة بدءًا وعودة، وعودةً وبدءًا، في علاقة توسُّطية بين وجهَي الظاهرة النفسية؛ وهما الشعور واللاشعور، وعلاقة توسُّطية بين وجهي اللغة؛ وهما الدال والمدلول، ليصل إلى نتيجة مؤداها أن المرسل يتلقَّى من المستقبِل الرسالة التي أرسلها إليه في شكل معكوس، وأن الرسالة دائمًا تصل إلى مقصدها.٤

(٢) قراءات سابقة لأحلام فترة النقاهة

في مقال بعنوان «أحلام‏ ‏نجيب محفوظ هل تُعَد من قبيل المنامات، أم هي أحلام يقظة؟»: «أمَّا حول كيفية‏ ‏تعامل‏ ‏التحليل‏ ‏النفسي ‏مع‏ ‏هذه‏ ‏الأحلام‏‏، للأسف‏، ‏فإن‏ ‏التحليل‏ ‏النفسي ‏على ‏ما‏ ‏له‏ ‏من‏ ‏سمعة‏ ‏وغواية‏ ‏أعجزُ‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يتعامل‏ ‏مع‏ ‏هذه‏ ‏الأحلام‏، ‏التحليل‏ ‏النفسي ‏أرقى ‏قليلًا ‏من‏ ‏تفسير‏ ‏ابن‏ ‏سيرين؛‏ ‏لأنه‏ ‏أقل‏ ‏حسمًا ‏في ‏تعميم‏ ‏و‏‏ترجمة‏ ‏الرموز‏، ‏ثم‏ ‏إنه‏ ‏لا‏ ‏يقوم‏ ‏بتحليل‏ ‏حلم‏ ‏منفرد‏ ‏إلا‏ ‏في ‏سياق‏ ‏التداعي ‏الحر‏ (‏وفي ‏النقد‏ ‏الأدبي ‏في ‏سياق‏ ‏كلية‏ ‏النص‏)، ‏وكل‏ ‏هذا‏ ‏تأليف‏ ‏لاحق‏ ‏لا‏ ‏علاقة‏ ‏له‏ — عادةً‏ وأبرز ما في هذا الحلم أنه — ‏بالحلم‏.‏ ‏الحلم‏ ‏بعد‏ ‏الاكتشافات‏ ‏الفسيولوجية‏ ‏ودراسات‏ ‏التعلم‏ ‏والإبداع‏ ‏الأحدث‏ ‏هو‏ ‏أهم‏ ‏وأكثر ‏دلالة،‏ وأعمق‏ ‏توظيفًا‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏جاء‏ ‏في ‏التحليل‏ ‏النفسي ‏الكلاسيكي ‏مما‏ ‏لا‏ ‏مكان‏ ‏لتفصيله‏. و‏لا‏ ‏أُخفي ‏عليك‏ ‏أنني ‏تصورت‏ ‏أن‏ ‏ناقدًا ‏من‏ ‏هواة‏ ‏التحليل‏ ‏قد‏ ‏ينمو‏ ‏إلى ‏علمه‏ ‏ما‏ ‏يرجِّحه‏ ‏فرويد‏ ‏بالنسبة‏ ‏لأحلام‏ ‏الطيران‏ ‏من‏ ‏مغزًى ‏جنسي ‏مباشر‏، ‏فيترجم‏ — ‏مثلًا — ‏نهاية‏ ‏حلم‏ «١٠» ‏من‏ ‏أحلام‏ ‏نقاهة‏ ‏شيخنا‏ ‏إلى ‏هذا‏ ‏المفهوم‏ ‏الجنسي ‏تعسُّفًا‏.»٥
وفي دراسة حول تحليل دلالة المكان في أحلام فترة النقاهة — ولكن الدراسة حملت عنوان «إبداع‏ ‏الحلم ‏وأحلام‏ ‏المبدع» وهذا يتعارض مع المضمون — ونعرض هنا لواحد من تلك الأحلام التي تم تحليلها وهو حلم‏ «١٤٤»: «‏نظرت‏ ‏في ‏ظلمات‏ ‏الماضي ‏فرأيت‏ ‏وجه‏ ‏حبيبتي ‏يتألَّق‏ ‏نورًا ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏دام‏ ‏غيابها‏ ‏خمسين‏ ‏سنة‏، ‏فسألتها‏ ‏عن‏ ‏الرسالة‏ ‏التي ‏أرسلتها‏ ‏لها‏ ‏منذ‏ ‏أسبوع،‏ ‏فقالت‏ ‏إنها‏ ‏وجدتها‏ ‏مفعمةً ‏بالحب‏، ‏ولكنها‏ ‏لاحظت‏ ‏أن‏ ‏الخط‏ ‏الذي ‏كُتبت‏ ‏به‏ ‏ينم‏ ‏عن‏ ‏إصابة‏ ‏كاتبه‏ ‏بداء‏ ‏الخوف‏ ‏من‏ ‏الحياة، ‏وبخاصة‏ ‏من‏ ‏الحب‏ ‏والزواج. ‏ولما‏ ‏كانت‏ ‏مصابةً‏ ‏بنفس‏ ‏الداء‏؛ ‏فقد‏ ‏عدلت‏ ‏عن‏ ‏الذهاب‏ ‏إليك،‏ ‏وفكَّرت‏ ‏في ‏النجاة‏، ‏فلاذت‏ ‏بالفرار‏.»‏ كيف‏ ‏عرَّى ‏محفوظ‏ ‏الخوف‏ ‏من‏ ‏الحياة‏ ‏ومن‏ ‏العلاقة‏ ‏بالآخر‏ (‏الحب‏) ‏هكذا‏ ‏وهو‏ ‏في ‏هذه‏ ‏المرحلة‏، ‏مع‏ ‏كل‏ ‏الإعاقة‏ ‏والصعوبة!‏ ‏كيف‏ ‏كثَّف‏ ‏الزمن‏ ‏قفزًا ‏عبر‏ ‏نصف‏ ‏قرن‏؟ ‏كيف‏ ‏عمَّم‏ ‏هذا‏ ‏الخوف‏ ‏بين‏ ‏الطرفين‏ ‏بهذه‏ ‏الدقة؟‏ ‏كيف‏ ‏كان‏ ‏الهرب‏ ‏هو‏ ‏الحل‏ ‏في ‏مواجهة‏ ‏هذا‏ ‏الخوف‏ ‏المتبادل؟ نجح‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏أن‏ ‏يلغي الزمن،‏ ‏وأن‏ ‏يختزل‏ ‏خمسين‏ ‏عامًا ‏ليتواصل‏ ‏الحوار‏: ‏خطاب‏ ‏العتاب‏ ‏من‏ ‏أسبوع،‏ ‏والفراق‏ ‏من‏ ‏نصف‏ ‏قرن‏، ‏والرد‏ ‏المؤجل‏ «‏الآن‏».٦
وهل من الصواب أن يقول أحد النقاد: «وفي هذا الجو تحضر الأنثى بشكل مكثف في معظم الأحلام، ويتكشَّف نزق محفوظ وولعه بها إلى حد «الشقاوة»، بخاصة في مراحل الصبا والشباب، وبحكم آلية التعويض والاسترجاع التي يفرضها الحلم، تتعدَّد صورة الأنثى في أحلام النقاهة؛ فهي الحبيبة والزوجة، وهي العشيقة، وهي الغانية بائعة الهوى، وهي اللصة التي تسرق الجيوب والقلوب، وهي الشريدة الضائعة الساقطة من غربال الواقع والحياة، وهي الصديقة والزميلة، وهي الأخت والأم. وباستثناء صورة الأنثى الأم والزوجة والأخت، تبدو صورة الأنثى — في معظم الأحلام — مضطربةً ومشوَّهة، بل أحيانًا مبتذلة، لكنها مع ذلك تمتلك القدرة على الإغواء وإثارة الشهوة. في هذه الأحلام وغيرها نلاحظ أن الحب وصبوات الجسد يرتبطان دائمًا بفكرة المطاردة والملاحقة، وبخاصة من رجال الشرطة والأمن. وتتكرَّر هذه الرمزية بهواجس ورؤًى مختلفة، وكأنها تلمِّح لإسقاطات سياسية معينة؛ فمطاردة وملاحقة الحب ولحظات المتعة العابرة للكائن، وفي أضيق مساحة للحلم، تعني حصارًا ونفيًا لكينونته على شتى المستويات. أتصوَّر أن شهوة الحلم لدى محفوظ بخاصة في سنه المتقدمة تستدرجه بشكل لا إرادي إلى منطقة اللذة الحسية، والتي أصبح بحكم هذه السن يصعب تحقيقها وإرواؤها؛ لذلك كان هذا الحضور المكثَّف لنسائه وذكرياته وشطحاته معهن نوعًا من التعويض، وفي الوقت نفسه نوعًا من البحث عن سلطة مفتقدة، أو بمعنًى آخر سلطة محرمة؟»٧
وفي الوقت نفسه كتب محمد المخزنجي يقول: «وما إن بدأت التفكيك — يقصد تحليل أحلام نجيب محفوظ الواردة في الكتاب — حتى أصابني الفزع؛ فقد وجدت نفسي أسير في عكس الاتجاه الذي يسلكه الكيميائي الذي أحبه وأثق فيه، وبدلًا من تحويل التراب إلى ذهب، أحوِّل الذهب إلى تراب، تراب تفكيك الرموز وتعريتها، أي نزع سحر الفن عنها. فمن الصواب أن نتكلَّم عن سحر الفن، هو ذاك سحر الفن الذي كنت على وشك الإجرام في حق نفسي بتفكيك رموزه وتعريتها وأنا أشرع في الكتابة عن أحلام فترة النقاهة، وهو جرم لا ينبغي اقترافه؛ من أجل الحفاظ على أهم ما يمنحه الفن، أي التأثيرات الوجدانية القادرة على الارتحال بنا إلى احتمالات لا نهائية من الإيحاءات، وزخم الصور، ومحيطات الرموز. وما هي بمجرد أحلام، نعم. لقد استخدم أستاذنا الكبير أهم خصائص الحلم في صياغة نصوصه السردية تلك، من تكثيف شديد يضمر في إيجازه سعةً هائلةً من الأفكار والمحتوى والمادة النفسية، والتحويل الذي يموِّه الرئيس ويبرز العارض، والتصوير الذي يعرب عن مقاصد الكلام الخافية بمشاهد ورموز مخبأة في المشاهد، ورفع الحواجز بين الأزمنة والأماكن، ليكون هناك زمن واحد هو حاضر الحلم السرد، واعتماد اللامعقول، واللااجتماعي، كل ذلك يوهم بأننا نقرأ أحلامًا، لكنها ليست بأحلام، وتحديدًا ليست بأحلام نوم، وقد أوضح الأستاذ ذلك عندما صرَّح به.»٨ وظهرت دراسة حول الإبداع الأدبي والجنون والحلم وعلاقة محفوظ برموز السلطة ورموز الدين: «نجيب محفوظ قد تجاوز الرابعة والتسعين من عمره وما زال يبدع، وإبداعه في هذه المرحلة غاية في التجريد والمرونة والعمق وسرعة الإيقاع، وهذه ظاهرة تستحق الدراسة والتأمُّل على المستوى العلمي والأدبي والإنساني؛ فعلى المستوى العلمي كيف نتصور هذا الإبداع بتلك المواصفات في وجود مرض السكري المزمن، وتصلُّب شرايين المخ، بسبب السن وبسبب السكري، وضعف البصر، وضعف السمع، وغيرها من المشاكل التي نتوقع علميًّا أن تؤثر على كفاءة المخ، خاصةً في وظائفه العليا التي تقوم على التجريد والاستنباط والتفكير الرمزي متعدد المستويات، والإخراج الجمالي الأدبي للفكرة في أزهى صورها وبإيقاع سريع يكاد لا يبلغه شاب في العشرين، وبروح مرحة وساخرة وموجهة وموقظة؟ وما هو سر الدافعية التي لا تهدأ، بل تدفع دائمًا نحو الإبداع في وقتِ كلَّ فيه الجسد وضعفت كل الحواس؟ حتى إنه كان يكتب ويداه مضطربة الحركة بسبب إصابة عصب اليد في الحادث الذي تعرَّض له، وهو الآن ما زال يكتب على الرغم من أنه لا يرى ما يكتبه بسبب ضعف حاسة البصر. وعلى المستوى الأدبي ننظر ونتعجب؛ كيف يستطيع شخص قد تجاوز التسعين أن ينشئ فنًّا أدبيًّا جديدًا وهو الأحلام، يُسقط عليه كل هذا الجمال الأدبي، وكل تلك المعاني العميقة؟ وعلى المستوى الإنساني لو استخدمنا حسابات البشر العادية لتساءلنا ببلاهة: وماذا يريد الرجل أن يقول بعد الذي قاله؟ وماذا يريد أن يبلغ بعد كل ما بلغه؟ وماذا يريد أن يأخذ بعد كل ما أخذ؟ ويحدد هدف دراسته بأنها لن تقوم بتفسير أحلام فترة النقاهة للأستاذ الكبير نجيب محفوظ، وإنما سيقوم بقراءة الحلم ثم يترك الأفكار تتداعى بحرية، وأحيانًا بدون ترابط حول رموز الحلم، وبما أنها تداعياته الشخصية فيمكن أن تتعدَّد حول الحلم الواحد ويبقى الحلم نفسه قابلًا للمزيد من الرؤى، وهذه هي عظمة الأدب الرمزي وعظمة ما كتبه نجيب محفوظ.»٩
وحديثًا ظهر مقال بعنوان «مع أحلام نجيب محفوظ» وهو مقال احتفائي يبدو وكأنه كُتب على عجل — يتجاوز قليلًا الصفحات الثلاث — وقد تناول تأريخًا قصيرًا لإبداعات نجيب محفوظ، وتعريف البلاغة، ومظاهرها في بعض أعماله، وكان في ختامه عرض لآخر ثلاثة أحلام كتبها نجيب محفوظ.١٠
كما جاءت دراسة حملت عنوان «أحلام فترة النقاهة لنجيب محفوظ مقاربة نقدية في البنية التشكيلية والرمزية»، تناولت جوانب تتعلَّق بالجماليات الفنية للأحلام؛ وهي اللغة والفكر والرمز، باعتبارها القاسم المشترك في جميع الأحلام، ثم يقدم مجموعةً من الأحلام وتطبيق الجماليات الفنية عليها. ويبدو عليها التعمُّق والجهد المبذول ومحاولة إضاءة الطريق لفهم أعمق للأحلام.١١
ويظهر مقال بعنوان «غواية الستر في «أحلام فترة النقاهة»» ويفكِّك مؤلفه حسب قوله بعض أحلام نجيب محفوظ، ويفتتحها بقوله: «هذه محاولة لتحليل بعض هذه الأحلام من منظور المدرسة التفكيكية، فما الحلم في علم النفس إلا محاولة من العقل الباطن لتفكيك الواقع وإعادة تركيبه وفق منطق جديد.» ونعرض له «تفكيك الحلم ١١٨ من أحلام فترة النقاهة» حيث يقول نجيب محفوظ: «في ميدان محطة الرمل المزدحم دومًا بالبشر، ولمحت في ناحيته الرجل الذي تُردِّد كلماته الألوف وهو يغازل غانية، فهمست في أذنه: «إذا بليتم فاستتروا.» فقال: «وهل ثمة ستر أقوى من ملابسها».» ونقرأ التفكيك الذي كتبه أحمد سعيد حيث يقول: «من بين الأشياء «المحطة، الميدان، البشر»، حيث إمكانية التخفي تعجز أمام سحر الظهور، فلا مفر من أن يقع النظر على ساحر الكلمات، ويلمح الرجل الذي تردد كلماته الألوف في ميدان محطة الرمل، حيث لا نهائية الكلمات والمعنى، وإمبراطورية الرمز. محطة تقاطع، وفوضى الخطوط الرملية، وأثر عصا عراف الكلمات، وفضائية الدلالات، تلك المحطة التي تحمل كل مدارس المعرفة «طيبة، أثينا، روما، الإسكندرية، الجمالية»، هنا رمل المعرفة اللانهائي وامتدادها الدلالي، والزحام دال على تَشَظِّي المعرفة، وغياب المعنى، وفوضى الدلالة، فتختفي قراءة وفردية المعنى في زحمة الكلمات والأشياء، ويلمح الرائي في ناحية ميدان الكلمات الرجل الذي تُردِّد كلماته الألوف، مؤلف النص، حامل الكلمات، كاهن وساحر القبيلة، وإنه يحاور، ويجادل، يغيِّر ويبدِّل، ينسج خيوط الحكي والحكايا، ويغازل غانية الأسئلة والتساؤلات، ويغازل غانية الوجود، غانية المعنى، مثيرة الدهشة والشهوة واللهث وراء المجهول الوجودي في الكلمات والأشياء والمعاني والوجود والإنسانية، هي إيزيس التي تخصب الكلمات، هي غانية لذة النص ودفء الإثارة العقلية، ويهمس الحالم الرائي، ويشفق على ابتلائه بغواية الكلمات والأشياء، فيأمر الرجل الذي تُردِّد كلماته الألوف بالستر، فليس كل ما يُعرف يقال، والحقيقة «امرأة» مُرَّة، وآفة حارتنا النسيان، فهي لا تحتمل غواية غانية الكلمات وفوضى التساؤلات، وتخشى حرافيش المعاني. فالكتابة ابتلاء لكل ما هو مألوف وأليف ويقيني. يهمس في أذنه بالستر لأن غواني الأسئلة تخاف حارتنا من غزلها، فمن ابتُلي بداء الكتابة فعليه بستر المعنى خوفًا من صليب التابوهات ومصير الحلاج. ولأنه الرجل الذي تُردِّد كلماته الألوف الذي يعرف سر الكلمات ويمتلك شفرات سحرها، ومفاتيح بوابات الدوال، والدلالات والإشارات، والسياقات، فهو يعرف أن الستر قلب الغواية، والغموض وسحر اللفظ والمجاز أبو المعنى، فيجيب هل ثمة ستر أقوى من ملابسها؟ فهل أقوى من ستر غواية اللغة بالحكي، الرواية، واللفظ يقصر عن المعنى، فهل ثمة ستر في ميدان محطة الرمل المزدحم بالبشر أقوى من ملابسها «كلماتها»؟»١٢

من خلال استعراض بعض ما كُتب من دراسات حول كتاب أحلام فترة النقاهة، نلاحظ أن هناك احتفاءً يقدم رؤًى مهمةً تساعد في فهم النصوص؛ من أمثال عبد الرحمن أبو عوف، ويحيى الرخاوي، ومحمد المخزنجي، ومحمد المهدي، ومحمد سمير عبد السلام، وممدوح فراج النابي، وهناك من أفسد النصوص بتأويلاته مثل جمال قصاص. وصحيح أن يحيى الرخاوي أضاف إلى النصوص ما قد يفيد باعتباره كان من أصدقاء نجيب محفوظ وعاشره عن قرب، وربما قد تداعى أمامه — نجيب محفوظ — ببعض دلالات ورموز رواياته بما فيها أحلامه، ولكنه هاجم التحليل النفسي وإسهاماته في تأويل العمل الأدبي — كما سبق وأوضحنا في مقدمة الدراسة الحالية — معتبرًا التحليل النفسي وقفًا على فرويد وحده، ومتجاهلًا لكل الإسهامات اللاحقة من بعده وبخاصة في التراث الثقافي المصري على أيدي فرج أحمد فرج وتلامذته، الذين اهتموا اهتمامًا عظيمًا بتحليل أعمال نجيب محفوظ — لا يكفي المقام الحالي لذكر تلك الجهود — ومتحديًا أن يقوم مهتم بالتحليل النفسي بقراءة نصوص أحلام فترة النقاهة قراءةً تضيف إليها. هذه كانت واحدةً من دوافعنا، وكانت البداية، ثم كانت الدراسة الحالية.

(٣) الرمز وعلاقته بالحلم

إن رموز Symbols الحلم يتم استيفاؤها من المجتمع، ومن العادات والتقاليد، وتضع في اعتبارها تراث الشعوب والحكم والأمثال، وحتى تلك الرموز الجنسية في الأحلام — التي قال عنها فرويد بأنها تمثِّل السواد الأعظم من رموز الحلم — هي في النهاية أيضًا مستقاة من ثقافة الشعوب، أي من المجتمع، ومن ثم فإن الرمزية في الحلم هي رمزية اجتماعية. وإن الحلم هو صورة مختزلة للواقع، أو هو اختزال للعلاقات الاجتماعية عبر الرموز. وهكذا فإن الرمزية في الأحلام هي وريثة الحياة الاجتماعية التي يحياها الفرد، فهي نابعة من عاداتنا وتقاليدنا المتوارثة، فالفرد يكتسب الرمز ومعناه من أحداث الحياة الاجتماعية التي يعيشها، والتي يتفاعل فيها مع غيره من الأفراد. فالرموز ليست موروثةً داخل الفرد، بل هي نتاج للتفاعل الاجتماعي. ولذلك نجد أن أحلام صغار الأطفال تكون خاليةً من الرموز؛ لأن قدرة الطفل الصغير على تكوين الرموز وفهم معانيها لم تكتمل بعد، كما أن عقله ما زال قاصرًا عن إدراك فحش رغباته حتى يلجأ عمل الحلم لديه إلى الرموز. أمَّا الراشد فهو على العكس من ذلك، يستخدم الرموز في الحلم لأنه يفهم معانيها الاجتماعية، وأكثر إدراكًا لفحش رغباته وضرورة إشباعها بطريقة اجتماعية وفقًا لتقاليد المجتمع. وعلى هذا فإن الأحلام لا تقتصر في تعبيرها فقط على الدلالات الجنسية — كما يعتقد فرويد — ولكنها أعم وأشمل من ذلك لتعبر عن الدلالات الاجتماعية، وما الدلالات الجنسية سوى أحد جوانب الدلالات الاجتماعية.١٣

(٤) الرمز الدال على شخصية نجيب محفوظ

توصَّلنا من خلال متابعتنا للحرافيش إلى أن نجيب محفوظ قد استبصر نفسه في شخصية عاشور الناجي بطل ملحمة الحرافيش، وأن الكثير مما حدث له في حياته قد حدث ما يشبهه في شخصية عاشور الناجي، ولقد اعتبرنا ذلك نوعًا من الاستبصار بالمستقبل والمصير، قد أتى من عمق التجربة الإبداعية والإنسانية لدى نجيب محفوظ، وكان يشبه في ذلك كبار المتصوفة الذين استبصروا بمصيرهم مثل أبي منصور الحلاج.

وعندما تقرأ أحلام فترة النقاهة يتبيَّن أن هناك مساحةً من الرمز الدال على الماضي في حياة نجيب محفوظ، كما يتضح وجود بعض الرموز الدالة على بعض أمنياته في المستقبل، وخاصةً بعد رحيله عن الحياة (جسدًا فقط؛ إذ الخالدون لا يموتون أبدًا، وهو كذلك بلا ريب). فكان ذلك باعثًا للبحث عن الرمز الشخصي في أحلام فترة النقاهة، ومن ثم سنعرض لبعض الأحلام التي تعبر عن ذلك الرمز الشخصي.

الحلم رقم «١٤٥»

«هذا مهرجان عظيم جمع العديد من رموز الأُمَم، وناداني رئيس المهرجان وسلمني كرةً وهو يقول: إنها هدية المهرجان لك، وهي من الذهب الخالص، وانهالت عليَّ التهاني. ولمَّا رجعت أعلنت نيتي على التبرع بنصف الهدية لأعمال الخير؛ فجاءوا بمنشار وأخذوا يقسمونها، ولما وصل المنشار إلى باطن الكرة دوَّى المكان بانفجار مزلزِل، وتطايرت شظايا الضحايا من الإنسان والحيوان والنبات والجماد.»١٤
وقبل تفسير الحلم السابق سنعرض لتفسير قرأناه؛ حيث يقول صاحبه: «كما تكشف بعض الأحلام عن عنف مكبوت — يقصد لدى نجيب محفوظ ذلك المبدع الذي أحب الحياة والإنسان والجماد أيضًا (هذه العبارة من عندنا) — يتفجَّر في أقصى لحظات الحلم بالحب والسعادة، فيحوِّلها إلى كابوس ومأساة يتلاشى فيها معنى الحياة ومعنى البشر. يجسِّد محفوظ هذا العنف على نحو مدهش في حلم «١٤٥»، ويُخيَّل لي أنه يستبطن لحظة فوزه بجائزة نوبل، فأي عنف يضمره هذا الحلم الكابوسي؟ ألا تعكس ظلاله ما نشاهده من عنف في واقعنا الراهن؟»١٥

عندما نقوم بالبحث عن الرمز في هذا الحلم نجد أن نجيب محفوظ يستحضر حفل حصوله على جائزة نوبل، وأنه بالفعل قد تبرَّع بالجائزة لأعمال الخير، وينتقد بشدة أولئك الذين شكَّكوا في الجائزة ومدى أحقيته بها، وكأنهم بهذا التشكيك فيها والهجوم عليها ومن بعدُ قيام بعض الجهلاء بتكفيره ومحاولة اغتياله، قد حوَّلوا الجائزة إلى قنبلة تقتل وتدمر، بدلًا من أن تقوم بالبناء والتقدُّم، فكانت النتيجة انفجارًا عظيمًا قضى على الإنسان والحيوان والنبات والجماد وكل شيء. وهنا يرمز نجيب محفوظ للجائزة بالكرة، وكأنه حصل على الكرة الأرضية وامتلكها، حيث شهرته العالمية في أنحاء الأرض، والذهب الخالص رمز على قيمة الجائزة، والذين قسَّموا الجائزة حوَّلوها لقنبلة وقتلوا الجميع، وتنكَّروا لفضل وعطاء نجيب محفوظ.

كما أن في الحلم تحذيرًا من خطورة الإرهاب الذي يدمِّر كل شيء، وكم هي إشارته إلى أن الإرهاب مرتبط بالعوامل الاقتصادية! حيث إن الذين هم في حاجة للتبرع (المحتاجين) قاموا بالتفجير، ونلاحظ أيضًا أن نجيب محفوظ قد حذَّر من الإرهاب وخطورته عام ١٩٩٧م في كتابه «وطني مصر»، حيث يقول: «أشعر بالأسف لتكرار جرائم الرأي، هذا ليس الطريق للتعامل مع الرأي. إنه لشيء مؤسف جدًّا ومسيء جدًّا لسمعة الإنسان في العالم أن يؤخذ أصحاب الرأي، أصحاب القلم هكذا ظلمًا وبهتانًا. ومن ناحية أخرى فإني أشعر بالأسف أيضًا من أن شابًّا من شبابنا يكرِّس حياته للمطاردات والقتل، فيطارد ويقتل بدلًا من أن يكون في خدمة الدين والعلم والوطن.»١٦

الحلم رقم «١٤٦»

«انتصر العدو واشترط لوقف القتال أن يتسلَّم تمثال النهضة الذهبي المحفوظ في الخزانة التاريخية، وذهبت مع فريق لنحضر مفتاح الخزانة المحفوظ بالصندوق الأمين، ولما كشفنا غطاء الصندوق تبدَّى لنا ثعبان مخيف ينذر بالموت كل من يدنو منه، فتفرَّقنا وأنا أداري فرحتي وأدعو للثعبان بالسلامة والتوفيق في حفظ المفتاح.»١٧

وفي هذا الحلم يرمز نجيب محفوظ لنفسه أيضًا حيث انتصار العدو (قوى الظلام التي أفتت بقتله والذين قلَّلوا من قيمة جائزة نوبل)، أمَّا تمثال النهضة الذهبي المحفوظ فهو نجيب محفوظ (لاحظ الاتفاق في اسم نجيب محفوظ والصفة التي ألصقها بالتمثال «المحفوظ»)، ورمز الخزانة التاريخية هو تاريخ مصر أو تاريخ الأدب، وعندما ذهب ليحضر مفتاح الخزانة أيضًا تم وصفه ﺑ «المحفوظ» (نلاحظ تكرار نفس الصفة «المحفوظ»). أما الثعبان فيرمز لكل المخلصين الذين يتميَّزون بالحكمة — نلاحظ أن الثعبان يوضع على الكأس كرمز للشفاء والحكمة، ولذلك فهو يرسم كشعار على الصيدليات — والمحبين لنجيب محفوظ والذين يتمنى في أعماقه أن يحافظوا على تاريخه وأعماله، ويدافعوا عنه ضد قوى الظلام. وكم ستكون فرحته حين يؤدوا له هذه الأمنية وتلك الرغبة! وكم يدعو لهم بالتوفيق في أداء هذه المهمة له، ونلاحظ أيضًا تكرار لفظ «حفظ» المتفق مع صفة المحفوظ. ويرمز هذا الحلم بعامة إلى خوف نجيب محفوظ من النيل من تاريخه الشخصي، وعدم الوفاء لعطائه الأدبي والفني بعد وفاته، ولذلك فهو يوصي أحباءه ومريديه بوصية لعلهم يفهمونها ويرعونها حق رعايتها، إذ يبثُّهم خوفه من النسيان والتجاهل، ويطالبهم بحفظ تمثاله (تراثه) الذي أتقن صنعه ببراعة فائقة. ولمَ لا؟ أليس هو القائل «إن آفة حارتنا النسيان»؟

(٥) المرأة رمز الحياة

من العجيب أن يتصوَّر ناقد ما أن المرأة في أحلام فترة النقاهة هي المرأة الجسد «الجنس»، حتى وإن بدت الكلمات توحي بذلك، فيقينًا أن نجيب محفوظ في رحلته الأخيرة قد غلب عليه الرمز، وذلك من الأمور المنطقية، والتي تتناسب مع عمق ثقافته وتجربته الإبداعية، ونزعته للتصوف، ومن ثم فالمرأة في أحلام فترة النقاهة تعتبَر رمز الحياة، وما يرشدنا إلى قَبول أن تكون المرأة رمز الحياة أن الحياة نفسها مؤنثة، وأن الحياة توصف أحيانًا بأنها لعوب، وهذه واحدة من الصفات التي قد توصف بها المرأة حين تنحرف عن المقاصد الطيبة والأخلاقية.

كما أننا نطالع في الحديث النبوي١٨ اقتران الدنيا بالمرأة، إذا اعتبرنا «أو» حرف عطف يفيد الاقتران أو الترتيب، أما المرأة «الأم» فهي عند كثيرين ومنهم باخ أوفن وإيريك فروم رمز لسلطة الأمومة «الماتريركية» الممثلة للحب والخصب والأرض والمساواة بين الأبناء، والأخوة، ونبذ الشقاق. وفي المقابل يكون «الأب» رمزًا للسلطة الأبوية «البطريركية» المكرسة للمراتب المتفاوتة بين الناس، والمتسلطة بالقوانين أو بدونها، ومن ثم الباذرة للشقاق والمشعلة للحروب.١٩ ومن هنا نرى شمولية الرمز لدى المرأة. وإليكم بعض هذه الأحلام.

الحلم رقم «٩٦»

«اشتد العراك في جانب الطريق حتى غطَّت ضجته ضوضاء المواصلات، ورجعت إلى البيت متعبًا، وهناك تاقت نفسي إلى التخفُّف من التعب تحت مياه الدش، فدخلت الحمام فوجدت فتاتي تجفف جسدها العاري؛ فتغيَّرت تغييرًا كليًّا واندفعت نحوها، ولكنها دفعتني بعيدًا وهي تنبهني إلى أن ضجة العراك تقترب من بيتي.»٢٠

يرمز الراوي هنا لكل إنسان يكدح عبر تاريخه من أجل الوصول لغاياته التي يرجوها، وعندما يريد الراحة ويستمتع بالحياة تقوم الحياة نفسها بتنبيهه إلى أن هناك ما يشغل البال. ويدعو لعدم تحقيق المتعة المنشودة بقوله: «ولكنها دفعتني بعيدًا وهي تنبهني إلى أن ضجة العراك تقترب من بيتي.» فتمحو تلك الكلمة أي رغبة في الاستمتاع والراحة، وأليست هذه هي الحياة في جوهرها؟ التي تمنحنا السعادة ثم تأخذها فجأةً وبدون مقدمات. وكأننا بنجيب محفوظ يستحضر قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ، أو قول الشاعر القديم:

تعبٌ كلها الحياة فما أعْـ
ـجَب إلا مِن راغبٍ في ازدياد

الحلم رقم «٩٨»

«من موقفي على الطوار أرسلت بصري إلى الحديقة من خلال قضبان السور الحديدية، وهناك رأيت مالكة فؤادي وهي توزع شوكولاتة على المحبين، فاندفعت جهة باب السور حتى بلغت مدخل الحديقة وأنا ألهث، وواصلت الجري في الداخل ولكني لم أعثر للمحبوبة على أثر، فهتفت بحدة لاعنًا الحب. وحانت مني التفاتة إلى الخارج فرأيت الفتاة في الموضع الذي كنت فيه وهي تتأبَّط ذراع شاب بدا أنه خطيبها، وهممت بالرجوع من حيث أتيت، ولكن أقعدني الإرهاق وطول المسافة وفوات الفرصة.»٢١

في هذا الحلم تظهر الحبيبة «مالكة الفؤاد» باعتبارها رمز الحياة أيضًا، فالدنيا والحياة تملك أفئدة وعقول الناس جميعًا، ولذلك يسعَون نحوها بعد أن تفتنهم بجمالها وحسنها ومكاسبها، ويا لها من حبيبة تلعب بكل الناس فتوحي لهم بأنها تحبهم جميعًا وأنها ملك لكل واحد منهم على حدة! وعندما نلهث ونجري وراء الحياة، وعندما نقترب منها أكثر فأكثر نكتشف أنها ليست لنا، ولكنها تذهب لغيرنا، كما يقول نجيب محفوظ: «فرأيت الفتاة في الموضع الذي كنت فيه وهي تتأبط ذراع شاب بدا أنه خطيبها.» كما أن الشعور بقيمة الحياة من حيث بساطتها يتسق مع المرحلة العمرية التي وصل إليها نجيب محفوظ، فكلما تقدم السن بالإنسان كان إدراكه للحياة والدنيا أكثر عمقًا وفهمًا، كونها لا تساوي مثقال جناح بعوضة.

(٦) التكثيف في الأحلام

يذهب فرويد إلى أن التكثيف condensation في الحلم يظهر ضمن ما يظهر في التحام العناصر الكامنة ذات الصفات المشتركة بعضها ببعض، وهناك أمثلة لتكثيف أشخاص مختلفة في شخص واحد، أو تتكوَّن الصورة من أماكن عدة على أن تكون هناك صفة مشتركة في تلك الأماكن؟ ومن نتائج التكثيف أن يصبح الحلم غامضًا مغلقًا، إلا أنه لا يلوح لنا أنه من عمل الرقابة، بل نجد أنفسنا أقرب إلى أن نرده إلى عوامل ميكانيكية أو اقتصادية. ونتائج التكثيف قد تكون في بعض الآونة غريبةً خارقةً للعادة، إذ قد يتيح لسلسلتين مختلفتين كل الاختلاف من الأفكار الكامنة أن تندمجا في حلم واحد، بحيث قد نظفر بتأويل يلوح لنا في ظاهره كافيًا ومُرضيًا دون أن نفطن إلى أن هناك تأويلًا آخر ممكنًا.٢٢

الحلم رقم «٩٧»

«هذه حجرة السكرتارية حيث أمضيت عمرًا قبل إحالتي إلى المعاش، وحيث زاملت نخبةً من الموظفين شاء القدر أن أشيِّع جنازاتهم جميعًا، واسترقت نظرةً من داخل الحجرة لأرى من خَلَفونا من الشباب، فكدت أُصعق، لم أرَ سوى زملائي القدامى! واندفعت إلى الداخل هاتفًا سلام الله على الأحباب متوقعًا ذهولًا واضطرابًا، ولكن أحدًا لم يرفع رأسه عن أوراقه فارتددت إلى نفسي محبطًا تعسًا، ولمَّا حان وقت الانصراف غادروا مكاتبهم دون أن يلتفت أحد نحوي بمن فيهم المترجمة الحسناء، ووجدت نفسي وحيدًا في حجرة خالية.»٢٣

في هذا الحلم يتجلَّى التكثيف في الموضوعات كما يلي: (١) الحنين لذكرياته أيام الوظيفة. (٢) الزملاء. (٣) الجيل الجديد (الشباب). (٤) الموت. (٥) التجاهل والنسيان. (٦) الإحباط. (٧) الاهتمام بالمرأة (المترجمة الحسناء). (٨) الشعور بالوحدة. وهكذا استطاع نجيب محفوظ أن يقدم تكثيفًا رائعًا لعدد من الموضوعات في حلم واحد، ويكاد كل موضوع منها أن يحتل حلمًا أو أكثر، ولكنها قدرة إبداعية هائلة كانت قادرةً على صياغة كل هذا الإبداع في شكل حلم نموذجي لا نشك عندما نقرؤه أننا بصدد قراءة حلم مشبع بالتكثيف وبلاغة الإيجاز.

الحلم رقم «١٠٢»

«أخيرًا اهتديت إلى مأوًى في الدور التحتاني من بيت قديم، ولكن سُرعان ما ضقت برطوبته وسوء مرافقه، فسعيت من جديد حتى نقلت إلى الدور الفوقاني وهو أفضل من جميع النواحي، غير أن السماء أمطرت بغزارة غير معهودة فانسابت المياه من الأسقف، فاضطُررنا إلى تكويم العفش وتغطيته بالأكلمة، وغادرنا الشقة إلى بير السلم فشعر بنا ساكن الدور التحتاني الجديد، فخرج إلينا ودعانا بإلحاح وبشدة إلى الداخل حيث الدفء والرعاية.»٢٤

في هذا الحلم يتَّضح التكثيف من حيث كثرة الموضوعات والرموز الاجتماعية عبر تاريخ مصر الحديث والمعاصر، وإليكم ما يمكن أن نقرأه في هذا الحلم من حيث الموضوعات وهي: (١) السكن. (٢) المستوى الاقتصادي المنخفض. (٣) المطر (الخير والشر معًا). (٤) السكان الجدد. (٥) الدفء والرعاية.

وأمَّا عن دلالة الحلم الاجتماعية فقد ظهر التكثيف فيها على النحو التالي: صعوبة الحياة وتكاليفها على المواطنين من الذين كانوا في الطبقة العليا قبل الثورة في عام ١٩٥٢م فاضطُرت هذه الطبقة للنزول إلى الدور التحتاني، إشارةً إلى التخلي عن الطبقة التي كانوا فيها، ولكن هذه الطبقة السفلى التي تم النزول إليها لم تكن مناسبةً أيضًا؛ فقد تميَّزت بالرطوبة وسوء المرافق إشارةً إلى عدم مناسبة تلك الطبقة أيضًا، وهناك محاولة الصعود للطبقة العليا مرةً ثانيةً (الدور الفوقاني)، ولكن هذا الصعود لهذه الطبقة لم يستمر كثيرًا حيث هطول المطر، مما يشير إلى التخبُّط والعشوائية التي أصابت بنية المجتمع المصري. وأخيرًا انهيار الطبقة العليا والوسطى معًا، ونزولهم إلى أسفل سافلين في بير السلم، وصعود الطبقة الجديدة (طبقة البرجوازيين) وبخاصة في السبعينيات وحتى الآن إلى الدور التحتاني، وسعادتها به. ثم يكشف عن أن في ظل العشوائية والتخبُّط سيصبح هذا الدور التحتاني أفضل الموجود، كانعكاس لتدهور المستوى الاقتصادي بوجه عام. ولنا أن نتساءل هل هذا الحلم يلخِّص تاريخ مصر الاجتماعي والاقتصادي من منتصف القرن العشرين وحتى الآن؟ أي تكثيف ذلك الذي قام به نجيب محفوظ!

الحلم رقم «١٠٠»

«هذه محكمة وهذه منضدة يجلس عليها قاضٍ واحد، وهذا موضع الاتهام يجلس فيه نفر من الزعماء، وهذه قاعة الجلسة، حيث جلست أنا متشوقًا لمعرفة المسئول عما حاق بنا، ولكني أُحبطت عندما دار الحديث بين القاضي والزعماء بلغة لم أسمعها من قبل، حتى اعتدل القاضي في جلسته استعدادًا لإعلان الحكم باللغة العربية. فاستدرت للأمام، ولكن القاضي أشار إليَّ أنا ونطق بحكم الإعدام، فصرخت منبهًا إياه بأنني خارج القضية، وأني جئت بمحض اختياري لأكون مجرد متفرج، ولكن لم يعبأ أحد بصراخي.»٢٥
في هذا الحلم يتضح التكثيف؛ حيث قاعة المحكمة والقاضي والزعماء واللغة العربية والحكم بالإعدام والإدانة لتحوُّل أوضاع المجتمع المصري إلى تدهور ونكبات. وفي تحليل ذلك الحلم أعجبنا ما كتبه محمد سمير عبد السلام حيث يقول: «تولد المحكمة كسياق إبداعي افتراضي من داخل مفردات الواقع نفسه، فالواقع في الأحلام سياق تصويري فريد ومتغير، فالسارد «المتفرج» (نجيب محفوظ) في ساحة المحكمة يصير متهمًا ومسئولًا عن الجرائم، وإن إدانة الذات هنا (ذات نجيب محفوظ) هي إدانة لفعل المشاهدة بوصفه معرفةً بالعبث المتكرر، فالعارف خبير بالجريمة، وحالم بها، وممثل لها في نص الحلم، ومن ثم اكتسب مدلول الفاعل في تداعيات الكتابة.»٢٦
وهكذا يتضح أن نجيب محفوظ قد تمثَّل في هذا الحلم القول الشائع: «الساكت عن الحق شيطان أخرس، أو المشاهد للفعل مشارك فيه، ومن ثم يستحق العقوبة.» وفي التحليل النفسي أن الرغبة تساوي الفعل، ومن هنا فإن هناك إدانةً لكل أفراد المجتمع الذين رأوا الفساد والدمار الذي لحق بنا بمحض إرادتهم، ولذا فهم مشاركون في الجريمة. كما يلفتنا إلى قضية مهمة تتصل باللغة العربية، وتأكيده على أهمية استخدامها في الحياة، فكثير من المشكلات بدأت في الظهور في استخدام اللغة خاصة بين الشباب والمراهقين، وسيطرة مفردات جديدة لا هي بالعربية ولا الأجنبية، وهي قضية ستحتاج لجهود المخلصين لمواجهتها خلال المرحلة القادمة، والتي نبهنا إليها نجيب محفوظ بإشارته تلك حيث قال: «استعدادًا لإعلان الحكم باللغة العربية.» ومؤخرًا كتب كثيرون عن خطورة ضعف استخدام اللغة العربية نتيجةً لسيطرة اللغات الأجنبية في تعليم الأطفال في مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي. ويبدو من متممات هذه الأسطورة الإبداعية لدى نجيب محفوظ بوصفه عروبته المتجذرة في ذاته، وسكناه في اللغة العربية سكنى العاشق المتوحد بمعشوقه، وربما لهذا كان على يقين ثابت من المقولة التراثية: «الشعر ديوان العرب». وهذا اليقين جعله يتحفظ على بعض المقولات الطارئة: «الرواية ديوان العرب»، «المسلسل التليفزيوني ديوان العرب». ولا شك أن إيثار المقولة الأولى مؤشر على وعي محفوظ بالحقيقة الجوهرية للإبداع — على وجه العموم — فالشعر فن اللغة بكل جمالياتها، واللغة فيه أداة وغاية معًا، أما الرواية فإنها تستخدم اللغة بوصفها أداة، ثم تقدم إضافات وهوامش على هذه الأداة. ونعتقد أن عشقه للغة وسكناه في دروبها هو الذي باعد بينه وبين كتابة «الحوار» للسينما، لعدم قدرته على التعامل بالعامية تعاملًا فنيًّا، وذلك برغم أنه كتب ما يقرب من مائة «سيناريو» لأفلام سينمائية أولها؛ «عنتر وعبلة»، وأكثر من ثلاثين سهرة تليفزيونية، واثني عشر مسلسلًا تليفزيونيًّا، لكنه كان حريصًا على أن يردِّد: «إن أدبي في كتبي، وليس في السينما أو التليفزيون.»٢٧

(٧) الإزاحة

الإزاحة displacement ميكانيزم دفاعي ويعني إزاحة شحنة وجدانية داخلية عن موضوعها الحقيقي إلى موضع آخر بديل، كما يحدث في الفوبيا (المخاوف المرضية)، وذلك تجنُّبًا للقلق وتحكُّمًا فيه. كما أنها (الإزاحة) تشير إلى نقل موضوع حقيقي متصل بالجسم إلى موضوع آخر، أو من موضوع حقيقي إلى موضوع فرعي (من الفم إلى المنقار). والإزاحة أيضًا من ميكانيزمات إخراج الحلم، وتتخذ آنذاك صورتين؛ أولاهما إبدال عنصر كامن بشيء آخر أبعد منه، وثانيتهما تحول التوكيد من عنصر هام لآخر لا أهمية له.٢٨ وفيما يلي سنعرض لحلمين تتجلَّى فيهما الإزاحة.

الحلم رقم «١٠٤»

«رأيتني في حي العباسية أتجوَّل في رحاب الذكريات، وذكرت بصفة خاصة المرحومة عين فاتصلت بتليفونها ودعوتها إلى مقابلتي عند السبيل، وهناك رحَّبت بها بقلب مشوق، واقترحت عليها أن نقضي سهرتنا في الفيشاوي كالزمان الأول، وعندما بلغنا المقهى خف إلينا المرحوم المعلم القديم، ورحب بنا، غير أنه عتب على المرحومة عين طول غيابها، فقالت إن الذي منعها عن الحضور الموت، فلم يقبل هذا الاعتذار، وقال إن الموت لا يستطيع أن يفرِّق بين الأحبة.»٢٩
في هذا الحلم تتضح الإزاحة في أن نجيب محفوظ جعل «المرحوم المعلم القديم» يعتب على «المرحومة عين» على طول غيابها، ولما قالت إن الذي منعها عن الحضور الموت، فلم يقبل هذا الاعتذار، وذلك بدلًا من أن يقوم السارد في الحلم، وهو نجيب محفوظ، بعتاب المرحومة «عين»، وهذه الإزاحة من شأنها أن تسهِّل على السارد رفض الاعتذار والتبرير، لغياب الحبيبة حتى ولو كان بسبب الموت؛ لأن الذي سيظهر في الموقف هو المعلم القديم وليس نجيب محفوظ. كما أنه ساق حكمته على لسان المعلم القديم والتي تقول: «وقال إن الموت لا يستطيع أن يفرق بين الأحبة.» وهذه الحكمة كشفت عن رغبته في عدم قدرة أي شيء على التفريق بين الأحبة ولو كان الموت ذاته، فقد يكون الموت باعثًا على استمرار الحب، بل وزيادته أيضًا، فكثير من حالات الحب التي يموت فيها أحد الحبيبين يتحوَّل — الميت — في نفس الآخر إلى رمز للحب، ولكل الصور والخيالات العشقية الجميلة، ومن ثم يحدث التثبيت fixation على تلك الصور، حيث يصبح التثبيت ميكانيزمًا دفاعيًّا ينتمي للجانب اللاشعوري من الأنا «٢٨».٣٠ وكأننا بنجيب محفوظ يُنظِّر للشخصية وبنائها العميق في حالة الحب وموت أحد الحبيبين، وكأنه محلل نفسي متمرس في التنظير.

الحلم رقم «١٢٧»

«في حديقة هذه الفيلا نجتمع مساءً للسهر والسمر في حرية شاملة، ولكن صاحب الحديقة تغير فجأةً فاستبد بكل شيء؛ فهو يختار موضع الجلسة وموضوع الحديث والأكل والشرب، وحسبناها دعابة، ولكنه استمر وتمادى، فضقنا به ذرعًا، غير أننا أخفينا مشاعرنا إكرامًا للموقف، إلا واحد لم يستطع إخفاء مشاعره. وذات مساء انفجر غضبه المكتوم وجُن جنونه فصرخ، وأخرج من جيبه مسدسًا صوَّبه نحونا بيد مرتجفة؛ فتفرَّقنا في الحديقة تطاردنا لعناته وشتائمه.»٣١

في هذا الحلم تتجلَّى الإزاحة حيث يقوم واحد من المجتمعين في الفيلا بتوجيه الهجوم واللعنة والشتائم، وربما محاولة القتل إلى الضيوف المجتمعين (الصحبة)، بدلًا من توجيه ذلك إلى المستبد (صاحب الفيلا) بسبب استبداده وسيطرته وسطوته (فهو يختار موضع الجلسة وموضوع الحديث والأكل والشرب)، والإزاحة هنا تدل على أن الذين يرَون المستبد ولا يردونه عن استبداده (أي ينافقونه نتيجةً لبعض العطايا التي يحصلون عليها مثل السمر والسهر والطعام والشراب) يستحقون العقاب؛ لأنهم هم الذين يصنعون المستبد. ونجيب محفوظ يتمثَّل القول الشائع: «يا فرعون إيه فرعنك؟ قال: ما لاقيتش حد يلمني.»

كما يشير إلى أن مظاهر الاستبداد تكون في أمور بسيطة في البداية ثم تعظم فيما بعد، وفي الوقت نفسه يحذِّر من الغضب المكتوم الذي سيكون مدمرًا للجميع في حالة انفجاره، وفيه كذلك دعوة رهيفة للمستبدين بأن يقلقوا من الغضب المكتوم. كما يزيح نجيب محفوظ نفسه على ذلك الصاحب الذي تمرَّد وقام بتعنيف الجميع، بدلًا من أن يقوم هو نفسه بهذا الفعل، وليس هذا بغريب على نجيب محفوظ وتاريخه في المقاومة السلمية لمظاهر الاستبداد، حيث كان دائمًا يحاول تجنُّب الصدام المباشر مع السلطة، ولكنه كان يعبر عن ذلك في رواياته وأبطاله، ويؤكد ذلك المعنى رجاء النقاش في كتابه «في حب نجيب محفوظ»، بوصفه شخصيةً مسالمةً اتخذ من فعل الإبداع وسيلته للمقاومة وللاعتراض.٣٢

ومن ثم فإن الرفض الكامن داخله للاستبداد قد قام بإزاحته على واحد من الحاضرين، وهذا اتساق وتصالح واضح مع نفسه الذي لا ينكره أبدًا من ميله لعدم التصادم مع السلطة.

وإطلالة على الحرافيش خصوصًا حكاية عاشور الناجي، سنجد أنها دعوة للثورة على التسلُّط بدأت من الحارة أيضًا. فلْنتأمل هذا الحوار الذي يدور بين أولاد الحارة.

«وذات يوم طرح عاشور هذا السؤال على الحرافيش: ماذا يُرجِع حارتنا إلى عهدها السعيد؟ (يقصد مواجهة الفتوَّة المتجبر شيخ الحارة حسُّونة السبع).

وأجاب أكثر من صوت: أن يرجع عاشور الناجي.

فتساءل باسمًا: هل يرجع الموتى؟

فأجاب أحدهم مقهقهًا: نعم.

قال بثبات: لا يحيا إلا الأحياء.

– نعم أحياء ولكن لا حياة لنا.

سأل: ماذا ينقصكم؟

– الرغيف.

– بل القوة.

– الرغيف أسهل منالًا.

– كلا.

وسأله صوت: إنك قوي عملاق، فهل تطمح إلى الفتونة؟ فقال آخر: ثم تنقلب كما انقلب وحيد جلال وسماحة. وقال ثالث: أو تقتل كما قتل فتح الباب.

فقال عاشور: حتى ولو صرت فتوةً صالحًا، فما يجدي ذلك؟»

إننا نرى خلال هذه البانوراما للأنماط الشعبية في حوارها الجمعي، ليست مجرد الحارة الخاصة كما زعموا، ولكنهم كل حارة وكل حي وكل مكان من أرض مصر. وتصلح الحارة أيضًا — عند نجيب محفوظ — ليترجم من خلالها رؤية الحاكم للشعب، وذلك من خلال سلوك «مراد عبد القوي» شيخ الحارة مع أهل الحارة، فهم في نظره ليسوا غير مجرد أرقام ونسب إحصائية في ماكينة العمل والإنتاج، أما القلب، والعقل فلا يقاس إليهما شيء. ولْنتابع هذا الحوار عندما راح عبد القوي يحاور عبد الله كصديق.

«الحارة شيء وأهلها شيء آخر …

وبعد الصمت يعاود عبد القوي: الحارة كلُّ لا يتجزأ، وليس من العسير أن أعرف ما ينقصها وما يضرها، أما أهلها فأفراد لا حق لهم، وتتعدَّد مشكلاتهم بتعدُّد أهوائهم. يقول عبد الله: ليس ثمة يقين؟ بلى. مجرد احتمال؟ نطقت بالصواب.»٣٣ ويزيد هذا الموقف السياسي وضوحًا يحيى الرخاوي بقوله: «أظهر التجلي السياسي في إبداع محفوظ مدى سعة المسافة بين موقف نجيب محفوظ المتحفظ (لا المحافظ) وهو يدلي بآرائه السياسية في الحياة اليومية، وبين نجيب محفوظ السياسي والثائر المغامر حتى القتل في إبداعه الروائي. يبدو أن إبداعه هذا هو بمثابة التعويض الذي يعادل موقفه المحافظ في الحياة العادية، هذا الإبداع عوَّضه عن التزامه المتحفظ أبدًا. نقرأ ذلك التنبيه على ضرورة التحفُّظ وهو يصدر من الوالد للابن في مقدمة العائش في الحقيقة: «ولكن احذر أن تستفز السلطان، أو تشمت بساقط في النسيان.» ثم إنه ألحق ذلك بقوله مباشرة: «كن كالتاريخ … إلخ. ثم إنه أكمل بعد ذلك، وكأنه يصف نفسه ثانية، ويخاطبها: «أما أنت، فتريد الحقيقة، كل على قدر همته.» بدا البعد السياسي في إبداع محفوظ مكملًا ﻟ (وليس بالضرورة متناقضًا مع) الرأي السياسي في تصريحاته وأحاديثه الرسمية المنشورة (دون أحاديثه الخاصة)، ومع ذلك فإنه لا يكاد يخلو له عمل واحد من التجلي السياسي الناقد الثائر المقتحم للجاري على السطح، بما في ذلك التاريخ المسجل بالوثائق والشهادات. إلا أن بعض رواياته حظيت بقدر أكبر من غيرها في الاهتمام بهذا البعد مثل؛ الكرنك، وثرثرة فوق النيل، ويوم قُتل الزعيم، وميرامار، واللص والكلاب، والشحاذ. إن أي مؤرخ أكاديمي لا يضع هذه الأعمال المتميزة الروائية السلسة كمصدر من أهم مصادره، يمكن أن يفوته الكثير. ليس معنى أن محفوظ استطاع أن يمتلك ناصية الأحداث ليمزجها في خياله المبدع ثم يخرج بها في هذه الصورة الروائية السلسة، أنه ابتعد عن الأحداث لصالح إبداعه، بل لعله أضاف إلى الأحداث حقيقة أغوارها بفضل إبداعه. أتم محفوظ هذا التأريخ ليصبح في متناول كل الناس، وفي نفس الوقت هو ممتنع عن غيره من فرط سلاسته وعمقه معًا، هكذا.»٣٤

أحلام إبداع وليست أحلام نوم

لم يكن نجيب محفوظ بالقادر عن الكف عن الإبداع بأي شكل من أشكاله، وعندما أصابه الوهن والضعف البدني استمرت رغبة الإبداع لديه، فكان ابتكاره للأحلام التي تعتبر الشكل الإبداعي الأخير لنجيب محفوظ، ولكي ندلل على ذلك سوف نعرض لخمسة أحلام هي الحلم ٢٠٢ والحلم ١٨٠، والأحلام الأخيرة التي كتبها قبل رحيله، ونُشرت بمجلة ضاد الصادرة عن اتحاد الكُتَّاب المصريين في عددها التذكاري عن نجيب محفوظ نوفمبر ٢٠٠٦م، وكان عددها ثلاثة، كما أُعيد نشر تلك الأحلام في الطبعة الحالية التي نعتمد عليها.

الحلم رقم «١٨٠»

«رأيت أستاذي الشيخ مصطفى عبد الرازق — وهو شيخ الأزهر — وهو يهم بدخول الإدارة، فسارعت إليه ومددت له يدي بالسلام، فصحبني معه، ورأيت في الداخل حديقةً كبيرةً جميلة، فقال إنه هو الذي أمر بغرسها، نصفها ورد بلدي، والنصف الآخر ورد إفرنجي، وهو يرجو أن يولد من الاثنين وردة جديدة كاملة في شكلها، طيبة في شذاها.»٣٥
ولكي نذهب إلى أن هذا الحلم إبداع في ذاته ولا علاقة له بحقيقة أحلام النوم كان علينا أن نحدد عناصر الحلم والعلاقة الداخلية بينها؛ فأولًا الشيخ مصطفى عبد الرازق٣٦ أحد الدعاة إلى الدمج بين الحضارة الغربية والحضارة العربية الإسلامية، وذلك بهدف خلق نهضة في المجتمع العربي والإسلامي، ويتبدَّى لنا أن نجيب محفوظ يحاول إحياء هذه الدعوة التي تعلَّمها على يد أستاذه، وقد رمز لذلك بالورد البلدي والإفرنجي وما قد ينتج عن امتزاجهما. وبعد ذلك هل نشك في أن هذا الحلم من عمل العقل الواعي المبدع والفكر المستنير الذي استوعب الفكر الإسلامي والليبرالي في قراءة دائمة ومستبصرة لهما؟ ولسوف نجد ظلًّا لذلك الفكر الإسلامي في روايته «رحلة ابن فطومة»، التي تبرز رؤيته للإسلام ودياره، وإن كنا نرى أنه حاول معارضة سيد قطب وبخاصة في كتابه «معالم في الطريق».

الحلم رقم «١»

«رأيتني في مستشفًى لإجراء بعض التحاليل، وهناك علمت أن مصطفى النحاس يرقد في العنبر المجاور، فذهبت إليه وتأثرت لمنظره وقلت له: سلامتك رفعة الباشا.

فقال: إن المرض الذي أعانيه الثمرة الحتمية لنكران الجميل.

فقلت له: عند الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.»٣٧

وفي هذا الحلم الذي يبدو وكأن نجيب محفوظ يعود مريضًا (مصطفى النحاس)، وهو أحد زعماء مصر، ويتضح مدى الإجلال والتقدير الذي يحفظه له واضحًا في كلمة رفعة الباشا، ولا ينكر أحد مدى تقدير نجيب محفوظ لمصطفى النحاس، ولكنه في الوقت نفسه يحذِّر نجيب محفوظ من نكران الجميل، وبخاصة لأولائك الذين خدموا مصر وضحوا من أجلها. ولا يستتر أن نجيب محفوظ يخشى من أن يتنكَّر له شعبه بعد رحيله — وما يدعم ذلك قول نجيب محفوظ نفسه إن آفة حارتنا النسيان — الذي بدأ يشعر قربه كما رحل من قبلُ مصطفى النحاس. وهذا الحلم بهذا الشكل والمضمون ليشير إلى كونه واحدًا من إبداع وحكمة نجيب محفوظ، واستبصاره بقرب رحيله.

الحلم رقم «٢»

«رأيتني في مدينة غريبة جميلة المعمار، وكلما دخلت بنسيونًا أجده يتكلم لغةً غريبة، حتى وصلت إلى بنسيون تديره امرأة زنجية اللون، جميلة القسمات والملامح، فقلت لها: هنا يمكن أن أقول ما أريد وأن أسمع ما يقال. فقالت لي: وأيضًا الحياة هنا لا تقل في رُقيِّها عن أحسن البنسيونات الأخرى!»٣٨

في هذا الحلم يلفتنا نجيب محفوظ إلى ضرورة أن نُيَمِّمَ في واحد من اهتمامنا إلى أفريقيا التي ننتمي إليها جغرافيًّا، حيث تظهر المرأة الزنجية اللون والجميلة القسمات، خاصةً وهو يرى جمهرةً من المثقفين المصريين لا يرون الخير إلا في التوجُّه نحو الثقافة الغربية. ويأتي ختام الحلم بأن الحياة في أفريقيا لا تقل في رُقيِّها عن الحياة الغربية، كما يتحدَّث نجيب محفوظ بوعي غريب؛ فهو يرى أن أفريقيا لا بد وأن تدخل في موازنات القوى ثقافيًّا وسياسيًّا. وهل نستطيع أن نؤَوِّل النص «الحلم» إلى تحذيره من مغبة ترك الساحة الأفريقية للأيدي الإسرائيلية والأمريكية التي يمكن أن تهدد الأمن القومي لمصر، بتأجيج الصراع على مصادر المياه (يقصد النيل وحصة مصر منه)؟ — نلاحظ بعد ذلك الحلم بثلاث سنوات تقريبًا تظهر مشكلة تقسيم مياه نهر النيل على أشُدها، باعتبارها أخطر مشكلة يمكن أن تواجه الوطن في المستقبل، ولا يخفى أن هذا الحلم المعجزة والنبوءة قد نبهنا إلى ذلك الخطر، أو الفتن التي قد تنشأ في السودان — لا يخفى أن مسألة تقسيم السودان باتت وشيكة الحدوث، وما هي إلا شهور قليلة وتكون الدولة الجديدة في الجنوب أمرًا واقعًا، أو إثيوبيا التي تتزعَّم ضرورة خفض حصة مصر من مياه النيل، ولا غرابة في موقفها حين نعلم أن لها علاقات وثيقةً بإسرائيل، ولا ننسى أنها دعمتها من خلال هجرة اليهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل خلال السنوات الماضية، أو غيرهما مما يؤثر على مصر. وأحسبنا سنقدر هذا الحلم إذا لم ننتبه لفهمه وإعادة قراءته من جديد.

الحلم رقم «٢٢٨»

«هذه السيدة هي أستاذة أولادي، وإضافةً إلى ذلك تحاورهم في شئون الدنيا والدين، فمالوا جميعًا إلى التديُّن. فقلت للسيدة: إني سعيد بتديُّنهم، ولكن أخشى أن ينحرفوا إلى التطرُّف. فقالت لي: «إن التديُّن الصحيح أقوى سلاح ضد التطرُّف.»»٣٩

ونتساءل؛ هل هذا حلم أم إبداع ورسالة محمَّلة بخلاصة للفكر الداعي إلى تعليم الدين الصحيح كحل وحيد لمواجهة التطرُّف الذي عانى هو شخصيًّا من آثاره. ثم يقدم انتقاده للأحزاب السياسية في الحلم التالي.

الحلم رقم «٢٣٠»

«دعيت الأحزاب إلى السباق، فأقام كل حزب سرادقه وركَّب مكبرات الصوت، وراحوا يتسابقون في إلقاء الخطب وتحذير الناس من عملاء أمريكا وإسرائيل، واشتدت حرارة الجدل ثم تبادلت السرادقات إطلاق النار، ثم لم يَعُد يُسمع إلا صوت الرصاص.»٤٠

الحلم رقم «٣»

«رأيتني سائرًا في الطريق في الهزيع الأخير من الليل، فترامى إلى سمعي صوت جميل وهو يغني.

زوروني كل سنة مرة!

فالتفتُّ فرأيت شخصًا ملتفًّا في ملاءة تغطيه من الرأس إلى القدمين، فنظرت إليه باستطلاع شديد، فرفع الملاءة عن نصفه الأعلى؛ فإذا هو هيكل عظمي، فتراجعت مذعورًا ورجعت وأنا ألتفت والصوت الجميل يطاردني وهو يغني: زوروني كل سنة مرة!»٤١

في هذا الحلم المعجزة والنبوءة أيضًا يدرك نجيب محفوظ أنه سائر إلى الرفيق الأعلى، وهو يبتهج في هذه الرحلة وهذا السير؛ فهو يحب لقاء الله، ويتمنَّى بأن نزوره ونذكره ولو مرةً واحدةً في كل عام. ولا أملك إلا أن أقول له: «فلْيطمئن قلبك، فالخالدون لا يموتون أبدًا؛ لأنهم فوق الموت وفوق الحياة.»

(٨) قصيدة النثر في أحلام فترة النقاهة

الحلم رقم «١٢٢»

«الليل سجى فاحتوينا غرفة، وهبتنا الظلمة راحةً عابرةً وفرحًا حميمًا، وترامى إلينا من الطريق ضجة؛ فهُرعت إلى خصاص النافذة، فرأيت قومًا يحدِّقون بشخص مألوف الهيئة، وينهالون عليه باللعنات واللكمات. وهمست: لِمَ لمْ يقاوم؟ حتى شعرت باللكمات تخرق جسدي.»٤٢

ولقد تم من خلال التقصي ما يدعم الرؤية بأن هذه الأحلام فن جديد من فنون السرد العربي ابتدعه نجيب محفوظ.

خاتمة

بعد أن عرضنا لنماذج من أحلام فترة النقاهة، ورأينا كيف استطاع نجيب محفوظ بقدرته الإبداعية الخارقة أن يقدم لونًا جديدًا من أنواع السرد في اللغة العربية (الرواية والقصة القصيرة والمقامة)، يقوم على الإيجاز، ويتفق مع آليات إخراج الحلم، كما جاءت في نظرية التحليل النفسي على مؤسسها سيجموند فرويد، يحق لنا أن نطلق عليه «الأحلام». ولعلنا نستحث نقاد الأدب بهذه النظرة أن يقدِّموا رؤيتهم وتنظيرهم لتصحيح ما نذهب إليه إن كان خاطئًا، أو أن يبنوا عليه إن كانت الأخرى. كما نود أن نختم بأن أحلام فترة النقاهة بحاجة لسلسلة من البحوث للكشف عن السيرة الذاتية والقدرة التنبؤية للمستقبل، كما تجلَّت في الأحلام وغيرها من الموضوعات الواجب دراستها، بالإضافة إلى الجوانب الجمالية والرمزية والفنية والصوفية ولغة الشعر، نقصد هنا أن هناك أحلامًا كثيرةً غلب عليها شكل قصيدة النثر الحديثة.

١  نجيب محفوظ: أحلام فترة النقاهة، القاهرة، دار الشروق، ٢٠٠٧م.
٢  محمد سمير عبد السلام: التسامح الحضاري في سيرة نجيب محفوظ وأحلامه، مجلة تحديات ثقافية، تصدر عن دار تحديات ثقافية، العدد ٢٩، السنة السابعة، الإسكندرية، ٢٠٠٧م.
٣  عبد الرحمن أبو عوف: سوناتا الوداع، قراءة في أحلام فترة النقاهة لنجيب محفوظ، في كتاب الرؤى المتغيرة في روايات نجيب محفوظ، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ‏٢٠٠٢م.‏
٤  عبد الله عسكر: غياب الأب الرمزي «دراسة في التحليل النفسي لمضمون رواية الطريق لنجيب محفوظ»، ط٢، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٩٧م.
٥  يحيى ‏الرخاوي: ‏أحلام‏ ‏نجيب‏ ‏محفوظ‏ ‏تُعَد‏ ‏من‏ ‏قبيل‏ ‏المنامات‏ ‏أم‏ ‏هي ‏أحلام‏ ‏يقظة‏‏؟‏ ‏مجلة‏ ‏إبداع‏، ‏العدد‏ ‏الأول‏، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ‏٢٠٠٢م.‏
٦  يحيى ‏الرخاوي: إبداع‏ ‏الحلم ‏وأحلام‏ ‏المبدع، مجلة الهلال، القاهرة، تصدر عن دار الهلال للطبع والنشر، عدد مارس ٢٠٠٥م.
٧  جمال قصاص: نجيب محفوظ يفجر ما لم يقله في رواياته، جرأة وبوح حسي بين النوم واليقظة في كتابه الأخير أحلام فترة النقاهة، جريدة الشرق الأوسط، العدد ٩٦٧٢، بتاريخ ٢٢ مايو ٢٠٠٥م.
٨  محمد المخزنجي: أحلام نجيب محفوظ وَمَضات تستدعي وميضًا، القاهرة، جريدة أخبار الأدب، العدد ٦١٨، بتاريخ ١٥ مايو ٢٠٠٥م.
٩  محمد المهدي: إبداعات الخريف، دراسة نفسية لأحلام فترة النقاهة لنجيب محفوظ، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ٢٠٠٥م.
١٠  عبد السلام الشاذلي: مع أحلام نجيب محفوظ، مجلة إبداع، الهيئة المصرية العامة للكتاب، عدد ١، شتاء ٢٠٠٧م.
١١  ممدوح فراج النابي: أحلام فترة النقاهة لنجيب محفوظ، مقاربة نقدية في البنية التشكيلية والرمزية، مجلة إبداع، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، عدد ٧، ٨، صيف وخريف ٢٠٠٨م.
١٢  أحمد سعيد: غواية الستر في أحلام فترة النقاهة، مجلة ضاد، عدد تذكاري عن نجيب محفوظ، القاهرة، اتحاد الكُتَّاب المصريين، نوفمبر ٢٠٠٦م.
١٣  عادل كمال خضر: الرمزية في الأحلام، مجلة علم النفس، العدد ٤٩، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٩م.
١٤  نجيب محفوظ: أحلام فترة النقاهة، القاهرة، دار الشروق، ٢٠٠٧م.
١٥  جمال قصاص: مرجع سابق، ٢٠٠٥م.
١٦  نجيب محفوظ: وطني مصر، حوارات مع محمد سلماوي، القاهرة، دار الشروق، ١٩٩٧م.
١٧  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.
١٨  عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — قال: سمعت رسول الله يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» أخرجه البخاري (١/١).
١٩  محمد المخزنجي: مرجع سابق، ٢٠٠٥م.
٢٠  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.
٢١  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.
٢٢  سيجموند فرويد: محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي، ترجمة أحمد عزت راجح، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٩٠م.
٢٣  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.
٢٤  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.
٢٥  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧.
٢٦  محمد سمير عبد السلام: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.
٢٧  محمد عبد المطلب: أسطورة مصر في القرن اﻟ ٢٠، مجلة ضاد، «عدد تذكاري عن نجيب محفوظ»، القاهرة، اتحاد الكُتَّاب المصريين، نوفمبر ٢٠٠٦م.
٢٨  حسين عبد القادر وآخرون: موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، ط٣، دار الوفاق للنشر والتوزيع، ٢٠٠٥م.
٢٩  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.
٣٠  حسين عبد القادر وآخرون: مرجع سابق، ٢٠٠٥م.
٣١  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.
٣٢  رجاء النقاش: في حب نجيب محفوظ، القاهرة، دار الشروق، ٢٠٠٨م.
٣٣  عماد الدين عيسي: الأنثروبولوجي في أدب نجيب محفوظ، ضاد، فصلية تصدر عن اتحاد الكُتَّاب المصريين، العدد الخامس، القاهرة، ٢٠٠٦م.
٣٤  يحيي الرخاوي: نجيب محفوظ السهل الممتنع، ضاد، فصلية تصدر عن اتحاد الكُتَّاب المصريين، العدد الخامس، القاهرة، ٢٠٠٦م.
٣٥  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.
٣٦  أحد الفلاسفة والمفكرين الإصلاحيين والتنويريين في النصف الأول من القرن العشرين في مصر، وكان أحد الذين درسوا الفلسفة في فرنسا وتعرَّفوا على الحضارة الغربية، ومن قبلُ تعرَّف على الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي. راجع في هذا سعيد اللاوندي: عمائم وطرابيش، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٥م.
٣٧  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.
٣٨  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧.
٣٩  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.
٤٠  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.
٤١  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.
٤٢  نجيب محفوظ: مرجع سابق، ٢٠٠٧م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١