الأنشودة التاسعة

أوديسيوس يحكي مغامراته

عندئذٍ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «سيدي ألكينوس، يا من طار صِيتُه أسرع من صيت الناس، ما أجمل الإصغاء إلى مُنشدٍ كهذا الرجل، الذي يشبه الآلهة صوتًا! أما عن نفسي، فإنني أعلن أن أعظم مسَرة لي هي ما تنتظم سائر الشعب، والمدعوون يجلسون في الساحات يستمعون إلى المنشد، وقد انتظموا في ترتيبٍ مناسب، وإلى جوارهم موائدُ زاخرة بالخبز واللحم، والساقي يملأ كئوس الخمر من الطاس ويدور بها هنا وهناك. هذا أجمل شيءٍ في الوجود يروق لناظري. بيد أن قلبك يميل إلى السؤال عن مِحَني المفجعة، كي يزداد بكائي وأنيني. ولست أدري بأي المحن أبدأ، ولا بأيها أنتهي؛ فكثيرة هي المصائب التي حبَتْني بها آلهة السماء. وسأبدأ الآن بإخبارك عن اسمي، حتى تعرفه أنت أيضًا، وكي أُصبح فيما بعدُ، عندما أنجو من يوم القدَر المشئوم، مُضيفَك، رغم أنني أقطن في بلادٍ نائية. إنني أوديسيوس بن لايرتيس، المشهور بين البشر بجميع طرق الحيل، وتبلغ شهرتي السماء، وموطني إيثاكا، الواضحة للعين؛ حيث يُوجد جبل نيريتون Neriton، المكسو بالغابات المائجة؛ إذ يُنظر إليه من بُعد، ومن حوله جُزرٌ عدة متقاربة، الواحدة بجانب الأخرى، دوليخيوم Dulichium، وسامي Same، وزاكونثوس Zacyunthus الكثيرة الغابات. أما إيثاكا نفسها فبقرب الأرض الرئيسية١ في أقصى الظلام،٢ وأما الجزر الأخرى فتقع منفصلة صوب الفجر والشمس. إنها جزيرة وَعْرة، ولكنها مربيةٌ كريمة للشباب، أما بالنسبة لي، فليس هناك ما يمكن أن أراه أحلى من وطني. حقيقة، حاولَت الربة الفاتنة كالوبسو، أن تَحجزَني إلى جوارها في كهوفها الواسعة، تواقةً إلى أن أغدو زوجها، وكذلك كانت تتلهف كيركي إلى الاحتفاظ بي في ساحاتها، كيركي سيدة أيايا Aeaea المحتالة، وكانت تتوق أيضًا إلى الزواج بي، ولكنهما لم تستطيعا إغراء قلبي بين ضلوعي. حقًّا، إنه ما من شيءٍ ألذ من وطن المرء ووالدَيه، حتى ولو كان في بيت الثراء، بعيدًا قصيًّا، في بلدٍ غريب، نائيًا عن والدَيه. دعني أُخبرك أيضًا بخبر عودتي المؤلمة إلى الوطن، التي أنزلها بي زوس، وأنا عائد من طروادة.
figure
وتحدَّثْتُ إليه، وأنا أُمسِك في يدي طاسًا من الخشب، مملوءًا بالخمر.
figure

مغامرة أوديسيوس مع الكيكونيس

حملتني الرياح من إليوس، وساقَتني إلى الكيكونيس Cicones،٣ إلى إسماروس Ismarus. هناك نهبتُ المدينة، وقتلتُ رجالها، ومن المدينة أخذنا زوجاتهم، وغنمنا كمياتٍ كبيرة من الكنوز، قسمناها فيما بيننا، واضعًا نُصْب عيني ألا يُظلَم أحد، بل تكون الأنصبة عادلةً بينهم على السواء. بعد ذلك أمرتُ الرجال، بأن نُطلِق العِنان لأقدامنا هاربين، ولكنهم لفرط غبائهم لم يسمعوا أمري، فأخذوا يحتسون الكثير من الخمر، وذبحوا خرافًا جمَّة بجوار الشاطئ، وأبقارًا ملساءَ سمينة، متثاقلة المشية. وفي تلك الأثناء، انطلق الكيكونيس واستنجدوا بكيكونيس آخرين من جيرانهم، فتجمع عددٌ أكبر وأشجعُ منهم، من الرجال القاطنين بعيدًا عن البحر، وكانوا ماهرين في القتال من عرباتهم، ضد الأعداء، حتى إذا ما لزم الأمر، هبَطوا منها وقاتَلوا على الأقدام، فما أصبح الصباح حتى هجم علينا جمعٌ منهم٤ في عِداد أوراق الأشجار أو الأزهار النابتة في موسمها، وعندئذٍ نزل بنا مصيرٌ مشئوم من لدن زوس، فأصابنا نحن التعساء، كي نكابد المحن العديدة. لقد قاتلوا في نظام، وحاربونا بالسفن السريعة. وراح كل جانبٍ يقذف الآخر بالرماح البرونزية الأسنة. ولمَّا كان الوقت لم يزل إذ ذاك صباحًا، وكان النهار المقدس يتضاءل، ونحن نصُد هجماتهم، ونطردهم بعيدًا، رغم تفوُّقهم علينا في العدد. غير أنه عندما أخذَت الشمس تؤذن بحل النِّير عن الثيران، تَفوَّق علينا الكيكونيس، وهزَموا الآخيين، وهلَك ستةٌ من رفاقي، المدرَّعين جيدًا، من كل سفينة، أما بقيتنا، فقد نجونا من الموت والقدَر.

معركة أوديسيوس مع الأمواج والأعاصير

أسرعنا بالإبحار من هناك، محزوني القلوب، ومسرورين بنجاتنا من الموت، رغم فقدنا زملاءنا الأعزاء، ولم أسمح لسفني بأن تبتعد مسافةً كبيرة، حتى نادينا ثلاث مرات على كل واحدٍ من الرفاق التعساء، الذين جندَلهم الكيكونيس فوق أرض السهل. وعندئذٍ أثار زوس، جامع السحب، الريح الشمالية، ضد سُفُننا، فهاجت بعاصفةٍ عجيبة، وأخفى البَر والبحر معًا بالغمام، ثم هجم الليل الداجي هابطًا من السماء، فأخذت السفن تجري بسرعة، وتمزَّقَت أوصال أشرعتها إربًا من جرَّاء عنف الريح؛ وعلى ذلك أنزلنا الأشرعة وخَزنَّاها بعيدًا خشية الموت، ورحنا نُجذِّف بالسف في سرعةٍ بالغة صوب البَر. هناك استغرقنا في الرقاد طيلة ليلتَين ويومَين، وقد ذابت قلوبنا تعبًا وأسًى، غير أنه ما إن أعلن الجميل الغدائر مولد اليوم الثالث، حتى رفعنا الصواري ونشرنا الأشرعة البيضاء، واتخذنا مقاعدَنا، وطفق البحارة والرياح يُسيِّرون السفن. وحينئذٍ كدتُ أبلغ وطني سليمًا، لولا أن الأمواج والتيار والريح الشمالية، عادت تكيل لي الضربات، وأنا أدور حول ماليا Malea، ودفعَتْني خارج طريقي، بعيدًا عن كوثيرا Cythera.

أوديسيوس في بلاد آكلة اللوتس

بقينا مدة تسعة أيام، منذ ذلك الحين، تحملنا الرياح الهُوج عبر الخِضَم الزاخر، حتى إذا ما أقبل اليوم العاشر، وطئَت أقدامنا أرض بلاد آكلي اللوتس Lotus-eaters، الذين غذاؤهم الأزهار، فنزلنا إلى البر، واستقينا الماء، وفي الحال تناوَل رفاقي طعامهم بجانب السفن السريعة. وبعد أن أكلنا وشربنا أرسلتُ بعضًا من رفقائي ليستطلعوا ماهية أولئك القوم الذين أكلوا خبزًا فوق تلك اليابسة، فاخترتُ اثنَين من رفاقي، وأرسلتُ معهم رجلًا ثالثًا كرسول … وعلى ذلك انطلَقوا في الحال واختلطوا بآكلي اللوتس، ولم يَسعَ آكلوا اللوتس إلى قتل زملائي، بل قدَّموا لهم شيئًا من اللوتس ليتذوَّقوه، وما من واحدٍ منهم أكل ثمرة اللوتس، التي تعدل الشهد حلاوة، إلا وفقد الرغبة في العودة أو إحضار نبأٍ عن رفيقه، بل طاب لهم البقاء هناك بين آكلي اللوتس، متخذين اللوتس غذاءً لهم وناسين طريقهم إلى الوطن، ولكني أرجعتُ هؤلاء الرجال بالقوة إلى السفن، وهم يبكون، وحملتُهم إلى أسفل المقاعد، وأحكمتُ قَيدَهم إلى السفن الواسعة، آمرًا بقية ملائي الأوفياء، أن يُسرعوا بركوب السفن السريعة، لئلا يأكل أي فردٍ منهم اللوتس خطأ، فينسى رحلته إلى الوطن، فأذعن الرجال للأمر، واعتلَوا السفن من فَورِهم، وجلسوا فوق المقاعد، وما إن استَوَوا في أماكنهم، حتى شرعوا يضربون البحر السنجابي بالمجاذيف.

أوديسيوس في بلاد العمالقة

وهكذا أبحرنا من هناك، والحزن يملأ قلوبنا، وبلغنا بلاد الكوكلوبيس، أولئك القوم المتغطرسين الذين لا يخضعون لأي قانون، بل جلُّ اعتمادهم على الآلهة الخالدين، لا يغرسون بأيديهم نبتًا، ولا يحرثون أرضًا، بل تنمو كل مزروعاتهم دون بَذْر ولا حَرْث، القمح والشعير والكروم الحاملة لعناقيد الخمر الغنية، كما يهبُهم زوس المزيد بأمطاره. إنهم لا يعقدون اجتماعاتٍ للتشاور، ولا يتبعون قوانينَ محدودة، بل يعيشون فوق ذؤابات الجبال الشامخة، في كهوفٍ واسعة، وكلٌّ منهم يسنُّ القوانين لأطفاله وزوجاته، ولا يسلب أحدهم الآخر شيئًا.

figure
والجزيرة هناك مستوية٥ تمتد خارج الميناء بانحراف، وليست قريبة من أرض الكوكلوبيس، كما أنها ليست بعيدةً عنها. إنها جزيرةٌ كثيرة الغابات، تكثُر فيها المعيز المتوحشة التي لا حصر لها؛ إذ لا يُخيفها سير الناس ولا يُبعدها عنهم، كما أن الصيادين لا يذهبون إلى هناك، أولئك الرجال الذين يتجشَّمون المتاعب خلال الغابات، وهم يشُقُّون طريقهم فوق قمم الجبال، وإنها غير محتلة بقطعان الماشية، وليست مفلوحة، بل تظل غير مزروعة ولا مفلوحة طوال الأيام، لا تعرف شيئًا عن البشر، ولكنها تطعم المعيز الناغية؛ لأن الكوكلوبيس لا يملكون أية سُفنٍ قرمزية الخدود.٦ كما أن بلادهم خاليةٌ تمامًا من صانعي السفن الذين يبنون السفن المكينة المقاعد، التي تُنجز لهم سائر مطالبهم، وهم ينتقلون إلى مدن أقوامٍ آخرين، كما يحدث عندما يعبُر الناسُ البحر على متون السفن للتزاور — الصنَّاع القادرون أن يجعلوا من تلك الجزيرة موطنًا جميلًا — فإن الجزيرة ليست بأي حالٍ فقيرة، ولكنها تؤتي كل شيء في أوانه؛ فبها مروجٌ بجانب شواطئ البحر السنجابي، مروجٌ جيدة الري ناعمة، حيث لا تكُف الكروم عن النمو، وبها أرضُ حرثٍ مستوية، يستطيعون منها أن يحصدوا الغلَّات الوفيرة من موسم إلى موسم؛ إذ إن التربة أسفل السطح خصبةٌ كل الخصب، وكذلك بها ميناءٌ يُسهِّل إرساء السفن بها في أمان، دون حاجة إلى المراسي، إما بإلقاء مرساة من البحر، أو بتثبيت الكوثل بالحبال، فيمكن للمرء إرسال سفينته على الشاطئ وينتظر حتى ينتوي البحارة الإقلاع، وتهُب الريح المعتدلة. وينبثق من الأرض عند رأس الميناء عينُ ماءٍ نمير، من تحت كهف، وتنمو حوله أشجار الحور، فأبحرنا إلى هناك. وقد أرشدنا أحد الآلهة خلال الليل الداجي؛ إذ لم يكن يُرى هناك أي ضوء، بل كانت تحُط على السفن غمامةٌ كثيفة، ولم يُرسِل القمر أي نورٍ من السماء، بل بقي محتجبًا خلف السحب؛ ولذلك لم تبصر عين أي رجلٍ تلك الجزيرة، ولم نشاهد اللُّجَج الطويلة وهي ترتطم بالشاطئ إلا بعد أن سحبنا سفننا القوية المقاعد فوق الساحل. وبعد أن أخذناها فوق الشاطئ، خفَضْنا سائر الأشرعة، ونزلنا بأنفسنا فوق شاطئ البحر، حيث استسلمنا إلى النوم وانتظرنا مقدم الفجر اللامع.

ما إن هتك الفجر المبكر الوردي الأنامل حُجُب الظلام، حتى شرعنا نجوسُ خلال الجزيرة وقد عجبنا منها، وقامت الحوريات بنات زوس، حامل الترس، بإثارة معيز الجبل، كي يستطيع زملائي أن يأخذوا منها ما يُعِدُّون به طعامهم. وفي الحال تناولنا قسِيَّنا المعقوفة، وسهامنا الطويلة من السفن، وبعد أن انتظمنا في ثلاثِ فِرق، أنشأنا نضرب، وسرعان منا وهبَنا الرب فرائس تُشبع جوعنا. كانت السفن التي تتبَعُني اثنتَي عشرة سفينة، فسقط لكلٍّ منها تسع عنزات، قسمناها بالاقتراع، أما أنا فكان نصيبي عشر عنزاتٍ انتقَوها لي.

وهكذا مكثنا اليوم بطوله حتى غربَت الشمس، جالسين هناك نُولم على لحمٍ وفير وخمرٍ لذيذة؛ إذ لم تكن الخمر الصهباء قد نفدَت من سفننا بعدُ، بل كان لا يزال منها لدينا بقية؛ لأننا كنا قد وضعنا منها خزينًا وافرًا في قُدور، لكل فريقٍ من الملاحين، يوم أن استولَينا على قلعة الكيكونيس المقدسة، ثم اتجهنا بأبصارنا إلى بلاد الكوكلوبيس، القاطنين بقربنا، ولاحظنا الدخان، وصوت الرجال والخراف، والماعز. ولمَّا اختفَت الشمس وراء الأفق، وخيَّم الظلام على الكون، استلقَينا فوق شاطئ البحر طلبًا للراحة. وما كاد الفجر الباكر الوردي الأنامل يلوح في أفق السماء، حتى ناديت رجالي، وجمعتهم سويًّا، وتحدثت في وسطهم جميعًا، فقلت:

«انتظروا هنا الآن، يا جميع الباقين، يا زملائي الأوفياء، بينما أنطلق بسفينتي وبحَّارتي، إلى أولئك القوم، لأستطلع من يكونون، وهل هم من الأفظاظ، المتوحشين الظالمين، أم ممن يحبون الغرباء، ويتَّقون الآلهة في قرارة نفوسهم.»

وبعد أن أتممتُ حديثي ذاك، صَعِدتُ إلى ظهر السفينة، وأمرتُ رفاقي بالصعود كذلك، وبحل حبال الكوثل، فأذعنوا للأمر، وامتطَوا صَهوتَها فورًا، واستَووْا في مقاعدهم. وبعد أن اعتدلوا في مجالسهم بنظام، وأخذوا يضربون البحر السنجابي بالمجاذيف، فلما بلغنا المكان، وكان قريبًا جدًّا من البحر، أبصرنا كهفًا شاهقًا، مسقوفًا بفروع أشجار الغار. ورأينا هناك كثيرًا من قطعان الأغنام، والماعز، كانت نائمة معًا في حظيرةٍ واحدة. ومن حول الكهف ساحةٌ عالية، مشيدة في الصخور المغروسة عميقًا في الأرض، والمُدعمَة بأشجار الصنَوبَر الباسقة، وأشجار البلُّوط ذوات القمم الشاهقة. وكان هناك رجلٌ ضخم عملاق، ينام في ذلك الكهف، وكان يرعى قطعانه بمفرده في مكانٍ قصي، ولم يكن يختلط بغيره، بل يعيش في عزلة، يؤمن في قلبه بعصيان القانون؛ لأنه كان قد خُلق وحشًا غريبًا، ولم يشبه الإنسان آكل الخبز، بل كان أشبه بقمةٍ شامخة لجبلٍ ضخم، كثيرة الغابات، تعلو بارزةً وحدها أمام الناظرين، ومنفصلةً عن غيرها من الذؤابات الشامخات.

عندئذٍ أمرتُ بقية رفاقي الأوفياء، أن يبقَوا بجانب السفينة لحراستها، واخترتُ اثنَي عشر رجلًا من خير رفاقي وانطلقتُ في طريقي، وملأتُ قِربةً من جلد الماعز بالخمر الصهباء الحلوة المذاق، كان قد أعطانيها مارو Maro، ابن يوانثيس Euanthes، كاهن أبولُّو، الرب المكلف بحراسة إسماروس Ismarus، أعطانيه لأننا قمنا بحمايته، هو وزوجه وطفله، من قبيل التبجيل؛ إذ كان يعيش في كهفٍ خشبي لفويبوس أبولُّو Phoebus Apollo. كذلك أهداني هدايا رائعة؛ فمن الذهب المصنوع بمهارة، قدَّم لي سبع تالنتات، وأعطاني طاسًا من اللجَين، وعلاوةً على ذلك أعطاني خمرًا، ملء اثنتَي عشرة قِدرًا، خمرًا حلوةً نقية، غير مخلوطة، شرابًا مقدسًا، دون علم أي فردٍ من عبيده أو خادماته، بل كان يعلم به هو نفسه وزوجه العزيزة، وإحدى خادمات المنزل، ليس غير. وكانوا كلما شربوا من تلك الخمر التي في حلاوة العسل، ملئوا كأسًا واحدة، وسكبوها في عشرين كأسًا من الماء، فتنبعث من الطاس رائحةٌ طيبة ذكية، وعندئذٍ كان يحق للمرء ألا يكُف عن الاحتساء، فملأتُ قِربةً من جلد الماعز بهذه الخمر، وكانت قربةً كبيرة الحجم، وكذلك ملأت كيسًا بالمئونة؛ إذ كان يتملَّكُني إحساس، في داخل نفسي، بأنه سرعان ما سيأتي إليَّ رجلٌ عتيد القوة، مُتوحِّش لا يعرف شيئًا عن العدالة أو القانون.٧

أوديسيوس في كهف العملاق بولوفيموس

سرعان ما بلغنا الكهف، فلم نجد العملاق بداخله؛ إذ كان يرعى قطعانه السمينة في الحقول؛ ومِن ثَمَّ دخلنا الكهف وطُفنا نتعجَّب من كل شيءٍ وقَع عليه بصرنا هناك. كانت السلال مملوءة بالجُبن، والحظائر تَعجُّ بالحِملان والجداء. كل نوعٍ بمفرده داخل سياج؛ الحملان غير البالغة وحدها، وكذلك الحملان البالغة في مكانٍ آخر وحدها، وأيضًا الحديثة المولد. وكانت الجرار الحديثة الصنع مملوءة بالشرش، وكذلك الدلاء والطسوت التي يُحلب فيها اللبن، فلما رأى رفاقي ذلك، أشاروا عليَّ بأخذ بعضٍ من الجبن، والانصراف، ثم أُسرع في قيادة الجداء والحملان داخل الحظائر إلى السفينة السريعة؛ ومِن ثَمَّ نُبحر عَبْر الماء الملح. بيد أنني لم أستمع لنصحهم — ويا ليتني فعلت؛ إذ كان هذا خيرًا لنا، أي خير — رغبةً في رؤية الرجل نفسه، وطمعًا فيما عسى أن يُعطيَنيه من هدايا التكريم. غير أن ظهوره، كما حدَث، لم يكن منه أي غبطة لزملائي.

بعد ذلك أشعلنا نارًا، وقدَّمنا ذبيحة، وتناولنا، نحن أنفسنا من الجبن، فأكلنا، ثم جلسنا ننتظر العملاق داخل الكهف، حتى عاد يسوق قطعانه. وكان يحمل مقدارًا ضخمًا من الخشب الجاف؛ ليستخدمه في إعداد عَشائه، وقذَف به من فوق ظهره، إلى داخل الكهف، مُحدثًا صوتًا مدويًا، فاستَبدَّ بنا الفزع، وانكمشنا في إحدى زوايا الكهف، بينما كان يدفع قطعانه السمينة إلى داخل المغارة الواسعة؛ سائر الإناث التي كان يحلبها. أما الذكور — الكباش والماعز — فقد تركَها خارج صحن الكهف المترامي الأطراف. وبعد ذلك رفع صخرة الباب الضخمة، ووضعها في مكانها، ويا لها من صخرة بالغة الكبر، تنوء برفعها عن الأرض اثنتان وعشرون عربةً ذات أربع عجلات، من العربات المتينة! إنها كتلةٌ هائلة من الصخر، تلك التي وضَعها أمام المدخل. وبعد ذلك جلس يحلب النعاج والماعز الثاغية، كلًّا بدوره، ووضع تحت كل أنثى صغيرها. وفي الحال خثَّر نصف اللبن الناصع البياض، ووضَعه في سلال من غصون الصفصاف، وحملها بعيدًا. أما النصف الآخر فوضَعه في أوعية ليتمتع بأن يعُبَّ منه في عَشائه. وهكذا شُغل بإنجاز مهامه ثم عاد يُشعل النار، فوقع بصره علينا، فسألنا قائلًا:

المعركة الكلامية بين العملاق وأوديسيوس

«من أنتم أيها الغرباء؟ ومن أين قدمتم بحرًا عَبْر المسلك المائية؟ ألغرضٍ بعينه جئتم، أم مجرد تجوالٍ تقومون به فوق صفحة اليم كما يجوس القراصنة، مغامرين بحياتهم لجلب الأذى على أقوام البلاد الأخرى؟»

قال هذا، فبلغَت أرواحُنا التراقي، من داخل صدورنا، فزعًا وهلعًا من صوته المنكَر وحجمه المهُول، ولكن رغم ذلك، أجبتُه بقولي:

«يجب أن تعلم أننا من طروادة، وأننا من القوم الآخيين، ساقتنا جميع صنوف الرياح عَبْر هوة البحر العظيمة، ونحن نَجِدُّ في العودة إلى وطننا، فسلكنا طريقًا غير طريقنا، وأبحرنا عَبْر ممراتٍ غير ممراتنا، وفي اعتقادي، أن زوس كان مسرورًا من خطته تلك. كما أُعلن أننا رجال أجاممنون بن أتريوس Atreus، الذي طبَّقَت شُهرته الآفاق، وغدت أقوى شهرة تحت السماء، ويا لها من مدينةٍ عظيمة تلك التي خرَّبها، وجندَل قومًا كثيرين! أما نحن، فإذ نزوركَ هكذا، قد جئنا كمتضرعين إلى ركبتَيك، أملًا في أن نحظى بكرمك، أو بالأحرى، أن تُقدِّم لنا هديةً ما عملًا بواجب ضيافة الغرباء. هيا، أيها البالغ القوة، بجل الآلهة؛ فنحن طالبو عطفك، وإن زوس هو المنتقم للمتضرعين والأغراب — زوس، إله الغرباء — الذي يتولى على الدوام خدمة الأغراب المُبجَّلين.»

ما إن قلتُ هذا، حتى أجابني بفظاظة وغلظة قلب، فقال: «أأنتَ أحمق أيها الغريب، أم أنك قدمتَ من بلدٍ قصي؛ إذ أراك تأمرني، إما بالخوف وإما باجتناب غضب الآلهة؟ إن الكوكلوبيس لا يهابون زوس، حامل الترس، ولا الآلهة الخالدين؛ إذ إننا أفضلُ منهم بكثير؛ وعلى ذلك فلن تفلتَ مني، أنت ولا أيٌّ من رفاقك، لكي أتحاشى غضب زوس، إلا إذا أمرني قلبي، ولكن خبِّرني: أين أرسيت سفينتك المتينة الصنع عندما قدِمتَ إلى هنا؟ أكان ذلك مصادفةً عند مكان قصي من البلاد، أم في موضعٍ قريب؟ إن لي رغبة في معرفة ذلك.»

هكذا تكلَّم، قاصدًا إغرائي، بيد أنه لم يُوقع بي، بسبب دهائي العظيم، فأجبتُه ثانية، بألفاظٍ ماكرة، قائلًا:

«إن سفينتي، قد حطَّمها بوسايدون، مزلزل الأرض، إلى أشلاء، قاذفًا بها إلى فوق الصخور عند تُخوم بلادك؛ إذ دفع بها قريبًا من اليابسة، وجرفَتْها الريح من البحر إلى الداخل، غير أنني نجوتُ، مع هؤلاء الرجال، من الهلاك الشامل.»

العملاق يتعشَّى باثنين من رجال أوديسيوس

قلتُ هذا، ولكنه لم يُجب، من قسوة قلبه، وإنما وثَب، وانقَضَّ على رفاقي، وأمسك في الحال اثنَين منهم، وقذف بهما إلى الأرض كالدمى، فتدفَّق المخ خارج رأسَيْهما على الأرض فبلَّلها، ثم قطَّعَهما جزءًا جزءًا، وأعدَّ منهما عشاءه. وهكذا التهمهما كما لو كان أسدًا يسكن الجبال، غير تارك منهما شيئًا — فقد التهم الأحشاء، واللحم، والعظام ذات النخاع — فلما رأينا عمله البشع ذاك، بكينا ورفعنا أيدينا إلى زوس، واستولى الفزع٨ على نفوسنا. وبعد أن ملأ الكوكلوب معدته الضخمة، بالتهام لحوم البشر، وَعَب اللبن الصافي، استلقى داخل الكهف، مُمددًا وسط الخراف. وعندئذٍ فكَّرتُ في قرارة نفسي، أن أتسلَّل إلى جواره وأستل سيفي البتار من جانب فخذي، وأهوي به على صدره، حيث يقع الكبد داخل عضلة الحجاب الحاجز، متحسسًا الموضع بيدي، غير أن فكرةً ثانية منعَتْني من تنفيذ هذه الخطة؛ إذ لا بد بعد ذلك أن نَهلِك نحن أيضًا؛ فليس في مقدورنا أن نُزيح الصخرة الضخمة بأيدينا من أمام الباب، تلك الصخرة التي وضعها هناك؛ وعلى ذلك بقينا ننتحبُ منتظرين الفجر اللامع.

العملاق يفطر برجلَين آخرين

ما كاد الفجر الباكر، ذو الأنامل الوردية، يلوح حتى نهض العملاق، وأشعل النار، وحلَب قطعانه العظيمة، كلًّا بدوره، ووضع صغير كل أنثى تحتها. وبعد أن انتهى من إنجاز أعماله تلك، انبرى، وأمسك من جديدٍ برجلَين، وأعدَّ منهما وجبتَه في الحال. وبعد أن فرغ من طعامه، ساق قطعانه السمينة إلى خارج المغارة، وأزاح صخرة الباب الضخمة في يسر، ثم أعادها مكانها ثانية، كما يضع المرء الغطاء فوق الجعبة. وبصفيرٍ مُدوٍّ، ذهب الكوكلوب بقطعانه السمينة صوب الجبل، بينما بقيتُ أنا هنا في الكهف، أُدبِّر الشر في قرارة نفسي، حتى أنتقم منه بأية وسيلة، وقد منحَتْني أثينا المجد.

خطة أوديسيوس للقضاء على العملاق

والآن خطَرتْ لي فكرة، بدت لي أفضل مما عداها. كان بجانب إحدى حظائر الخراف، هراوةٌ ضخمة لذلك الكوكلوب، عبارة عن عصًا غليظة من خشب الزيتون الأخضر، كان قد قطعها وحملها معه لتجف هناك، فلمَّا وقَع بصرنا عليها؛ خلناها سارية سفينةٍ سوداء ذات عشرين مجذافًا، سفينة تجارية عريضة القوائم، من السفن عابرات الهُوَّة السحيقة. لقد كانت قضيبًا بالغ الطول والسمك، فأمسكتها، وقطعتُ منها جزءًا في طول القامة،٩ وأعطيتُه زملائي، وأمرتُهم بتسويته، وصقله. ورحتُ وأنا واقف إلى جوارهم، أُدبِّب الطرف، ثم حملتُه بسرعة، وجعلتُه صلبًا في النار المستعرة، ثم أخفيتُه بعناية بعيدًا، تحت روث الأغنام الموجودة بكثرة في أكوامٍ هائلة في نواحي الكهف. وطلبتُ من رفاقي أن يقترعوا فيما بينهم، عمَّن يرفع معي ذلك الوتد، ويديره داخل عين العملاق عندما يأخذ الكرى اللذيذ بمعاقد أجفانه، فوقعَت القرعة على مَن كنتُ أتوق، أنا نفسي، إلى اختيارهم، وكانوا أربعة، وأنا خامسهم، فلما أقبل المساء عاد يسوقُ قطعانه العظيمة الجزات، وأسرع بإدخال قطعانه السمينة إلى الكهف الفسيح، ولم يترك واحدًا منها خارج صحن المغارة المترامي الأطراف؛ إما من باب الحيطة، وإما أن يكون أحدُ الأرباب قد أمره بذلك، ثم رفع الصخرة عاليًا، ووضعها في مكانه، صخرة الباب الضخمة. وما كاد يجلس حتى حلب نعاجه ومعيزه الثاغية، كلًّا بدوره، ووضع تحت كل أنثى صغيرها. وبعد أن انتهى من عمله، تناول رجلَين آخرَين، وأعدَّ منهما عَشاءه. بعدئذٍ اقتربتُ من الكوكلوب، وتحدَّثتُ إليه، وأنا أُمسِك في يدي طاسًا من خشب الإتل، مملوءًا بالخمر القاتمة، وقلت:

أوديسيوس يثمل العملاق

figure
أيها الكوكلوب، خذ هذه الخمر.

«أيها الكوكلوب، خذ هذه الخمر، واشربها بعدَ وجبتك من لحم البشر، لتعرف أي لونٍ من الشراب، هذا الذي احتوته سفينتنا. لقد أحضرتُ هذا الشراب، خصيصًا لك، كشراب تقدمة، عسى أن تأخذك الشفقة بي، وتُرسلني في طريقي إلى الوطن، بيد أنك تثور بطريقة تفوق كل ما يمكن احتماله. أيها الرجل الفظ، كيف يستطيع أي رجل، من سائر جموع الناس، أن يأتيك بعد الآن؟ لأنني أراك قد صنعتَ ما يُخالف القوانين.»

هكذا قلتُ، فأمسَكَ الكأس، وأفرغَها في جوفه، وابتهج كثيرًا؛ إذ تناول الشراب الحلو، وسألني المزيد منه مرةً أخرى، قائلًا:

«زدني من هذا، ثانيةً، بقلبٍ رضي، وأخبرني في الحال عن اسمك، حتى يمكنني أن أُعطيكَ هدية ضيف؛ ليبتهج بها قلبك؛ لأن أرض الكوكلوبيس، واهبة الغلال، تحمل عناقيد العنب الغنية بالعصير، وأمطار زوس تمنحها المزيد، غير أن هذه ليست سوى جرعة من الأمبروسيا والنكتار.»

ما إن قال هذا حتى ناولتُه الخمر المُستعرة. ثلاث مراتٍ أصبها له وأُعطيه، وثلاث مراتٍ يفرغ الشراب بحمق في جوفه. وبعد أن سلبَت الخمر لب الكوكلوب، خاطبتُه بعباراتٍ رقيقة، قائلًا:

«تسألني عن اسمي المجيد، أيها الكوكلوب، وعلى ذلك سأذكره لك، حتى تُعطيني هدية الضيف، كما وعدتَني، إن اسمي هو «لا أحد» فهكذا يُسمِّيني أبي وأمي، وجميع رفقائي أيضًا.»

هكذا قلتُ له، فأجابني في الحال بقلبٍ لا يعرف الرحمة، قائلًا:

«سوف آكل «لا أحد» بعد سائر رفقائه، وآكلهم جميعًا قبله، وهذه ستكون هديتي.»

الخمر تلعب بعقل العملاق

ما إن قال هذا، حتى سقط مستلقيًا على قفاه، وانحنى عنقه الغليظ مائلًا، وقد تملَّك منه النوم، الذي يقهر الجميع، ومن حَلقِه تدفَّقَت الخمر وقِطعٌ من الحم البشر؛ إذ تقيأ في نومه الثمل. عندئذٍ وضعتُ الوتدَ تحت الرماد العميق، حتى حمي الوتدُ وغدا شديد السخونة، وشجَّعتُ جميع رفاقي بألفاظٍ مفرحة، حتى لا يرتجف أحدهم ذُعرًا وهلعًا. وما كاد وتد خشب الزيتون يشتعل؛ لأنه كان أخضر، وبدأ يتوهَّج بعنف، حتى اقتربتُ وأخرجتُه من النار، ووقف زملائي إلى جانبي، وبَثَّ فينا أحد الأرباب شجاعةً بالغة. لقد أمسكوا بوتد الزيتون المدبَّب الطرف، ودفَعوه في عينه، بينما ارتميتُ أنا بثقلي عند طَرفه، وأخذتُ أُديره، وكما يثقب المرء أخشاب السفينة بالمثقاب، بينما يحافظ مَن يمسكون بالمثقاب من أسفل بواسطة السير، على استمرار دورانه، ويظل المثقب يدور دون توقُّف. هكذا أمسكنا بالوتد الناري الطرف، وأدرناه في عينه، وتدفَّق الدم حول القضيب المحمي، وألهبت النيران جفنَيه وحاجبيه من حول المقلة المُحترقة، التي طقطَقَت جذورها في النار. وكما يغمس الحداد فأسًا ضخمة أو بلطةً في الماء البارد، وسط الفحيح العالي، ليُقسِّيها — إذ بهذه الطريقة يستمد الحديد قُوَّته — هكذا أيضًا راحت عينه تفحُّ حول وتد خشب الزيتون، فأخذ العملاق يطلق الصراخ عاليًا مدويًا بفظاعة، وطنَّ الصخر من كل جانب، وإذ استولى علينا الفزع والذعر، وانكمشنا في ناحية، بينما أخرج هو الوتد من عينه، وكان ملطخًا كله بالدم، وقذف به بعيدًا وصار يُلوِّح بذراعَيه بوحشية. وبعد ذلك أخذ ينادي الكوكلوبيس القاطنين حوله في الكهوف وسط المرتفعات الشديدة الرياح، فسمعوا صياحه وهبُّوا لنجدته من كل حدب وصوب، ووقفوا حول كهفه يسألونه ماذا يؤلمه بقولهم:

«ماذا يؤلمك يا بولوفيموس Polyphemus، حتى تصرخ هكذا عاليًا في بهيم الليل الخالد، وتقُضَّ مضاجعنا؟ أتَجاسَر إنسانٌ ما على أن يسرق قطعانك، ويأخذها بعيدًا ضد إرادتك، أم يقتلك بالحيلة، أو بالقوة؟»

فأجابهم بولوفيموس العتيد، من داخل المغارة، بقوله: «يا أصدقائي لا أحد يقتلُني بالحيلة ولا بالقوة.»

فردُّوا عليه جميعًا، بعباراتٍ قاسية،١٠ فقالوا: «طالما لا أحد يستعمل معك القوة في وحدتك، فإن المرض الآتي من لدن زوس العظيم، لا سبيل لك إلى الفرار منه. إذن يجب أن تُصلي إلى أبينا، السيد بوسايدون.»

قالوا ذلك القول وانصرفوا إلى حال سبيلهم، بينما ضحك قلبي في داخلي؛ إذ خَدعَهم اسمي وخطَّتي الموضوعة بمكر ودهاء، إلى ذلك الحد. بعد ذلك صار الكوكلوب يتلمس حوائط الكهف بيديه، وهو يتأوَّه ويتوجَّع حتى بلغ الباب، فأزاح الصخرة، وجلس بنفسه عند الباب باسطًا ذراعَيه، أملًا في أن أي واحدٍ منا قد يُحاول الخروج مع الخراف — بمنتهى الغباء — لأنه في الحقيقة، كان يأمُل في قرارة نفسه أن يعثر عليَّ، ولكني دبَّرتُ خطةً لإنجاز كل شيءٍ على أتم وجه، راجيًا أن أُوفَّق إلى خطةٍ ما للهرب من الموت، أنا وزملائي، فأخذتُ أقدح الفكر سعيًا وراء كل سبل الحيلة والرأي السديد، كما يفعل المرء إزاء مسألة حياة أو موت؛ لأن الشر المحدق بنا كان عظيمًا، فوُفِّقْتُ إلى خطَّة، بدت لي خير فكرة. كانت هناك كباشٌ سمينة غليظة الجزَّة، حيواناتٌ رائعة وكبيرة، ذات صوفٍ أدكن كالبنفسج، فربطتُ هذه مع بعضها، في سكون، بأغصان الصفصاف المجدولة، التي كان ينام عليها الكوكلوب، ذلك الوحش ذو القلب المؤمن بالتمرُّد والعصيان، فكنتُ أربط كل ثلاثة كباشٍ سويًّا، يحمل أوسطها رجلًا، بينما يسير الكبشان الجانبيان، كل واحدٍ منها إلى جانب، منقذين رفقائي. وهكذا حمل كل ثلاثة خرافٍ رجلًا، أما فيما يختص بنفسي، فقد كان هناك كبشٌ ضخم، هو خيرُ ما في القطيع كله، فأمسكتُه من ظهره، وبسطتُ نفسي أسفل بطنه الأشعث، جاعلًا وجهي إلى فوق، وبقلبٍ ثابتٍ جريء، تعلَّقتُ بشدةٍ بيديَّ في جزَّته العجيبة، وهكذا بقينا، بالنحيب ننتظر قدوم الفجر اللامع.

هروب أوديسيوس بخديعة الكباش

ما إن لاح الفكر الباكر، ذو الأنامل الوردية، حتى أَسرعَت ذكور القطيع خارجةً لترعى، بينما شَرعَت الإناث تثغو حول الحظائر دون أن يحلبها أحد؛ إذ كانت ضروعها منتفخة، وسيدها يتلظَّى حزنًا بآلامه المُبرِّحة، فراح يتحسَّس ظهور جميع الخراف وهي تمر أمامه، ولكن لحماقته، لم ينتبه إلى أن رجالي كانوا مربوطين أسفل صدور كباشه الغزيرة الصوف. وآخر جميع القطيع، خرج الكبش المحمَّل بثقل جزَّته، وبشخصي الماكر، فلما تحسَّس بولوفيموس ظهره تحدَّث إليه قائلًا:

«يا هذا الكبش الكريم، لماذا بربك تخرج هكذا من الكهف آخر القطيع؟ ما كان من عادتك أن تُبطئ في الخروج وراء سائر الخراف، بل كنتَ دائمًا أول من يرعى النبت الغض من الحشائش، سائرًا بخطًى واسعة، وكنتَ أول من يصل إلى مجرى النهر المائي، وأسبق من كان يتوقَّد لهفة إلى العودة إلى الحظيرة في المساء. أما الآن فإنك آخر الجميع. لا شك أنك حزينٌ على عين سيدك، التي أعماها رجلٌ شرير، هو وأعوانه الأشقياء، بعد أن تغلَّب على حصافتي بالخمر، إنه لا أحد، الذي أؤكِّد لك أنه لم ينجُ بعد من الهلاك. آه! لو كنتَ فقط، تستطيع أن تُحس كما أُحس، أو لك القدرة على الكلام لتُخبرني أين يتوارى هو من غضبي، إذن لحطَّمتُ مخه، وجعلتُه يتدفَّق على الأرض في كل مكان هنا وهناك، في شتى أنحاء الكهف بعد أن أُشبعه ضربًا. وعندئذٍ كانت تزول المحن التي أنزلها بي هذا اللاأحد، العديم النفع، وتخفُّ عن قلبي.»

بعد أن انتهى الكوكلوب من كلامه ذاك، نحَّى عنه الكبش. وما إن ابتعدنا قليلًا عن الكهف وصَحنه، حتى خلَّيتُ نفسي أولًا عن الكبش، ثم فكَكتُ زملائي وأطلقتُ سراحهم، وبسرعةٍ سقنا تلك الأغنام الطويلة السيقان والممتلئة بالدهن، ونحن نتلفَّت كثيرًا حولنا، حتى وصلنا إلى السفينة. كانت رؤيتنا موضع ترحيب من زملائنا الأعزاء الذين سَرَّهم أن يرَوْنا وقد نجَوْنا من الموت، ولكنهم بكَوا على فقد الآخرين. غير أنني لم أدَعْهم طويلًا في البكاء، بل أمرتُ كل رجل، وأنا مقطَّب الأسارير أن يُسرِع بوضع الأغنام على ظهر السفينة، تلك الخراف الكثيرة العدد، ذات الجزَّات العظيمة، حتى نُسرِع بالإبحار عَبْر الماء الملح؛ وعلى ذلك صَعِدوا بسرعة، وبعد أن أخذوا مجالسهم في نظام، شَرعوا يضربون البحر السنجابي بمجاذيفهم. وما إن صرتُ على مدى سماع صوت المرء وهو يصرخ، صحتُ إلى الكوكلوب بألفاظٍ ساخرة أقول:

«أيها الكوكلوب، يبدو أن ذلك الرجل لم يكن ضعيفًا، هذا الذي كان في نيتك أن تلتهم رفقاءه بالقوة الغاشمة في كهفك الفسيح. ما من شَكٍّ في أن أعمالك الشريرة قد حاقت بك ونزلَت فوق رأسك أيها الشقي الفَظ، الذي لم تَتورَّع في أن تأكُل ضيوفك داخل بيتك؛ ولذلك فقد انتقم منك زوس والآلهة الآخرون.»

العملاق يهاجم أوديسيوس بصخرةٍ هائلة

هكذا قلتُ، فزاد حنقًا في قلبه، وكَسَر قمة جبلٍ شامخ، وطوَّح به نجونا، فسقطَت أمام السفينة القاتمة الحيزوم. وماج البحر من جراء سقوط تلك الصخرة، وكان ارتداد الماء المزاح أشبه بفيضانٍ من الأعماق، فحمل السفينة بسرعةٍ وجرفَها نحو البَر فوق الشاطئ. بيد أنني أمسكتُ بقضيبٍ طويل، ودفعتُ السفينة بعيدًا عن الشاطئ وبحذائه، ثم أومأتُ برأسي إلى رفقائي، وأمرتُهم أن يُعمِلوا التجذيف كي نستطيع النجاة من تلك المحنة الماحقة الشريرة، فانحَنَوا على مجاذيفهم وجذَّفوا بعنف. وما إن صرنا فوق صفحة البحر، وابتعَدْنا عن البَر بمسافةٍ ضعف الأولى، تاقت نفسي إلى أن أصرُخ إلى الكوكلوب، رغم أن زملائي، حولي قد حاولوا منعي، الواحد بعد الآخر، ناصحين إياي بكلماتٍ رقيقة، قائلين:

«أيها الطائش، لماذا تثير حنق رجلٍ متوحش؟ لقد رمى حجرًا إلى البحر العميق فدفع سفينتنا إلى الوراء نحو البَر، حتى خلنا، أننا حقًّا قد هلكنا. ولو سمع واحدًا منا يُخرج صوتًا أو يتكلم؛ لأمسك بصخرة مسنَّنة الأطراف، ولرمى بها محطمًا رءوسنا وأخشاب سفينتنا؛ إذ إنه يقذف بقوةٍ هائلة.»

هكذا تكَّلموا، ولكنهم لم يستطيعوا التأثير على نفسي الجريئة، فقلتُ ثانيةً بقلبٍ غاضب:

«أيها الكوكلوب، إنْ سألَك سائلٌ من البشر عمَّن سبَّب عمى عينَيك المخجل، فقل إنه أوديسيوس، مُخرِّب المدن، هو الذي أعماها. إنه لابن لايرتيس، الذي موطنه إيثاكا.»

ما إن قلتُ هذا حتى تأوَّه وأجابَني بقوله: «يا لها من حسرةٍ بالغة! حقًّا، إن نبوءةً قيلت منذ زمنٍ بعيد، قد حاقت بي؛ إذ كان يعيش هنا عرَّاف، رجلٌ كريم فارع الطول وهو تيليموس Telemus ابن يوروموس Euruymus، ذلك الذي تفرَّق في العرَّافة على سائر البشر، وبلغ من الكبر عتيًّا كعرَّاف بين قوم الكوكلوبيس. لقد أخبرني أن سائر هذه الأمور سوف تحدُث في الأيام القادمة، وقال إنني سأفقد بصري على يدَي أوديسيوس. بيد أنني كنتُ أتوقع على الدوام أن أرى رجلًا طويلًا مليح الوجه، يأتي إلى هنا، متسربلًا في قوةٍ بالغة. أما الآن، فإنه شخصٌ تافه، رجل لا حول له ولا طول، ذلك الذي أعمى عيني، بعد أن سيطر عليَّ بالخمر. ومع ذلك فتعال إلى هنا يا أوديسيوس، حتى أمنحك هدايا التكريم، وكي أُعجِّل بإرسالك من هنا، ليهَبَك العودة مزلزل الأرض المجيد؛ فإنني ابنه، وهو يعترف بأنه أبي، ولسوف يشفيني هو نفسه، لو راقَ له هذا، ولكن لن يفعل ذلك أحدٌ سواه، من الآلهة المباركين، أو من البشر.»
هكذا قال الكوكلوب، فأجبته بقولي: «ليتني كنتُ قادرًا على أن أسلبكَ روحكَ وحياتك، وأن أُرسلك إلى بيت هاديس Hades، حيث من المحقَّق، أن مزلزل الأرض لن يستطيع شفاء عينك إطلاقًا.»

العملاق يطالب بوسايدون الانتقام من أوديسيوس

قلتُ هذا، فصلَّى الكوكلوب لبوسايدون، باسطًا ذراعَيه كلتَيهما، إلى السماء ذات النجوم، يقول: «استمع إليَّ يا بوسايدون، يا مُطوِّق الأرض، أيها الرب ذو الشعر الأدكن، فلو أنني كنتُ ابنك حقًّا، وأعلنتَ أنت نفسكَ أنكَ أبي، لا تجعل أوديسيوس مُخرِّب المدن يصل أبدًا إلى وطنه، أوديسيوس بن لايرتيس، الذي موطنه إيثاكا، أما إذا كان مقدرًا له أن يرى أهله، ويصل إلى منزله المتين البناء، ووطنه، فليكن وصولُه متأخرًا، وفي حالةٍ يُرثَى لها، بعد أن يفقد سائر رفقائه ويعود في سفينة لرجلٍ آخر، وليُعانِ المحن في بيته.»

هكذا قال في صلاته، وسمعه الرب الأدكن الشعر. أما الكوكلوب، فقد رفع إلى فوق، من جديد، صخرةً أخرى، أضخم بكثير من السابقة، ولوَّح بها في الهواء، ثم قذَفها، واضعًا في رميته قوةً لا حد لها. لقد رمى بها خلف السفينة الدكناء الجؤجؤ، فسقطَت بقربها، وأخطأ الدفَّة بمسافةٍ بسيطة أو ما كادت، فهاج البحر تحت قوة سقوط الصخرة، وحملَت اللجة السفينة إلى الأمام، وجرفتها إلى الشاطئ.

وصلنا عندئذٍ إلى الجزيرة حيث كانت ترسو جميع سفننا الأخرى، ذات المقاعد المكينة، وقد جلس حولها رفقاؤنا، ينتظرون عودتنا، وهم يبكون. وعندما وصلنا إلى هناك، أرسينا سفينتنا فوق الرمال، ونزلنا، نحن أنفسنا إلى شاطئ البحر. بعد ذلك أنزلنا من السفينة الواسعة قطعان الكوكلوب، وقسمناها، بقَدْر ما كان في مقدوري أن أقسم، حتى لا يُحرم أي رجل من نصيبه العادل. أما الكبش الكبير، فقد تركه لي زملائي، فأعطَوه لي وحدي، كجائزةٍ منفصلة، عندما قسمتُ القطعان، فنحرتُه فوق الشاطئ ذبيحة لزوس بن كرونوس، رب السحب القاتمة، وسيد الجميع، وأحرقتُ قِطع الأفخاذ، ولكنه مع ذلك لم يكن ليهتَم بذبيحتي، بل كان يُدبِّر كيف تتحطَّم جميع سُفني المتينة المقاعد، وكذا زملائي الأعزاء الأوفياء.

ومِن ثَمَّ، طفقنا طوال اليوم كله، إلى أن أغربت الشمس، جالسين نولم على لحمٍ وفير وخمرٍ لذيذة. ولمَّا احتجَبَت الشمس وراء الأفق، وخيَّم الظلام على الكون، رقدنا لنستريح فوق شاطئ البحر، وما كاد الفجر الباكر، ذو الأنامل الوردية، يظهر في السماء، حتى أيقظتُ رفاقي، وأمرتُهم بالصعود إلى السفن، وحل حبال الكوثل، فصَعِدوا في الحال، وجلَسوا فوق المقاعد، وبعد أن استَووْا في مقاعدهم بنظام، أخذوا يضربون البحر السنجابي بمجاذيفهم.

من هناكَ أبحرنا بقلوبٍ مثقَلة بالأحزان، ولكننا كنا مسرورين لنجاتنا من الموت، بالرغم من أننا فقدنا زملاءنا الأعزاء.

١  لا يجوز استعمال كلمة «منخفض» هنا لعدم صحتها؛ فإن ترجمة الفقرة كلها تجعل وصف هوميروس متفقًا والوقائع الحقيقة. إنها تتفق والرأي القائل بأن إيثاكا هوميروس لا يمكن تشبيهها بثياكي Thiaki، بل بليوكاس Leucas. ومن المسلَّم به أن هذه السطور تُوصِم الشاعر بالجهل بجغرافية غرب بلاد الإغريق.
٢  أي من وجهة نظر الملاح، جاعلًا طريقه بحذاء الساحل صوب الظلمات والمنطقة المجهولة شمالًا وغربًا.
٣  شعب من شعوب تراقيا هاجم أوديسيوس وأنصاره؛ لأنه سلبهم بلدتهم، فقتلوا ستة من كل سفينة. وكان ذلك هو المكان الذي أخذ منه أوديسيوس الخمر التي أثمل بها العملاق بولوفيموس.
٤  الترجمة الحرفية: «وفي الصباح هجموا علينا».
٥  نظرًا إلى الشك الذي يكتنف المعنى الحقيقي للكلمة اليونانية، فإن البعض يترجمها «عميقة التربة»، والبعض الآخر «جرداء».
٦  أي ذات مقدماتٍ مطلية باللون الأحمر.
٧  يورد النص اليوناني هاتَين الكلمتَين في صيغة الجمع، وربما كان المعنى المقصود هو: «مراسيم العدالة وأحكام القوانين التقليدية».
٨  الترجمة الحرفية «اليأس» أو «القنوط».
٩  ستة أقدام.
١٠  الترجمة الحرفية: «بكلماتٍ مجنحة».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤