الفصل الخامس

القاعدة تهب للإنقاذ

أبريل ٢٠١٢

مع شروق شمس يوم الإثنين جاء موكب جديد من السيارات من الشرق. وتقدَّم على طول الشارع الرملي الذي امتد مارًّا بمنزل إسماعيل، واصطبغت ألوان الصحراء القاتمة بألوان شاحنات التويوتا، وعلى كلٍّ منها مدفع رشاش محمول في الخلف إلى جانب حفنة من الرجال الذين أخذوا يتمايلون. وعلى خلاف السيارات التي كان إسماعيل قد رآها في اليوم السابق، سلكت هذه السيارات الطريق بتأنٍّ. وأثناء مرورها استطاع أن يرى أنه بدلًا من أن ترفع راية الحركة الوطنية لتحرير أزواد ذات الألوان المتعددة حملت أعلامًا سوداء منقوشًا عليها باللون الأبيض حروفٌ عربية. مضى القادمون الجدد إلى معسكر الجيش وأوقفوا سياراتهم عند راية الحركة الوطنية لتحرير أزواد ذات الألوان المتعددة وأحرقوها قبل أن يستبدلوا بها علَمَهم المستطيل الأسود. كان مكتوبًا على أعلامهم «لا إله إلا الله».

بحلول الساعة العاشرة صباحًا رنَّ هاتف جانسكي. كانت مجموعةٌ من القادمين الجدد قد توقَّفت أمام المسجد بالقرب من نُصُب شعلة السلام عند الطرف الشمالي الغربي للمدينة، حسبما قيل له، لذا ركب سيارته ليذهب ليرى مَن كانوا. سالكًا الطريق الدائري مرَّ بمجموعة من قادة المتمردين يقودون عرباتهم في الاتجاه الآخر. رنَّ هاتفه مجددًا. كانت مجموعة أخرى قد وصلت عند المستشفى. فاتجه جنوبًا.

كان من شأن قائمة الجهاديين الذين وصلوا إلى تمبكتو في ذلك اليوم أن تمثِّل عددًا من أهم «المجرمين المطلوبين» على مستوى العالم. كانت تضم اثنين من كبار قادة تنظيم القاعدة: يحيى أبو الهمام، «أمير إمارة الصحراء»، ومختار بلمختار، أمير كتيبة الملثمين في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. كان كلاهما في العقد الرابع من عمرهما، وكانا من قدامى المحاربين في الحرب الأهلية الجزائرية وكان قد حُكِم عليهما بالإعدام غيابيًّا، وبحلول عام ٢٠١٥ ستُوضع مكافأة قدرها ٥ ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض على أيٍّ منهما أو قتله. كان يُشاع أن الهمام كان متورطًا في قتل رهينة فرنسية في الثامنة والسبعين من عمره في النيجر، بينما كان بلمختار — الذي كان من قدامى المحاربين في أفغانستان والذي عُرف بمجموعة من الألقاب المتنوعة التي تشمل «الأعور» و«صعب المنال» — مطلوبًا في سلسلةٍ من جرائم القتل والخطف.

لكنَّ هذين الرجلين سيلعبان أدوارًا ثانوية في مستقبل المدينة، مقارنةً برجلين آخرين وصلا إلى تمبكتو في ذلك اليوم: عبد الحميد أبو زيد وإياد آغ غالي. كان أبو زيد هو الآخر من قدامى المحاربين في الحرب الجزائرية، وكان أكبر سنًّا من الآخرين، وأكثر ما كان يميِّزه هو قِصَر قامته: كان طوله حوالي خمسة أقدام. كان «الأمير القصير» نجمًا صاعدًا في تنظيم القاعدة لبلاد المغرب الإسلامي بفضل الأموال التي كان قد اكتسبها من عمليات الخطف، مما أدى إلى أن يحصل التنظيم على ملايين اليوروات. وقيل إنه يحتفظ بأمواله مدفونة في مكانٍ سري في الصحراء، وإنه شُوهد وهو يدفع لمقاتليه أجورهم بأوراقٍ نقدية جديدة من عملة اليورو. وربما يكون أبو زيد قاسيًا لا يرحم — في عام ٢٠٠٩ قتلت كتيبة الجهاديين التابعة له رجلًا بريطانيًّا، هو إدوين داير، الذي كان قد وقع في الأسر بالقرب من تمبكتو — وأينما كان يذهب، كان رهائنه الغربيون يُربطون بالقرب منه. وعلى الرغم من ثرائه عاش حياة تقشف، وكجهادي صالح كان يحمل بندقيته الكلاشينكوف في جميع الأوقات. كان يتكلم بهمهمة قيل إنها مستوحاة من نبرة بن لادن الناعمة. وكان يشرب الكوكاكولا ويستمتع باللبن الممزوج بالأرز والبلح.

أما آغ غالي فكان من نفس عشيرة الطوارق التي كان منها محمد آغ ناجم. ومثل آغ ناجم. كان قد انضم إلى عسكر القذافي في ريعان شبابه لكنه عاد إلى مالي في ثمانينيات القرن الماضي ليشق طريقه العملي كأحد الثوار. كانت له لحية سوداء ووجه طفولي، ومع أنه فيما مضى كان يستمتع بالويسكي والموسيقى، أصبح منذ ذلك الحين متطرفًا. ذكر دبلوماسي أمريكي في تحليل له أنه ألقى بظلال كئيبة على شمال البلاد وكان يعاود الظهور «مثل القرش الرديء الذي يُضرَب به المثل» ليأخذ حصته كلما دُفِعَت فدية. كانت قدرته على أن يلعب كلا الدورين خرافية: أرسلته الحكومة المالية ذات مرة ممثلًا لها في المملكة العربية السعودية، لكنه طُرِد لصِلاته بتنظيمات دينية متطرفة. وعندما رُفِض عرضه لقيادة الحركة الوطنية لتحرير أزواد، استحدث جماعةً جهادية جديدة تُسمَّى أنصار الدين، وأدت هذه الجماعة دور جناح محلي لتنظيم القاعدة. في ذلك اليوم، كان في تمبكتو لاختطاف انتصار الحركة الوطنية لتحرير أزواد.

في الساعة الثامنة صباحًا، ذهب القاضي لرؤية زميل له، وقررا أن يذهبا إلى المدينة على دراجة القاضي البخارية الصغيرة لمعرفة ما يحدث. في السوق الصغير شاهدا شاحنتي تويوتا تتوقفان بجوار مسجد صغير. كانت كل واحدة منهما مكدَّسة برجال مسلحين يضعون عمائم تنحدر أذيالها إلى خصورهم، وفي الشاحنة الأمامية كان يوجد رجل ذو أسنان لامعة مميزة ولحية مصبوغة بالحنة والذي تعرَّف عليه القاضي بأنه عمر وِلد حماها. كان حماها، الذي كان معروفًا لمعظم الأشخاص باسم «ذو اللحية الحمراء»، من أهل تمبكتو وقائدًا جهاديًّا.

قال حماها للناس المحتشدين في السوق بلغة فرنسية جيدة: «تعالوا، تجمَّعوا حول السيارة»، بينما قفز مقاتلوه لينزلوا من الشاحنتين الرباعيتي الدفع ليجلبوا الناس إليه. ثم أضاف: «لم نأتِ لنقتلكم.» وأردف: «جئنا باسم الإسلام.»

عندما اجتمع حشد من الناس، بدأ حماها يشرح مهمتهم.

قال إنهم لا يسعون إلى الاستقلال عن مالي، ولا يريدون أن يتسببوا في إلحاق أي أذًى بالناس. لقد كانت تمبكتو يومًا ما مدينة إسلامية عظيمة، وهم ببساطة يريدون لها أن تعود عظيمةً مجددًا. المشكلات التي كان الناس يعانون منها — الفقر، والبطالة، والتعاسة — وُجِدَت لأنهم كانوا قد ضلوا عن شريعة الله. أما الآن، وأنَّ الله قد أتاح لهم أن يحتلوا المدينة، فإن مشيئته سبحانه هي أن يكفلوا أن تعيش تمبكتو تبعًا لشريعة الإسلام.

بعد خطبته، تلقى الأسئلة، وعندما انتهى من الرد عليها، ابتعد مسافة قصيرة وبدأ رجاله يحشدون جمهورًا جديدًا. استمر على هذا النحو معظم اليوم، وفعل جهاديون آخرون نفس الأمر، حتى تُنقَل رسالتهم إلى الناس.

لم يمضِ وقت طويل حتى أصبح يغلب على جلسات الأسئلة والأجوبة هذه شكاوى حول عمليات النهب. استمع الجهاديون. ثم بدءُوا يوزِّعون أرقام هواتف يمكن لأصحاب المظالم أن يتصلوا بها، ومن ذلك الحين فصاعدًا، كلما واجه أي شخص مشكلة مع الحركة الوطنية لتحرير أزواد — عندما كانت سيارة أحدهم أو دراجته البخارية تُؤخذ أو يُنهَب متجره — كانوا يتصلون بالجهاديين، وإذا كانت الأغراض المسروقة أملاكًا خاصة، كان من شأن الجهاديين أن يأمروا أفراد الحركة الوطنية لتحرير أزواد بإعادتها. تذكَّر سانيه شريفي ألفا، صديق حيدرة منذ الطفولة والرئيس السابق لهيئة السياحة في المدينة، قائلًا: «قال أفراد جماعة أنصار الدين إن نَهْب الأشخاص العاديين لم يكن أمرًا مقبولًا.» وأضاف: «إن كان الأمر ضد الدولة، فهذا مقبول، ولكن إن كان ضد مواطنين عاديين، فلا يحق لهم فعله. وفي كل مرة كان شخصٌ ما يستولي على ملكية خاصة، كان أفراد جماعة أنصار الدين — وعناصر من تنظيم القاعدة أيضًا — يأخذون على عاتقهم أمر إعادتها».

كانت بعض الأصول الحيوية المملوكة للدولة محمية هي الأخرى. كانت المدينة في وضع «كارثي» بعد عمليات النهب، حسبما قال المتحدث باسم جماعة أنصار الدين، سندة وِلد بوعمامة، لذا بادروا إلى محاولة إصلاح ذلك. تأكدوا من تأمين المرافق — وفي ذلك إمدادات المياه، ومحطة كهرباء شركة طاقة مالي، ومعدات الاتصالات — بالإضافة إلى راديو بوكتو والمستشفى. وفي ليلة يوم الأحد كان رئيس هيئة الخدمات الصحية في تمبكتو قد تلقَّى اتصالًا هاتفيًّا من أحد مساعديه الذي أخبره بأنه لم يَعُد لديه مكتب: كان قد نُهِب وأُتْلِف. وفي صباح يوم الإثنين ذهب آغ غالي إلى المستشفى بنفسه وسأل اختصاصي الصحة عما كان ناقصًا. كانت السيارات، وفي ذلك عربات الإسعاف، قد سُرِقَت، بالإضافة إلى الآلات واللوازم الطبية، لذا أحضر آغ غالي شاحنتين ليُستعاض بهما عنها.

بعد موجة التدمير التي كانت قد اجتاحت المدينة يوم الأحد، أُعجِب الناس بذلك. تذكَّر ديادي قائلًا: «كانوا بمثابة أطباء نفسيين، وعرفوا كيف يكسبون رضا الناس.» ثم أضاف: «بدءُوا بالإصغاء. وإذا كان ثمَّة أناس محبطون، أو أناس قد سُرقت أشياؤهم، كان من شأنهم أن يصلحوا ما حدث ويحاولوا شراء احترامهم.» واعترف جانسكي نفسه بأن آغ غالي كان «زعيمًا.»

ومع ذلك لم يكن النهب قد توقَّف كليًّا، وفي وقتٍ لاحق في يوم الإثنين ذهب كبراء المدينة لرؤية آغ غالي ليشتكوا له: كانت بيوت العائلات لا تزال تتعرَّض للاقتحام، حسبما قالوا، وكانت الأشياء تتعرض للسرقة أو التدمير. في تلك اللحظة، أمر زعيم جماعة أنصار الدين أفراد الحركة الوطنية لتحرير أزواد بالخروج عن وسط المدينة بالكامل. ومنذ ذلك الحين فصاعدًا، أمسك مقاتلوه الجهاديون بزمام الأمور في المدينة، بينما أصبحت الأحياء الجنوبية، وفي ذلك المطار وضفة النهر، هي نطاق سيطرة أفراد الحركة الوطنية لتحرير أزواد العلمانيين. قال سانيه شريفي ألفا: «كان لأفراد الحركة الوطنية لتحرير أزواد الحق في أن يأتوا وينجزوا شئونهم هنا، وأن يشتروا احتياجاتهم، ولكن لم يكن مسموحًا لهم بالبقاء في المدينة بعد الساعة الثامنة مساءً.» وعندما كانوا يأتون إلى المدينة، كان يتعيَّن عليهم أن يأتوا دون أسلحة أو أعلام، في سيارات بدون مدافع.

ومع ذلك، كان من شأن تمبكتو أن تدفع ثمن حماية آغ غالي لها. ففي مساء ذلك اليوم، دعا زعيم جماعة أنصار الدين الأئمة للمجيء إلى معسكر الجيش ليشرح لهم أنهم «سيقاتلون حتى الموت» أولئك الذين أرادوا أن يتحدثوا عن إقامة جمهورية علمانية — بعبارة أخرى، الحركة الوطنية لتحرير أزواد — وحدد متطلبات النظام الديني في الحاكم الجديد.

أُذيعَت تفاصيل فلسفة آغ غالي السياسية على راديو بوكتو في وقتٍ لاحق من ذلك الأسبوع. بدأ بالاستشهاد بحديثٍ محل خلاف يُزْعَم فيه أن النبي محمد قال: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة.» وقال إن جماعة أنصار الدين ليست جماعةً عرقية أو قبلية أو عنصرية، وإنما جماعة إسلامية تعادي الكفار والمشركين. وأضاف أن معاناة المسلمين كانت جراء قوانين اليهود والنصارى:

ﻻ يخفى على أحدٍ حجم المعاناة التي يعاني منها مجتمعنا المسلم، ومن أعظم ذلك تعطيل الشريعة اﻹسلامية، التي أكرمنا الله بها، واستبدال القوانين الوضعية المستوردة من اليهود والنصارى وأتباعهم بها، وقد نشأ عن ذلك من الظلم والعدوان والفسوق والعصيان والفقر والحرمان ما ﻻ يعلمه إلا الله.

وتابع يقول، إنه لهذه الأسباب:

اجتمع إخوانكم من المجاهدين ومن جماعة أنصار الدين وتعاهدوا على نصرة الحق وإقامة الدين ورفع الظلم عن المظلومين، وجمع شمل المسلمين، وتوحيد كلمتهم على كلمة التوحيد، ﻻ إله إلا الله، محمد رسول الله .

من أجل النجاح في مسعاه، طلب آغ غالي ثلاثة أشياء من أهل تمبكتو. أولًا، دعا «شرائح المجتمع المسلم كافة إلى إعانتنا على إقامة الدين»، ونشر العدل والأمن والحكم بين الناس بالقسط، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثانيًا، قال: «ندعو إخواننا التجار» إلى مواصلة إمداد المدينة بالمواد الغذائية الأساسية والوقود والأدوية؛ لأن «الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.» وأخيرًا، يتعين على الناس كافة، وخاصة «أصحاب الكفاءات والقدرات» الوقوفُ مع المجتمع، وإفادة الناس، بكل ما أمكن من دعمٍ مالي أو تطوُّع؛ إذ إنه مكتوب في القرآن الكريم:

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.

في مساء يوم الإثنين، بدأت تمبكتو أول ليلة لها في ظل الشريعة الإسلامية.

•••

لقي وصول الجهاديين ارتياحًا لدى حراس المخطوطات. فقد ظنوا أنه مهما كانت الأفكار الغريبة التي كانت لدى هؤلاء الناس عن العقيدة الإسلامية، فإنهم بالتأكيد لن يمثلوا تهديدًا لما كان، في نهاية المطاف، في معظمه نصوصًا إسلامية. بل إنهم حتى ربما يساعدون في حمايتها من اللصوص.

كان عبد الله «إير مالي» شاباني — الذي كان رجلًا بدينًا، ولُقِّب تيمنًا بالخطوط الجوية الوطنية في الماضي بسبب سرعته في ملعب كرة القدم — جالسًا قبالة مبنى معهد أحمد بابا الجديد في سانكوري صباح يوم الإثنين عندما رأى سيارتين تتوقفان أمام المبنى والعديد من الرجال المسلحين يدخلونه. بعد لحظة تفكير وقف ولحِق بهم. في داخل المجمع، رأى شابين في الدور الأرضي والعديد من الشبان الآخرين في المكاتب بالأعلى، وكلهم مسلحون، وفكَّر في أنه من الحكمة أن يغادر. وبعدما عاد ليجلس خارجًا، سمع كثيرًا من الصياح آتيًا من المبنى، وسرعان ما عاود الرجال الظهور، وهم يحملون حقيبةً بلاستيكية مليئة بالأسلاب. شاهدهم يصعدون إلى سياراتهم ويمضون بها مبتعدين.

بعد ساعة، وصلت مجموعةٌ أخرى، في شاحنة صغيرة عليها علم أسود. كان قائدهم رجلًا ملتحيًا بدينًا وبدا أجنبيًّا. اقترب إير مالي منه وقال له إن «المهووسين» كانوا قد جاءوا وزاروا المكان. كان قد سمع قدْرًا كبيرًا من الجلبة لكنه لم يعرف ماذا فعلوا. سأله الجهادي: «هل ما زالوا هناك؟» عندما أجاب إير مالي بالنفي، قال القائد إنهما ينبغي أن يدخلا معًا.

في الداخل، وجدا المكاتب محطمة والنوافذ مكسورة. فكَّر إير مالي في أنه لا بد أن الرجال كانوا يفتشون عن مبالغ نقدية؛ لأنه كانت توجد هواتف محمولة ملقاة على الأرض في أنحاء المكان، ولكنهم لم يهتموا بأخذها. وبدا أيضًا أنهم قد حاولوا فتح الخزينة، ولكن لم يحالفهم النجاح.

سأله القائد: «أين العاملون؟»

قال إير مالي: «ذهبوا.» ثم أردف: «لاذوا بالفرار.»

صرَّح القائد بجدية بأنه يجب الحفاظ على المركز؛ لأنه كان يضم تاريخ الناس؛ فقصص آبائهم وأجدادهم كانت كلها محفوظة هنا. وسأل إير مالي إن كان يعرف أيَّ أحد يمكنه أن يأتي ليقيِّم الضرر اللاحق.

شعر إير مالي بارتياحٍ يغمره: بدا له أنه يمكن حمل الجهاديين على أن يفهموا. وحتى إن كان كل شيء آخر قد تعرَّض للنهب، فيمكن على الأقل إنقاذ هذا المكان. اتصل هاتفيًّا بمدير حسابات المعهد وشرح له الأمر. في أول الأمر قال إنه لا يستطيع القدوم، ولكن إير مالي ألحَّ عليه، ووصل المدير في عصر ذلك اليوم وجرد المحتويات. قال إنه ينبغي نقل كل الأشياء القيمة الباقية إلى مكان آمن؛ أجهزة الكمبيوتر، والأثاث — كل شيء عدا المخطوطات. كانت المخطوطات في مكانٍ آمن ولن تُنقَل إلى أي مكان. على أي حال، لقد أظهر اللصوص آنفًا أنهم لم يكونوا مهتمين بأخذها.

عندما أُجري الجرد، أعطى المدير قائمةً بالأغراض المفقودة للجهاديين، الذين قالوا إنهم سيتحرون الأمر. وأضافوا أنهم سيرسلون أشخاصًا في اليوم التالي لحراسة المبنى.

مرت عدة أيام، ولكن لم يأتِ أحد.

في تلك الأثناء أمضى إسماعيل ديادي حيدرة جُلَّ يوم الإثنين في مكتبة فوندو كاتي الخاصة به، منتهيًا من مهمة نقل مخطوطاته. وفي عصر ذلك اليوم كان جالسًا تحت الشجرة التي في فناء منزله مع أحد أصدقائه عندما توقفت سيارة في الخارج. كان يوجد خمسة رجال مسلحون في الخلف واثنان في الأمام، واستعلم قائدهم عن المسئول عن المنزل. وقبْل أن يتمكن إسماعيل من الكلام، قال صديقه إن المدير لم يكن موجودًا.

قال: «لقد ذهب إلى باماكو.» ثم أضاف: «لاذ بالفرار.»

تساءل المتمرد: «ما هذا المكان؟» ثم أردف: «هل هو مكتب؟»

«كلا، إنها مكتبة.»

«ماذا يوجد في داخل هذه المكتبة؟»

«كتب. مصاحف.»

قال الرجل: «حسنًا.» ثم أردف: «إن كانت مصاحف، فلن يلمسها أحد إلى أن يعود مالك المكان.»

انطلقت الشاحنة الصغيرة مغادِرةً. وعلى بُعد خمسين ياردة في الشارع توقَّفت ورجعت للوراء، ونزل الجهادي منها وذهب ليخاطب الرجل الذي كان يملك المتجر المجاور. ظن إسماعيل أنهم كانوا يحاولون التحقق مما قاله صديقه.

قال إسماعيل لرفيقه: «يجب أن نظل هادئَين.» ثم أضاف: «أنا الذي سأتحدث إن سألنا مجددًا.»

اشترى الجهاديون بضعة أشياء من المتجر، من ضمنها السكر والشاي، ثم عادوا. تذكَّر إسماعيل قائلًا: «لقد كانت لحظةً حساسةً وصعبة للغاية.» ثم أردف: «كانوا على مسافةٍ لا تزيد عن خمسة أمتار من المكتبة.»

قال قائدهم: «أنا أعرفكما الآن، أنتما الاثنان، لقد رأيتكما.» ثم أردف: «إن حدث شيء لهذا المنزل، فسآتي بحثًا عنكما.»

قال إسماعيل: «لا مشكلة.» ثم أضاف: «الجميع هادئون. ولن يلمس أحدٌ أي شيء هنا.»

بعدما غادر الرجال، استدار صديق إسماعيل نحوه مخاطبًا إياه. وقال: «سيرجع أولئك الأشخاص مرة أخرى.» ثم أضاف: «يجب أن ترحل عن هنا. اترك هذه المدينة، لأنك معروف؛ الجميع يعرفونك. في النهاية سيأتون للبحث عنك.»

قال إسماعيل: «ربما.» ثم أضاف: «أجل.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢