الفصل السابع عشر

لحظة من الواقع تحاكي أفلام إنديانا جونز!

يناير-فبراير ٢٠١٣

أنذرت قطرات المطر الصحراوي الكبيرة بتحويل التربة الرسوبية إلى طين أحمر زلق في صباح يوم السابع والعشرين من يناير من عام ٢٠١٣، عندما التقت مجموعةٌ من الضباط الفرنسيين في المطار المهجور في جوندام، على بُعد خمسين ميلًا جنوب غرب تمبكتو. كان المبنى الوحيد الموجود في المطار هو كوخ متهدم بدون باب، وشبابيك مدلاة من مفصلاتها، لكنه كان لا بد أن يؤدي الغرض. كانت هذه هي القاعدة التي سيخططون منها لتقدُّمهم النهائي. رحَّب الكولونيل بول جيز، قائد مجموعة «جي تي آي إيه ١» القتالية المدرعة، التي كانت قد جاهدت طيلة الأيام الأربعة الماضية في السير على الطريق الصحراوي الممتد على الضفة اليسرى للنهر من باماكو، بالجنرال برنار باريرا، قائد عملية سيرفال، والكولونيل فريدريك جوت، قائد فوج طائرات الهليكوبتر. حيَّا جيز، وهو ضابط بحرية مفتول العضلات، رئيسه بابتسامة كبيرة وخيارين. قال: «جِعة أم ويسكي؟»

كانت عملية سيرفال تجري في إطار زمني ضيِّق. عندما تلقى جوت الأوامر من المسئولين في باريس بالاستيلاء على تمبكتو بعد أقل من شهر من بداية التدخل، قال لهم إنهم «مجانين». منذ ذلك الحين لم يزدد الجدول الزمني إلا تسارعًا؛ إذ كان هو ورجاله الآن يجهزون للهجوم على المدينة في الصباح التالي، بعد سبعة عشر يومًا فقط من إطلاق أول طلقة فرنسية. بعدما هُزِموا في كونا، كان الجهاديون مستمرين في الانسحاب، لكن تقارير المخابرات الفرنسية اقترحت أنهم الآن سيصمدون. قال جوت، وهو رجل طويل القامة، ذو أسنان بيضاء متساوية: «في الشرح الأخير للمهمات أخبرونا بأننا سنلتقي ببعض الجهاديين؛ لذا كان الأمر مؤكدًا لنا.»

كان الفرنسيون يعتبرون الجهاديين مقاتلين شديدي العناد: كانوا يقاتلون حتى آخر رجل منهم وربما كانوا يتعاطون جرعات من المخدرات. تذكر جوت: «عندما قاتلونا لم يبدُ عليهم أنهم يعانون.» ثم أضاف: «في أيامنا الأولى في الشمال، لم يتخلَّوا مطلقًا عن مواقعهم. حتى عندما كانوا يواجهون الدبابات وطائرات الهليكوبتر بالكلاشينكوف فحسب، بقوا في أماكنهم.» قيل لجوت إنه قد رُكِّبت مدافع رشاشة على أسطح منازل تمبكتو لتشكِّل وابلًا مضادًّا للطائرات، وهو ما جعله مقتنعًا بأنهم «سيخسرون بالتأكيد» بعض الطائرات والأفراد. قال: «كانوا منظمين، وكان لديهم القدرة على استخدام أسلحتهم، ولم يكن لديهم مشكلة في المعنويات، وكانوا مقتنعين اقتناعًا تامًّا بمَهمَّتهم.»

في الساعة الخامسة من عصر يوم الأحد، أعطى الجنرال باريرا الأمر بالتقدم. كان سيرتحل بصحبة رتل الجنود الفرنسيين والماليين المدرَّع بقيادة جيز، الذي كانت مهمته أن يستولي على مطار تمبكتو. في الوقت نفسه، صدرت الأوامر لطائرات الهليكوبتر بقيادة جوت بأن تستطلع الطرق وأن تهاجم أي شيء يمكن أن يعترض المجموعة القتالية. تحرَّك الرتل المدرع بسرعة أبطأ كثيرًا مما كانوا يأملون؛ لأن الظلام كان سيحل بعد قليل وكان ثمَّة تهديد مستمر من حدوث هجوم بالعبوات الناسفة اليدوية الصنع: كانت الساعة الحادية عشرة مساءً عندما وصلوا إلى مشارف المطار.

لم تستغرق طائرات الهليكوبتر وقتًا في تغطية المنطقة، وعندما حلَّ الغسق، رأى جوت المدينة لأول مرة. تذكر أنها بدت واهنة، وتكاد بحار الرمال المحيطة بها أن تبتلعها. كان من المستحيل ألا تلفت أكثر من عشر طائرات الأنظار هنا، وكان رجاله متوترين ومستعدين لإطلاق النار عليهم. كانت التقارير الأولى من الطيارين «مفصلة جدًّا ومجنونة»؛ إذ أخبره أحدهم بأنه يستطيع أن يرى درَّاجتين بخاريتين، وربما خمسة أو ستة أشخاص، وهو ما اعتبر أنه يمثِّل «تهديدًا حقيقيًّا.» أخبره الكولونيل بأن يمتنع عن إطلاق نيرانه.

بعد بعض الوقت بات واضحًا أنه لم يكن يوجد جهاديون في المدينة. بعث جوت بالخبر إلى لواء الفيلق الأجنبي الفرنسي، «جي تي آي إيه، ٤» المحمول جوًّا الذي كان في انتظار إشارته. ومع اقتراب منتصف الليل، وبينما كان رجال جيز يشقون طريقهم عبر السياج السلكي الذي كان يحيط بمهبط الطائرات جنوب تمبكتو، أنزلت طائرات النقل مائتين من أشهر القوات الصحراوية في العالم إلى الرمال شمالًا. كان هذا هو أكبر هبوط مظلي كانت العسكرية الفرنسية قد قامت به منذ أكثر من ثلاثين عامًا.

عند الفجر نقل جوت قائد وحدة الفيلق الأجنبي إلى مطار تمبكتو ليعطي شرحًا بالمهمات بشأن الهجوم النهائي. على الرغم من أنهم كانوا يعتقدون الآن أن تمبكتو خالية من مقاتلي العدو، فإن هذه لن تكون مهمة مباشرة: عرف الجنرال باريرا أن جنود الفيلق قد يبدءُون في إطلاق النار إن رأوا جنودًا ماليين مسلحين. قرَّر تقسيم المدينة إلى مناطق، وقال إن الوحدة التابعة للجيش المالي ستدخل مدينتها أولًا.

كشأن الجميع في تمبكتو، عرف إير مالي ما كان يحدث. منذ تدمير محطة توليد الكهرباء، كانت المدينة في حالة من الإظلام شبه الكامل، وكان قد أمضى الأمسيات الماضية يشاهد الأضواء تتحرك بالخارج في الصحراء بينما كان الفرنسيون يُجرُون مناوراتهم. كان قد رأى قوات المظلات تهبط شمالًا، والرتل يصل إلى مؤخرة المطار حيث كان يوجد السياج السلكي. فكَّر في نفسه قائلًا إنه في أي لحظة سيكون بمقدوره أن يرى العربات المدرعة الفرنسية تمضي في الطريق. ظل منتظرًا، لكن لم يأتِ أحد بعد.

قبل الفجر بقليل، تخلَّى الناس عن حذرهم ومضوا إلى المساجد للصلاة. فقط عندما خرجوا من المساجد، وكانت الشمس تنشر ضوءًا شاحبًا، تمكَّنوا من تمييز أجساد أشخاص بعيدين يسيرون نحو المدينة. عندما اقترب الأشخاص أكثر، استطاع الناس أن يروا أنهم كانوا جنودًا ماليين. كانت هذه هي أول قوات حكومية كانوا قد رأوها منذ عشرة أشهر طويلة.

ركب شباب المدينة درَّاجاتهم البخارية وسلكوا طريق كابارا للترحيب بالجنود ومرافقتهم إلى داخل المدينة. في الساعة العاشرة صباحًا، وصل الفرنسيون وتجمهر الناس حولهم. كانت نساء المدينة يصنعن الأعلام سرًّا لأيام، وفي صباح ذلك اليوم بينما كانت القوات تدخل، اصطف مئات من الناس المبتهجين في الطرقات، يصيحون قائلين: «مالي! مالي! مالي!» و«شكرًا فرانسوا هولاند!» ويلوِّحون بأعلام البلدين ثلاثية الألوان.

قال إير مالي إنه في تلك اللحظة، نسي الناس كل شيء. وأضاف: «كان كل شيء قد انتهى في يوم واحد. حقيقة كوننا أحرارًا … كانت كافية لنا. كان الناس في غاية السعادة.»

قال ديادي: «إن تمبكتو الحرة تمثِّل لنا شيئًا يعجز المرء عن وصفه.» ثم أردف: «لا أحد يستطيع أن يعرف تكلفة عشرة شهور من الحرمان، عشرة شهور من التعصب، عشرة شهور من الإذلال.»

ذهب كبير ضباط الجيش المالي، الكولونيل كيبا سانجارى، مع جنوده إلى مبنى البلدية، ومن هناك مضوا ليقوموا بزيارة مجاملة لِلَجنة الأزمة في منزل ديادي. تذكر ديادي: «جاء الكولونيل كيبا وطاقمه إلى منزلنا، جاءوا إلى غرفتنا.» ثم أردف: «استقبلناهم، ومنحناهم ثقتنا، وقدمنا لهم المشروبات المرطبة. وعندما جمعنا الناس وأخبرناهم بما كان يحدث، أحضروا أطنانًا من الأرز واللحم البقري، التي قدَّموها ليعربوا لهم عن الترحيب بهم.» ثم نظَّم الجيش المالي نفسه لتأمين المدينة.

كان جوت ينوي أن يتقهقر إلى سيفاري في عصر ذلك اليوم: لم تكن تمبكتو سوى ثانية ثلاث مدن رئيسية في الشمال كان يتعين تحريرها، وكان يحتاج إلى تخطيط المرحلة التالية من العملية، ولكن باريرا أوقفه واقترح أن يدخلا المدينة معًا. كان يتعيَّن على الجنرال أن يتأكد من أنها كانت آمنة، ولكن كان لديه أيضًا دافعٌ آخر. كان قد صار مفتونًا بأسطورة تمبكتو وكان قد أخذ يطالع كتاب كاييه. أراد أن يرى بنفسه المنزل الذي كان المستكشف الفرنسي قد أقام فيه.

مضوا بمركباتهم من المطار في قافلة صغيرة إلى داخل المدينة. تذكر جوت: «كان سكَّان المدينة كرماء جدًّا.» ثم أردف: «كانوا يصفقون. كان ثمَّة الكثير من السعادة، وكان بوسعنا أن نلاحظها.» أقبل الناس ليشكروهم، وبخاصة النساء والأطفال. قادوا مركباتهم بأسرع ما في مقدورهم، لكن سرعان ما أصبحت الأزقة ضيقة للغاية بحيث لم تكن تسمح بمرور المركبات، ونزل منها الضباط وتابعوا سيرًا على الأقدام. كان وقت الغسق، وكان الضوء من المنازل يكاد أن يكون غير ملحوظ. وعندما اقتربوا من المبنى الذي كان كاييه قد أقام فيه مدة أسبوعين قصيرين في عام ١٨٢٨، خرج رجل مسن لتحيتهم. قال للجنرال: «آه، أنت محررنا!» قبل أن يعرض عليه أن يأخذه في جولة. فتح بابًا خشبيًّا، مرصعًا بمعدن مصقول على الطراز القديم، وقاد الرجال العسكريين إلى الداخل.

شعرَ الجنرال بفخر شديد.

•••

كان العالم الذي كان يراقب ما يحدث يعتبر أن تحرير تمبكتو كان علامة فارقة في الصراع في مالي، لكن سرعان ما طغت عليه أنباء حدث آخر.

في وقت مبكر من صباح ذلك اليوم، بدأ رئيس البلدية سيسيه، الذي كان في باماكو، يقدم إحاطة إعلامية للصحفيين بشأن إحراق المخطوطات في معهد أحمد بابا. قبل الساعة التاسعة صباحًا، قال رئيس البلدية لتوماس فيسي مراسل بي بي سي إنه كان لديه «روايات موثوق بها جدًّا بشأن إحراق مقاتلين إسلاميين لمخطوطات قديمة في الأيام القليلة الماضية»، بحسب ما ذكر فيسي. بعد ذلك بدقائق، نشرت الصحفية التليفزيونية العربية جِنان موسى تغريدةً قالت فيها إنها قد أُحيطت علمًا بالأمر نفسه. وبحلول منتصف الصباح كانت وكالاتٌ قد تلقَّفت الخبر وكان يجري إرساله في صورة أخبار قصيرة إلى وكالات الأنباء وتكرَّر ظهوره في حسابات وسائل التواصل الاجتماعي.

تلا ذلك المزيد من المقابلات مع رئيس البلدية. قال لوكالة أسوشيتد برس: «إنه من المقلق حقًّا أن هذا قد حدث.» ثم أردف: «لقد أضرموا النار في كل المخطوطات القديمة المهمة، وكتب الجغرافيا والعلوم القديمة. إنه تاريخ تمبكتو، تاريخ أهلها.» وقال لصحيفة «ذا جارديان»: «الخبر صحيح، لقد أحرقوا المخطوطات … أحرقوا أيضًا العديد من المباني. كان أحد الأشخاص يحتفل في الشارع فقتلوه.» بحسب ما ذكر رئيس البلدية، لم تكن المخطوطات «جزءًا من تراث مالي فحسب وإنما أيضًا من التراث العالمي. إنهم بتدميرها يهددون العالم. علينا أن نقتل كل المتمردين في الشمال.» بدا أن كلمات رئيس البلدية سيسيه مؤكدة عندما زار مراسل سكاي نيوز ألكس كروفورد، الذي كان يرافق القوات الفرنسية الآخذة في التقدم، مبنى معهد أحمد بابا وعرض صورًا لصناديقَ محترقة.

كانت السرِّية المحيطة بعملية حيدرة فعَّالة للغاية حتى إنه لم يعرف أي أحد في وسائل الإعلام العالمية تقريبًا أي معلومة مختلفة، وكان التصريح الصادر من سيسيه بأن «كل المخطوطات المهمة القديمة» قد أُحرِقَت قد أدَّى إلى تقديرات كارثية للأعداد التي أُتلِفَت. تذكر معيجا: «كان الجميع يتحدثون عن الأمر، حتى الإذاعة.» ثم أردف: «لكنهم وضعوا أرقامًا تخيلية. البعض قال إن مائتي ألف مخطوطة أُحرِقَت، أو شيئًا من ذلك القبيل.»

عند منتصف النهار، بعد سويعات فقط من إعلان سيسيه، بعث حيدرة برسالة بريد إلكتروني إلى صديقه في مؤسسة فورد وكانت بلغة إنجليزية مضطربة. بدأها بقوله إن الأمور قد صارت «مقلقة أكثر.» كان الجهاديون قد بدءُوا في إحراق المخطوطات. كان يشعر بالخوف من أن تراث المدينة يمكن أن يصيبه الضرر أثناء القتال. واختتم بقوله: «لقد حان الوقت، فمن الضروري توفير الموارد لنقل المخطوطات إلى جنوب البلاد.» سواء كانت رسالة البريد الإلكتروني هذه بدافع من خوف حقيقي أو انتهازية — ففي نهاية الأمر، كانت لحظة كان فيها التهديد الجهادي قد حُيِّد بالتأكيد — فإن مؤسسة فورد تحركت بسرعة، تدفعها دون شك التقارير الكارثية الواردة في وسائل الإعلام. عُجِّل بإرسال طلب تمويل لمنظمة سافاما من خلال المكتب الرئيسي للمؤسسة في نيويورك بمساعدة من المدير التنفيذي الذي سيقود المؤسسة فيما بعد، دارين ووكر. وافقت المؤسسة على منحة قدرها ٣٢٦ ألف دولار أمريكي، والتي كانت ستغطي تكلفة نقل ٩٢٢ خزانة إضافية. كان إجمالي المبلغ الذي كانت سافاما قد جمعته لإجلاء مخطوطاتها يقترب الآن من مليون دولار.

في تلك الأثناء، في تمبكتو، كان عبد الله سيسيه لا يزال يفكر بشأن كومة الرماد التي كان قد رآها صباح يوم الخميس. كان الجهاديون قد غادروا للأبد يوم الجمعة، لكنه لم يكن قد عاد إلى داخل المبنى لأنه كان يظن أنه ربما كان ملغَّمًا. ومع ذلك كان يعرف أن شيئًا ما لم يكن منطقيًّا تمامًا. كان يوجد نحو خمسة عشر ألف مخطوطة في المبنى، ولكن لم يكن يوجد خارج قاعة المؤتمرات ما يكفي من الرماد الذي يدل على إحراقها كلها. قال: «لم تكن تلك الكومة من الرماد هي كل الخمسة عشر ألف مخطوطة التي أحرقوها.» فكَّر في أنه لا بد أن الجهاديين قد سرقوا بقيتها. ثم أردف: «فكَّرت في أنهم قد أخذوا بعضًا منها. كانت تلك هي أول فكرة خطرت لي.»

عندما وصل الجنود الفرنسيون إلى سانكوري، طلبوا أن يتحدثوا إلى الشخص المسئول عن معهد أحمد بابا، واستُدعي سيسيه. استجوبوه مطوَّلًا بشأن الجهاديين — مَن كانوا؟ مَن كان زعيمهم؟ من أي الجنسيات كانوا؟ — وفتَّشوا المبنى. مثل أي مكان آخر في المدينة، وجدوا ذخيرة وقنابل يدوية في مهاجع الجهاديين. تذكر سيسيه أن الجنود الفرنسيين «أخذوا معهم الكثير من الذخيرة، وأخذوا الكثير من الوثائق حتى يتمكنوا من فهْم المتمردين.»

بينما كان الجنود يشقُّون طريقهم عبر المبنى بحثًا عن فخاخ متفجرة، كانوا يضعون علاماتٍ برذاذ طلاء أحمر على الغرف التي كانوا قد أخلوها. وعندما وصلوا إلى القبو، ساروا عبر مكان عرض المخطوطات وبدءوا يشقُّون طريقهم عبر الممر الطويل الذي كانت توجد فيه غرف التخزين. كان يوجد في المجمل سبع من هذه الغرف. كانت ست غرف منها خالية، وأبوابها مفتوحة، بينما كانت الغرفة السابعة موصدة. سمحت نافذة فحص زجاجية للأشخاص أن ينظروا إلى داخل الغرفة، لكن الأنوار لم تكن تعمل، وكان الظلام هو كل ما يستطيع أي أحد أن يراه. وبعدما فتحوا الباب، وجدوا غرفة عادية مملوءة بوحدات أرفف، كانت كلٌّ منها مملوءة بصناديق حفظ، في صفوف متراصة بعضها فوق بعض. هنا كان الجزء الأكبر من مخطوطات المبنى، نحو عشرة آلاف مخطوطة، قابعًا دون أن يُمَس.

عندما جرد موظفو الدولة المجموعة لاحقًا، وجدوا أن ٤٢٠٣ مخطوطات كانت مفقودة. قالوا إن الوثائق المفقودة كانت مقتنيات جديدة، كانت قد تُرِكَت في غرفة الترميم في الطابق العلوي من مبنى سانكوري وكانت هدفًا ملحوظًا للصوص الانتهازيين. وفيما يتعلق بسبب ترك العشرة الآلاف مخطوطة المتبقية الأخرى، قال سيسيه إنه يظن أنه لا بد أن اللصوص قد افترضوا أن غرفة التخزين الموصدة كانت خالية كبقية الغرف الست الأخرى، ولم يكلفوا أنفسهم عناء فتح الباب عنوة. كان هذا الأمر دليلًا واضحًا على القوة الروحية للمدينة.

قال: «إنه حقًّا لغز تمبكتو.»

•••

في تلك الأمسية، اصطحب حيدرة تو تجيوكر لتشاهد المزيد من الخزائن الآتية إلى باماكو. مجددًا صُدِمَت من مظهره. قالت: «كان متَّسخًا ومجهَدًا تمامًا.» ثم أردفت: «أظن أنه لم يكن لديه ما يكفي من الوقت للاغتسال.» كان مجهَدًا للغاية، لكنه كان «فخورًا جدًّا بإخراجها.» اعتقدت أنه كان في حقيقته رجلًا خجولًا أُجبِر على مضض على تولي دور قيادي. تذكرت قائلةً: «أظن أنه في العادة رجل صموت … وليس من النوع القيادي.» ثم أضافت: «ولكن بسبب الظروف اضطر إلى أن يحوِّل نفسه إلى زعيم رابطة العائلات.»

اصطحب حيدرة تجيوكر إلى منزل زوجته الثانية، وهو عبارة عن مبنًى كبير وفخم بحديقة على الضفة الجنوبية للنهر، حيث أخذها إلى غرفة مليئة بالخزائن من أرضيتها إلى سقفها؛ وبداخل كل خزانة كانت توجد مجموعات من المخطوطات. سلبت الوثائق نفسها — القطع الأثرية التي لا تُقَدَّر بثمن التي كانت صميم عملية الإجلاء — لُبَّ الدبلوماسية الهولندية. قالت: «كانت المحتويات جميلة جدًّا. كانت مذهلة. كانت المخطوطات كلها عبارة عن صنوف من الجودة، أتعرف ما أقصد؟ بعضها كان ملوَّنًا، والبعض الآخر كان بسيطًا فحسب — مجرد رسالة حب … كان ذلك جميلًا جدًّا.»

بالمثل أُعجِب شترايدر، القائم بالأعمال في السفارة الألمانية، بما عُرِض عليه من الشحنات التي وصلت إلى باماكو. شعر بأنه كان «عملًا جيدًا حقًّا.» وقال: «رأيت الكثير من الكتب — كان لديَّ فرصة أن أَطَّلِع عليها في باماكو — وكان هذا مذهلًا، الشعور بأن لديك بعض المخطوطات التي ترجع إلى القرن الثالث عشر أو حتى الثاني عشر، والكثير جدًّا من المخطوطات المختلفة … التي كُتِبَت كلها منذ قرون بعيدة. كان شعورًا عظيمًا أننا ساهمنا في الأمر.»

ومع ذلك، لم تكن عملية الإجلاء قد اكتملت بعدُ. ففي الثلاثين من يناير، بعد يومين من التحرير، أبلغ حيدرة الشخص الذي كان على اتصال به في مؤسسة فورد، جوزيف جيتاري، بأن عشرين قاربًا كانت تغادر الآن منطقة تمبكتو حاملة ثلاثمائة صندوق من المخطوطات. وكتب يخبره أنهم كانوا سيمضون أربعة أيام في النهر إلى أن يصلوا إلى جني، قبل أن يختتم بعبارته المعتادة: «تحياتي!» أحال جيتاري هذه الرسائل الإلكترونية إلى دارين ووكر، مضيفًا ملاحظةً من عنده: «العملية مستمرة. لحظة من الواقع تحاكي أفلام إنديانا جونز!»

في يوم الجمعة، الموافق الأول من فبراير، وصلت إلى جني عشرة قوارب أخرى تحمل ١٥٠ صندوقًا إضافيًّا؛ أُنزِل ١٥٧ صندوقًا آخر في اليوم التالي.

في يوم الخميس، الموافق السابع من فبراير، في الساعة الثامنة وثلاث عشرة دقيقة صباحًا، أرسل حيدرة إلى جيتاري رسالة بريد إلكتروني تحمل خبر وصول الشحنة الأخيرة. «أود فقط أن أبلغك بأن القوارب الأخيرة وصلت للتو إلى جِني. هذه الرحلة هي تتمة نقل ٩٢٢ صندوقًا إلى جِني عبر النهر. ستصلك قريبًا صور عمليات الوصول الأولى لصناديق المخطوطات إلى باماكو. تحياتي!»

كان يبدو أن مهمة حيدرة الجبارة لإنقاذ مخطوطات تمبكتو قد اكتملت أخيرًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢