الفصل الثاني

أبدى العجوزُ سُرورًا لمِثل هذا الطلب؛ فتنحنح وبدأ في الحديث.

«قبل عشرين أو ثلاثين عامًا، كانت قِصَّتي تلقى إقبالًا كبيرًا، أما في هذه الأيام، فلا أحدَ يبدو مُهتمًّا …»

صاح هير-ليب مُحتدًّا: «ها أنت ذا مُجدَّدًا! كُفَّ عن هذا الكلام الغريب وتحدَّث بكلامٍ مفهوم. ما معنى «مُهتم»؟ إنك تتحدَّث كطفلٍ لم يتعلم الكلام.»

تحدَّث إليه إدوين مُنبِّهًا: «دعْه وشأنه، وإلا فسيغضَب ولن يتحدَّث على الإطلاق. تجاهل الأجزاء الغريبة. سوف نفهم بعض ما يُخبرنا به.»

كان العجوز قد بدأ بالفعل في الغمغمة بشأن عدَم احترام كبار السن، وارتداد جميع البشر إلى الهمجية بعد أن سقطوا من علياء الحضارة إلى تلك الحالة البدائية؛ فشجَّعَه هو-هو على الحديث قائلًا: «أخبِرْنا بالقصَّة أيُّها الجدُّ.»

وبدأت القصة.

«كان هناك الكثير جدًّا من البشر في تلك الأيام. سان فرانسيسكو وحدَها كان بها أربعة ملايين …»

قاطعَهُ إدوين قائلًا: «ما هي الملايين؟»

نظر إليه الجدُّ بعطفٍ وقال: «إنني أعرِف أنك لا تستطيع العدَّ بعْدَ العشرة؛ لذا سوف أُخبرك. ارفع يدَيك الاثنتَين. أنت تملك فيهما عشرة أصابع. حسنًا، الآن سوف آخُذ هذه الحبَّة من الرمل، أمسِكْها أنت يا هو-هو.» وضَعَ حبَّة الرمل في راحة الفتى وواصل حديثَه قائلًا: «الآن حبَّة الرمل هذه تُمثل أصابع إدوين العشرة. سأضيف حبَّة رملٍ أخرى، وهذا معناه أني أضيف عشرة أصابع أخرى، ثم أُضيف حبة رملٍ ثالثة، ثم حبَّة رابعة، ثم حبة خامسة، إلى أن يُصبح عدد حبَّات الرمل مُساويًا لعدد أصابع إدوين العشرة. وهذا يُساوي ما سأُطلق عليه مائة. تذكروا هذه الكلمة: مائة. والآن، سأضع هذه الحصاة في يدِ هير-ليب، وهي تُمثل عشر حبَّاتٍ من الرمل أو عشر عشراتٍ من الأصابع أو مائة إصبع. أضع عشر حصوات، وهي تُمثل ألف إصبع. آخذُ صدفةَ محار، وهي تُمثل عشر حصوات أو مائة حبَّةٍ من الرمل أو ألف إصبع …» وهكذا بالكثير من الجُهد والكثير من التكرار، حاول أن يُشكِّل في عقولهم تصوُّرًا أوليًّا للأعداد. ومع زيادة الكميات، كان يطلب من الصِّبية أن يحملوا كمياتٍ مختلفة في أيديهم. وعند تمثيل الكميات الأكبر، كان يضع الرموز على قطعةٍ من الخشب الطافي، وقد واجه بعض الصعوبة في إيجاد هذه الرموز؛ فاضطُرَّ إلى استخدام الأسنان المُستخرجة من الجماجم لتمثيل الملايين، وأصداف السلطعون لتمثيل المليارات. وقد توقف عند هذا الحد؛ إذ بدأت علامات الإرهاق تظهر على الصِّبية.

كان هناك أربعة ملايين من البشر يعيشون في سان فرانسيسكو، أي أربعة أسنان.»

راحت عيون الصبية تجُول من الأسنان ومن يدٍ إلى يد، ومن الحصى وحبَّات الرمال إلى أصابع إدوين. وهي تعود لتجُول مرة أخرى في المجموعة بترتيبٍ تصاعُدي في محاولةٍ لاستيعاب مثل هذه الأعداد التي لا يمكن تخيُّلها.

وأخيرًا جازف إدوين قائلًا: «ذلك عددٌ كبير من البشر أيُّها الجدُّ.»

«مثل هذه الرمال الموجودة على الشاطئ هنا، كل حبَّة من الرمل قد تكون رجلًا أو امرأة أو طفلًا. أجل يا ولدي، كل هؤلاء البشر كانوا يعيشون هنا في سان فرانسيسكو. وفي وقتٍ ما، كان جميع البشر هؤلاء يأتون إلى هذا الشاطئ؛ فكان عدد البشر يزيد عن عدد حبَّات الرمال. كانوا أكثر منها بكثير. وقد كانت سان فرانسيسكو مدينةً رائعة. وعلى الجهة المُقابلة من الخليج، حيث خيَّمنا العام الماضي، كان يعيش عددٌ أكبر من البشر في تلك المدينة التي تبعُد كثيرًا عن بوينت ريتشموند، على الأرض المُستوية وعلى التلال، وصولًا إلى سان ليندرو، كانت تمتدُّ تلك المدينة العظيمة التي يعيش بها سبعة ملايين من البشر. سبعة أسنان … هكذا، أي سبعة ملايين.»

ومرةً أخرى راحَتْ عيون الصِّبية تجُول صعودًا وهبوطًا من أصابع إدوين إلى الأسنان الموجودة على قطعة الخشب.

«كان العالمُ مليئًا بالبشر. فقد بلغ التعداد السُّكاني في عام ٢٠١٠ ثمانية مليارات نسمة في العالم بأكمله؛ أي ثمانية من أصداف السلطعون، أجل ثمانية مليارات. لم تكن الحال كما هي عليه اليوم. لقد كان البشر يعرفون أكثر مِنَّا بكثيرٍ عن كيفية الحصول على الغذاء. وكلما زاد الغذاء، زاد عدد البشر. في العام ١٨٠٠، كان يقطن أوروبا وحدَها مائة وسبعون ألف نسمة. وبعد ذلك بحبَّة واحدة من الرمل يا هو-هو، أي بعد مائة عام، كان يقطن أوروبا خمسمائة مليون نسمة، أي خمس حبَّاتٍ من الرَّمل يا بُني، زائد هذه السِّنِّ أيضًا. إنَّ هذا يوضح مدى سهولة الحصول على الغذاء في ذلك الوقت، والزيادة الكبيرة في عدد البشر. وفي عام ٢٠٠٠، كان هناك مليار وخمسمائة مليون نسمة في أوروبا. وقد كان الأمر كذلك في بقية أنحاء العالم. ثمانيةٌ من أصداف السلطعون، أجل، كان هناك ثمانية مليارات نسمة يعيشون في العالم حين بدأ الطاعون القرمزي.

كنتُ شابًّا في السابعة والعشرين حين حلَّ الطاعون، وكنتُ أعيش على الجانب الآخر من خليج سان فرانسيسكو، في بيركلي. أتتذكَّر يا إدوين تلك المنازل الحجرية الكبيرة التي رأيناها حين هبطنا التلال من كونترا كوستا؟ ذلك هو المكان الذي كنتُ أعيش فيه، في تلك المنازل الحجرية. وكنتُ أستاذًا في الأدب الإنجليزي.»

figure
«كنت أستاذًا في الأدب الإنجليزي.»

لقد كان الجزء الأكبر من هذا الحديث مُعقدًا بالنسبة إلى الصِّبية، لكنهم كانوا يُجاهدون من أجل أن يفهَموا حكاية الماضي وإنْ كان ذلك بصورةٍ ضبابية مُشوَّشة.

سأل هير-ليب: «فيمَ كانت تُستخدَم المنازلُ الحجرية؟»

«أتتذكَّر حين علَّمك أبوك السباحة؟» أومأ الصبيُّ برأسه. «حسنًا، في جامعة كاليفورنيا — هذا هو الاسم الذي كُنَّا نُطلقه على هذه المنازل — كُنَّا نُعلِّم الفتيان والفتيات التفكير، مثلما علَّمْتُكم للتوِّ بالرمال والحصى والأصداف، عددَ البشر الذين كانوا يعيشون في تلك الأيام. لقد كان هناك الكثير جدًّا مما نُعلِّمه. هؤلاءُ الفتيان والفتيات، كُنا نُسمِّيهم طلَّابًا. وقد كان لدَينا غُرف كبيرة نُعلِّمهم فيها. كنتُ أتحدث إلى أربعين طالبًا أو خمسين في كلِّ مرة، مثلما أتحدَّث إليكم الآن. وكنتُ أحدثهم عن الكُتب التي كتبَها آخرون في عصورٍ سبقَتْ عصرهم، وحتى في عصرهم في بعض الأحيان …»

تساءل هو-هو: «أكان هذا كلَّ ما كنتَ تفعله؟ تتحدث وتتحدث وتتحدث فحسب؟ مَنْ كان يصطاد لك اللحم؟ ويحلب الماعز؟ ويصيد الأسماك؟»

«هذا سؤالٌ وجيه يا هو-هو، سؤالٌ وجيه. مثلما قلتُ لكم، لقد كان الحصول على الطعام سهلًا للغاية في هذه الأيام. لقد كُنا حُكماءَ جدًّا. عددٌ قليل من البشر كانوا يُوفِّرون الطعام لعددٍ كبير منهم، أما البشر الآخرون، فقد كانوا يفعلون أشياء أخرى. لقد كنتُ أتحدَّث مثلما تقول، كنتُ أتحدث طوال الوقت. ولهذا؛ كنتُ أحصل على الطعام، الكثير من الطعام، الطعام الجيد، الطعام الجميل، الطعام الذي لم أتذوَّقْه على مدى سِتِّين عامًا، ولن أتذوَّقَه مرةً أخرى. أحيانًا أُفكِّر أنَّ الإنجاز الأروع الذي حقَّقتْهُ حضارتنا الضخمة، هو الطعام؛ وفْرتُه التي لا تُصدَّق، وتنوُّعُه غير المحدود، ومذاقه الرائع. آهٍ يا أحفادي! لقد كانت الحياة حياةً بحقٍّ في تلك الأيام، حين كان لدَينا تلك الأشياء الرائعة لنأكُلها.»

كان ذلك الحديث أكبر من قُدرة الصبية على الاستيعاب، وهم لم ينتبهوا كثيرًا للكلمات ولا للأفكار باعتبارها محْض شرودٍ من العجوز الخَرِف في القصة.

«كان هؤلاءُ الأشخاص الذين يحصُلون لنا على الطعام يُسمَّون «الرجال الأحرار.» وقد كانت تلك مُزحة؛ فنحن — الطبقات الحاكمة — كُنَّا نمتلك الأرض بأكملها والآلات وكلَّ شيء. هؤلاء الأشخاص الذين كانوا يحصُلون على الطعام عبيدٌ لنا. كُنَّا نأخذ كلَّ الطعام الذي يحصلون عليه تقريبًا، ولا نترُك لهم إلا القليل جدًّا ليأكلوه ويتمكنوا من العمل ويُحضروا لنا المزيد من الطعام …»

تحدَّث هير-ليب: «أما أنا، فقد كنتُ سأذهب إلى الغابة وأحضر الطعام لنفسي، وإذا حاول أحدُهم أن يأخذه منِّي، كنتُ سأقتله.»

ضحكَ العجوز.

«ألم أقُل لك إننا — أفراد الطبقة الحاكمة — كنا نمتلك الأرض كلَّها والغابة كلَّها وكلَّ شيءٍ؟ وفي حال أخفقَ أيٌّ من جالبي الطعام في إحضاره لنا، كُنا نُعاقبه أو نضطرُّه إلى الموت جُوعًا. وقد كان عدد قليل للغاية هم الذين يفعلون ذلك. فقد كانوا يُفضِّلون أن يُحضروا لنا الطعام ويصنعوا لنا الملابس، ويُهيِّئوا لنا ألفًا — أي صدفة محارٍ يا هو-هو — من المباهج والرَّغبات. وقد كنتُ أنا في تلك الأيام، البروفيسور سميث، البروفيسور جيمس هوارد سميث. وقد كانت مُحاضراتي شهيرةً للغاية، بمعنى أنَّ الكثير جدًّا من الفتيان والفتيات كانوا يُحبُّون أن يستمعوا إليَّ وأنا أُحدثهم عن الكُتب التي كتبَها آخرون.

كنتُ سعيدًا للغاية، وكان لديَّ الكثيرُ من الأشياء الجميلة التي آكُلها. وقد كانت يدايَ ناعمتَين لأنني لم أكن أعمل بهما، وكان جسدي نظيفًا بأكمله ومُغطًّى بأنعم الثياب …»

وراحَ ينظُر إلى جِلد الماعز الجرِب الذي يرتديه باشمئزاز.

«لم نكن نرتدي مثل هذه الأشياء في تلك الأيام. حتى العبيد كانوا يرتدون ثيابًا أفضل. وقد كُنا في غاية النظافة. كُنا نغسل وجوهنا وأيدينا عدة مراتٍ في اليوم الواحد. أنتم أيُّها الصبيان لا تغتسلون أبدًا إلا أنْ تسقطوا في المياه أو تذهبوا للسباحة.»

ردَّ عليه هو-هو: «وكذلك الحال بالنسبة إليك أيُّها الجَد.»

«أعرفُ، أعرفُ، إنني عجوزٌ قذِر، لكنَّ الزمن قد تغيَّر. لا أحدَ يغتسل هذه الأيام؛ فلم تعُد تتوافَر الأدوات التي تُستخدَم لذلك الغرَض. إنني لم أرَ قطعةً من الصابون منذ سِتِّين عامًا.

figure

إنكم لا تعرفون ما هو الصابون، وأنا لن أُخبركم؛ لأنني أحكي لكم قصَّة الطاعون القرمزي. إنكم تعرفون الإعياء، لقد كنا نحن نُسمِّيه بالمرَض. والكثير من الأمراض كان سببُه ما كُنا نُطلق عليه الجراثيم. تذكَّروا هذه الكلمة: الجراثيم. الجرثومة هي شيءٌ صغير للغاية. إنها تُشبِه قُراد الغابة، ذلك الذي تجدونه في الكلاب في الربيع حين تركضُ في الغابة، لكنَّ الجراثيم صغيرةٌ للغاية. إنها صغيرة جدًّا حتى إنكم لا تستطيعون رؤيتها …»

انفجر هو-هو في الضحك.

«أنت رجلٌ غريبٌ أيُّها الجدُّ، وتتحدَّث عن أشياء لا تستطيع رؤيتها. إذا كنتَ لا تستطيع رؤيتها، فكيف تعرف أنها موجودة؟ هذا ما أريد معرفته. كيف تعرِف أيَّ شيءٍ لا تستطيع رؤيته؟»

«هذا سؤالٌ جيِّد يا هو-هو، سؤالٌ جيد للغاية. لكننا قد رأيْنا بعضها بالفعل. كان لدَينا أدواتٌ نُسمِّيها بالمجاهر والمجاهر الفائقة، وكنَّا نضعها على عيوننا وننظر من خلالها حتى نرى الأشياء أكبر ممَّا هي عليه بالفعل، وقد كان هناك الكثير جدًّا من الأشياء التي لم نكن نستطيع رؤيتها على الإطلاق بدون المجاهر. كانت أفضل أنواع المجاهر تجعل الجرثومة تبدو وكأنها أكبر من حجمها أربعين ألف مرة. صدفة المحار تُمثل ألف أصبعٍ مثل أصابع إدوين، نأخذ أربعين صدفةً منها، وبهذا يُصبح لدَينا عدد المرَّات التي كُنا نُكبِّر بها الجرثومة تحت المجهر. بعد ذلك، أصبح لدَينا طُرق أخرى؛ فمن خلال ما كُنا نُسمِّيه بالصُّور المُتحركة، كنا نستطيع أن نجعل هذه الجرثومة التي أصبحت أكبر من حجمها الطبيعي أربعين ألف مرة، أكبر وأكبر بكثيرٍ عن طريق تكبيرها للآلاف والآلاف من المرات. وبهذا، استطعْنا أن نرى جميع الأشياء التي لم تكن عيوننا وحدَها تستطيع أن تراها. خذوا حبَّةً من الرمل، وقَسِّمُوها إلى عشرة أجزاءٍ. وخذوا من هذه الأجزاء العشرة جُزءًا وقَسِّموه إلى عشرة أجزاء، ثم خذوا من تلك الأجزاء جزءًا وقَسِّموه إلى عشرة أجزاء، ثم خذوا من تلك الأجزاء جزءًا وقَسِّموه إلى عشرة أجزاء، ثم خذوا من تلك الأجزاء جزءًا وقَسِّموه إلى عشرة أجزاء، ثم خذوا من تلك الأجزاء جزءًا وقَسِّموه إلى عشرة أجزاء، وهكذا طوال اليوم، وربما بحلول غروب الشمس، سيكون لدَيكم جزءٌ صغير في حجم الجرثومة.» كان التشكُّك يبدو على الصبيان بوضوح. راح هير-ليب يضحك ساخرًا، وراح هو-هو يضحك ضحكاتٍ مكتومة، إلى أن لكزَهُما إدوين كي يصمُتا.

«إنَّ القُراد يمصُّ دمَ الكلب، لكن لأنَّ الجرثومة صغيرة للغاية؛ فهي تدخُل إلى الدم مباشرةً، وهناك يُصبح لديها الكثير من الأطفال. في تلك الأيام، كان يمكن أن يدخل عددٌ كبير منها، كمليارٍ مثلًا، أو صدفة سلطعون، إلى جسم الإنسان، أجل كان يمكن أن يدخل منها إلى جسم الإنسان مقدار ما تُمثِّله صدفة سلطعون. كُنا نُسمِّي الجراثيم بالكائنات الدقيقة. وحين كان يدخل منها إلى جسم الإنسان بضعة ملايين أو مليار من تلك الجراثيم، وتنتشر في دمه كله، كان هذا الإنسان يمرَض. كانت هذه الجراثيم مرضًا. وكان يُوجَد منها الكثير جدًّا من الأنواع المختلفة، وكانت هذه الأنواع المختلفة أكثر من هذه الرمال الموجودة على الشاطئ. ونحن لم نعرِف من هذه الأنواع إلا العددَ القليل. فقد كان عالَم الكائنات الدقيقة غير مَرئي، عالَم لم نكن نستطيع رؤيته، ولم نعرف عنه إلا القليل جدًّا. غير أننا كنا نعرف بعض الشيء. كان هناك بكتيريا «العصوية الجمرية»، وبكتيريا «المكوَّرة الدقيقة»، و«البكتيريا الأليفة للحرارة»، و«بكتيريا اللاكتيك»، وتلك الأخيرة هي التي تجعل حليب الماعز يصير حامضيًّا حتى إلى يومنا هذا يا هير-ليب. وكان هناك أيضًا عددٌ لا حصر له من «الفطريات المُنشقة». وكان هناك الكثير غيرها من …»

اندفعَ العجوز في خطبةٍ عن الجراثيم وطبيعتها مُستخدمًا كلماتٍ وعبارات، لا يُضاهيها شيءٌ في طولها أو افتقارها إلى المعنى، حتى إنَّ الصبية نظروا إلى بعضهم بعضًا في تجهُّم، واتجهوا ببصرِهم إلى المُحيط المهجور حتى نسُوا أنَّ العجوز كان يُثرثِر.

وأخيرًا تحدَّث إدوين: «لكن ماذا عن الطاعون القرمزي أيُّها الجدُّ.»

تنبَّه الجَدُّ إلى نفسه، وكأنه انتشل نفسه فجأةً من أمام منصَّةٍ في قاعة محاضراتٍ كان يُحاضر فيها جمهورًا من عالمٍ آخر حول أحدث النظريات، التي مضى عليها ستُّون عامًا، عن الجراثيم وأمراضها.

«أجل، أجل يا إدوين. لقد نسيت. إنَّ ذكريات الماضي تتملكني بقوَّة في بعض الأحيان وأنسى أنني عجوزٌ قذِر أرتدي جلد الماعز وأترحَّل مع أحفادي الهمجيِّين الذين يرعَون الماعز في البرِّية البدائية. تتلاشى الأنظمة الزائلة كما يتلاشى الزَّبَد، وهكذا تلاشَتْ حضارتنا المجيدة الضخمة. لقد أصبحتُ عجوزًا مُرهقًا. أصبحتُ أنتمي إلى قبيلة سانتا روزان. لقد تزوَّجتُ امرأةً من هذه القبيلة. وتزوَّج أبنائي وبناتي من نساء قبيلة الشوفير، ومن قبيلة سَكْرمنتو، ومن قبيلة بالو-ألتو. أنت يا هير-ليب تنتمي إلى قبيلة شوفير. وأنت يا إدوين تنتمي إلى قبيلة سَكْرمنتو. وأنت يا هو-هو تنتمي إلى قبيلة بالو-ألتو. إنَّ قبيلتك تتَّخِذ اسمَها من مدينةٍ كانت تقع بالقُرب من مؤسسةٍ تعليمية عظيمة أخرى. كانت تلك المؤسسة تُعرَف باسم جامعة ستانفورد. أجل، إنني أتذكر الآن بوضوحٍ تام. لقد كنتُ أقصُّ عليكم قصة الطاعون القرمزي. إلى أين وصلتُ في قصتي؟»

أسرع إدوين بالإجابة: «لقد كنتَ تُخبرنا عن الجراثيم، تلك الأشياءُ التي لا يمكن رؤيتها، لكنها تصيب البشر بالأمراض.»

«أجل، هذا هو ما توقفتُ عنده. لم يكن البشر يلاحِظون في البداية حين يدخل عددٌ قليل من الجراثيم إلى أجسادهم. غير أنَّ كل جرثومة كانت تنقسِم إلى نصفَين، وتصبح جرثومتَين، وقد كانت تظلُّ تفعل ذلك بسرعةٍ هائلة حتى يبلغ عددُها في الجسم عدة ملايين في وقتٍ وجيز. وعندها، يمرض الإنسان، ويُسمَّى هذا المرض باسم الجرثومة التي دخلت إلى جسمه. فقد تكون الحصبة أو الإنفلونزا أو الحُمَّى الصفراء، أو غيرها من آلاف أنواع الأمراض.»

«الأمر الغريب بشأن هذه الجراثيم هو أنَّ هناك دائمًا العديد من الأنواع الجديدة منها التي تظهر لتعيش في أجسام البشر. قبل عددٍ كبير للغاية من السِّنين، حين لم يكن في العالم سوى عددٍ قليل من البشر، لم يكن هناك سوى عددٍ قليل من الأمراض. ومع زيادة عدد البشر، ومع معيشتهم بالقُرب من بعضهم بعضًا في المدن والحضارات الكبيرة، ظهرَتْ أنواعٌ جديدة من الأمراض؛ إذ دخلت إلى أجسامهم أنواعٌ جديدة من الجراثيم. ومِن ثَمَّ، قُتل الملايين والمليارات من البشر. وكلما زاد عدد البشر الذين يعيشون في البُقعة نفسها، أصبحت الأمراضُ التي تظهر أشدَّ فتكًا. قبل الزمان الذي عشتُ فيه بوقتٍ طويل، في العصور الوسطى، ظهر الطاعون الأسود الذي اجتاح أوروبا. لقد اجتاحها مراتٍ عديدة. وهناك أيضًا السُّلُّ الذي كان يدخل أجسام البشر في الأماكن التي يتجمَّعون فيها بكثرة. وقبل الزمان الذي عشتُ فيه بمائة عام، كان هناك الطاعون الدبلي. وفي أفريقيا، كان هناك مرض النوم. لقد كافح علماء البكتيريا كلَّ هذه الأمراض وقضَوا عليها، مثلما تفعلون أنتم أيُّها الصبية حين تدفعون الذئاب عن الماعز، أو تقتلون البَعوض الذي يُهاجمكم. كان علماءُ البكتيريا …»

قاطعه إدوين: «لكن أيُّها الجدُّ، ما هذا الذي لا أدرى ما اسمه؟»

«أنت يا إدوين تعمل راعيًا للماعز. مهمَّتك هي أن تُراقب الماعز، وأنت تعرف الكثير عنها. عالِم البكتيريا يراقِب الجراثيم. تلك هي مهمَّته، وهو يعرِف الكثير عنها. لذا مِثلما كنتُ أقول، كان علماء البكتيريا يُكافحون الجراثيم، وقد قضَوا عليها في بعض الأحيان. كان هناك مرضٌ فظيع يُسمَّى الجُذام، وقبل أن أُولد بمائة عام، اكتشف العلماءُ جرثومة الجُذام، وعرفوا كلَّ شيءٍ عنها، والتقطوا لها صُورًا. لقد رأيتُ هذه الصور. غير أنهم لم يتوصَّلوا إلى طريقةٍ لقتلها. وفي عام ١٩٨٤، تفشَّى مرض طاعون بانتوبلاست في دولة تُسمَّى البرازيل، وقتل الملايين من البشر. غير أنَّ علماء البكتيريا اكتشفوا الجرثومة المُسبِّبة لهذا المرض، وتوصَّلوا إلى طريقةٍ لقتلها حتى لا يستمرَّ المرض. لقد صنعوا ما كانوا يُسمُّونه بالمَصْل، وكانوا يُدخلونه إلى جسم الإنسان فيقتُل جراثيم بانتوبلاست دون أن يقتُل الإنسان. وفي عام ١٩١٠، ظهر مرض الحُصاف، والديدان الشصية أيضًا، لكنَّ علماء البكتيريا قضَوا على هذين المرضَين بسهولة. أما في عام ١٩٤٧، فقد ظهر مرضٌ جديد لم يُرَ من قبل. كان يدخل إلى أجساد الرُّضَّع الذين يبلغون من العمر عشرة شهور أو أقل، وكان يجعلهم غير قادِرين على تحريك أقدامهم وأيديهم أو حتى تناول الطعام أو فعل أيِّ شيء. وقد استغرق الأمر من علماء البكتيريا أحد عشر عامًا إلى أن توصَّلوا إلى تلك الجرثومة المُحدَّدة، ونجحوا في إنقاذ الأطفال.

figure
أفصح قائلًا: «أيُّها الجدُّ، إنك تُصيبني بالغثيان بثرثرتك هذه.»

بالرغم من كلِّ هذه الأمراض، وبالرغم من كل الأمراض الجديدة التي استمرَّت في الظهور، كان عدد البشر في العالم يزداد أكثر فأكثر. كان ذلك بسبب سهولة الحصول على الطعام. فكلما زادت سهولة الحصول على الطعام، ازداد عدد البشر، وازداد تكدُّسُهم في منطقة واحدة، وازداد عدد أنواع الجراثيم الجديدة التي تصير أمراضًا. لقد كانت هناك تحذيرات. فمنذ عام ١٩٢٩، أخبر سولدرفتسكي علماءَ البكتيريا أنهم لا يملكون أيَّ ضمانةٍ حيال مرضٍ جديد سيكون أشدَّ فتكًا من أي مرض عرفوه بآلاف المرات، وسيقتل مئات الملايين من البشر، أو حتى المليارات منهم. كما ترَون، ظلَّ عالَم الكائنات الدقيقة لُغزًا حتى النهاية. لقد كانوا يعرفون بوجود ذلك العالم، وأنَّه بين الحين والآخر، تظهر جيوشٌ من الجراثيم الجديدة لتقتُل البشر.

هذا هو كلُّ ما كانوا يعرفونه بشأنه. كلُّ ما كانوا يعرفونه أنه في عالَم الكائنات الدقيقة غير المرئي هذا، ربما تُوجَد الكثير من أنواع الجراثيم المُختلفة التي قد يصِل عددُها إلى عدد حبات الرمال الموجودة على هذا الشاطئ. وفي ذلك العالَم غير المرئي نفسه أيضًا، من المُرجَّح أن تكون قد ظهرتْ أنواعٌ جديدة من الجراثيم. وربما تكون الحياة قد نشأت هناك: «الخصوبة السحيقة» مثلما كان يُسمِّيها سولدرفتسكي مُستخدمًا كلمات الرجال الذين كانوا قد كتبوا من قبله …»

وعند هذه النقطة، هبَّ هير-ليب واقفًا على قدَميه، وعلى وجهه علامات ازدراءٍ عظيم.

وجَّه حديثه إلى الجدِّ مُعلنًا: «أيُّها الجدُّ، إنك تُصيبني بالغثَيان بثرثرتك هذه. لماذا لا تُخبرنا عن الطاعون الأحمر؟ إذا لم تكن ستُخبرنا، فأعلِمْنا بذلك، كي نعود إلى المُخيَّم.»

نظر إليه العجوزُ وبدأ يبكي في صمتٍ. انحدرَتِ الدموع التي تنمُّ عن عجزٍ وضعفٍ على خدَّيه، وتجلَّى وهَنُ أعوامه الثمانين والسبعة بأكمله في سيمائه المحزونة.

تحدَّث إدوين ناصحًا ومُهدئًا: «إنَّ الجدَّ على ما يُرام. إنه سيُخبرنا عن الطاعون القرمزي الآن، أليس كذلك أيُّها الجَدُّ؟ إنه سيُخبرنا عنه حالًا. اجلس يا «هير-ليب». أكمِل أيُّها الجَدُّ.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠