الفصل التاسع عشر

مصنع الأساطير

٢٠١٣–٢٠١٥

في الأيام التي تلت التصريح المثير لرئيس البلدية سيسيه، تباطأت أنباء الإجلاء في الظهور للعلن. بدا أن لا أحد يريد أن يكشف قبل الأوان الحقيقة المتمثلة في أن كل المخطوطات تقريبًا كانت في مأمن. في جامعة كيب تاون، استقبل فريق مشروع مخطوطات تمبكتو مكالمات من صحفيين يبحثون عن تحليل خبير لما قد حدث. دعاهم الأكاديميون إلى توخي الحيطة. فبمجرد أن شاهدوا الصور التلفزيونية الآتية من مبنى أحمد بابا، عرفوا أن جميع الوثائق لم تُحرَق: فببساطة لم يكن ثمَّة ما يكفي من الأضرار، ولا ما يكفي من الرماد. وعندما اتصلوا بزملائهم في مالي فوجئوا بأن لا أحد منهم كان من شأنه أن يفسِّر بالضبط ما قد حدث. تذكرت سوزانا مولينز ليتيراس، التي كانت وقتئذٍ طالبة دكتوراه تعمل مع المشروع، قائلةً: «امتنعوا عن أن يُطلِعونا على الأمر.» ثم أضافت: «أخبرونا بأن هذا كان لأسباب أمنية، وأن الأمر كان غير آمن على الإطلاق.» بدا لها أنه في ذلك الوقت كان هذا القدر من الحيطة غير ضروري.

ومع ذلك، بدأت معلومات منتقاة تتسرب إلى أولئك الذين كانوا يعرفون حيدرة معرفة جيدة. قال جان-ميشيل دجيان، وهو كاتب فرنسي تخصَّص في ثقافة غرب أفريقيا، لصحيفة «ذا نيويوركر» في يوم التحرير إن معظم مخطوطات تمبكتو — «نحو خمسين ألفًا» — كانت آمنة وإن حيدرة قد نقل أكثر من خمسة عشر ألفًا إلى العاصمة قبل شهرين لحمايتها. في وقت لاحق من ذلك الأسبوع، كتب المراسل المخضرم في أفريقيا تريستان ماكونيل مقالًا لكلٍّ من صحيفة «جلوبال بوست» الرقمية ومجلة «هاربرز» كشف فيهما حيدرة تفاصيل عملية الإجلاء. كتب أن رجل المكتبات كان قد شرع، متعاونًا مع «حفنة من المتطوعين»، في إخفاء مخطوطات تمبكتو. كان قد عمل، بمعاونة «خمسة عشر زميلًا»، كل ليلة لمدة شهر في وضعها في خزائن، بادئًا بمجموعة مما حيدرة ثم منتقلًا إلى مجموعات أخرى. كان «أكثر من ألف» صندوق من المخطوطات قد دُفِنَت تحت أرضيات طينية، أو خُبِّئت في خزانات وغرف في منازل خاصة، أو أُرسِلَت عبر النهر. قال حيدرة لماكونيل إنه رفض عروضًا بمساعدة إضافية، لأنه لم يرغب في أن يعرف أحد آخرُ الموضعَ الذي كانت المخطوطات مخبَّأة فيه.

عندما أدركت وسائل الإعلام العالمية أن ما كان يُعتَقَد أنه قد دُمِّر كان في الواقع قد حُفِظ، بدأت جولة جديدة من التغطية الصحفية، وبدأت أعداد المخطوطات التي أُجليت في التزايد. بحلول الخامس والعشرين من فبراير، كان الخمسة عشر ألف مخطوطة التي ذكرها دجيان قد صارت، بحسب مجلة «دير شبيجل»، «أكثر من مائتي ألف وثيقة، أو نحو ثمانين بالمائة من [مخطوطات تمبكتو]»، وذلك نقلًا عن وزير الخارجية الألمانية كمصدر لها. لاحقًا ذكرت وثيقة إحاطة ألمانية أن الرقم هو مائتان وخمسة وثمانون ألفًا، بينما في أبريل، في مجلة «ذا نيو ريببلك» الأمريكية، ذُكر نقلًا عن حيدرة أنه زعم أن «خمسة وتسعين بالمائة تقريبًا من مخطوطات المدينة البالغ عددها ثلاثمائة ألف مخطوطة قد وصلت بأمان إلى باماكو.» بحلول عام ٢٠١٥ كان من شأن نسبة الخمسة والتسعين بالمائة هذه أن تصبح ٣٧٧٤٩١ مخطوطة، شُحِنَت فيما يقرب من ٢٥٠٠ خزانة. لم يكن هذا العدد يشمل الأربعة والعشرين ألفًا أو نحو ذلك التي أُجليت من مبنى أحمد بابا القديم، وهو ما كان من شأنه أن يصل بالمجموع إلى أكثر من أربعمائة ألف مخطوطة.

في الثالث عشر من مارس، من عام ٢٠١٣، بعد ستة أسابيع من التحرير، أطلقت دياكيتي حملة جديدة لجمع التبرعات، تحت اسم «تي ١٦٠ كيه»: «مكتبات تمبكتو في المنفى»، إلى جانب محاضرة في جامعة أوريجون. (قالت إن تسمية «تي ١٦٠ كيه» تشير إلى «المائة والستين ألف مخطوطة الأولى» التي كانت قد أُجليت من تمبكتو.) في محاضرتها، تذكَّرت دياكيتي كيف هب أهل تمبكتو والقرى المحيطة بها لتقديم المساعدة لإنقاذ التراث، في الوقت الذي كانوا يشعرون فيه بالخوف على حياتهم ومستقبلهم، ولا يتلقون أي نوع من الدخل لأن أعمالهم التجارية أو وظائفهم كانت قد انحسرت مع الأزمة. دمعت عيناها تأثرًا بقوة القصة. وقالت: «سأبدأ في البكاء في أي لحظة هنا مجددًا.» ثم أضافت: «ها قد بدأتُ.»

تكلَّمت لمدة خمسين دقيقة — «وهي مدة قصيرة من الوقت لمغامرة بهذه الضخامة»، على حدِّ وصفها — لكنها كانت كافية لها لتكشف النتائج الجديدة المثيرة للاهتمام بشأن المخطوطات. قالت إنه أثناء عملية الإجلاء، كان العاملون قد قاموا بعمل قائمة جرد تقريبية، واكتشفوا للمرة الأولى أن عدد الكتب الدينية في المجموعات كان أدنى بكثير من عدد الأعمال العلمانية، التي كانت تشمل أشعارًا، وأقاصيص، ومقالات، وكتبًا للطهي، وأعمالًا عن علوم العصور الوسطى، والطب، والموسيقى، و«غير ذلك الكثير.» ومع ذلك فإن ما كانت لا تزال تجده مثيرًا هو مبحث كانت قد نقَّبت عنه قبل ذلك بعَقدٍ تحت رعاية «المجموعة البحثية الخاصة بحل النزاعات الخاصة» في مالي، وهو: المخطوطات التي احتوت على نصوصٍ كانت تستخدمها جماعةٌ من الدبلوماسيين الإسلاميين تُسمَّى «سفراء السلام»، وفي رأيها أنه ينبغي الآن استخدام هذه النصوص لتتصدر جهود عملية المصالحة في مالي. بل إن هذه النصوص يمكن أن تحتوي على نموذج لحل المنازعات في جميع أنحاء القارة.

إن الطريقة التي جمعت بها المخطوطات الناس أثناء عملية الإجلاء تقودنا إلى الاعتقاد بأنها، وهذه المادة المرجعية، يمكن أن تقود عملية إحلال السلام الدائم في مالي، وربما يكون هذا هو قَدَر المخطوطات، على الأقل في هذه الصيغة لوجودها.

ولكن قبل أن يمكن للمخطوطات أن تحقق هذا القَدَر، كان ثمَّة حاجة إلى المزيد من التمويل. فبعيدًا عن كونها آمنة، كانت المخطوطات في باماكو واقعةً تحت تهديد طقس المدينة الرطب، واستلزمت هذه الأزمة الجديدة مبالغَ مالية أكبر من تلك التي استلزمتها عملية الإجلاء. كان المستهدف من حملة «تي ١٦٠ كيه» — التي رُوِّج لها في وسائل الإعلام القديمة والجديدة على حد سواء — هو سبعة ملايين دولار أمريكي. بعد مرور شهرين، في الخامس عشر من مايو، نشر حيدرة «خطة عمل لإنقاذ مخطوطات تمبكتو التي أُجليت إلى باماكو، والحفاظ عليها، وزيادة قيمتها»، والتي فصَّلت تكاليف الحفاظ على وثائق منظمة سافاما ورقمنتها وفهرستها والبحث فيها. حُدِّدَت تكلفة هذا البرنامج الذي كانت مدته ثلاث سنوات بمبلغ أعلى بكثير، بما يزيد قليلًا عن ٢٢ مليون دولار أمريكي: وهو مبلغ هائل في بلدٍ كان متوسط الدخل السنوي فيه ١٥٠٠ دولار أمريكي فقط.

استجاب العديد من المانحين للنداءات الجديدة. ساهمت وزارة الخارجية الألمانية ومؤسسة جيردا هنكل بحوالي مليون دولار سنويًّا، بينما قاد فريق من جامعة هامبورج الجهود للحفاظ على المخطوطات وفحص محتوياتها. اشترت منظمة سافاما أجهزةً لإزالة الرطوبة، ورمَّمت بناية كبيرة في جنوب باماكو لتكون مقرًّا لها. وهناك، بدأت جديًّا العملية البطيئة لصنع صناديق جديدة خالية من الأحماض من أجل المخطوطات وتصويرها، حيث وظَّف حيدرة جيشًا كبيرًا من الموظفين. كانت سافاما الآن في طريقها للتفوق على الأرشيف الذي تديره الدولة باعتبارها المرجع الرئيسي للمخطوطات المالية.

في تلك الأثناء بدأت تتدفق على المدينة الصغيرة الشهيرة عروض المساعدات من سائر أنحاء العالم. تعهَّدت منظمة اليونسكو بإعادة بناء جميع الأضرحة المهدمة؛ وكانت ستنهي المهمة في صيف عام ٢٠١٥. وأُسست مبادرة بقيادة أمريكية، تحت اسم «مجموعة عمل نهضة تمبكتو»، بهدف إحياء مالي عن طريق إحياء تراثها الثقافي. تضمن مشروع «نهضة تمبكتو» اتفاقًا مع شركة جوجل لجعل الشركة تصور المدينة من أجل نسخة منظور الشارع، التي يمكن فيها، بمقابل مادي، للمستخدمين البعيدين أن يأخذوا جولة افتراضية ويشاهدوا لقطات مصورة لسكانٍ محليين يحكون قصصًا عن المدينة. قالت وزيرة الثقافة المالية، ندياي راماتولاي ديالو: «ستكون أداة سياحية لنا.» ثم أردفت: «أرادوا عمل ذلك بطريقة يمكنك من خلالها زيارة تمبكتو بكاملها، فيمكنك رؤية المخطوطات، ويمكنك زيارة المساجد والآثار وكل ما هو موجود في تمبكتو.» كانت توجد أيضًا خطط تجري على قدم وساق لإنشاء أول جامعة حقيقية في المدينة، بتكلفة تقديرية بلغت ٨٠ مليون دولار، والتي تقدِّم دورات في كل شيء من الأدب إلى الزراعة وحتى الطاقة المتجددة.

في خريف عام ٢٠١٤، سافر حيدرة إلى أوروبا لتسلُّم جائزة مؤسسة أفريقيا الألمانية المرموقة، تقديرًا لجهوده في إنقاذ المخطوطات وتجنُّب «خسارة لا يمكن تصورها» للتراث العالمي، ولالتزامه الدءُوب بتطوير وحفظ التاريخ الأفريقي. قال وزير الخارجية الألمانية، وهو يقدِّم الجائزة: «كان من الممكن أن يكون للأمر نتيجةٌ مختلفة تمامًا، لكننا اليوم سعداء بأن ٩٥ بالمائة من المخطوطات قد أُنقِذَت.»

•••

لم يُصَب الجميع بالتفشي الجديد لحمَّى تمبكتو. في خريف عام ٢٠١٥، اجتمعت مجموعةٌ متعددة الجنسيات من المتخصصين في الدراسات الأفريقية في الحرم الجامعي المورق لجامعة برمنجهام لحضور ندوة تكريمًا لكبير الباحثين الفخريين في الجامعة باولو فرناندو دي مورايس فارياس. اجتمع أكاديميون من جميع أنحاء العالم في قاعات مؤتمرات ذات جدران بيضاء لتقديم عروض إيضاحية حول مواضيع متنوعة مثل التعليم التبشيري الكاثوليكي في مملكة الكونغو ودور الرواة القبليين في غرب أفريقيا. وكان من بين المبعوثين خبراء بارزون في التراث الإسلامي لغرب أفريقيا، من بينهم فارياس، وشاميل جيبي، وتشارلز ستيوارت، وماورو نوبيلي من جامعة إلينوي، وبروس هول.

كان هول، وهو أستاذ مساعد طويل معسول اللسان من جامعة ديوك، يعرف دياكيتي، وحيدرة، وهنويك منذ عام ١٩٩٩، عندما أمضى سنواتٍ عديدة في تمبكتو، وهو طالب دكتوراه شاب، يعمل في المخطوطات. كان واحدًا من غربيين قلائل بمقدورهم قراءة وفهم النصوص التي امتلأت بها المكتبات الإسلامية في غرب أفريقيا. ومنذ عام ٢٠١٣ كان قد صار أبرز المنتقدين علنيًّا لمنظمة سافاما. بعدما شاهد مقطع فيديو لمحاضرة دياكيتي في أوريجون وقرأ دعوتها للتمويل، شعر بإحساس متزايد بالإحباط. لقد اختبر بنفسه إضفاء الطابع التجاري على المجموعات الخاصة والقيود المفروضة على وصول الباحثين إليها التي غالبًا ما كانت تستتبع ذلك. كانت المبالغ التي كانت منظمة سافاما تحاول جمْعها، ونطاق السرية المفروض، والمصطلحات الروحانية التي وُصِفَت بها المخطوطات بمثابة علامات إنذار لهول، الذي أرسل ردًّا متشكِّكًا للغاية إلى دياكيتي في القائمة البريدية «مانسا ١»، والذي أُرسِلَ إلى أقسام الدراسات الأفريقية حول العالم.

بحسب هول، كانت دياكيتي قد أخطأت في توصيف طبيعة الوثائق. فعلى النقيض من ادعاءاتها بأنها كانت متعددة اللغات، وموسوعية، وعلمانية بطبيعتها، كان ٩٨ بالمائة منها مكتوبًا بلغة عربية أدبية، وباستثناء العديد من العقود والرسائل المكوَّنة من صفحة واحدة، كانت الغالبية العظمى منها نصوصًا دينية إسلامية. لم يكن هذا بغرض التقليل من شأنها؛ إذ كتب هول: «إنها توفِّر مصدرًا رائعًا ومهمًّا للعلماء، الماليين منهم وغير الماليين، ولكن أفضل طريقة لفهمها هي باعتبارها نتاج تقليد أوسع من المعرفة الإسلامية في أنحاء غرب أفريقيا والعالم الإسلامي الأوسع.» ولم تكن بحاجة إلى تحويلها إلى رموز محل توقير.

استمر هول في اتخاذ هذا الموقف في برمنجهام. كان الآن يستخدم كلمة «احتيال» علنًا. منذ تأسيس مركز أحمد بابا، قُدِّمَت ملايين الدولارات للعاملين في مجال المخطوطات، وتضخم عدد المخطوطات لجذب المزيد من التمويل. لكن أي مجموعة حاولت التعامل مع الوثائق في تمبكتو أُصيبت بالإحباط، وقال: «تعتمد عمليات جمع التبرعات [المقدمة إلى تمبكتو] على بعض الاحتيال؛ إذ تقوم على تقديمِ عرضٍ منافٍ للحقيقة عن المخطوطات وعددها.» من وجهة نظر هول، إن ثلاثمائة ألف هو أفضل تقدير «للعدد الكلي للمخطوطات العربية الموجودة في منطقة شمال مالي كلها.» قال هول إنه حتى حيدرة نفسه كان في عام ٢٠١١ قد قَدَّر العدد في منطقة تمبكتو كلها بما يعادل ١٠١٨٢٠ مخطوطة. وما لم تكن تُستَورَد على نطاق واسع، فمِن ثَمَّ يجب أن يكون العدد في المدينة نفسها أقل بكثير. كانت المجموعة الموجودة في معهد أحمد بابا المملوك للدولة هي إلى حدٍّ بعيد أهم مجموعة: إذا احتُسِبَت جميع الرسائل، والعقود، والقصائد، والمواد الأخرى المكوَّنة من ورقة واحدة، فقد تصل إلى ثلاثين ألف قطعة. كانت مجموعة حيدرة هي أكبر مجموعة خاصة. وقال هول إن معظم المجموعات الأخرى كانت صغيرة، وأغلبها كان عدده لا يتجاوز العدة الآلاف.

في صميم مسألة الأعداد كانت تكمن مشكلة متعلقة بالتعريف. في عام ٢٠٠٠، كانت مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن قد فهرست مجموعة مما حيدرة ووجدت أربعة آلاف وثيقة فقط، لكن هذا لم يشمل الأعداد الكبيرة من الأحكام القانونية وسندات البيع المكونة من ورقة واحدة، وما إلى ذلك، التي كان كلٌّ منها كان يُعَرَّف حينئذٍ على نحوٍ شائع في تمبكتو على أنه مخطوطة في حدِّ ذاتها. في أول لقاء لي مع حيدرة في عام ٢٠١٣، كان قد اختار بتأنٍّ تعريفًا أوسع حتى من ذلك حيث أخذ يشخبط على قصاصة لاصقة وأفصح عن أنه، من وجهة نظر والده، حتى هذه كان يمكن أن تُسمى مخطوطة. من وجهة نظر هول، كان هذا التعريف بلا معنًى.

لم يشكَّ هول في أن عمليات إخلاء مبنى أحمد بابا القديم، أو فوندو كاتي، أو مكتبة مما حيدرة قد حدثت. وكتب في أحد هوامش ورقته البحثية المقدَّمة: «أصر مسئولون رفيعو المستوى في الحكومة المالية في وقت مبكِّر على أن المخطوطات من [مبنى أحمد بابا القديم] كانت في أغلبها آمنة، وأنها قد خُبئت أو هُرِّبَت من تمبكتو أثناء الاحتلال السلفي.» لكن معارفه في تمبكتو أخبروه أن مجموعات مخطوطات كثيرة أخرى بقيت في البلدة أثناء الاحتلال، وأن بعضها نُقل إلى باماكو، ولكن «بعد» التحرير، من أجل دعم المزاعم بأن هذه الأعداد الهائلة قد أُجليَت. ضُخِّمَت القصة المنقولة لوسائل الإعلام الدولية بعد ذلك بقدْر كبير، وكانت النتيجة ضخَّ أموالٍ غربية ضخمة إلى منظمة سافاما.

وذكر: «إن قصة المخطوطات التي أُنقِذَت هي في أحسن الأحوال قصة مضلِّلة، وهي، في أسوئها، غير شريفة واحتيالية تمامًا.»

لم يختلف أي من الخبراء في المجموعة المتعددة الجنسيات مع النقاط الجوهرية في تقييمه النقدي للغاية. تساءل توم مكاسكي، الأستاذ في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، كيف حدث أن مخطوطات تمبكتو قد ضُخِّمَت إلى شيء لم تكن عليه؟ قال: «هل نحن نتحدث عن كيان كامل مبني على … كنت سأقول «على أكاذيب»، ولكني الآن أقول «على لا شيء»؟»

إن كان هول مصيبًا، فإن بطل تمبكتو قد بالغ مبالغة مفرطة بشأن حجم عملية الإنقاذ، كما أن منظمة سافاما قد تلقت أموالًا لإجلاء مخطوطات كانت إما لم تُنقَل مطلقًا أو حتى لم يكن لها وجود.

أثارت إعادة فحص رواية إجلاء المكتبات الخاصة بعيون هول المتشكِّكة العديد من الأسئلة التي لم يُجَب عنها. إذا نحينا جانبًا القضية المهمة المتعلقة بالأعداد في الوقت الحالي، فلماذا لم يقدِّم حيدرة أي شهود عيان لتأكيد الأجزاء الأكثر دراماتيكية من العملية، على الرغم من أنه طُلب منه مرارًا وتكرارًا أن يقدِّمهم؟ في البداية قال إن الأمر يتعلق بالأمن؛ ولاحقًا، قال إن الأشخاص غاضبون منه لإعطائه أسماءهم للصحفيين. لماذا وافق بعض رفاقه في البداية على الحديث، ثم أصبحوا غير متاحين في ظروف غامضة؟ وحتى أكثر الأشخاص من مركز أحمد بابا الذين أُجريت معهم مقابلات والذين كانوا الأكثر استعدادًا للحديث كانوا يتوقَّفون عن الحديث عندما يُسألون عن إجلاء المخطوطات ذات الملكية الخاصة: «آه، لا، لا، لا!» قال أحد الموظفين في مركز أحمد بابا، ضاحكًا: «لا يمكنني أن أتحدَّث عن المكتبات الخاصة!»

عندما حصلنا أخيرًا على رواياتٍ أخرى، كانت غالبًا لا تتوافق مع رواية حيدرة أو دياكيتي للأحداث، بل إن روايتَي الثنائي الرهيب تناقضتا بعضهما مع بعض. لماذا، على سبيل المثال، كانت دياكيتي ستخبر ديبورا ستولك بأن طريق ليري استُخدِم بقدر طريق دوينتزا — وأن «أفراد الإشراف والأمن» كانوا «مُعَسكِرين بطوله» — في حين أن حيدرة قال إنهم حاولوا استخدامه مرةً واحدةً فقط، وأن ذلك قد أسفر عن عملية اختطاف؟ لماذا أنكر حيدرة في البداية عملية الاختطاف الكبيرة لعشرين قاربًا في نهر النيجر، في حين أنه من المفترض أنه قد دفع فدية مقابل إخلاء سبيل تلك القوارب «كما لو كان يستخدم بطاقة ائتمانه»، بحسب ما ذكرت دياكيتي؟ ولماذا لم يسمع أصحابُ المراكب الآخرون الذين كانوا يبحرون جيئةً وذهابًا في النهر عن هذه الحادثة الكبيرة، التي كانت ستؤثر تأثيرًا مباشرًا على عملهم؟ لماذا قالت دياكيتي إن طائرات الهليكوبتر الفرنسية حيَّت الناقلين بينما كانوا يرفعون المخطوطات، بينما قال حيدرة: «ذلك غير صحيح. ذلك مجرد تعليق تفسيري»؟

وبينما بدت بعض التفاصيل غير موثوق فيها، أثار الأكاديميون المزيد من الأسئلة الجوهرية حول قصة سافاما. ما المدى الذي كانت عليه خطورة التهديد الجهادي، في الوقت الذي كانت فيه كل المجموعات الخاصة مخبَّأة؟ خرج توماس شترايدر، القائم بالأعمال في السفارة الألمانية، من اجتماعه مع سافاما معتقدًا أن الوثائق كانت تتعرض للإتلاف «مرةً بعد مرة»، لكن حيدرة نفسه تذكَّر فقط على نحوٍ ملتبِس أنه سمع عن حادثتي إتلاف للمخطوطات، وقعتا في وقت مبكر، واللتين وصفهما بأنهما «أمور بسيطة جدًّا.» في ذلك الوقت، حُملت تو تجيوكر على الاعتقاد بأن الجهاديين كانوا قد توعدوا بإحراق الكتب في طقوس احتفالية، «أوتو-دا-في»، في يوم المولد النبوي، وجعل حيدرة هذا سببًا لطلبه منحةً من السفارة الهولندية. لقد كتب في رسالة الطلب التي بعث بها أنهم كانوا بحاجة إلى المال على نحوٍ عاجل، لأنه كان يتعيَّن عليهم إجلاء المخطوطات «قبل … الرابع والعشرين من يناير القادم، التاريخ الذي هدَّد الجهاديون بأنهم سيتخذون إجراءً فيه وسيمضون قدمًا في تدمير هذا التراث الثقافي.» بل إن مراسل مجلة «ذا نيو ريببليك» قيل له إن أصحاب المكتبات كانوا قد تلقَّوا توجيهات بجمْع مخطوطاتهم معًا من أجل هذا الأمر فحسب. ومع ذلك لم يتذكر أي من التمبكتيين الذين أُجريت معهم مقابلات أي تهديد من هذا القبيل. وعندما سُئل رئيس البعثة الثقافية في تمبكتو، البخاري بن السيوطي، تحديدًا عما إذا كان الجهاديون قد تكلموا عن إحراق المخطوطات في المولد النبوي، أجاب: «لا، لم أسمع بذلك.» أنكر الإمام الأكبر، الرجل الذي قاد المفاوضات حول المولد النبوي مع الجهاديين، والمصدر الذي لا يرقى إليه الشك، الأمر إنكارًا تامًّا، قال لي: «لم يهددوا بإحراق مخطوطات تمبكتو.»

في حين أن هدم الأضرحة كان يمثِّل دليلًا على الصدام بين معتقدات السلفيين ومعتقدات معظم التمبكتيين، فإن موقف الجهاديين من المخطوطات كان مختلفًا. مما لا شك فيه أنه كان يُنظَر إلى وثائقَ معينةٍ باعتبارها أشياء «محرمة»، ولكن إذا أخذنا في الاعتبار أنه يمكن لخبير أن يستغرق ساعات لفك طلاسم صفحة واحدة، فما مدى احتمال أن هؤلاء المقاتلين الذين كانوا غالبًا أميين كانوا سيجدون الوقت لاستبعاد الأعمال التي كانوا لا يوافقون عليها، وإلا كانوا سيحرقون المخطوطات برُمَّتها، وفي ذلك نسخ كثيرة من أقدس نصوصهم؟ كان الجهاديون، في العديد من المناسبات، قد وعدوا بحمايتها، وإن كان ما قاله ديادي وسانيه شريفي ألفا صحيحًا، فإن الشرطة الإسلامية لم تكن قد اعترضت حتى على شحنها جنوبًا من أجل المحافظة عليها.

وماذا عن واقعة الإتلاف في يوم التحرير نفسه التي تداولتها التقارير الإخبارية على نطاق واسع؟ إن كان رئيس البلدية سيسيه قد اعتقد حقًّا أنهم قد «أضرموا النار في كل المخطوطات القديمة المهمة»، كما أدلى لوسائل الإعلام العالمية، فلماذا استغرق الأمر وقتًا طويلًا جدًّا لتصحيح هذا الخطأ؟ لاحقًا، قدَّر معهد أحمد بابا أن ٤٢٠٣ وثائق قد فُقِدَت، ولكن كان يبدو أن قلَّة هم مَن صدقوا أن هذا العدد الكبير قد أُحرِق. قال الغالبية إنها من المحتمل أن تكون قد سُرِقَت، وإن الحريق كان مدبرًا للتغطية على السرقة. كان هذا يبدو معقولًا، وربما يفسِّر السبب وراء أن عشرة آلاف مخطوطة كانت قد تُرِكَت في القبو. ومع ذلك، كان من الغريب أنه لم يبدُ أن أي أحد كان مهتمًّا بأن يعرف أي مخطوطات كانت قد فُقِدَت، أو أن يعرف أي العائلات كانت قد أعطتها للمعهد.

(لاحقًا، عندما سألت حيدرة عما إذا كان قد بالغ بشأن التهديد، أجاب: «إن كنت تعتقد أنه لم يكن ثمَّة تهديد، فذلك رأيك وهو لا يهمنا. كان التهديد قائمًا قبل المولد النبوي، وأثناءه، وبعده. لكي تفهم هذا … يكفي أن تنظر في مسألة عمليات إحراق المخطوطات التي تداولتها وسائل الإعلام العالمية.»)

امتد تشكُّك الأكاديميين حتى إلى أكبر التساؤلات على الإطلاق؛ وهو مسألة محتويات المخطوطات والتي هي محل تفاخر. ارتأى كثير من هؤلاء الخبراء أن القيمة التاريخية للوثائق كان مبالغًا فيها شأنها في ذلك شأن الأعداد: زُعِمَت ادعاءات كبيرة بشأن المجموعات الخاصة، غير أن إمكانية الوصول إليها كانت تخضع لسيطرة محكمة بحيث لم يكن ممكنًا التحقق إلا من عدد قليل من هذه الادعاءات. كان أكثر الآراء إدانةً في هذا الشأن دراسة جديدة أجراها أكاديمي من جنوب أفريقيا عن الوثائق التي كانت قد أثارت حماس هنويك عندما اطلع عليها في مكتبة فوندو كاتي، والتي قيل إنها كانت تحتوي على الملاحظات الأصلية لكتاب «تاريخ الفتَّاش». وفقًا للدراسة، كان بعض هذه المخطوطات على الأقل قد زُوِّر.

بعد أن أصبح الآن كل شيء تقريبًا فيما يتعلق بعملية إجلاء المجموعات الخاصة محلَّ شك، لجأت إلى الدبلوماسيين الهولنديين، الذين كان ثلاثة منهم على الأقل — تو تجيوكر، والسفير مارتن بروير، وملحقته الصحفية، ميريام تاسينج — قد شهدوا وصول خزائن المخطوطات إلى باماكو في أوائل عام ٢٠١٣. أذهلتهم الاتهامات. أخرجت تجيوكر، التي كانت قد فعلت الكثير من أجل إيجاد أموال لمنظمة سافاما، صورًا فوتوغرافية لأكوام من الخزائن في باماكو، التي كان بعضها مفتوحًا ومليئًا بالمخطوطات. تذكرت قائلةً: «كان يوجد المئات من صناديق الخزائن المعدنية من النوع الذي من شأنك أن تنقله عندما تكون ذاهبًا في رحلة طويلة. كان الأمر حقًّا مثيرًا للإعجاب للغاية.» ثم أردفت: «استمرت في القدوم وأجرينا عمليةَ عدٍّ سريعة جدًّا — لا يمكنني أن أتذكر كيفيتها — وكان يوجد ما يقرب من مائة وخمسين ألف مخطوطة هناك.» كانت كل خزانة مرقَّمة، لكي يتمكنوا من معرفة مَن دفع تكلفتها ومن أي عائلة أتت المخطوطات؛ لذا كان لديهم «تسجيل لكل تلك الخزائن الكبيرة.»

بالمثل كان بروير هو الآخر غير مصدق للاتهامات. قال: «مهما كان ما يقوله الناس، فإن بوسعي أن أخبرك بأن القصة حقيقية.» ومع ذلك أقلقته اتهامات هول بالقدر الذي كان كافيًا لأن يُجري تحرياتٍ من تلقاء نفسه. تقابل مع حيدرة الذي أطلعه على محتويات منازله الآمنة في باماكو، حيث كان كثير من المخطوطات لا يزال مُخزَّنًا. كانت النتيجة حاسمة، كما كتب في رسالة بريد إلكتروني:

اطَّلعنا على كمية كبيرة من المخطوطات التي كانت بالفعل قد جُرِدَت و/أو سُجِّلَت، وكان مجموعها ١١٠ آلاف مخطوطة. هذا العدد سيعادل ما يُقَدَّر بثمانمائة إلى ألف حاوية. رأينا بأنفسنا نحو ١٣٠٠ حاوية مليئة بالمخطوطات ولم تكن قد أُفرِغَت بعد، وهو ما يجعل المجموع من ٢١٠٠ إلى ٢٣٠٠ حاوية. بالطبع هذه حسابات تقريبية، ولكننا مطمئنون للقول بأن المجموع ٢٤٠٠ المذكور على لسان حيدرة صحيح بالتأكيد. قمنا بزيارة جميع المواقع السبعة خلال فترة من الوقت مدتها ثلاث ساعات ولم يُنقَل أي من الحاويات في ذلك الوقت … في جميع المواقع فتحنا بعض الحاويات والصناديق، وكانت المخطوطات بداخلها. رفعنا الحاويات لنتأكد مما إذا كانت ممتلئة أم لا وكانت كلها ممتلئة عن آخرها.

بناءً على الأدلة التي كان بروير قد اطَّلع عليها، كانت اعتراضات هول في غير محلِّها. وتساءل لماذا وُجِّهَت هذه الاتهامات؟ كتب يقول: «في ظاهر الأمر يوجد قدْر كبير من المنافسة والحسد حول هذه المخطوطات.» ثم أضاف: «ولقد تجاهلت منظمة سافاما كل الأكاديميين في عملية الإنقاذ هذه.»

إذن من وجهة نظر بروير لم يكن ثمَّة شك.

•••

كانت باماكو في أواخر عام ٢٠١٥ لا تزال تعاني جرَّاء هجوم إرهابي جديد. في يوم الجمعة، الموافق العشرين من نوفمبر، دخل جهاديان فندق راديسون، وأخذا ١٧٠ شخصًا رهائن، وأطلقا النار على عشرين فأردوهم قتلى. في السنوات التي أعقبت التدخل الفرنسي، كانت المجموعات المسلحة في الشمال قد أعادت تأكيد وجودها: كان عشرات من أفراد قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة قد قُتِلوا، وتسللت أعمال العنف الإرهابية إلى جنوب ووسط مالي، وغادر صحفيون أجانب البلاد بعد تلقيهم تهديدات شخصية بالقتل. وفي أعقاب الهجوم الأخير، أخذت المنظمات الدولية تسحب عامليها، وكانت البلاد في حالة طوارئ رسمية. أغلقت أكياس شركة هيسكو الرملية العملاقة مدخل القرية الحكومية، وأخذ جنودٌ يرتدون سترات واقية يفتِّشون الجوانب السفلية للمركبات بحثًا عن قنابل. كانت الشرطة تُوقِف السيارات في الشارع، وكان الحراس يمسحون أجساد ضيوف الفندق بالأجهزة اليدوية للكشف عن المعادن قبل أن يسمحوا لهم بالدخول. عندما طُلِب من أحد الدبلوماسيين أن يلخِّص الموقف الأمني، قال ببساطة: «ليس جيدًا جدًّا.»

كان حيدرة مصابًا بوعكة في ذلك الأسبوع، لكنه وافق مع ذلك على مقابلتي عدة مرات. كانت أولى هذه المقابلات في أول المساء، الذي كان أكثرَ وقتٍ يفضِّل أن يتبادل الحديث فيه، في شقته في حي باكو دجيكوروني. جلسنا، كما فعلنا من قبل مرات كثيرة، على الأرض بين الأرائك، وخاض بثقةٍ في الحديث عن الأيام الأولى للاحتلال، وهو الحديث الذي كان قد صار الآن معتادًا عليه، منحِّيًا جانبًا كالعادة الخلافات حول التفاصيل. مضينا ببطء في تفحُّص الرواية، مرورًا بعملية إجلاء معهد أحمد بابا، ووصولًا إلى مسألة المكتبات الخاصة العسيرة. عند تلك النقطة، التي واجه فيها أكبر التناقضات في القصة، بدا أن حديثه الجازم كان يشوبه زلات.

الأسطول المكوَّن من سبعة وأربعين قاربًا والعدد الهائل من سيارات الأجرة، والاتصال الهاتفي بكل واحد من الناقلين الثلاثمائة عدة مرات في اليوم، والجدول المعلق على الحائط بأسماء الأشخاص الذين كان يتعين الاتصال بهم كل بضع دقائق، سألته: «هل كان كل ذلك صحيحًا؟»

لم يردَّ بكلمة «نعم» بالضبط هذه المرة. كان الرد أقرب إلى الغمغمة قائلًا: «همممم».

سألته: وماذا عن «الفرصة السانحة» في شهر أكتوبر، التي تُوِّجَت بالعقد الذي أُبرِم في السابع عشر من أكتوبر مع صندوق الأمير كلاوس وبداية عملية إجلاء المخطوطات الخاصة في اليوم التالي؟ هل بوسعك أن تؤكد أن ذلك قد حدث؟

أجاب: «لا أعرف. لقد بدأنا في أغسطس.»

«هل كنت قد بدأت بالمكتبات الخاصة في أغسطس؟»

قال مغمغمًا: «همممم.» ثم أضاف: «لقد قمنا بالكثير من العمليات.»

«وماذا عن الفكرة — التي كانت دياكيتي قد أفصحت عنها في رسالة بريد إلكتروني إلى صندوق الأمير كلاوس — التي مفادها أنكم قد استخدمتم الطريق المسار الذي يتبع الضفة اليسرى للنهر ويمر عبر ليري بنفس القدر الذي استخدمتم به الطريق الرئيسي عبر موبتي؟ ما رأيك في ذلك؟»

«همممم.»

«ماذا عن الواقعة عند طرف بحيرة ديبو، حيث نصبت عصاباتٌ كمينًا للقوارب واحتجزت المخطوطات طلبًا لفدية، واضطُررت لدفع مبلغ من المال مقابل تحريرها. هل حدث ذلك حقًّا؟»

سعل بقوة شديدة. وقال بالفرنسية: «ينبغي أن نترك الأمر هكذا.» ثم أردف: «دعْ ذلك الأمر هكذا.»

«ماذا تعني بقولك «دع الأمر هكذا»؟»

«كفى حديثًا في هذا الأمر.»

تحوَّل مسار المحادثة إلى الأعداد. لم يكون هول وزملاؤه من الأكاديميين وحدهم مَن تشكَّكوا فيها. لم يعتقد إلا قلة من زملاء حيدرة في المجال — لم يكن من بينهم إسماعيل ومعيجا — أن هذه الكميات الهائلة من المخطوطات كانت موجودة. كان إسماعيل قد قال: «إن جمعت مخطوطات المكتبات المختلفة، كيف ستحصل على مجموع مائتي ألف مخطوطة؟ هل هذا ممكن؟» أما معيجا، الذي كان قد عمل مع مشروع «إم إل آي/٠١٥» المموَّل من لوكسمبورج، فقال إنهم كانوا قد صنعوا فهرسًا لكل المخطوطات في تمبكتو ولم يصلوا حتى إلى مائة ألف مخطوطة. فكيف يمكن لحيدرة أن يزعم أنه أجلى ٣٧٧٤٩١ مخطوطة؟

قال حيدرة إن هؤلاء الأشخاص لم يكونوا متخصصين. أما بروس هول فقد عمل بالأساس مع معهد أحمد بابا ولم يكن قد زار مالي منذ سنوات. حتى معيجا، من وجهة نظره، لم يكن متخصِّصًا. كانت التقديرات السابقة الأقل قد أُجريت قبل أن يتمكَّنوا من إجراء إحصاء صحيح.

سألته: لو كان رقم ٣٧٧٤٩١ مخطوطة خاصة صحيحًا، كيف يمكنك أن تفسِّر أنها استلزمت نحو ٢٥٠٠ خزانة لنقلها، بينما شُحِنَت مخطوطات معهد أحمد بابا البالغ عددها أربعة وعشرين ألف مخطوطة في ستٍّ وثلاثين خزانة فقط؟

قال: «هذا سؤال تسهل الإجابة عليه»، واعتدل في جلسته ورشف رشفة طويلة من زجاجة مياه. كانت المخطوطات مختلفة الأحجام. بعضها كان يتألَّف من ورقة واحدة. يمكنك أن تضع الكثير من هذه المطويات المكونة من ورقة واحدة في خزانة، ولكن لا يمكنك إلا أن تضع فيها القليل جدًّا من المخطوطات الضخمة.

قلت له إن ذلك لم يفسِّر لماذا شحنت سافاما ما متوسطه ١٥٧ مخطوطة في كل خزانة، بينما وُضِعَت ستمائة مخطوطة في كل صندوق من صناديق أحمد بابا. بذلك السُّمك، كان بمقدوره أن ينقل مليوني مخطوطة تقريبًا في ٢٥٠٠ خزانة.

قال: «لا أعرف.» ثم أضاف: «ربما كانت المخطوطات [الخاصة بسافاما] أكبر.»

في اليوم التالي التقينا في مبنى سافاما. هناك، طلبت منه أن نستعرض قائمة المكتبات الخاصة على موقع الويب الخاص بالمنظمة لنتحقق من أيها كان قد نقله وأيها لم ينقله. كانت النتائج مفاجئة. من بين مكتبات المدينة البالغ عددها خمسًا وثلاثين والمدرجة على موقع savamadci.net، زعم أنه أجلى سبع عشرة منها فقط. كانت هذه تشمل مكتبتين خاصتين كان مالكاها قد أخبراني بأن مخطوطاتهما لم تُنقَل بواسطة سافاما: مكتبة فوندو كاتي المملوكة لإسماعيل ومكتبة الإمام ألفا سالوم المملوكة لسانيه شريفي ألفا. كان يوجد المزيد من التناقضات: أخبرني عبد الحميد كونتا، صاحب مكتبة زاوية الكونتي، في مقابلتين منفصلتين أن سافاما نقلت كتبه في يونيو؛ قبل أربعة أشهر من «الفرصة السانحة». والأسوأ من ذلك، أن مالك مخطوطات آخر في تمبكتو، هو عبد الواحد حيدرة، قال إن ثلاث مكتبات خاصة رئيسية كانت قد نُقِلَت قبل التحرير بوقت طويل، فيما اعتقد أنه كان محاولة لدعم مزاعم سافاما المُبالَغ فيها.

تساءلتُ: كيف يمكن لهذا العدد المنخفض جدًّا من المكتبات، والذي لم يتضمن مستودعات بارزة مثل مكتبة الإمام الأكبر وعائلة الونجري، أن يصل إلى نسبة الإجلاء التي زعم أنها كانت بنسبة ٩٥ بالمائة؟

كان رد حيدرة أن المكتبات الأشهر ليست دومًا الأكبر.

كان قد قال لي في شقته: «لا توجد رواية واحدة فقط لعملية الإجلاء.» ثم أردف: «سيكون لدى كل شخص تأويله الخاص للأمر. بروس [هول] سيكون له رواية للأمر، ولإسماعيل رواية أخرى، ومعيجا كذلك، بينما لي أنا روايتي الخاصة. كل هذه الروايات ستكون مختلفة، ولكنها ستكون كلها صحيحة. إن اتفق الجميع على القصة، عندئذٍ بالتأكيد لن تكون صحيحة.»

•••

في أمسيتي الأخيرة في باماكو ألقى حيدرة بورقته الرابحة؛ حيث دعاني إلى جولة في المنازل الآمنة. ومجددًا كان وقت الغسق، وبينما كنَّا نعبر بالسيارة جسر الشهداء بباماكو كانت الشمس تغرب، ملقية بظلال وردية وثقيلة، في نهر النيجر. كان هذا هو وقت رياح الهرمتان، وكان التراب المضطرب بفعل هذه الرياح القوية الدافئة عالقًا فوق المدينة. قاد حيدرة السيارة بطريقة جامحة حول جنوب باماكو، مرتديًا ثوبًا برونزيًّا من القطن المشمع اللامع وطاقية كوفي متوافقة مع الثوب، ماضيًا عبر الظلام المتجمع والازدحام المروري الممتد عبر المدينة. كانت ملاحقته على الطرق الخلفية لهذه المدينة المجهولة، في مطاردة معقدة، نهاية مفاجئة لقصةٍ كانت تبدو يومًا ما واضحة.

أوقف السيارة فجأة، وترجَّل منها، متَّجهًا بمرح إلى حركة المرور البطيئة ومسرعًا الخطى في زقاق مظلم كئيب. صاح ملقيًا التحية على حرَّاسٍ يتبادلون الحديث أو يصلُّون على سجادة بالخارج دون أن يتوقف عن السير، وفتح هاتفه ليضيء به بئر سُلم ويبعد جرذًا. صاعدًا درجةً تلو الأخرى، تبعت الرجل الضخم، وكلٌّ منا يتنفس بصعوبة. سرنا عبر ممر مصمت الجدران، ووصلنا إلى بوابة أمان فولاذية، كان مفتاحها مع شخص مؤتمن، ثم دخلنا غرفة مليئة بعشرات أو مئات الخزائن، التي كان بعضها بألوان عادية، والبعض الآخر فولاذه مطلي، وبعضها مزيَّن بصور صواريخ وأشكال تجريدية مصنوعة بقوالب رسم. كانت مكدسة في كومات، وبعضها مغلق بقفل واحد، والبعض مغلق بقفلين، والبعض لم يكن له قفل على الإطلاق. وأخذ جهاز مزيل للرطوبة يصدر طنينًا.

كان من الممكن فتْح أغطية الخزائن غير المقفلة، وبداخلها كانت توجد دومًا مخطوطات، كان بعضها لا يزال في الصناديق الخالية من الأحماض التي جُلِبَت فيها إلى الجنوب، وبعضها في حافظات ملونة، والبعض الآخر ملفوف في جلود حيوانات. هنا كانت توجد مائة مخطوطة في حزمة واحدة؛ وهناك يوجد مجلد منفرد سُمكه ثماني بوصات. منقِّبًا على غير هدًى في الخلف، وصولًا إلى منتصف كومة من الخزائن، وجدت وثائق هناك أيضًا. رفعت بصعوبة غطاء خزانة مقفلة بقفل واحد، ونظرت إلى الداخل؛ فوجدت المزيد من الوثائق.

في بعض الأحيان كان انتقالنا بالسيارة بين مواقع التخزين يستغرق خمس دقائق؛ وأحيانًا كان يستغرق نصف ساعة عبر ضواحي العاصمة المالية، وكنت أميِّز أمام الأنوار الأمامية الشاحنات، ورجال الشرطة، وسيارات الجيش رباعية الدفع، وسُحُب العادم الصادرة من دراجات نارية صغيرة مارة. ها قد وصلنا لوجهة أخرى. المزيد من الخزائن، والمزيد من أرفف المخطوطات. ها هي بطاقة مطبوعة تحمل اسم مكتبة أبي بكرين بن سعيد، التي كانت تضم ٧٦١٠ مخطوطات؛ وهناك كانت توجد مخطوطات مكتبة ألفا محمد ديري، التي كانت تضم ٦٤٥٠ مخطوطة. غرفة أخرى، وحصيلة أخرى تضاف إلى المجموع الآخذ في التزايد.

الكثير جدًّا من الصناديق. والكثير جدًّا من المخطوطات. هل يمكن أن تصل كلها حقًّا إلى هذا العدد؟ كان من الصعب على نحوٍ غريب التمسُّك بالتشكك في مواجهة هذا الرجل الواثق الجذاب. ربما كان قد بالغ قليلًا؛ ولكن هل كان ذلك بالغ السوء؟ لم يبدُ أن المانحين كانوا مهتمين بالأمر. كان قد مرَّ الآن أكثر من ثلاث سنوات على عملية الإجلاء، وحتى الفريق الذي أتى من جامعة هامبورج لدراسة المخطوطات، والذي كانت حكومته قد خصَّصت تمويلًا بملايين اليوروات، لم يكن قد أجرى إحصاءً كاملًا، ولا حتى تقريبيًّا. هل كان الأمر مهمًّا حقًّا؟

كانت الصناديق الثنائية الأقفال ثقيلةً بلا شك. هل بوسع حيدرة أن يفتح واحدًا من تلك الصناديق؟ قال إنه كان قد ترك المفاتيح في الشقة. وكانت بعيدة للغاية ولم يكن بوسعه أن يعود إليها. على أية حال، كان يوجد واحد على قمة كومة هناك، ويوجد مفتاح بالفعل في قفله. لا بد أن الحراس قد تركوه بالخطأ. قال لي: انظر في الداخل هناك. ماذا ترى؟ قلت: مخطوطات!

كان الموقع الأخير منزلًا كبيرًا له حديقة مبهجة في مجمع سكني مُسَوَّر. كانت توجد بوابة دخول عريضة، وممر للسيارات مغطًّى بحجارة الرصف. في إحدى الغرف هنا كان يوجد ١٤٠ خزانة أخرى؛ فكان المجموع التراكمي الآن يزيد عن ألف خزانة، وسيُضاف المزيد في اليوم التالي. قال إن هذه الخزائن كانت لا تزال ممتلئة. وكانت كلها أيضًا لا تزال مقفلة بقفل مزدوج.

بينما كنَّا نغادر غرفة التخزين قلت له إنني أريد منه طلبًا أخيرًا. هل يمكننا أن نعود إلى الشقة معًا، ونأخذ المفاتيح، ونعود لنفتح بضعة صناديق مزدوجة القفل؟ سيكون هذا هو الإثبات النهائي الحاسم؛ وعندئذٍ نكون قد انتهينا.

أجاب قائلًا: «لا.»

كان هذا هو أول رفض صريح خلال يومين من الأسئلة الصعبة.

قال، وصوته يتعالى: «لا بد أن تثق بي.» ثم أردف: «أنت تتهمني بأنني لص! إن لديَّ كرامة. لقد كنت مريضًا، والليلة قدت السيارة في جميع أنحاء باماكو وفتحت كل شيء. لقد أريتك كل شيء. إن لديَّ كرامة. أنا لست طفلًا.»

قلت له لا أحد يتهمك بأنك لص، ولكنَّ ثمَّة أشخاصًا لا يصدِّقون أن هذا حقيقي تمامًا. يريدون دليلًا على أنه كذلك.

قال، وكان في نبرته الآن صرامة: «أولئك الأشخاص لن يصدقوا الأمر أبدًا، ولو أتيتهم بكل إثباتات العالم.» ثم أضاف: «إن الناس ينسبون إلى الآخرين كلامًا لم يصدر عنهم — بل إنهم ينسبون إلى النبي كلامًا لم يتفوه به! هذه مخطوطاتنا نحن، وليس أنتم. هذه مخطوطات مالي. إنها ملكنا! ليست ملككم أنتم!»

قلت له: «إذن أنت لن تفتح الصناديق المغلقة؟»

«لا، لن أفعل.»

لم يكن لديَّ المزيد من الأسئلة. ولم يكن يوجد أي شيء آخر يمكن رؤيته. بعد ذلك أقدم حيدرة على تصرُّف مفاجئ. اقترب مني فجأة وجذبني إلى الداخل، آخذًا ذراعي تحت عضلات ذراعه الضخمة، وممسكًا يدي بيده في عناق غير متوقع، وابتسم. هل كان يطلب غفرانًا؟ أو رأفةً؟

مشينا وهو قابض عليَّ بهذه الطريقة في الممر المضاء بإضاءة خافتة، نحو الباب الأمامي، وخرجنا إلى الحديقة، بأزهارها الاستوائية وأصوات صراصير الليل، إلى حيث كان مساعدوه وسائقه ينتظرون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤