الفصل الثالث

مسحَ العجوزُ دموعه بيديه المُتَّسِختَين واستكمل القصةَ بصوتٍ مُرتجف حادٍّ سرعان ما اكتسبَ قوةً مع اندماجه أكثر فيما يرويه.

«حَلَّ الطاعون في صيف عام ٢٠١٣. حينها، كنتُ أبلغ من العمر سبعةً وعشرين عامًا. أتذكَّر الأمر جيدًا. كانت المراسلات اللاسلكية …»

بصَقَ هير-ليب بصوتٍ عالٍ مُعبِّرًا عن تأفُّفه، وأسرع الجَدُّ بإصلاح الموقف.

«لقد كنا نتحدَّث عبر الهواء في تلك الأيام، على بُعد الآلاف والآلاف من الأميال. أتتْنا أخبارٌ تفيد بأن مرضًا غريبًا قد تفشَّى في نيويورك. كان يعيش آنذاك في تلك المدينة الأمريكية الأكثر روعةً سبعة عشر مليون نسمة. لم يُلقِ أحد بالًا لتلك الأخبار. كان الأمرُ بسيطًا؛ فلم يكن هناك سوى بضع حالات وفاة وحسب. بالرغم من ذلك، فقد بدا أنهم ماتوا بسرعةٍ كبيرة، وكانت إحدى العلامات الأولى للمرض، هي تحوُّل الوجه والجسد بأكمله إلى اللون الأحمر. في غضون أربع وعشرين ساعة، أتتِ الأخبار التي تُفيد بظهور أول حالة في شيكاغو. وفي اليوم نفسه، وبعدما أُعلن مباشرةً عن اكتشاف حالةٍ في شيكاغو، أُعلِن أنَّ لندن، المدينة الأعظم في العالم، كانت تُكافح الطاعون سرًّا لمدة أسبوعين بينما تحاول أن تتكتَّم على الخبر، أو بعبارةٍ أخرى، كانت تُراقب المنصَّات الإخبارية بحيث تحُول دون وصول نبأ ظهور الطاعون في المدينة إلى بقية العالم.

بدا الأمر خطيرًا، لكننا في كاليفورنيا، لم نكن قلقِين، مِثلنا في ذلك مِثل بقية البشر في كل مكانٍ آخر. كنا مُتأكدين من أنَّ علماءَ البكتيريا سيتوصَّلون إلى طريقةٍ للتغلُّب على هذه الجرثومة الجديدة، مثلما تغلبوا على غيرها من الجراثيم في الماضي. غير أنَّ المشكلة كانت في السرعة المُذهلة التي كانت هذه الجرثومة تقضي بها على البشر، وكذلك حقيقة أنها قتلتْ كلَّ جسمٍ بشري قد دخلتْه. فلم يُشفَ أحدٌ منها قط. لقد عرفنا الكوليرا الآسيوية في الماضي، وقد كان من الممكن أن تتناول العشاءَ مع رجلٍ سليم في المساء، ثم تستيقظ باكرًا في الصباح لتراه محمولًا على عربة الموت بجوار نافذتك. غير أنَّ ذلك الطاعون الجديد كان أسرعَ من هذا، أسرعَ كثيرًا.

figure
«غير أنَّ ذلك الطاعون الجديد كان أسرعَ من هذا، أسرعَ كثيرًا.»

كان البعضُ يموتون في غضون ساعةٍ من لحظة ظهور الأعراض الأولى عليهم. وعاش البعضُ لساعاتٍ عدة، ومات الكثيرون في غضون عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة من ظهور العلامات الأولى.

كان القلبُ يبدأ في الخفَقان بسرعة، وتزداد درجة حرارة الجسم. وبعد ذلك، يبدأ الطفح القرمزي في الانتشار على الوجه والجسم كالنار في الهشيم. لم يلاحظ معظم الأشخاص الارتفاع في الحرارة ولا زيادة خفَقان القلب، وكان أول ما لاحظوه هو الطفح القرمزي. كان المريضُ يُصاب عادةً بالتشنُّجات وقتَ ظهور الطفح، لكن تلك التشنُّجات كانت تزول سريعًا، ولم تكن حادَّة. وإذا مرَّت هذه التشنُّجات وظلَّ المرءُ على قيد الحياة، فإنه كان يُصبح بعدَها هادئًا تمامًا، ولم يكن يشعُر سوى بالخدَر يزحف على جسمه سريعًا بدايةً من القدمَين. كان الكعبان يُصابان بالخدَر أولًا، ثم الساقان فالفخذان، وحين كان الخدَر يصل إلى الأعلى عند القلب، يأتي الموت. لم يكن المصابون ينامون أو يهذون، بل كانت عقولهم تظلُّ سليمةً دائمًا وهادئة حتى اللحظة التي تُصاب قلوبهم فيها بالخدَر وتتوقَّف عن الخفَقان. وثمة شيءٌ آخر غريبٌ كان يحدُث، وهو سرعة التحلل. ففور أن يموت الشخص، كان الجسد يبدو وكأنه يتفكَّك إلى أجزاء، يتفتَّت، يذوب، حتى وأنت تنظُر إليه. وقد كان ذلك من الأسباب التي أدَّت إلى انتشار الطاعون بسرعةٍ كبيرة؛ فقد كانت مليارات الجراثيم الموجودة في الجثة تنتشِر على الفور.

وبسبب هذا كلِّه، كانت احتمالية أن يتمكَّن علماءُ البكتيريا من مكافحة هذه الجراثيم محدودةً للغاية. فقد كانوا يموتون في مُختبراتهم حتى وهم يدرُسون جرثومة الطاعون القرمزي. لقد كانوا أبطالًا. فعند موتهم، كان يتقدَّم آخرون فورًا كي يحلُّوا محلَّهم. في لندن، تمكَّنوا من عزل الجرثومة لأول مرة. أُرسلتِ الأخبار برقًا إلى كل مكان. تراسك، هو اسم الرجل الذي نجح في ذلك، لكنه مات في غضون ثلاثين ساعة. وبعد ذلك، أخذت المُختبرات تُناضل من أجل التوصُّل إلى شيءٍ يقتل جراثيم الطاعون. وفشلت جميع العقاقير في ذلك. كانت المشكلة هي التوصُّل إلى عقارٍ أو مَصل يقتل الجراثيم الموجودة داخل الجسم دون أن يقتل الجسم نفسه. حاولوا مُحاربتها بالجراثيم الأخرى، أي أن يضعوا داخل جسم المريض جراثيم أخرى تكون أعداءً لجراثيم الطاعون …»

اعترضَ هير-ليب قائلًا: «أنت لا تستطيع رؤية الجراثيم أيُّها الجَدُّ، ومع ذلك تظلُّ تُثرثر وتُثرثر وتُثرثر بشأنها، كما لو أنها كانت شيئًا حقيقيًّا، في حين أنها ليست بشيءٍ على الإطلاق. أيُّ شيءٍ لا تستطيع رؤيته، غير موجود، هذا كلُّ ما هنالك. وأنت تتحدَّث عن محاربة أشياءٍ غير موجودة بأشياءٍ غير موجودة! لا بدَّ أنَّ البشر كلَّهم كانوا حمقى في تلك الأيام. هذا هو السببُ في أنهم قد هلكوا. إنني لن أصدق مِثل هذا الهُراء. أؤكد لك هذا.»

سرعان ما بدأ الجَدُّ في النحيب، بينما راحَ إدوين يُدافع عنه بحماس.

«استمِع إليَّ يا هير-ليب، أنت تُصدِّق بوجود الكثير من الأشياء التي لا تستطيع رؤيتها.»

هزَّ هير-ليب رأسه رافضًا.

«إنك تُصدِّق أنَّ الموتى يتجوَّلون، وأنت لم ترَ أي ميِّتٍ يتجوَّل قبل ذلك.»

«أخبرتُك أني رأيتُهم في الشتاء الماضي حين ذهبتُ لصيد الذئاب مع أبي.»

تحدَّاه إدوين قائلًا: «حسنًا، أنت تبصُق دومًا حين تعبُر مياهًا جارية.»

وجاء دفاع هير-ليب: «هذا لإبعاد الحظِّ السيئ.»

«أنت تؤمن بوجود الحظِّ السيئ؟»

«بالتأكيد.»

حسم إدوين الأمر منتصرًا: «وأنت لم ترَ الحظ السيئ أبدًا. إذن، فأنت لا تقلُّ سوءًا عن الجَدِّ وجراثيمه. فأنت تُصدِّق بوجود ما لا تراه. أكمِل أيُّها الجَدُّ.»

ظلَّ هير-ليب صامتًا بعد أن مُني بهذه الهزيمة المتعلقة بمسألةٍ غيبية، وواصلَ العجوزُ حَكيَه. وبالرغم من أنَّهم كانوا يرَون أن الجَدَّ يجب ألا يُعوِّق مسيرة أحداث هذه القصة بتفاصيله، كثيرًا ما كان يُقاطِع الصبيةُ الجدَّ بشجارهم فيما بينهم. كما ظلوا يتبادلون التفسيرات والتخمينات بصوتٍ خفيض فيما بينهم، إذ كانوا يحاولون جاهدين مُتابعة هذا العجوز في وصفِه لعالَمه المجهول المُندثِر.

«تفشَّى الطاعون القرمزي في سان فرانسيسكو. ظهرت أولى حالات الوفاة في صباح يوم الاثنين. وبحلول يوم الخميس، كان البشر يموتون كالذباب في أوكلاند وسان فرانسيسكو. كانوا يموتون في كل مكان: في أَسِرَّتهم وفي أماكن عملهم، بل وهم يسيرون في الشارع أيضًا. وفي يوم الثلاثاء، كانت أول حالة وفاةٍ تسنَّى لي رؤيتها هي الآنسة كولربران، إحدى طالباتي. كانت تجلس أمام عينيَّ في قاعة المحاضرات، وقد لاحظتُ وجهها بينما كنتُ أتحدَّث. لقد تحوَّل فجأةً إلى اللون القرمزي. توقَّفتُ عن الحديث ولم أستطع أن أنظُر إلى أيِّ شيء سواها؛ تملَّكَنا جميعًا الخوفُ من الطاعون، وعرفْنا أنه قد حلَّ بالفعل في المكان. صرختِ الفتيات وهرولنَ إلى خارج القاعة، وهرول الفتيان أيضًا فيما عدا اثنين. كانت تشنُّجات الآنسة كولربران خفيفة، ولم تدُم سوى أقلَّ من دقيقة. أحضر لها أحد الفتيَين كأسًا من الماء، لكنها لم تشرب سوى القليل منه وراحَتْ تصرخ:

«قدَمايَ! لم أعُد أشعر بهما على الإطلاق.»

وبعد دقيقةٍ قالت: «لم يعُد لديَّ قدمَين. أنا لا أدري أنَّ لديَّ قدمَين. ورُكبتاي تجمَّدتا. إنني لا أكاد أشعر أنَّ لديَّ ركبتَين.»

كانت مُستلقية على الأرض، وتحت رأسها حزمة من الدفاتر. ولم نكن نستطيع أن نفعل شيئًا. زحفَ الخدَر إلى ما بعد فخذَيها فقَلْبها، وحين وصل إلى قلبِها، ماتت. في غضون خمس عشرة دقيقة بالضبط، لقد كنتُ أحسُب الوقت بنفسي، كانت قد ماتت، في قاعة محاضراتي، ماتت. كانت فتاةً قوية، صحيحة البدن، وجميلةً للغاية. ومنذ ظهور أولى علامات الطاعون عليها إلى لحظة وفاتها، لم تمرَّ سوى خمس عشرة دقيقة. هذا يوضِّح لكم كيف كان يقضي الطاعون القرمزي سريعًا على حياة المرء.

بالرغم من ذلك، مكثتُ تلك الدقائق القليلة مع الفتاة المُحتضَرة في قاعة محاضراتي. كان القلقُ قد انتشر في أرجاء الجامعة، وقد هجر جميع الطلاب وعددُهم بالآلاف قاعات المحاضرات والمُختبَرات. وحين خرجتُ في طريقي لإبلاغ عميد الكلية، وجدتُها خالية. في أنحاء الحرَم الجامعي، كان هناك عدد من المُتخلفين عن ركْب الفارِّين يُسرعون إلى منازلهم، وقد كان اثنان منهم يركضان.

أما عميد الكلية هوج، فقد وجدتُه في مكتبه وحيدًا. تجلَّي لي كِبَره في السنِّ أكثر من أي وقتٍ مضى. كان شاحبَ اللون، ومُغتمًّا بشدة، كما لمحتُ على وجهه الكثير جدًّا من التجاعيد التي لم أكن قد رأيتها من قبل قط. حين وقع بصرُه عليَّ، نهض على قدمَيه، وترنَّح مُبتعدًا إلى المكتب الداخلي وقد صفَق الباب خلفه وأغلقه. لقد عرفَ أنَّني تعرضتُ للجرثومة، وكان خائفًا بشدة. ناداني من وراء الباب أن أرحل بعيدًا. لن أنسى قطُّ المشاعر التي انتابتْني بينما كنتُ أسير في الممرَّات الصامتة خارجًا عبر الحرَم الجامعي المهجور. لم أكن خائفًا؛ فقد تعرضتُ للجرثومة، واعتبرتُ نفسي في عداد الموتى بالفعل. ولم يكن ذلك هو ما أثَّر فيَّ بشدة، وإنما ذلك الإحساسُ بالاكتئاب المُريع. كلُّ شيءٍ قد توقَّف. كان ذلك بمثابة نهاية العالم بالنسبة إليَّ: نهاية عالَمي. لقد نشأتُ في رحاب الجامعة. كان عملي فيها أمرًا مُقدَّرًا لي؛ فقد كان والدي يعمل أستاذًا بها، وكذلك والده من قبله. على مدى قرنٍ ونصف، ظلت هذه الجامعة كآلةٍ مدهشة تعمل بانتظامٍ وثَبات. والآن، توقَّفَتْ في لحظة. لقد كان الأمر أشبَهَ برؤية نارٍ مقدَّسة تخبو على هيكل الثالوث المقدس. لقد كنتُ مصدومًا، مصدومًا إلى حدٍّ أعجَزُ عن وصفه.

حين وصلتُ إلى بيتي، صرخَتْ مُدبرة شئون منزلي حين دخلتُ، وهربَتْ بعيدًا. واكتشفتُ أنَّ الخادمة قد هربتْ أيضًا. رحتُ أبحث في المنزل. في المطبخ، وجدتُ الطاهية على وشْك الرحيل، لكنها صرخَتْ هي أيضًا. وفي عجَلتِها، سقطتْ منها حقيبة تضمُّ مُمتلكاتها الشخصية، وفرَّت تجري من المنزل عبر الفناء وهي ما زالت تصرُخ. لا زلتُ أسمع صدى صراخها حتى يومِنا هذا. يجب أن تعلموا أننا لم نكن نتصرَّف بهذه الطريقة حين كانت تُصيبنا الأمراضُ المعتادة. فقد كنا نتعامل مع مثل هذه الأمور بهدوءٍ على الدوام، وكنا نُرسِل في إحضار الأطباء والمُمرضين الذين كانوا يعرفون تمامًا ما الذي يتوجب عليهم فعله. لكن هذا المرض كان مختلفًا. لقد كان يضربُ فجأة، ويقتل بسرعة هائلة، ولم يُخطئ الهدف ولو مرة. فحين كان الطفحُ القرمزي يظهر على وجه أحدِهم، كان يُوقِن ساعتها أنه قد حُكِم عليه بالموت. فلم يُسمَع أبدًا أن حالة واحدة قد شُفيَت.

كنتُ وحدي في منزلي الكبير. ومثلما أخبرتُكم، كنا نستطيع في تلك الأيام أن نتحدَّث بعضنا إلى بعض عبر الأسلاك أو عبر الأثير. رنَّ جرس الهاتف، ووجدتُ أخي يُحدِّثني. وأخبرَني أنه لن يأتي إلى المنزل مَخافةَ أن أنقل إليه العدوى، وأنه قد أخذ أُختَينا ليذهبوا إلى منزل البروفيسور بيكِن. ونَصحَني بأن أبقى حيث أنا وأنتظر لأعرف إذا ما كنتُ قد أُصِبتُ بالطاعون أم لا.

figure
«رنَّ جرس الهاتف، ووجدتُ أخي يُحدِّثني.»

وقد وافقتُ على كلِّ هذا، وبقيتُ في المنزل، وحاولتُ أن أطهوَ لأول مرة في حياتي. ولم أُصَب بالطاعون. من خلال الهاتف، كنتُ أستطيع أن أتحدَّث مع مَن أردتُ وأن أعرف الأخبار. وكانت هناك الجرائد أيضًا، وقد طلبتُ أن تُلقى كلَّها أمام بابي كي أعرفَ ما الذي كان يحدُث في بقية أنحاء العالم.

عمَّتِ الفوضى أرجاءَ نيويورك وشيكاغو. وما كان يحدث فيهما، كان يحدث في المدن الكبيرة بأكملها. مات ثُلث أفراد شرطة نيويورك، ومات رئيسُ الشرطة أيضًا، ولقِيَ عمدة المدينة المصيرَ نفسه. تعطَّل القانون والنظام. وكانت الأجسام مُلقاةً في الشوارع دون أن تُدفن. توقَّفَتْ جميعُ السفن والقطارات والشاحنات التي تنقل الأغذية وما شابَهَ إلى المدينة الكبيرة عن العمل، وراحت الحشودُ من الفقراء الجَوعى ينهَبون المتاجر والمخازن. وانتشر القتْلُ والسرقة والسُّكر في كلِّ مكان. كان البشرُ قد بدءوا بالفعل ينزَحون من المدينة بالملايين. هربَ الأغنياءُ أولًا في سياراتهم الخاصة وطائراتهم، ثُم هرَب السَّوادُ الأعظم من الناسِ سيرًا على الأقدام، حامِلين الطاعونَ معهم. ونظرًا لأنهم كانوا يتضوَّرون جُوعًا، فقد كانوا ينهَبون المُزارعين وجميع البلدات والقرى التي يمرُّون عليها.

figure
«كانوا ينزحون من المدينة بالملايين.»

كان الرجلُ الذي أرسل هذه الأخبار، عامِل الاتصالات اللاسلكية، يجلسُ وحيدًا مع آلته على قمَّة أحد المباني العالية. أما الأفراد الذين ظلُّوا في المدينة، وقد قُدِّر عددُهم ببضع مئات الآلاف، فقد أصابهم الجنون من شدَّة الخَوف ومن شُرب الخمور. لقد كانت الحرائق الضخمة تشتعِل في كل جانبٍ من حوله. كان بطلًا بحقٍّ؛ إذ ظلَّ مُرابطًا يؤدي وظيفتَه. كان صحافيًّا مغمورًا على الأرجح.

وقد قال إنه على مدى أربعٍ وعشرين ساعة لم تصِل أيُّ طائرة عابرة للمحيط الأطلسي، ولم تصل أيُّ رسائل أخرى من إنجلترا. وبالرغم من ذلك، فقد ذكَر أنَّ رسالةً من برلين، وهي مدينة في ألمانيا، قد أعلنت أنَّ هوفماير، أحد علماء البكتيريا في جامعة متشنيكوف، قد اكتشفَ مَصلًا لهذا الطاعون. تلك كانت الرسالة الأخيرة، ولم نتلقَّ بعدها نحن في أمريكا أيَّ رسائل من أوروبا. لو أنَّ هوفماير قد اكتشف المَصْلَ، فلا بدَّ أنه اكتشفَه بعد فَوات الأوان، وإلا كان وصلَ إلى هنا مُستكشِفون من أوروبا قبل الآن بوقتٍ طويل. لا يُمكننا إذن سوى أن نستنتِج أنَّ ما حدث في أمريكا، قد حدث في أوروبا، وأنَّ السيناريو الأفضل، هو أنَّه لم ينجُ على تلك القارَّة بأكملها سوى بضع عشراتٍ من البشر.

وعلى مدى يومٍ آخر ظلت الأخبار ترِدُ من نيويورك، ثم توقَّفت هي أيضًا؛ فإما أنَّ الرجل الذي كان يبثُّها وهو جالسٌ في مَبناه العالي قد ماتَ بسبب الطاعون، أو أنَّ الحرائق العظيمة التي ذكر أنها كانت تندلع من حوله، قد التهمَتْه. وما حدث في نيويورك، حدث أيضًا في جميع المدن الأخرى. فلم يختلف الوضع في سان فرانسيسكو وأوكلاند وبيركلي. فبحلول يوم الخميس، كان الناسُ يموتون بسرعةٍ كبيرة حتى إنه لم يعُد مُمكنًا دفْن الجثث أو التخلُّص منها، فكانت جثامين الموتى مُلقاةً في كل مكان.

وفي الخميس ليلًا، بدأ الناسُ يتدفَّقون ذُعرًا إلى خارج البلاد. تخيَّلوا يا أحفادي عددًا ضخمًا من البشر، أضخم من أسراب السلَمون التي رأيتموها في نهر سَكْرمنتو، كان يندفع خارجًا من المدن بالملايين، راحوا يندفعون في جميع أنحاء البلاد بشكلٍ جنوني، وكل ذلك في محاولةٍ يائسة للهروب من الموت الذي حلَّ في كل مكان. لقد كانوا يحملون الجراثيم معهم مِثلما أخبرتُكم. حتى سُفن الأغنياء الهوائية التي كانت تفرُّ إلى العُزلة في الجبال والصحراء، كانت تحمِل الجراثيم.

فرَّت المئات من هذه السفن الهوائية إلى هاواي، وهم لم يحملوا الطاعون معهم فحسب، بل وجدوه قد سبقهم إلى هناك بالفعل. كنا نعرفُ ذلك من الأنباء التي كانت تأتينا، إلى أنْ تلاشى النظام بأكمله من سان فرانسيسكو، ولم يبقَ هناك من عُمالٍ في وظائفهم ليُرسِلوا الأنباءَ أو يستقبلوها. لقد كان فقدان التواصُل مع العالَم أمرًا مُذهلًا ومُدهشًا. لقد كان الأمر يبدو كأنَّ العالم قد توقَّفَ أو اندثَرَ تمامًا. مرَّ ستُّون عامًا منذ أن اختفى هذا العالَم من الوجود بالنسبة إليَّ. إنني أعرفُ أنَّ أماكن مثل نيويورك وأوروبا وآسيا وأفريقيا موجودةٌ بالطبع، لكنَّ خبرًا واحدًا لم يرِدْ عنها على مدى ستِّين عامًا. لقد انهار العالَم مع مجيء الموت القرمزي، انهيارًا تامًّا لا مَرَدَّ له. عشرةُ آلاف عام من الثقافة والحضارة قد انقضتْ في طرفَةِ عَين، تلاشَتْ مِثلما يتلاشى الزَّبَد.

كنتُ أتحدَّث عن السفن الهوائية التي كان يملكها الأغنياء. لقد حملوا الطاعون معهم إلى كلِّ مكانٍ كانوا يفرُّون إليه، وقد ماتوا. لم ألتقِ سوى واحدًا من الناجِين منهم: مَنجرسون الذي انضمَّ إلى قبيلة سانتا روزان فيما بعدُ وتزوَّج ابنتي الكبرى. لقد انضمَ إلى القبيلة بعد الطاعون بثماني سنوات. كان يبلغ من العمر تسعة عشر عامًا في ذلك الوقت، واضطُرَّ إلى الانتظار اثنَي عشر عامًا لكي يتزوَّج؛ فلم يكن هناك نساءٌ غير مُتزوِّجات، وكانت بعض بنات القبيلة الأكبر سنًّا مخطوباتٍ بالفعل. ولهذا فقد اضطُرَّ إلى الانتظار إلى أن تبلُغ ابنتي ماري ستة عشر عامًا. كان ابنُه هو جيمب-لِج الذي قتله أسَدُ الجبال في العام الماضي.

كان مَنجرسون يبلغ من العمر أحد عشر عامًا حين أتى الطاعون، وكان والده أحد الأقطاب الصناعية، رجلًا ثريًّا وذا نفوذ. وعلى سفينتِهم الهوائية «كوندور»، كانت الأسرة كلُّها تفرُّ إلى براري بريتيش كولومبيا، والتي تقع إلى الشمال بعيدًا عن هنا. غير أنَّ حادثةً قد وقعَتْ وتحطَّمَت سفينتُهم بالقُرب من جبل ماونت شاستا. لقد سمعتُم بهذا الجبل. إنه يقع إلى الشمال بعيدًا عن هنا. وانتشر الطاعونُ بينهم، وكان هذا الصبيُّ ذو الأعوام الأحد عشر هو الناجي الوحيد منهم. لقد ظلَّ وحيدًا لثماني سنواتٍ قضاها في التجوُّل في أرجاء أرضٍ مهجورة وهو يبحث بلا جدوى عن أفراد نوعه. وأخيرًا التقى بنا، نحن أفراد قبيلة سانتا روزان، في أثناء سفَرِه جنوبًا.

لكنني بهذا أكون قد استبقتُ أحداث قصَّتي. حين بدأتِ الهجرة العظيمة من المدن المحيطة بخليج سان فرانسيسكو، وبينما كانت الهواتف لا تزال تعمل، تحدثتُ مع أخي. أخبرتُه أنَّ هذا الفرار من المدن أمرٌ جنوني، وأنَّ أعراض الطاعون لم تظهر عليَّ وما يجب علينا فِعله هو أن ننعزِل مع أقاربنا في مكانٍ آمن. استقرَّ رأيُنا على مبنى الكيمياء في الجامعة، وخطَّطنا لأن نضَعَ فيه المُؤَن والسلاح حتى نمنع أي أشخاصٍ آخرين من فرْض وجودهم علينا بعد أن نكون قد أوَيْنا إلى مَلجئنا.

بعد أن أجرَينا كلَّ هذه الترتيبات، رَجاني أخي أن أبقى في منزلي لأربعٍ وعشرين ساعة على الأقل، توخِّيًا لاحتمال أن يكون الطاعون لا يزال ينمو في جسدي. وقد وافقتُ على هذا، ووعد هو بأن يأتي إليَّ في اليوم التالي. واصلْنا الحديث بشأن تفاصيل تزويد مبنى الكيمياء بالمُؤن والدفاع عنه إلى أن تعطَّل الهاتف. لقد تعطَّل ونحن في وسط مُحادثتنا. وفي ذلك المساء، لم تكن هناك أي مصابيح كهربية، وكنتُ وحيدًا في منزلي في الظلام. وقد توقَّفتْ طباعة الصُّحف فلم أكن أدرى بما يحدُث في الخارج.

figure
«سمعتُ أصواتَ شغبٍ وطلقات مسدس.»

سمعتُ أصواتَ شغبٍ وطلقات مسدس، ومن نافذتي استطعتُ أن أرى وهَجًا في السماء لحريقٍ ضخم في اتجاه أوكلاند. لقد كانت ليلةً مُرعبة، ولم يغمض لي فيها جفنٌ. لقد قُتِل رجلٌ على الرصيف أمام بيتي. لماذا قُتِل وكيف؟ لم أكن أدري. كنتُ قد سمعتُ طلقاتٍ سريعة تنطلِق من مسدسٍ آلي، وبعدها بدقائق قليلة، زحفَ البائسُ الجريح إلى بابي وهو يئنُّ ويصرُخ طالبًا العَون. سلَّحتُ نفسي بمسدَّسَين آليَّين وذهبتُ إليه. وعلى ضوءِ عود ثقاب، تأكدتُ أنه بينما كان يموت من جروح طلقات الرصاص، كان مُصابًا بالطاعون في الوقت نفسه. فررْتُ إلى الداخل، حيث كنتُ أسمعه وهو يئنُّ ويصرخ على مدى نصف ساعة بعدها.

أتى أخي في الصباح، وكنتُ قد جمعتُ في حقيبة يدٍ الأشياء الثمينة التي اعتزمتُ أخذَها، لكنني حين رأيتُ وجهه عرفتُ أنه لن يُرافقني إلى مبنى الكيمياء. لقد أصابه الطاعون. كان ينوي مُصافحتي لكنني تراجعتُ إلى الخلف بسرعة.

تحدَّثتُ إليه آمرًا: «انظر إلى نفسك في المرآة.»

figure
تحدثت إليه آمرًا: «انظر إلى نفسك في المرآة.»

فعل مِثلما قلت، وحين رأى وجهه القرمزي، وقد كان اللون يزداد قتامةً بينما راحَ ينظر إليه، تداعى على أحد المقاعد في وهَنٍ وقال: «يا إلهي! لقد أُصِبتُ به. لا تقترِب منِّي. إنني رجلٌ مَيت.»

بعد ذلك، تملكته التشنُّجات. ظلَّ يُحتضَر لمدة ساعتَين، كان واعيًا فيهما حتى اللحظة الأخيرة، وراح يشكو من البرودة وفقدان الإحساس في قدمَيه ثم في رَبْلتَيه وفخذَيه إلى أن وصل ذلك إلى قلبه في النهاية ومات.

كانت تلك هي الطريقة التي يقتل بها الموتُ القرمزي. أمسكتُ بحقيبة يدي وفررت. كان المنظر في الشوارع مُريعًا. فقد كان المرءُ يتعثَّر في الأجساد في كلِّ مكانٍ أثناء سيره، وكان بعضُها لم يمُت بعد. وحتى عندما كنتَ تنظُر، كنتَ تجد أناسًا يتهاوَون ويموتون أمام عينيك. كان هناك العديدُ من الحرائق المُشتعلة في بيركلي، أما أوكلاند وسان فرانسيسكو فقد اجتاحتهما الحرائقُ الهائلة على ما يبدو. لقد ملأ دخان الحرائق السماء حتى إنَّ منتصف النهار بدا مُظلمًا وكئيبًا، ومع تغيُّر اتجاه الرياح، كانت الشمسُ تُشرق أحيانًا شروقًا خافتًا فكأنها كرة حمراء باهتة. أصْدُقُكم القول يا أحفادي، بدا الأمرُ وكأننا في الأيام الأخيرة من نهاية العالَم.

كان هناك العديدُ من السيارات التي توقَّفت مُحركاتها عن العمل، مما دلَّ على أنَّ البنزين وإمدادات المحركات قد نفدَتْ من مرائب السيارات. أتذكَّرُ إحدى هذه السيارات. كان بداخلها رجلٌ وامرأة مُلقَيَين على المقاعد وقد فارقا الحياة. وعلى الرصيف بالقُرب من السيارة، كان هناك سيِّدتان غيرهما وطفل. كانت المناظر الغريبة والمُريعة في كلِّ مكان. كان الناسُ يمرُّون في صمتٍ وخلسةً كالأشباح: نساءٌ شاحبات الأوجه يَحملنَ أطفالهنَّ في أذرُعهن، وآباءٌ يقودون الأطفال من أيديهم، كانوا يسيرون فُرادى أو أزواجًا أو أُسَرًا، وكلُّهم يفرُّون من مدينة الموت. كان بعضهم يحمل الغذاء، وبعضهم يحمِل الأغطية والأشياء القَيِّمة، وكان الكثيرون لا يحملون أيَّ شيء.

كان هناك متجر بقالة، وهو مكان يُباع فيه الطعام، كنتُ أعرف صاحبه جيدًا. رجلٌ هادئٌ ورزين، لكنه كان غبيًّا عنيدًا، ظلَّ يُدافع عن متجره. كانت النوافذ والأبواب قد فُتِحت عُنوة، لكنه كان بالداخل يختبئ خلف منضدةٍ ويُطلق النار من مُسدَّسه على عددٍ من الرجال يقفون على الرصيف ويحاولون اقتحام متجره. كان في المدخل عددٌ من جُثَث الذين قد توصَّلتُ إلى أنه قد قتلَهم في وقتٍ سابق من اليوم. وبالرغم من أنني كنتُ أنظر من مسافةٍ بعيدة، رأيتُ أحد السارقين يكسر نافذة المتجر المُجاور الذي كان يبيع الأحذية، ويُشعل فيه النيران. لم أذهب لمساعدة صاحب متجر البقالة؛ فقد كان عصْر مثل هذه الأفعال قد مضى بالفعل. كانت الحضارة تنهار، وكلُّ امرئٍ مسئولٌ عن نفسه.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠