الفصل الثالث عشر

الثنائي الرهيب

سبتمبر ٢٠١٢–يناير ٢٠١٣

لم يكن لحيدرة مكتبٌ بعدُ في باماكو — قال: «أردنا أن نكون مخفيين، ولم نرغب في أن يعرف الناس ما كنَّا نفعله. لو كنَّا قد حصلنا على مكتب، لكان الأمر سيصبح رسميًّا» — لكن ستيفاني دياكيتي فعلت، وفي منطقةٍ أفضلَ بكثير من المدينة من تلك التي كان يوجد بها مكتب معيجا الذي كان موبوءًا بالجرذان. كان إيه سي آي ٢٠٠٠ حيًّا حديثَ العهد على الضفة الشمالية للنهر، وكان منزل دياكيتي عبارة عن مبنًى حديثٍ في داخله، ويكاد يكون جميلًا في مدينةٍ من المباني القبيحة والأحياء الفقيرة المبنية بقوالب أسمنتية. كان المنزل مقامًا حول ساحة صغيرة، كانت مزروعة بالأشجار والزهور التي ناضلت للبقاء على الحياة على يد بستانيٍّ أخرقَ، وتألَّف من عدد قليل من غرف النوم، وغرفة استقبال بها سجادة غير مألوفة الشكل، ومطبخ، ومكتب كبير. كان المكتب مجهزًا بأسرع اتصال بالإنترنت استطاعت دياكيتي أن تشتريه وبحفنة من الهواتف، لتضاف إلى الهواتف التي احتفظ بها حيدرة في أرديته الضخمة. أحد حوائط هذه الغرفة كانت ستشغله على نحوٍ متزايدٍ جداولُ زمنيةٌ وجداول إلكترونية ابتكرتها دياكيتي لتنظيم عملية الإجلاء.

كان حيدرة ودياكيتي يشكِّلان الآن فريقًا، وكذلك كانت منظمتاهما؛ ففي الشهور المقبلة كانا سيصفان نفسيهما بأنهما «ائتلاف»، يتكوَّن من منظمة حيدرة غير الحكومية «سافاما» ومنظمة دياكيتي التنموية «دي إنترناشيونال». كانا يلتقيان طوال أيام الأسبوع ويعملان من الصباح وحتى العاشرة أو الحادية عشرة مساءً، بحسب أحد المصادر. كان من شأن حيدرة أن يجلس على مقعدٍ مريح على طاولة القهوة، عادةً مع كوب شاي ليبتون، بينما تجلس دياكيتي على المكتب تعمل على جداول بيانات إكسيل. كانت تفضِّل أن تبدأ في الصباح الباكر، بينما كان حيدرة يعيش وفق التوقيت الصحراوي؛ فكان لا يصل إلى المكتب إلا حوالي التاسعة أو العاشرة صباحًا ويفكِّر على أفضلِ نحو في الليل. وفي وقت الظهر كانا يتناولان الطعام؛ وكانت دياكيتي مولعة بمطبخها؛ فكانت تتأكَّد من أنهما يتناولان طعامًا جيدًا — الكسكسي والبرغل — على الأقل مرتين في اليوم، وهو ما كان حيدرة يلتهمه بكمية كبيرة. وإذا جاء إلى المنزل ولم يُقدَّم له شيء، كان يسأل: «أين الطعام؟»

في الأوقات بين ذلك، كان «الثنائي الرهيب» يعمل على خطة إجلاء المكتبات الخاصة. كم من الناس يحتاجان؟ كم عدد شرائح الهاتف المطلوبة؟ كم سيتكلف كل هذا؟ ماذا إن توقفت خدمات الناقلين؟ كان الأمر يستغرق أربعة أيام في المتوسط لوصول الشحنات من تمبكتو إلى باماكو. كان كل ناقل ينبغي أن يكون مسئولًا عما لا يزيد عن ثلاث خزائن في الرحلة — وهي كمية لن تكون شديدة الوطأة إن فُقِدَت، ويمكن حملها على عربة يد واحدة. كان عدد الخزائن مقسومًا على ثلاثة هو عدد مرات النقل اللازمة؛ وذلك العدد مقسومًا على عدد الرحلات التي يمكن لكل ناقل القيام بها هو عدد الناقلين اللازمين.

قال حيدرة: «كان يوجد الكثير من التفاصيل، والكثير من التنظيم.»

أحد الشواغل الأولى كان المكان الذي ستُوضع فيه المخطوطات؛ إذ احتاجا إلى منازلَ آمنةٍ في باماكو. كانت إحدى الفوائد غير المتوقعة من الأزمة أن العاصمة كانت الآن تزخر بالعائلات التي كانت قد هربت من الشمال، واتصل حيدرة بهم شخصيًّا ليستطلع إن كان بوسعه أن يعتمد عليهم في أخذ خزائنه عندهم. أراد أُسَرًا كانت هادئة وليس لها معارف فضوليون. وبعد شهر من البحث كان قد حدد مجموعة تتكون من سبع وعشرين عائلة في أنحاء العاصمة. قال: «كان معظمهم أشخاصًا كنَّا نعرفهم معرفة جيدة جدًّا لوقت طويل.»

فيما يتعلق بمخطوطات معهد أحمد بابا، فقد كانت فكرةً جيدة إشراكُ موظفي الدولة في العملية، والذين لم يكن الكثير منهم من تمبكتو، وذلك خشية حدوث خسارة كارثية؛ وقال: «إن حدثت أزمات، أو مشكلات، فالدولة هي الدولة؛ لذا كنَّا نتأكد من أن موظفي الدولة كانوا معنا.» أما في حالة المكتبات الخاصة، فقد كان حيدرة وسط أهله؛ «كان يثق بعضنا في بعض. كنا نعرف مخطوطاتنا. لم تكن العائلات بحاجة إلى بروتوكولات.»

كان جمْع التبرعات أمرًا محوريًّا للعملية. كان لحيدرة علاقاتٌ جيدة مع مؤسسة فورد ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، ولكن المال الذي منحاه له لم يدُم وقتًا طويلًا. كانت دياكيتي في أثناء ذلك تجري اتصالاتها مع الحكومات والمنظمات الأجنبية التي عرفتها من عملها في مجال التنمية. كانت هذه المنظمات هي التي سينتهي بها الأمر إلى التبرع بالكميات الأكبر من النقود.

إحدى هذه المنظمات كانت مؤسسة مقرها أمستردام، وكان اسمها صندوق الأمير كلاوس، تيمنًا باسم زوج الملكة بياتريكس، ملكة هولندا. كان الصندوق يتلقى دعمًا من الحكومة الهولندية واليانصيب الوطني الهولندي، وهو متخصص في التنمية الثقافية. كان يضم حتى برنامجًا ﻟ «الاستجابة لحالات الطوارئ الثقافية» والذي وُضِع في أعقاب هدم طالبان لتماثيل بوذا في ولاية باميان في أفغانستان في عام ٢٠٠١. كان الهدف من هذا البرنامج، بحسب منسقته ديبورا ستولك، «تكوين جبهة دولية في مواجهة التدمير المتعمد للتراث»، وسعيًا لتحقيق هذا الهدف كانت قد تتبعت الأزمة في مالي من أيامها الأولى، محاولةً تحديد الأشخاص الذين يمكنهم تحذيرها بشأن التهديدات المحتملة. وكان الباحثون في برنامج جامعة كيب تاون لمخطوطات تمبكتو قد أوصلوها بمنظمة سافاما، والآن كانت على تواصل يومي بالبريد الإلكتروني بحيدرة ودياكيتي. لم تكن قد التقت بهما من قبل، لكنها شعرت بأن حيدرة «كان يبدو أن لديه سجلَ إنجازٍ جيدًا»، وبخاصة عمله بالفعل مع مؤسسة فورد. والأكثر من ذلك أن السفارة الهولندية في باماكو أكدت أن صاحب الطلب كان شريكًا جديرًا بالثقة وواسع الاطلاع في هذا المجال، على الرغم من أنه بعد سنوات عديدة من الأزمة ظهر أنها كانت تعتقد خطأً أنه كان يومًا ما مدير معهد أحمد بابا.

في بداية شهر أكتوبر، كانت المعلومات التي كانت ستولك تتلقاها من باماكو عبر البريد الإلكتروني، والهاتف، وبرنامج سكايب، تنذر بالخطر على نحوٍ متزايد. من وجهة نظر حيدرة، كانت ضرورة اتخاذ إجراءات لإنقاذ المخطوطات قد أصبحت ملِحَّة، على حدِّ قول دياكيتي لها، بسبب تطورين جديدين. فمن ناحية، كان «تغيُّرًا جيدًا»، كما وصفته دياكيتي، وهو أنه منذ مغادرة الحركة الوطنية لتحرير أزواد لتمبكتو، لم تَعُد السيارات المتجهة جنوبًا تتعرَّض للتفتيش. كان هذا، بحسب حيدرة، أمرًا «مؤاتيًا». من الناحية الأخرى، كان «التغير السيئ» هو أن محتلي المدينة كانوا قد طبقوا سياسة «تفتيش واستيلاء» على البيوت الخاصة والمشاريع التجارية، وكان قلق حيدرة يتزايد من أن المخطوطات ستصبح هي الهدف. في الواقع، كانت الحركة الوطنية لتحرير أزواد قد غادرت تمبكتو بعد معركة جاو في نهاية يونيو؛ لذا كان «التغير الجيد» الذي تحدثت عنه دياكيتي قد مرَّ عليه الآن ثلاثة شهور على الأقل. كما بدت سياسة «التفتيش والاستيلاء» غير متسقة مع مسلك الجهاديين منذ بداية الاحتلال. ومع ذلك، لم يكن لدى ستولك وفريقها في أمستردام سبب كافٍ للتشكُّك في تلك المعلومات الآتية من مالي، وبعد هدم الأضرحة، كانت المعلومات متناسبة مع الصورة العامة للتخريب الجهادي.

كان ثمَّة تطور مقلق آخر في تمبكتو في هذا الوقت. كانت فرقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الجهادية قد بدأت حملة قمعية على نساء المدينة وفتياتها في منتصف سبتمبر، معلنةً عن حظر للتجول من الساعة الحادية عشرة مساءً وقواعد لباس جديدة صارمة. لم يَعُد بوسع النساء ارتداء أغطية الرأس الخفيفة الشفافة التي كانت نساء السونجاي يفضلنها. كان يتعين عليهن تغطية شعورهن وآذانهن ورقابهن ومعاصمهن وكواحلهن بلباس على الطريقة العربية يُسمى «تونجو»، وهو عبارة عن قطعة قماش غير شفافة طولها اثنتا عشرة ياردة، وتعيَّن عليهن ارتداء قفازات. وجدت النساء اللواتي كن يعملن في أعمال يدوية أنه يكاد يكون من المستحيل أن يعملن وهن مرتديات ثيابًا كهذه، لكن أي واحدة كانت تخالف هذه القواعد كان من الممكن أن تُعاقَب بأن تُحبَس في سجن جديد للنساء في بنك «بي إم إس»، الذي كان حينئذٍ يحمل اسم «مركز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». هذا «السجن» كان في الواقع الكشك الصغير الذي كانت في السابق ماكينة الصراف الآلي الخاصة بالبنك موضوعة فيه. لم يكن كبيرًا بما يكفي لشخص واحد حتى أن يستلقي فيه بطريقة مريحة، ولم يكن به ماء ولا مرحاض. ومع ذلك، كان يمكن لأكثر من اثنتي عشرة امرأة أن يُحشَرن بداخله في نفس الوقت.

كان الرجل الذي يقف وراء هذه المهمة الأخلاقية هو الشخص ذو «الروح المظلمة» الذي كان قد دعا الكثير من السلفيين إلى القدوم إلى تمبكتو، حامد موسى. كان موسى قد عُيِّن للتو رئيسًا لفرقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان هو ورجاله حينئذٍ يجوبون تمبكتو يضربون ويتحرشون بأولئك الذين لم يكونوا يمتثلون للقواعد. وفي خلالِ أيامٍ كان موسى قد أصبح «أشهر وأكثر رجل ملعون في المدينة»، على حد تعبير امرأة من النساء المحليات، وكثرت القصص عن اعتداءاته. وفي إحدى المرات عندما أفلتت منه فتاة مراهقة كان يطاردها بشاحنته الصغيرة، حبس أباها بدلًا منها. وفي مرة أخرى أمر رجاله بالإمساك بامرأة وإلقائها في قارعة الطريق «حتى تسحق سيارة رأسها» لأنها «عاهرة!» وكان يرفع ثياب النساء بفوهة بندقيته للتحقق من الأثواب التحتية اللواتي كن يرتدينها. وصارت الاعتقالات التي قام بها متكررة لدرجة أنه عندما كان الأطفال الذين يلعبون في الشارع المحيط ببنك «بي إم إس» يرونه عائدًا من دون ضحية جديدة، كانوا يصيحون «حامد موسى لم يتناول إفطاره.»

في يوم السبت، الموافق السادس من أكتوبر، وصلت فورة غضب النساء من هذا الطاغية الجديد إلى ذروتها. ففي صباح ذلك اليوم قررت مجموعة من النسوة اللواتي كن يعملن في السوق الصغير بطريقة عفوية أن يخرجن في مسيرة إلى مقر قيادة موسى. وبينما كن يقتربن من مبنى بنك «بي إم إس»، بدأت الشرطة الإسلامية بإطلاق النار، مطلقةً الرصاص فوق رءوسهن، وركضن كلهن ليختبئن عدا سبع من النسوة. اقتيد هؤلاء السبعة للمثول أمام مجموعة من كبار الجهاديين، من ضمنهم موسى، الذي حذرهن قائلًا: «إن خرجتن في مسيرة ثانيةً، فسترون ما سيحدث لَكُنَّ.»

في الثامن من أكتوبر، تلقت ستولك رسالة بريد إلكتروني من سافاما تصف هذه الواقعة. كان الاحتجاج قد نجم عن دخول الميليشيا إلى البيوت الخاصة لاقتياد الفتيات غير المحجبات إلى الاحتجاز، بحسب ما ورد في رسالة البريد الإلكتروني. وقيل لستولك إنه في ظل هذه الخلفية المثيرة للقلق، كانت العائلات المالكة للمخطوطات قد أعربت لسافاما عن رغبتها في إجلاء مجموعاتها. كان عدم وجود عمليات تفتيش على الطريق إلى الجنوب يعني أن هذه كانت اللحظة المثالية؛ إذ كانت توجد «فرصة سانحة» لإخراج المخطوطات.

قدمت دياكيتي تفاصيلَ عن الكيفية التي يمكن بها القيام بالأمر. كانت المخطوطات ستُؤخذ إلى باماكو في خزائن، تحتوي كلٌّ منها على ٢٥٠ إلى ٣٠٠ وثيقة، عبر أحد طريقين؛ أحدهما سيسلك المسار الرئيسي جنوبًا إلى دوينتزا ثم إلى موبتي؛ والآخر سيمضي غربًا، عبر منطقتي ليري ونيونو. كان سيرافق كل شحنة أحد الناقلين الذي ستعينه العائلات المالكة للمخطوطات، وسيوجد «أفراد للمراقبة والأمن» يعسكرون على امتداد كلا الطريقين، والذين سيكونون على استعدادٍ لتقديم «خدمات دعم غير مباشرة» والمساعدة في حالة الطوارئ. وقيل لستولك إنه من أجل المزيد من التأمين، كل ناقل سيسجل الدخول ثماني مرات في اليوم عبر «شبكة اتصالات هاتف محمول آمنة سريعة (باستخدام أجهزة اتصال وبرامج مختلفة)». وما إن تصل المخطوطات إلى باماكو، فستُخبأ في المنازل الآمنة التي كان حيدرة قد حددها. كان كل ذلك ينقصه الآن التمويل. وعندما يصبح ذلك متاحًا، يمكن للعملية أن تبدأ.

اقتنعت ستولك بالأمر. عرفت أن عملية إجلاء المخطوطات كانت تنطوي على مخاطرة، وأنه لم يكن معروفًا يقينًا إن كانت ستنجح أم لا، ولكن بما أنه كان واضحًا أنه يوجد تهديد وشيك، بدا هذا أفضل خيار.

في السابع عشر من أكتوبر، وقَّع صندوق الأمير كلاوس عقدًا مع حيدرة ودياكيتي من أجل إجلاء مائتي خزانة مخطوطات، كانت سافاما بالفعل قد جمعتها وجهَّزتها لعملية الإجلاء. قيل لستولك إن هذه كانت بالضبط نصف الأربعمائة خزانة، المحتوية على نحو مائة وستين ألف مخطوطة، التي كان يلزم نقلها إجمالًا، وكانت التكلفة على صندوق التمويل الهولندي ستكون مائة ألف يورو، أو خمسمائة يورو تقريبًا للخزانة الواحدة. كانت هذه التكلفة مرتفعة، بالنظر إلى أن اللاجئ كان يمكن أن يسافر بحقائبه من تمبكتو إلى باماكو مقابل حوالي أربعين يورو، لكن تنفيذ هذه العملية المعقدة كان مكلِّفًا. (لاحقًا قال حيدرة إن أكثر من مائة شخص قد عملوا في عملية الإجلاء، بينما حددت دياكيتي أن عدد الناقلين وحدهم كان ثلاثمائة.) بحسب ستولك، لم يكن المال من أجل وسائل النقل فحسب، وإنما من أجل «التنسيق العام، وتكاليف النقل، والناقلين، والهواتف المحمولة التي كانت ستُستَخدَم أثناء الإجلاء، ورواتب العائلات/المنازل الآمنة»، وما إلى ذلك. قال حيدرة إن الهواتف كانت نفقاتٍ جديرةً بالملاحظة: «اشترينا عددًا كبيرًا من الهواتف، للجميع، وكنت أرسل رصيدًا كل يوم لكل شخص … كنا نتعامل مع تاجر هنا كان يعطي رصيدًا بقيمة خمسة آلاف فرنك [ثمانية يوروات] لكل شخص. وكل أسبوع كنَّا ندفع له مقابل ذلك. نظَّمنا ذلك لأنهم كل صباح كانوا يتصلون بي … كل زملائي.»

بحسب تقرير إخباري لاحق عن عملية الإجلاء في مجلة «ذا نيو ريببلك» الأمريكية، تحققت دياكيتي من المعلومات الواردة فيه، فإن الشحنات الأولى بدأت في مغادرة تمبكتو في اليوم التالي لتوقيع عقد صندوق الأمير كلاوس:

في الثامن عشر من أكتوبر حَمَّل الفريق الأول من الناقلين ٣٥ خزانة على عربات اليد والعربات التي يجرها الحمير، ونقلوها إلى نقطة تجميع على أطراف تمبكتو حيث اشتروا مساحات في الحافلات والشاحنات التي كانت ستقطع الرحلة الطويلة جنوبًا إلى باماكو.

كانت الرحلة ستتكرر يوميًّا طوال الشهور العديدة التالية، بحسب ما ذكر مراسل مجلة «ذا نيو ريببلك»، وأحيانًا مرات كثيرة في اليوم الواحد، إذ كانت الفرق القائمة على الإجلاء تمرِّر مئات الخزائن على نفس الطريق المتهالك إلى باماكو.

•••

عرفت ستولك أن الشحنات الأولى الممولة من صندوق الأمير كلاوس قد وصلت بأمان لأنها تلقت صورةً التقطها في ذلك اليوم مسئولو سافاما. أظهرت الصورة عددًا كبيرًا من الصناديق الفولاذية المكدسة، وذراعي رجل جسده غير ظاهر — على ما يبدو أمين المكتبة البارز نفسه — يحملان نسخة من صحيفة ذلك اليوم، وهي تقنية توثيق مستعارة من الأفلام السينمائية، على حد تعبير أحد معاوني حيدرة. وتلقت المزيد من الصور بمضي الأسابيع.

ومع ذلك كانت رحلة المخطوطات جنوبًا مشحونةً بالقلق والمشكلات، ولم يكن يمر يوم دون أن يتصل أحد الناقلين بحيدرة ليخبره بما وصفه الأخير لاحقًا بأنه «مشكلات صغيرة» تراوحت بين أعطال عادية ومطالبات بفدية وصدامات خطيرة مع الجهاديين.

تعلَّقت إحدى هذه «المشكلات الصغيرة» بمكتب منظمة سافاما نفسه في تمبكتو، والذي كان على طريق كابارا، على مسافة نصف ميل جنوب وسط المدينة. كانت سافاما قد اجتذبت انتباه الجهاديين منذ الأسابيع الأولى للاحتلال، عندما اتصلت الشرطة الإسلامية بالسكرتير الإداري للمنظمة، سانيه شريفي ألفا، تخبره بأنها كانت على وشك مصادرة أصول المنظمة. اتصل ألفا بديادي، نائب رئيس لجنة الأزمة، الذي تصادف أيضًا أنه كان أمين صندوق سافاما، وهُرع كلاهما لمقابلة مفوض الشرطة الجهادية. قال المفوض إن الأمر حقيقي؛ إذ كانوا قد قرروا أنه بما أن سافاما كانت تتلقى دعمًا من اليونسكو وتحصل على تمويل أمريكي عبر مؤسسة فورد، فهي جهة متعاونة مع المصالح الغربية؛ لذا كانوا قد قرروا الاستيلاء عليها.

فكَّر ديادي بسرعة. تذكر قائلًا: «قلت له: «إنك محق في إحضاري إلى هنا».» إن لم يكن المفوض يفهم الغرض من سافاما، فإن ديادي سيكون في غاية السعادة أن يوضح له ذلك. في الحقيقة، كانت المنظمة عبارة عن رابطة من الأشخاص الذين يملكون المخطوطات، وهدفها هو حماية مجموعاتهم وإنشاء إطار عمل من أجل تنميتها والاستفادة منها. وحيث إنه لم يكن لدى العائلات الموارد اللازمة لتحقيق ذلك، فقد طلبت الدعم من اليونسكو ومن منظمات أخرى، ولكن ذلك لم يكن يعني مطلقًا أنها مملوكة للدولة أو لليونسكو. كانت سافاما مملوكة للناس.

اختتم ديادي قائلًا، وهو يعرض عليه وثائق تأسيس المنظمة: «ها هو النظام الداخلي.»

لان جانب المفوض. كان قد قيل له إن سافاما جزء من اليونسكو، لكن عندما وجد أنها منظمة خاصة، فلم يتخذ ضدها أي إجراء. بل في الواقع، طلب من رجاله حمايتها.

بعد شهرين، واجه العاملون في سافاما صدامًا أخطرَ مع الشرطة. كان لدى محمد توريه ابن شقيقة حيدرة شحنة سيرسلها إلى باماكو، وكانت الشاحنات عمومًا تُحَمِّل حمولتها بالقرب من بنك «بي إم إس» في السوق الكبير. وحيث إن المنطقة كانت حينئذٍ تعج بالجهاديين، رتَّب للشاحنات أن تأتي بدلًا من ذلك إلى مكتب سافاما ليلًا. خطَّط لتحميل العديد من الخزائن هناك قبل أن تتوجه الشاحنات إلى السوق الكبير لتُملأ بالبضائع الأخرى. غادر وسط المدينة مع شاحنتين من ذوات حمولة العشرة الأطنان، وتوقف بجوار مبنى سافاما، ودخل إلى المبنى. وبينما كان يعمل على ضوء الكشافات اليدوية، أخذ أربع خزائن ثقيلة وحمَّلها إلى الخارج. لم تكن بالضبط عملية سرية — فقد كانت الشاحنتان الضخمتان تقفان بجوار المبنى بينما كانت أضواء الكشافات اليدوية تومض في الداخل — وسرعان ما اجتذبت الشاحنتان انتباه أحد الجهاديين الذي كان قد انتقل إلى المنزل المجاور للمبنى. كان هذا الجهادي هو الفرنسي جيل لو جوين، الذي كان معروفًا أيضًا باسم عبد الجليل.

تذكر توريه: «كنت منهمكًا في عملية إخراج الخزائن، عندما جاء عبد الجليل مباشرةً. ناداني، وأوقفني، وسألني عما أفعله. قلت إنني أخرج كتبي لأنه كان وقت إبعادها من أجل الموسم المطير. كنت أخشى أن تُلحِق بها المياه أضرارًا.»

للحظة لم يقتنع لو جوين بقصة توريه. قال: «لا، ما كنت ستفعل ذلك في هذا الوقت من الليل. إنك لص.» على الفور اتصل بالشرطة الإسلامية، وسرعان ما وصلت مجموعة من الجهاديين المسلحين. وكان مفوض الشرطة نفسه وسطهم.

قال توريه باستماتة للمفوض: «أنا لست لصًّا.» ثم أردف: «هذه الأشياء تخصني. كل شيء هنا ملكي.»

«لماذا لم تطلعنا على أنك كنت تفعل شيئًا كهذا؟»

«لم أعرف أنه في كل مرة تنقل فيها أغراضك الخاصة يتعين عليك أن تبلغ الشرطة.»

أمر المفوض بأن تؤخذ الشاحنتان بما فيهما من خزائن إلى مركز الشرطة، حيث رُكِنَتا في إحدى الساحات، وطلب من توريه أن يُحضِر في اليوم التالي شهودًا يمكن أن يشهدوا بأن المخطوطات كانت تخصه، وأن يحضر أوراقه. اتصل توريه بسرعة بحيدرة ليشرح له المشكلة، وبدأ الأخير بدوره يجري اتصالاته بمعارفه في تمبكتو.

لم يكن حيدرة هو مَن اتصل بديادي، وإنما المفوض. سُئل ديادي إن كان على علم بأن الشاحنتين كانتا قد حُمِّلَتا بمخطوطات سافاما وكانتا على وشك مغادرة المدينة. قال ديادي: «شاحنتان؟» ثم أردف: «كيف؟» قال المفوض: تعالَ وانظر بنفسك. قال ديادي إنه سيفعل، ولكن قبل أن يفعل ذلك مضى ليبحث عن توريه.

أجابه توريه بالإيجاب عندما سأله عن الأمر؛ إذ كجزء من جهود حيدرة لحماية المخطوطات، كانوا قد اتخذوا «عددًا معينًا من الإجراءات» وكانوا قد بدءوا في إرسالها إلى باماكو. وقال له إنها قد جرى احتجازها.

أصاب الذهول ديادي. تساءل: «عندما كانت تحدث مشكلات قبلئذٍ، إلى مَن كنت تلجأ؟» ثم أضاف: «ومع ذلك، عندما قررت أن تُخرِج هذه المخطوطات، لم تسعَ حتى إلى أن تخبرنا بأنك كنت تفعل ذلك. إذا أردت أن تفعل هذه الأمور، يتعين عليك أن تخبرنا!»

ومع ذلك، كان من شأنه أن يأتي لمساعدة توريه. ذهب لمقابلة المفوض وأخبره بأنه كان بالفعل يعلم بشأن عملية نقل الخزائن. كانت سافاما تجري عملية لاتخاذ صناديق حفظ في باماكو، وكان شحن المخطوطات جنوبًا جزءًا من هذا البرنامج. قال: «لم أكن أعرف أنها كانت تغادر أمس، وإلا كنت قد أبلغتك بذلك.»

ذهب توريه إلى الشرطة ومعه أوراقه. خاطب المفوض توريه خطابًا شديد اللهجة. قال له: «إن أردت أن تفعل أشياءَ من هذا القبيل، فيجب عليك أن تأتي إلى الشرطة الإسلامية لتحصل على إذن بذلك. يجب عليك ألا تفعل الأمور بتلك الطريقة، بينما لا علم لأحد بما تفعله، وإلا فسيقول الناس إنك تسرق.» وحذَّره من أن عقوبة السرقة شديدة.

وافق توريه على أن يطلب الإذن قبل أن ينقل المخطوطات في المستقبل، وأُفرِج عن الشاحنتين والخزائن. قال حيدرة إنهم أوقفوا العملية في ذلك الوقت حتى حين، وتوجهت الشاحنتان صوب الجنوب من دون الخزائن. عندما بدأ توريه في نقلها مجددًا، فعل ذلك في وضح النهار.

أما لو جوين، فكان لا يزال يبدو مقتنعًا أنه قد قبض على لص. لم يواجه مهربو المخطوطات مشكلةً في الشمال فحسب. لاحقًا في شهر أكتوبر، قالت دياكيتي لستولك إن المنطقة التي كانت تسيطر عليها الحكومة كانت قد أصبحت هي الأخرى بنفس القدر من الصعوبة؛ إذ كانت نقاط تفتيش غير رسمية قد ظهرت فجأة، وكان يديرها مبتزون يرتدون ملابسَ عسكرية.

كانت توجد مجموعة من الانتهاكات القانونية التي كان يمكن أن يُقبَض على المسافرين الماليين بسببها — عدم حمل رخص المركبات؛ انتهاء صلاحية بطاقات الهوية — بينما كانت انتهاكات أخرى تُلَفَّق على الفور. كان يمكن لكل مشكلة من هذه المشكلات أن تعطل حافلة لساعات حتى يتمكن المسافرون من الخروج منها عن طريق الإقناع أو بدفع رشوة. وفيما بين سيفاري وباماكو كانت توجد تسع نقاط تفتيش حكومية، وتعيَّن على حيدرة أن يتيقن من أن بوسع الناقلين أن يدفعوا نقودًا للمرور منها كلها. قال: «كان لدينا دومًا مشكلات.» ثم أردف: «كانت وسائل المواصلات مكلفة. لكن هذا كان طبيعيًّا [في حالة الحرب]. وكان الناقلون مكلِّفين. ولكن ما الذي يمكنك فعله؟ كل الأموال التي أنفقناها على وسائل المواصلات يمكننا أن نجد لها مسوِّغًا، وكل ما أنفقناه على الناقلين يمكننا أن نجد له مسوِّغًا. ولكن المبالغ المالية التي أُنْفِقَت على الرشاوى — كيف يمكنك أن تجد مسوِّغًا لها؟»

جعل الفساد الرحلة الشاقة إلى الجنوب أكثر إرهاقًا مما كانت عليه بالفعل. دامت أسوأ رحلة قام بها توريه، والتي كان يحمل فيها ست خزائن ثقيلة أو سبعًا ولكنها «جميلة جدًّا، ومهمة جدًّا»، أكثرَ من أسبوع وتضمنت خمسة أنواع من وسائل المواصلات. بدأت الرحلة بداية جيدة؛ فبعد أن مرَّ بالاستعانة بالكلام المعسول من تفتيش جهادي عند دوينتزا عن طريق التحدث باللغة العربية والتظاهر بالمرض، وصل إلى منطقة حكومية في الليلة الأولى. بعد ذلك، ازدادت صعوبة الرحلة أكثر فأكثر.

كلما كان يُعثَر على مخطوطاته في إحدى نقاط التفتيش، كان الضباط النظاميون يُحدِثون جلبة كبيرة. تذكَّر توريه: «كانوا يصيحون عندما كانت أعينهم تقع على المخطوطات، قائلين: «ها هي مشكلة!»» وكان عناصر الدرك يُستدعَون. لم يكن من شأن توريه أن يقول إن كان قد دفع لهم رشوة؛ إذ كان فقط يقول إنه «جعلهم يتفهمون الأمر»، وإنهم منحوه إذنًا بمتابعة طريقه.

تعطلت إحدى الحافلات. وسارت أخرى في الطريق الخطأ ومضت به إلى منطقةٍ كانت أقرب إلى كوت ديفوار منها إلى باماكو. بعد أيام، عندما وجد، وهو يشعر بالإنهاك، ما كان يأمل أن يكون آخر حافلة صغيرة وتفاوض على الأجرة إلى باماكو، أوقفته مجموعةٌ أخرى من رجال الدرك وأخذوه إلى ثكنتهم. أُبقي هناك مدة يوم بينما كانوا يتحققون من أوراقه، ويوجِّهون إليه أسئلة، ويفتحون الخزائن. وما إن فعلوا ذلك، حتى عرفوا أنهم توصلوا إلى شيءٍ ما.

استُدعي ضابط قيادي. وقيل له: «انظر، يوجد شاب أحضر مخطوطات تمبكتو. إنها في كل مكان!»

اتصل توريه بحيدرة، الذي اتصل بأحد معارفه في سيجو الذي كان من الممكن أن يتفاوض مع رجال الدرك، وأخيرًا وافقوا على أنه كان يتعين أخذ توريه إلى باماكو تحت حراسة من أجل المزيد من الاستجواب. في الساعة الواحدة صباحًا وصل إلى قاعدة الدرك المعسكر رقم واحد ذي السمعة السيئة في الحي الاستعماري القديم في العاصمة، حيث استمرت الأسئلة. أجاب بأفضل ما كان بوسعه، وفي الصباح وصل حيدرة ليخبرهم أنه كان في مهمة مشروعة.

تذكر حيدرة قائلًا: «تفاوضت معهم.»

وما إن أصبح توريه حرًّا، حتى انطلق مجددًا إلى الشمال.

كانت أخطر اللحظات التي وصفها المسئولون على عملية إجلاء المخطوطات كانت عندما احتُجِز الناقلون وخزائنهم من أجل الحصول على فدية.

كان الطريق الرئيسي من تمبكتو إلى باماكو يمضي على امتداد الضفة اليمنى، أو الجنوبية، للنهر، عبر مراكز تجمُّع السكان في وسط مالي؛ دوينتزا، وسيفاري، وموبتي، وسيجو. ومع ذلك كان يوجد طريق آخر على امتداد الضفة اليسرى للنهر. بدلًا من التوجه جنوبًا من تمبكتو إلى كوريومي وعبور النهر بالعبَّارة، يمكن لسيارات الدفع الرباعي أن تسلك المسار غربًا عبر الصحراء ذات الكثافة السكانية المنخفضة إلى نيافونكي وليري قبل عبور النهر إلى سيجو. كانت رحلة طويلة وجامحة لمئات كثيرة من الأميال، عبر رمال عميقة وحول بحيرات كانت تمتلئ وتفرغ تبعًا لإيقاع فيضانات نهر النيجر. ومع ذلك لو كان هذا الطريق آمنًا، كان الناقلون سيتجنبون نقاط التفتيش ويوفِّرون على أنفسهم قدرًا كبيرًا من المتاعب والمال. أخبر الكثير من الناس حيدرة أنه لا توجد مشاكل في طريق ليري؛ لذا قرروا أن يجربوه.

تصادف أن السيارة التي اختيرت لهذه التجربة الأولى كانت سيارة دفع رباعي عتيقة، «خَرِبة»، كما وصفها حيدرة، ظلت تتعطَّل مرارًا وتكرارًا: «أتعرف، في ذلك الوقت، كانت كل السيارات التي تستأجرها سيارات خَرِبة. كانت السيارات التي تصل من سيفاري، على سبيل المثال، متهالكة، ولم يكن لها حتى أوراق سليمة. كان يتعين عليك دومًا أن تأخذ سيارة أخرى.» كانوا بالكاد قد قطعوا مائة ميل عندما رنَّ هاتف حيدرة ليحمل أنباءً مقلقة: كانت مجموعة من الرجال قد أوقفت الناقلين تحت تهديد السلاح وهم الآن محتجزون رهائن. لم يكن لدى حيدرة أدنى فكرة عن هوية الرجال المسلحين أو مدى الخطورة التي يمكن أن يكونوا عليها — كان من الممكن أن يكونوا من الجهاديين أو من الحركة الوطنية لتحرير أزواد، ولكن كان الأرجح أنهم كانوا ينتمون إلى واحدة من مجموعات قطَّاع الطرق العديدة التي كانت تجوب الصحراء. قال حيدرة: «أخذوا السيارة وهددوا الأشخاص الذين كانوا بداخلها.» ثم أردف: «قالوا إنهم لن يدعوا السيارة تمضي وإنه يتعين علينا أن ندفع شيئًا.»

كان من شأن موت ناقل واحد أن يعني لحيدرة إفساد المشروع كله: «إن وقع أمر سيئ لهؤلاء الرجال، فسيصبح كل عملنا بلا قيمة. وستكون هذه مشكلة كبيرة.» لذلك حاول أن يتفاوض مع الخاطفين أن يطلقوا سراح الرجال والخزائن. ولكن كان من المستحيل إجراء مثل هذه المحادثة الدقيقة عبر شبكة الهاتف المحمول المتقطعة: «لم يكن بوسعي أن أتوصل إلى تفاهم معهم. أرادوا أن يقتادوا الناقلين بعيدًا. لم أعرف ما الذي يمكن أن يفعلوه بهم. لم أعرف ما كان سيحدث! أُصيبوا بخوف شديد. ونحن أيضًا أُصبنا بخوف شديد.»

ولكنه كان يعرف نيافونكي جيدًا، واتصل بأحد أصدقائه، الذي اتصل بدوره بإمامٍ موقَّر كان يعيش في القرية التي كان الرجال محتجزين فيها. ذهب الإمام ليتحدث مع الخاطفين بالنيابة عن حيدرة. قال حيدرة: «تكلم معهم، وتفاوض على مبلغٍ من المال، وأُعيدت إليهم سيارتهم وسُمِح لهم بالمرور.» لقد ساعد في الأمر أن السيارة كانت حطامًا حتى إن الخاطفين لم يرغبوا فيها.

كانوا قد احتُجِزوا رهائن مدة أربع وعشرين ساعة، واستغرق الأمر من الناقلين ثمانية أيام لبلوغ باماكو. تذكر حيدرة: «ثمانية أيام لأن السيارة لم تكن جيدة وأمضوا يومًا محتجزين كرهائن!»

كانت المرة الوحيدة التي جرَّبوا فيها الطريق عبر ليري. قال حيدرة: «لم نفعل ذلك مجددًا.»

•••

قرب نهاية عام ٢٠١٢، أبلغت سافاما السفارة الألمانية في باماكو أن ما بين ٨٠ ألفًا و١٢٠ ألف مخطوطة قد أُجليت بنجاح من تمبكتو. ولكن في هذا الوقت، كانت الأزمة المالية تدخل مرحلةً أكثر خطورة بكثير. في الأسبوع الثاني من شهر ديسمبر، دعا إياد آغ غالي إلى عقد مؤتمر لشيوخ القبائل والجماعات الجهادية في إساكان، التي كانت على بُعد ساعتين بالسيارة غرب تمبكتو. كان هذا المكان الذي يضم الكثبان الرملية البيضاء المتماوجة رمزيًّا إلى حدٍّ كبير لجماعة أنصار الدين وحلفائها؛ فهنا كان يُعقَد مهرجان يُسمَّى «مهرجان في الصحراء» كل عام منذ عام ٢٠٠٣، وكان موسيقيون غربيون مثل روبرت بلانت وديمن ألبارن يعزفون جنبًا إلى جنب مع نجوم ماليين مثل ساليف كيتا وعلي فاركا توريه. كان النجم الأيرلندي البارز بونو قد غنَّى هناك مع فرقة الطوارق الموسيقية تيناريوين في يناير من ذلك العام.

لن يُعقَد هذا المهرجان في عام ٢٠١٣. كانت الحفلات الموسيقية محظورة في جمهورية أزواد الإسلامية، وبدلًا من الموسيقيين كانت الكثبان الرملية في تلك الأيام تعج بالمقاتلين الجهاديين. في نهاية القمة، ذكر شهود عيان أنهم رأوا أكثر من ثلاثمائة شاحنة صغيرة تتجه مسرعةً صوب تمبكتو، والجهاديون متشبثون في الخلف، يصيحون «الله أكبر!» لم يكن واضحًا ما كان يعنيه كل هذا، ولكن سرت شائعات في أنحاء تمبكتو بأن قرارًا استراتيجيًّا قد اتُّخِذ.

في تلك الأثناء كانت تروس الدبلوماسية الدولية تتجه نحو التدخل. في العشرين من ديسمبر أَذِن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بنشر قوة بقيادة أفريقية في مالي، وبعد ثلاثة أيام، شرع الجهاديون في هجوم جديد على أضرحة تمبكتو في تحدٍّ للمجتمع الدولي. سار المقاتلون بمركباتهم في الشوارع والأسواق وهم يخبرون الناس بأن هذه الأماكن الوثنية لا بد أن تُهدَم. ثم، بحسب ما تذكر أحد شهود العيان، «نفَّذت الشرطة الإسلامية، مستخدمةً المعاول والمجارف، عمليةَ هدمٍ لخمسة أضرحة.» ومجددًا، تعهدوا بأنهم لن يتركوا ضريحًا واحدًا قائمًا.

إذا لم يكن ذلك صادمًا بدرجة كافية، فإن المفاوضات في تمبكتو بشأن المولد النبوي كانت هي الأخرى قد وصلت إلى حد الأزمة. في عام ٢٠١٣ كان الاحتفال بمولد النبي سيحل في يوم الخميس، الموافق الرابع والعشرين من يناير. كانت المدينة إلى حدٍّ كبير قد أذعنت لأمر إلغاء المناسبة عندما قام أبو زيد بزيارة مفاجئة للإمام الأكبر عبد الرحمن بن السيوطي. انتهز الإمام الفرصة ليسأل أمير القاعدة عن الاحتفال. تذكر سانيه شريفي ألفا، الذي كان قد وردت إليه تفاصيلُ هذا اللقاء، قائلًا: «أخبر الإمامُ أبا زيد بأنه يريد التحدث بشأن الاحتفال بالمولد.» أجاب أبو زيد بأنه سيرجع في هذه الأمور إلى فقهائه الإسلاميين، «العلماء». وقال: «هم الذين سيتخذون القرار بشأن الأمر.» ثم أردف: «عندما تكون مستعدًّا، أحضر علماءك وسنحضر علماءنا ويمكنهم أن يتناقشوا في الأمر. إن استطعتم إقناعهم، فلن يكون ثمَّة مشكلة.»

مع اقتراب حلول المولد النبوي، اجتمع الطرفان وتناظروا بشأن الأمر طيلة الصباح. استحضر الإمام الأكبر الأمر قائلًا: «التقينا هنا في منزلي.» ثم أردف: «طلبوا منا أن نعرض حججنا وأدلتنا الداعمة إن كانت لدينا والتي من شأنها أن تجيز إقامة المولد النبوي.» دام اللقاء من الساعة التاسعة صباحًا وحتى الثانية من بعد الظهر، حيث طرح «علماء» تمبكتو قضيتهم، استنادًا إلى النصوص الإسلامية، بشأن الاحتفال الذي كانوا يحتفلون به منذ قرون. قال فقهاء الجهاديين، بحسب ما ذكر ألفا: «نحن لا ننكر أي شيء مما تقدمتم به في أطروحتكم، ولكن ثمَّة أمرًا واحدًا لا يعجبنا يحدث أثناء المولد؛ وهو أنه يحدث الكثير من الانحراف، والكثير من الضلال. ولا يمكننا أن نقبل بذلك.»

أجاب ممثلو المدينة: «إن أولئك الذين يأتون بالضلال والانحراف لا ينتظرون المولد ليفعلوا ذلك.» ثم أضافوا: «فتلك هي حياتهم قبل المولد وأثناءه وبعده. ليس المولد هو الذي يتسبب في هذا، وليس ذلك سببًا لمنعنا من الاحتفال به.»

عندما انتهت المناقشة، قيل للتمبكتيين إنهم سيتلقون القرار قريبًا، على أساس الجهد الذي كان الطرفان قد بذلاه معًا.

بحلول بداية العام الجديد أصبح واضحًا السبب الذي من أجله عُقِد لقاء إساكان. في الأول من يناير، بعث آغ غالي بمطلبين متطرفين للحكومة المالية؛ وهما أنها يجب أن تعترف بالاستقلال الذاتي لأزواد وأن تعلن عن «الطابع الإسلامي لدولة مالي» في الدستور. ورفضت الحكومة. في اليوم التالي، بدأ نحو ألف وخمسمائة جهادي في التجمع في بامبارا ماوندي، وهي القرية التي كانت بمنزلة محطة توقُّف للشاحنات في منتصف المسافة بين تمبكتو ودوينتزا. في يوم الثلاثاء، الموافق الثامن من يناير، جرى تبادل لإطلاق النار عبر الخط الأمامي، وفي تلك الليلة تقدمت مئات من عربات الجهاديين صوب كونا، الواقعة على مسافة أربعين ميلًا داخل المنطقة التي تسيطر عليها الحكومة. وفي الساعة الثامنة والنصف من صباح اليوم التالي هاجموا البلدة من ثلاث جهات، وبحلول وقت متأخر من العصر كانت قد سقطت. قال متحدث باسم المتمردين لوكالة فرانس برس عصر يوم الخميس: «نحن في كونا من أجل الجهاد.» ثم أضاف: «لدينا سيطرة شبه كاملة على البلدة. وبعد هذا سنواصل التقدم جنوبًا.»

كانت موبتي تبعُد أقل من ساعة بالسيارة. إن استولى عليها الجهاديون، فلن يكون ثمَّة ما يوقفهم عن المضي في طريقهم وصولًا إلى باماكو.

في صباح اليوم التالي، الجمعة، الموافق الحادي عشر من يناير، أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أن بلاده ماضية إلى الحرب. قال، بينما كان واقفًا أمام علَم أمَّته ثلاثي الألوان في قصر الإليزيه: «لقد قررت أن فرنسا سوف تستجيب، إلى جانب شركائنا الأفارقة، إلى طلب السلطات المالية.» كانت عملية سيرفال، وهي العملية العسكرية الفرنسية لاستعادة شمال مالي، على وشك أن تبدأ.

•••

كان حيدرة قد تلقَّى تحذيرًا من خبراء الحفاظ على التراث مفاده أن نهاية الاحتلال ستكون الفترة الأخطر على المخطوطات: «قبل بدء كل هذا، قال لي الناس إنهم في اليوم الذي سيرحلون فيه سيحرقون كل شيء. سيخربون كل شيء. كل شيء ذا أهمية. كان ذلك جزءًا من النصيحة التي قدَّموها لي. لكني لم أكن أعرف كيف سيحدث الأمر.» أيضًا أَقْلقَ احتمالُ تجدُّد القتال شاميل جيبي، رئيس مشروع مخطوطات تمبكتو في جامعة كيب تاون. قال: «أينما ترى تدخلًا عسكريًّا، يكون من المحتم أن تتعرض الأشياء للتدمير.» ثم أردف: «كان خوفي في البداية من التجاهل. الخوف الآن من الحرب الصريحة والصدام العسكري.» أرسلت المديرة العامة لليونسكو نداءً إلى كل الفرق العسكرية في البلاد ألا تلحق المزيد من الضرر بآثار تمبكتو؛ إذ قالت إيرينا بوكوفا: «إنني أطلب من كل القوات المسلحة أن تبذل كل ما وسعها لحماية التراث الثقافي لهذا البلد.» ثم أردفت: «إن تراث مالي الثقافي هو تحفة رائعة ينبغي للإنسانية جمعاء حمايتها. إن هذا هو تراثنا المشترك، ومن ثَم لا يمكن بحال من الأحوال لأي شيء أن يبرر الإضرار به. إنه يحمل هويةَ وقيمَ شعبٍ بأكمله.»

على خلفية الصراع الوشيك، استأنف حيدرة ودياكيتي نشاطهم في جمع التبرعات. في الرابع من يناير، ذهبا إلى مجمع السفارة الألمانية شديد التحصين على الضفة الجنوبية للنهر في باماكو. كان السفير غائبًا في إجازة مرضية طويلة، ولكن القائم بالأعمال، توماس شترايدر، الذي كان قد وصل منذ وقت قريب، وافق على الالتقاء بهما. تذكر شترايدر أن حيدرة بدا قلقًا. قال: «كان يفتِّش عن حلفاء جدد في المجتمع الدولي ليساعدوه في تمويل هذه الإجراءات [المتعلقة بالإجلاء].» ثم أضاف: «كان بحاجة إلى المال.»

أخبر رجل المكتبات شترايدر بأن سافاما كانت قد حصلت على ترخيص من العائلات المختلفة في تمبكتو بأن ترعى المخطوطات، التي كانت قد خُبِّئت وسط أهل تمبكتو في بيوتهم. ولكن الآن كانت مخاطرة بقائها في المدينة قد أصبحت كبيرة للغاية؛ إذ كانت قوات المتمردين تبحث بهمة عنها وتتلفها:

أخبرني بأنه كان يوجد خطر داهم، وأنها كانت تتعرض للإتلاف، والحرق، وأن هذا قد جرى … أثناء هذه الأسابيع مرارًا وتكرارًا. أتذكر أن قوات المتمردين عثرت على بعض الكتب عندئذٍ وأتلفتها. أحرقتها أو … أظن أنها أحرقتها، أجل.

قيل لشترايدر إنه كان يتعين إخراج المخطوطات بأي وسيلة. كان مقتنعًا بأن التهديد كان حقيقيًّا — تذكر قائلًا: «لم يكن لديَّ سبب يدفعني إلى الشك في الأمر» — لكنه أراد المزيد من التفصيل بشأن الكيفية التي ستجري بها عملية الإجلاء. هل كان حتى لا يزال من الممكن السفر برًّا من تمبكتو إلى باماكو؟ أجاب حيدرة بالإيجاب، ولكن كان يوجد الكثير من نقاط التفتيش التي كان يتعيَّن عبورها. كيف كانت المخطوطات ستُنقَل؟ قيل لشترايدر إنها كانت ستُنقَل بالشاحنات الصغيرة، ليلًا، مخبأة تحت الفاكهة والخضراوات التي كانت تُزرَع في تمبكتو وتُشحَن إلى بقية مالي.

لم يكن ثمَّة شك في أن ألمانيا ستحاول أن تقدِّم الدعم لعملية الإجلاء، بحسب ما قال الدبلوماسي، ولكنه كان سيحتاج إلى بيان تفصيلي بالتكاليف علاوة على نوعٍ من الاتفاق المكتوب. وعد بأن يتحدث مع وزير الخارجية الألماني، ورتَّب مع دياكيتي لقاءات لاحقة، من ضمنها لقاء في بار فندق راديسون باماكو، لإضفاء الطابع الرسمي على التفاصيل.

في السابع من يناير، كتب شترايدر مخاطبًا برلين، طارحًا قضية تقديم المساعدة. قال لهم إنه كان على اتصال بالشخصين اللذين كانا ينفِّذان عملية إنقاذ لمكتبات مخطوطات باماكو. كانت المخطوطات في خطر شديد، وكان الإسلاميون قد دمَّروا بالفعل المكاتب التابعة للمكتبات، وفي ذلك أجهزة الكمبيوتر الشخصية والأثاث. والآن، بالنظر إلى احتمال حدوث تدخل عسكري، كان الأمر يستلزم نقل الوثائق «بأسرع ما يمكن وعلى أكمل وجه ممكن»: كان الأمر يتعلق بإنقاذ هذه الوثائق «من الحريق.» كان ينبغي إبقاء كل شيء في غاية السرية؛ وذلك لأنه إن أُحيط المحتلون علمًا بما كان يجري، فسيكون من المستحيل المضي قدمًا؛ إذ كان حيدرة ودياكيتي قد لجآ إلى السفارة لأنهما «يوليان ثقةً خاصة بالألمان.» كانا يسعيان إلى الحصول على ٥٠٠ ألف يورو على مدى العامين المقبلين لنقل كل المخطوطات وإبقائها بأمان في باماكو، لكن كان من شأن تبرُّع عاجل بقيمة ١٠ آلاف يورو فورًا أن يكفل إنقاذ حوالي عشرين خزانة كاملة.

أتى المال من برلين «بسرعة مذهلة»، مقارنةً بالإجراءات العادية لوزارة الخارجية، بحسب ما قال شترايدر؛ لأنهم «أدركوا أن الحاجة الملِحَّة إلى المشروع كانت في أعلى مستوياتها.» وُقِّع عقد لنقل أربعة آلاف مخطوطة «في ظروف غير مواتية» في مقابل ١٠ آلاف يورو، وبعد ثمانية أيام فقط من لقائهم الأول بشترايدر، عاد دياكيتي وحيدرة إلى السفارة لتسلُّم المال. سُلِّمَت الرزمة الكبيرة من عملات اليورو الورقية في خفاء في كيس بلاستيكي يحمل اسم أحد مخابز باماكو. ولم يُسمَح للقائمين على إجلاء المخطوطات بالحصول على إيصال تسلُّم.

•••

عندما صدر أخيرًا القرار بشأن المولد النبوي كان في هيئة رسالة قصيرة؛ إذ تذكَّر سانيه شريفي ألفا قائلًا: «كتب أبو زيد رسالة يقول فيها إن الحجج التي قدمتموها صائبة حقًّا، ولكن ما دمنا هنا، فلن نقيمه.»

تذكر الإمام الأكبر قائلًا: «أظهر لنا هذا بجلاء أنهم في الحقيقة لم يكونوا يريدون إقامة احتفال المولد النبوي.» قرَّر التمبكتيون ألَّا يضغطوا لفرض القضية، وطلب أئمة المدينة من السكان ألا يحتفلوا بالعيد. بحسب الإمام الأكبر، لم يُشَر إلى المخطوطات في أي مرحلة من النقاش: «لم نتكلم عن المخطوطات.»

إذا كان الإمام الأكبر وألفا مصيبَين في تذكرهما للأحداث، فإنه لم يبدُ أن الجهاديين كانوا عازمين على إتلاف كل نسخ «القصيدة العشرينية» والمجموعات التي اشتملت عليها. كان أبو زيد قد نظَّم نقاشًا شرعيًّا فقهيًّا، ثم انتظر حتى اللحظة الأخيرة قبل أن يُلغِي الاحتفال. ولكن لم يكن هذا هو الانطباع الذي تلقته ستولك. أخبرتها سافاما بأن جماعة أنصار الدين كانت قد حذَّرت المدينة في الثالث عشر من يناير من أن المولد النبوي «حرام» وأن الاحتفال به سيكون له «تداعيات». كان هذا دليلًا على أن موقف المخطوطات «كان بالفعل بذلك القدر من الخطورة»، وأن عملية الإجلاء كانت مُبَرَّرَةً.

كان القتال في وسط مالي في هذا الوقت يعني أن الطريق البري إلى باماكو كان قد صار خطيرًا للغاية على معظم سائقي الشاحنات بحيث لم يكن يمكنهم العمل عليه. وحيث إنه كان لا يزال يوجد أعداد كبيرة من المخطوطات في تمبكتو، قرر حيدرة حينئذٍ أن ينقلها إلى القرى المحيطة بالمدينة. قال حيدرة: «في ذلك الوقت، أخرجوا كل شيء.» ثم أردف: «أخذوا كل ما كان موجودًا إلى القرى الصغيرة القريبة من النهر في كابارا، وإيلوا، وهوندوبونجو، وتويا.» قدمت دياكيتي سردًا لهذه الخطوة بعد شهرين، في محاضرة لجمع التبرعات في جامعة أوريجون. قالت إنه كان وقتًا ساعد فيه الماليون من كل الفئات على نقل المخطوطات إلى بر الأمان، بطريقة عفوية وبمخاطرة شخصية كبيرة:

قدمت ربات البيوت وجبات الطعام والمأوى للناقلين العاملين معنا على امتداد الطريق. ونقل التجارُ الناقلين وخزانات الكتب بالمجان، عندما رأوا الأشخاص العاملين معنا يجرونها على عربات يد أو يحملونها على ظهورهم لأخذها إلى الأمان بجوار النهر … صنعت قرى بأكملها مناورات عند نقاط التفتيش، حتى يستطيع رجالنا تجاوزها مع الكتب. في كل الحالات، ليس فقط في الشمال وإنما أيضًا في الجنوب، تقدَّم المجتمع للمساعدة من أجل حماية المخطوطات … كانوا يطلقون [عليها] «تراثنا»، و«مخطوطاتنا».

بحلول منتصف شهر يناير، كانت عشرات الآلاف من المخطوطات في القرى في انتظار شحنها جنوبًا، وإذ كان طريق الصحراء مغلقًا، لم يكن يوجد إلا طريق واحد لنقلها؛ عبر النهر. ولكن كان هذا ينطوي على مخاطرَ جديدةٍ كبيرة، وأصبح مصدرًا للخلاف بين رجل المكتبات وشريكته. قالت دياكيتي لمستمعيها في جامعة أوريجون: «تجادلنا أنا وعبد القادر [حيدرة] بشأن استخدام المجرى المائي.» ثم أردفت: «كان مؤيدًا لذلك — فهو الفرد الشجاع في الثنائي الرهيب الذي نكونه — وكنت معارضةً بشدة. فالمخطوطة المبللة هي مجرد كومة من الخِرق القديمة. المخطوطات في معظمها مصنوعة من الورق القطني، الذي يغطي الحبر سطحه. لا يحوي أيٌّ من الأحبار المستخدمة في كتابة هذه المخطوطات أيَّ نوع من المثَبِّتات. فهي سريعة التطاير تمامًا.» في النهاية لم يكن أمامهما خيار؛ لأن الطرق كانت ستزداد خطورة مع تقدُّم القوات الفرنسية والمالية. تذكرت دياكيتي: «أصبح استخدام النهر أمرًا حتميًّا.» ثم أضافت: «توقفت عن النوم تمامًا في تلك المرحلة. قال لي عبد القادر إنه هو الآخر قد جافاه النوم.»

لم يكن نقل المخطوطات بالقوارب محفوفًا بالمخاطر فحسب، وإنما كان أيضًا باهظ التكلفة. في يوم الثلاثاء، الموافق الخامس عشر من يناير، شرعت دياكيتي مجددًا في محاولة جمع المزيد من التمويل، فوصلت في ذلك اليوم إلى السفارة الهولندية في حي هيبودروم في شرق باماكو من أجل مقابلة مع مسئولة المساعدات الإنمائية في السفارة، تو تجيوكر. كانت دياكيتي قد عرفت اسم تجيوكر، وكذلك اسم مؤسسة خيرية مقرها في هولندا، هي مؤسسة دوين، عن طريق أحد معارفها في قسم تمويل التنمية الهولندي. وكان قد قال لها إن تجيوكر كانت ستستمع إليها على الأقل. إن كان بوسع أي شخص أن ينجز الأمور، فإن بوسعها ذلك.

أخبرت دياكيتي تجيوكر بالمشكلة. تذكَّرت الدبلوماسية: «قالوا نود أن تساعدينا لأنه لا يزال يوجد ١٨٠ ألف مخطوطة باقية في تمبكتو ولا يمكننا إخراجها من دون المزيد من المال.» أُبلِغَت تجيوكر أن ردة فعل الجهاديين تجاه المولد النبوي مَثَّلت تهديدًا حقيقيًّا، وبخاصة لأن القوات الفرنسية كانت حينئذٍ تجبر الجهاديين على التراجع. ثم أردفت: «بعد معركة كونا صار مقاتلو تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في غاية الغضب وقالوا: «حسنًا، سنريكم. سنقيم «أوتو-دا-في» كبيرًا في يوم المولد النبوي، يوم ميلاد النبي محمد.»»

كان «أوتو-دا-في» — ويعني بالبرتغالية «فعل الإيمان» — مصطلحًا كان يُستخدَم لوصف حرق الهراطقة وأدبيات الهرطقة على يد محاكم التفتيش في أوروبا في العصور الوسطى. لكن الصدى الحديث له جاء من استخدامه لوصف عمليات إحراق النازيين للكتب. أتلفت الجمعيات الطلابية في ألمانيا النازية، تحت إشراف الجناح العسكري للحزب النازي والشوتزشتافل (وحدات النخبة النازية)، الأدب المُدرَج في القائمة السوداء في المحارق، وفي ذلك الكتب التي كتبها مؤلفون يهود، وهم يلقون صيغ لعن. وصف جوزيف جوبلز هذه الطقوس بأنها أفعال قوية ورمزية تمثِّل بزوغ فجر عصر جديد وأفول العصر القديم. اقتنعت تجيوكر بأن هذا ما كان الجهاديون ينوون الآن فعله. تذكَّرت تجيوكر: «المولد النبوي «حرام» في عقول الجهاديين، كما المخطوطات.» ثم أضافت: «لذلك قالوا إنه في يوم الرابع والعشرين [من يناير] سيقيمون «أوتو-دا-في» كبيرًا لكل المخطوطات.»

شرح «ائتلاف» سافاما و«دي إنترناشيونال» الطبيعة العاجلة لتهديد المولد النبوي في رسالة متابعة إلى السفارة، موقعة باسم حيدرة. كان يوجد ٤٥٤ خزانة كان يلزم إجلاؤها على الفور وفي سريَّة، بحسب ما أُبلِغ الدبلوماسيون الهولنديون؛ لأن الجهاديين كانوا قد قالوا إنهم سيتلفونها. كان الفشل في نقلها سيعني أن تراث تمبكتو الثقافي، «الذي يحمل آمال شعب بأكمله وفخرَه»، سوف «يُفقَد نهائيًّا.» لم يكن يوجد الكثير من الوقت؛ لأن المولد كان بعد أسبوع فقط.

لم يكن لدى تجيوكر ميزانيةٌ لإنقاذ الأمور الثقافية، ولكن دياكيتي كانت قد أتت تدق بابها في لحظة مناسبة؛ إذ كانت وزيرة الخارجية الهولندية، ليليان بلومين، قد أرسلت حالًا رسالة قصيرة إلى السفارة تسأل عمَّا بوسع الحكومة فعله لمساعدة مالي، وكانت تجيوكر مقتنعة بأن هذا هو ما ينبغي فعله. أخبرت دياكيتي بأنها ستحاول أن تعرض على وزارة الخارجية الأسباب التي ينبغي من أجلها تمويل عملية الإجلاء، وكتبت في ذلك اليوم مخاطبةً رئيسها المباشر في لاهاي. كان الرد الذي جاء بين عشية وضحاها غير مفيد. قالت تجيوكر: «كان، كما تعرف، «إن الأمر معقَّد بعض الشيء».» غضبت جدًّا لدرجة أنها اتصلت بالسفير، مارتن بروير، الذي طلب منها أن تخاطب بلومين مباشرةً.

تذكر بروير: «قلت: «حسنًا، أرسلي [الطلب] مباشرةً إلى الوزيرة واتصلي بسكرتيرة الوزيرة، وقولي لها إن هذا أمر ينبغي أن يكون على مكتبها أو في حقيبتها لأننا بحاجة حقًّا إلى ردٍّ سريع.»» فعلت تجيوكر كما اقترح بروير، متجاوزةً التسلسل الهرمي الوزاري المعتاد. في الصباح التالي، الموافق السابع عشر من يناير، منحتها بلومين موافقتها على العملية. قالت تجيوكر: «قالت: «حسنًا، لنفعلها».»

كان يتعيَّن أن يظل المشروع سريًّا للغاية: «قلت [لبلومين]: «يجب ألَّا تطلعي أي أحد على الأمر؛ يجب أن يبقى سريًّا جدًّا؛ لأنه إن صار علنيًّا فسيبادر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بردة فعل ويعرقل عملية الإنقاذ التي ستقوم بها سافاما … إن الأمر في غاية السرية ويمكن أن تعلنيه على الملأ بعد أربعة شهورٍ أو خمسة ولكن ليس الآن؛ عليكِ أن تلتزمي الصمت.»» أخذت بلومين مناشدة تجيوكر لها بالصمت مأخذ الجد، حتى إنها نقلت الأمر إلى سفيرها. قالت لبروير: «دعنا لا نتحدث عن الأمر حتى يتم.» وصل الأمر إلى درجة أن السفارة سجَّلت الأموال في سجلاتها على أنها من أجل دفاتر مدرسية حتى تُخفي الغرض الحقيقي من التبرع.

منحت وزارة الخارجية الهولندية ٣٢٣٤٧٥ يورو لسافاما. عندما أُضيف هذا إلى الخمسة والسبعين ألف يورو من مؤسسة دوين والمائة ألف يورو من صندوق الأمير كلاوس، كان مجموع المبلغ الذي تبرَّع به الشعب الهولندي قد وصل حينئذٍ إلى ما يقارب نصف مليون يورو. أرسل رئيس تجيوكر المباشر المعارض للأمر في مكتب أفريقيا رسالة بريد إلكتروني يقول فيها إنه قد تلقَّى أمرًا بتقديم المساعدة، وفي عصر ذلك اليوم بدأت الترتيبات تُتَّخَذ. توجهت إلى قسم الشئون المالية وقالت لهم: «حسنًا، لديَّ مهمة سرية للغاية. كيف يمكننا أن نفعل الأمر؟» وظلت تعمل حتى وقت متأخر من الليل لتنجز الأعمال الورقية. كانت سافاما قد أخبرتها بأنه إن كان بوسعها أن تجهز عقدًا بسرعة، فيمكن استخدامه لاقتراض أموال لتمويل العملية. تذكرت تجيوكر: «في غضون يومين كُنَّا قد جهزنا العقد، وكل الأعمال الورقية، وأمكننا توقيع العقد مع عبد القادر بحيث كان سيحصل على المال في غضون أسبوع.» ثم أردفت: «كان يعمل بحسب موعد نهائي؛ لأنه كان يوجد الكثير جدًّا من المخطوطات التي كان يتعيَّن نقلها.»

في ذلك السبت، الموافق التاسع عشر من يناير، أخذت تجيوكر العقد إلى رجل المكتبات من أجل أن يوقِّعه. التقت به في مخزن باماكو حيث كانت المخطوطات تُستَلَم وتُرسَل إلى المنازل الآمنة. تذكرت أنه بدا وكأنه لم يغتسل، و«متعَبًا جدًّا»، ومن أجل أن ترفع من معنوياته أخبرته بأن العمل الذي كان يقوم به «مهم جدًّا للإنسانية كلها.» نَصَّ العقد على أنه سيُخرِج ٤٥٤ خزانة، تحتوي على نحو ١٣٦٢٠٠ مخطوطة، وهو ما جعل تكلفة نقل كل خزانة تبلغ مبلغًا ضخمًا يعادل ٦٦٠ يورو، على الرغم من هذا كان يتضمن التخزين في باماكو لمدة عام، ووضع قائمة موجودات، بقيمة ٢١٢ يورو لكل خزانة، و١٠ بالمائة «رسومًا إدارية» لسافاما ودي إنترناشيونال. كانت اﻟ ٤٥٤ خزانة جزءًا من مجمل ٧٠٩ خزائن قيل للهولنديين إنه كان يتعين إخراجها.

قالت تجيوكر: «في نهاية ذلك الأسبوع كان عدد كبير من القوارب، حوالي عشرين، قد بدأ بالفعل في مغادرة تمبكتو.» كان من الممكن أن يُحَمِّلوا كل المخطوطات دفعةً واحدةً في أحد قوارب نهر النيجر الأكبر حجمًا، ولكن بدلًا من ذلك وضعوا عشرين خزانة أو نحو ذلك فقط على كل قارب، لتقليل مخاطرة حدوث خسارة كارثية. بعد ذلك انطلقت القوارب في رحلة بطول ٢٥٠ ميلًا في عكس مجرى النهر، عبر الدلتا الداخلية وبحيرة ديبو، إلى موبتي، حيث اتجهوا جنوبًا في نهر باني مسافة سبعين ميلًا أخرى إلى جِني. وهناك انتقلت المخطوطات إلى عربات أجرة أدغال والتي أخذتها الثلاثمائة والخمسين ميلًا الأخيرة إلى باماكو برًّا. قالت تجيوكر: «في جِني كان يوجد أكثر من خمسين شاحنة صغيرة، بل حتى مائة، كانت ستأخذ صناديق المخطوطات.» كانت هذه الشاحنات عادةً من ماركة تويوتا، وحملت في الخلف في كل مرة صندوقين أو ثلاثة من الصناديق الثقيلة، مغطاة ببضائع أخرى، كالتبن، والبطاطس، والحبوب، لإخفائها.

قالت تجيوكر: «كان يوجد الكثير من الشاحنات الصغيرة.» ثم أردفت: «لذلك كانت العملية باهظة التكلفة جدًّا.»

•••

كانت هذه المرحلة النهرية من العملية هي المرحلة التي، بحسب ما ذكر حيدرة ودياكيتي، حدثت أثناءها الواقعة المتعلقة بطائرة الهليكوبتر.

في هذا الوقت كان عمَّال وقادة مراكب نهر النيجر الناقلة للمخطوطات مذعورين من الطائرات الفرنسية. تذكَّر قادة المراكب من أمثال حاسيم تراوري من شركة نمبر وان للنقل رؤيتهم لطائرات الهليكوبتر وهي تحلِّق فوق النهر ليلًا حتى إنها كانت تقترب منهم. تذكر تراوري أن أنوارها كانت تبدو «مثل نجم، لكنه كان يومض وينطفئ.» ثم أردف: «شعرنا بخوف شديد جدًّا. وأصاب الهلع كثيرين؛ لأن الناس كانوا يقولون إنه إذا لم يعرف الفرنسيون مَن نحن، فقد يقذفوننا بالقنابل؛ لذا شعرنا بفزع شديد.» بحسب ما ذكرت تجيوكر، ذهبت دياكيتي وحيدرة لمقابلة قائد عملية سيرفال ليطلبا عدم استهداف القوارب التي كانت تحمل المخطوطات؛ وإن كان هذا صحيحًا، فيبدو أن الرسالة لم تصل إلى الطيارين. لم يكن الكولونيل فريدريك جوت، قائد فوج طائرات الهليكوبتر الفرنسي الذي نُشِر في عملية سيرفال، على دراية بأي استثناءات خاصة لقوارب نهر النيجر، وقال إنه، مع ذلك، لا داعي لأن يقلقوا؛ فبدون التأكد من وجود أسلحة على متن القوارب، لم يكن مسموحًا لرجاله بالاشتباك. بالطبع، لم يكن الأشخاص المبحرون في القوارب الهشة يعرفون ذلك.

في إحدى الليالي، بحسب ما ذكر حيدرة، كانت عشرة قوارب تحمل المخطوطات مبحرةً معًا «في قافلة كبيرة» وكانت قد بلغت وسط بحيرة ديبو عندما أقبلت طائرة هليكوبتر للتحري، مصوبةً ضوء كشَّاف نحوها. قال حيدرة: «شعر الأشخاص الذين كانوا على متن القوارب بالخوف من أن يتحولوا إلى لحم مفروم.» حامت الآلة الطنانة فوقهم لمدة ثلاثين ثانية، وهي تمسح القوارب بحثًا عن أسلحة، قبل أن يميل بها الطيار مبتعدًا. اتصل أحد الناقلين مذعورًا بحيدرة في الساعة الواحدة صباحًا ليخبره بأنهم كادوا يتعرضوا للقتل. قال له الرجل: «لقد مرت بنا طائرة هليكوبتر وكانت ستقذفنا بالقنابل.» أصدر حيدرة أمرًا بأنه من تلك اللحظة يجب أن يتوقفوا في الساعة الخامسة مساءً أينما كانوا، وألَّا يسافروا ليلًا مرة أخرى.

تذكر حيدرة: «عرفت أنه كانت توجد أجهزة رصد في طائرات الهليكوبتر، وإن لم ترصد شيئًا خطيرًا فلا يمكن أن تُلحِق ضررًا.» ثم أردف: «ولكن إن رصدت أسلحة أو شيئًا من هذا القبيل، فيمكن أن تهاجِم. وجدوا أنه لم تكن توجد أسلحة، لذا غادروا. ولكن لو كانت القوارب تحمل أسلحة، كانوا سيضربونها، ذلك أكيد.»

روت دياكيتي نسخة من هذه القصة لمستمعيها في أوريجون. في روايتها، قالت إن طيار طائرة الهليكوبتر الفرنسية «طلب أن يفتح الناقلون صناديقهم وإلَّا فسيُغرقهم للاشتباه في وجود أسلحة»، لكن الطيار غيَّر رأيه عندما «رأى أن القارب لم يكن يحمل إلا أكوامًا قديمة من الورق»:

كانت القوارب المليئة بالمخطوطات والناقلون عرضةً لخطر أن تُغرقها طائرات الهليكوبتر المقاتلة الفرنسية [التي] انسحبت وحيَّت رجالنا عندما خاطروا بحياتهم وبقوا في الماء، وفتحوا خزانة وأظهروا للطيارين أننا كنَّا نحمل مخطوطات، وليس أسلحة.

أخبرت دياكيتي مجلة «ذا نيو ريببلك» بحادثة أخرى في النهر في وقتٍ مقارب لهذا الوقت، جرت بعد تصريح الجهاديين بأنه «كان يتعين على كبراء المدينة أن يُسلِّموا كل المخطوطات حتى يمكن إحراقها قبل أن تبدأ الإجازة [الخاصة بالمولد النبوي].» أدَّى التهديد إلى إصابة القائمين على عملية الإجلاء بحالة من الذعر، وبدءُوا يتصلون بكل الناقلين ويأمرونهم بأن يأخذوا الخزائن في النهر بأسرع ما يمكن. وسرعان ما كانوا قد حَمَّلوا قافلة من سبعة وأربعين قاربًا، والتي بدأت بعد ذلك تبحر في طريقها إلى الجنوب. وعندما شارفوا على الطرف الجنوبي لبحيرة ديبو، بحسب ما أوردت مجلة «ذا نيو ريببلك»، وقعت كارثة:

دخل عشرون قاربًا مضيقًا مائيًّا ضيقًا. وفجأة، ظهرت مجموعاتٌ من الرجال، الذين كانت رءوسهم مغطاة بالعمائم، على جانبي النهر، وهم يلوحون بأسلحةٍ آلية ويأمرون القوارب بالتوقف. لم يكن أمام الناقلين خيار سوى الاتجاه إلى الضفة وإيقاف قواربهم، حيث قال الرجال المسلحون إنهم سيحرقون شحنتهم إلا إذا استطاعوا أن يقدموا لهم مبلغًا فلكيًّا من المال. جمع الناقلون المرهقون نقودهم، وساعاتهم، ونفائسهم، وأعطوها لهم، لكن هذا لم يكن كافيًا.

سُمِح أخيرًا للشباب بأن يتصلوا بحيدرة، الذي شرع في مفاوضات مع المسلحين. قالت دياكيتي لمجلة «ذا نيو ريببلك»: «أعطاهم بالأساس إقرارًا بالدَّيْن.» ثم أضافت: «كان الأمر كما لو كان عبد القادر يستخدم بطاقة ائتمانه.» أُطلِق سراح المخطوطات والناقلين. وبعد ذلك بأيام قليلة، أرسل حيدرة إليهم المال.

تلقت تجيوكر إحاطاتٍ موجزة بهذه النوعيات من الوقائع عبر رسائل نصية. قالت: «كان من شأنهم أن يرسلوا رسالة نصية يقولون فيها «إنهم في بحيرة ديبو»؛ «لقد واجهنا مشكلة»؛ «المشكلة حُلَّت»؛ «نحن نتابع الطريق إلى جِني.»» ثم أردفت: «كانت قصيرة جدًّا: «القوارب في هذا المكان»؛ «مشكلة الليلة الماضية حُلَّت»؛ «ما زلنا في طريقنا.»» تذكرت أيضًا أنها سمعت قصة عن أشخاص أوقفوا الناقلين، وقالت إنهم اضطروا إلى إعطائهم مالًا ليمضوا في طريقهم: «كان نوعًا من السطو المسلح بالقرب من بحيرة ديبو … كان يوجد الكثير من القوارب.»

مرةً أو مرتين أثناء العملية سأل السفير بروير عن سير الأمور، وتذكَّر أنه أُبلِغ بوجود صعوبات في الطريق؛ إذ قال: «بلغتنا بعض القصص عن [خزائن] مليئةٍ بالمخطوطات كانت تُنقَل بالقوارب وأن الأمر كان يُنَفَّذ أثناء الليل وأنهم واجهوا مشكلات كثيرة في الطريق بسبب وجود الشرطة، والمتمردين، وما إلى ذلك.» وسمع أن القوارب قد اختُطفت أو أن الناس قد هددوا بإضرام النار في المخطوطات. قال: «إن الأفراد الذين كانوا في أرض المعركة هم الذين حلوا هذه الأمور.»

عندما وصلت الخزائن إلى باماكو، اصطحب حيدرة تجيوكر لرؤيتها. قالت: «جعلني حقًّا جزءًا من فريق استقبال كل تلك الصناديق. أراني طريقتهم في المحاسبة؛ أي الأجزاء كانت تُمَوَّل من قِبَل مؤسسة فورد، وأيها التي كان تُمَوَّل من قِبَل صندوق الأمير كلاوس، ومن قِبَل مؤسسة دوين. كان مكتوبًا على كل صندوق رقم واسم المموِّل بحيث كانوا يعرفون مَن الذي دفع مقابل ماذا.» التقت ببعض الناقلين الشباب الذين رافقوا الخزائن. وأردفت: «أظن أنهم فعلوا أشياء رائعة حقًّا لتشتيت انتباه رجال تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، خاصةً في تمبكتو، لإخراج المخطوطات منها.»

رافق السفير بروير تجيوكر في واحدة من هذه الزيارات. أحصى من خمسمائة إلى ستمائة حاوية تقريبًا في الغرفة، كانت تثبت بسهولة كافية أن سافاما قد أوفت بالعقد المبرم بينها وبين الحكومة الهولندية، وقيل له إنه كان يوجد المزيد في مكانٍ آخر.

قال: «نظرت إلى تو [تجيوكر] وقلت: «هذا كثير. هل هذه كلها ممتلئة؟» قالوا: «نعم، كلها ممتلئة.»»

ولزيادة التأكد، انتقى حتى صندوقًا كان في داخل كومة في مؤخرة المخزن وقال: «حسنًا، أروني ذلك الصندوق.»

تذكَّر قائلًا: «كانت حماقة، ولكننا فعلنا ذلك بالفعل.»

عندما فُتِحَت الخزانة، رأى أنها كانت مكدسة حتى حافتها بالمخطوطات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢