الفصل الخامس

أردفَ الجَدُّ يقول: «أقمتُ لمدة يومَين بحديقةٍ جميلة لم يكن فيها أيُّ موتى. وفي هذين اليومَين، بالرغم من أنني كنتُ مكتئبًا ومؤمنًا بأنَّ دوري سيحين في أي لحظة، فقد استرحتُ واستعدتُ قوَّتي. وكذلك فعل المُهر أيضًا. وفي اليوم الثالث، وضعتُ مخزوني الصغير من المُؤن المُعلَّبة على ظهر المهر، ومررتُ بأرضٍ بدَت مهجورةً تمامًا، إذ لم أصادف فيها أيَّ رجلٍ أو امرأة أو طفل، غير أنَّ الموتى كانوا في كلِّ مكان. بالرغم من ذلك، كان الطعامُ وفيرًا. لقد كانت الأرض في ذلك الوقت مختلفة عما هي عليه الآن. لقد كانت خاليةً من الأشجار والأدغال وكانت مزروعة. لقد كان هناك الكثيرُ من الطعام الذي يكفي ملايين الأفواه، ينمو وينضج ويضيع هدرًا. جمعتُ من الحقول والبساتين الخضراوات والفاكهة والحَب. وجمعتُ من المزارع المهجورة البَيضَ وأمسكتُ ببعض الدجاج. وأحيانًا كنتُ أجد أغذية مُعلَّبة في المخازن.

ثمَّة شيءٌ غريب كان يحدُث لجميع الحيوانات المُستأنَسة. لقد أصبحَتْ حيواناتٍ برِّية يفترِس بعضها بعضًا في كل مكان. كان الدجاج والبطُّ هو أول ما هلك، بينما كانت الخنازير هي أول ما توحَّش، وتلتْها في ذلك القطط. ولم تستغرق الكلاب وقتًا طويلًا للتكيُّف في هذه الظروف التي تغيَّرَت. لقد كان هناك غزوٌ حقيقي من الكلاب؛ إذ راحت تلتهِم الجُثث وتنبح وتعوي في الليل، وتتسلل بعيدًا في النهار. وبمرور الوقت، لاحظتُ تغيُّرًا في سلوكها؛ في البداية، كانت تعيش بعيدًا بعضها عن بعض، كانت كثيرة الرِّيبة وكثيرة الشجار. ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى بدأتْ تعيش بالقُرب من بعضها وتسير في قطعان. حسنًا، لقد كان الكلب حيوانًا اجتماعيًّا على الدوام، حتى قبل أن يستأنِسَه الإنسان. في الأيام الأخيرة من العالَم قبل الطاعون، كان هناك الكثير والكثير من الأنواع المختلفة من الكلاب: كلاب دون شَعر وكلاب ذات فراء ثقيل، وكلاب صغيرة للغاية حتى إنَّ الواحد منها كان لا يزيد عن قضمةٍ واحدة في فمِ كلبٍ آخر كبير في حجم أسَدِ الجبال. وقد قُتِلت كلُّ الكلاب الصغيرة والضعيفة على يد أقرانها. وكذلك لم تتكيَّف الكلاب الضخمة على الحياة البرية وانقرضت. ولهذا؛ فقد اختفت الأنواع الكثيرة المختلفة من الكلاب، ولم يتبقَّ سوى الكلاب الذئبية المتوسطة الحجم التي تسير في قُطعان، وهي تلك الكلاب التي تعرفونها اليوم.»

تحدَّث هو-هو مُعترضًا: «لكن القطط لا تسير في قطعان أيُّها الجَدُّ.»

«إنَّ القطط لم تكن يومًا حيواناتٍ اجتماعية. فمِثلما قال أحدُ كُتَّاب القرن التاسع عشر ذات مرة إنَّ القط يمشي وحيدًا. لقد كان يمشي وحيدًا على الدوام، قبل أن يُروِّضه الإنسان، وفي تلك العصور الطويلة من الاستئناس، وحتى حين أصبحت حيواناتٍ برية مرةً أخرى.

توحَّشتِ الخيول أيضًا، وتحوَّل جميعُ ما كان لدَينا من سلالاتٍ جيدة إلى سلالة الحصان البرِّي الذي تعرفونه اليوم. توحَّشت الأبقار أيضًا والحمام والأغنام، وأصبحت جميعها حيواناتٍ برية. وقد نجا عددٌ قليل من الدجاج. غير أنَّ الدجاج البرِّي الذي ترَونه اليوم مختلفٌ عن الدجاج الذي كان موجودًا في تلك الأيام.

لكنني يجِب أن أواصل قصَّتي. رحتُ أقطع هذه الأرضَ المهجورة. ومع مرور الوقت، راح اشتياقي إلى البشر يزيد أكثر فأكثر. غير أنَّني لم أصادِف أحدًا على الإطلاق، وصرتُ أشعر بالوحدة أكثر فأكثر. عبرتُ وادي ليفَرمور فالي والجبال الموجودة بينه ووادي سان خواكين العظيم. لم يسبق لكم أن رأيتُم هذا الوادي أبدًا، لكنه كبير جدًّا وهو مَوطن الخيول البرية. إنها تُوجد هناك في جموعٍ هائلة، بالآلاف وعشرات الآلاف. لقد زُرته مرةً أخرى بعد ثلاثين عامًا؛ لذا فأنا أعرف ذلك. إنكم تظنُّون أنَّ هناك الكثير من الخيول البرية هنا في الوديان الساحلية، غير أنها لا تُقارَن على الإطلاق بالخيول الموجودة في وادي سان خواكين. ومن الأمور الغريبة أنَّ الأبقار حين توحَّشت، عادتْ مرةً أخرى إلى الجبال المُنخفضة؛ إذ يبدو أنها كانت أقدَرَ على حماية نفسها على نحوٍ أفضل هناك.

في أحياءِ الريف، كان من الواضح أنَّ المُتربِّصين والمُتوحِّشين أقل عددًا، فقد وجدتُ العديد من القرى والمدن لم تمسَّها النيران، غير أنها كانت مُمتلئة بموتى الطاعون، وقد مررتُ دون أن أستكشِفها. وبالقُرب من لاثروب، ونتيجةً لِما كنتُ أشعر به من وحدة، أخذتُ معي زوجًا من كلاب الكولي كانا قد فقدا صاحبهما حديثًا وكانا راغبَين بشدة في العودة إلى ولائهما للإنسان. لقد رافقَني هذان الكلبان لسنواتٍ عديدة، وهذه الكلاب التي تصحبكم اليوم هي من نسلِهما. غير أنَّ ستِّين عامًا قد محَتْ منها سِمات سلالة الكولي. إنَّ هذه الوحوش أشبَهُ بالذئاب المُستأنسة من أيِّ شيءٍ آخر.»

وقف هير-ليب وألقى بصره ليتأكد أنَّ الماعز في أمان، ثم نظر إلى موقع الشمس في السماء مُعلنًا بذلك عن نفاد صبره من الإطناب في حكاية العجوز. وبِحَثٍّ من إدوين على الإسراع، واصلَ الجَدُّ حكايته.

«لم يبقَ سوى القليل لأحكيه. مع كلبيَّ ومُهري وحصانٍ أركبُه كنتُ قد أمسكتُ به قبل ذلك. تمكَّنتُ من عبور وادي سان خواكين ووصلتُ إلى وادٍ رائع في جبال سييرا يُدعى وادي يوسيمتي. في الفندق الكبير الموجود هناك، وجدتُ كمياتٍ هائلة من الأطعمة المُعلَّبة. كان المرعى كبيرًا، وكذلك كانت الطرائد، وكان النهرُ الذي يمرُّ بالوادي مليئًا بأسماك السلمون المُرقَّط. أقمتُ هناك لمدة ثلاثة أعوام في وحدةٍ تامَّة لن يفهمها إلا رجلٌ عاش في أوج الحضارة ذات يوم. ثُمَّ لم أعُد أطيق الأمر أكثر من ذلك. لقد كنتُ حيوانًا اجتماعيًّا مثل الكلب، وكنتُ في حاجةٍ إلى بقية أفراد نَوعي. استنتجتُ أنه من المُحتمَل أن يكون هناك أشخاصٌ آخرون قد نجَوا من الطاعون مثلما نجَوت. واستنتجتُ أيضًا أنَّه لا بدَّ أن تكون جميعُ جراثيم الطاعون قد اختفت بعد ثلاث سنواتٍ وعادت الأرضُ نظيفةً من جديد.

figure
«مع حصاني وكلبيَّ ومهري، انطلقت.»

مع حصاني وكلبيَّ ومُهري، انطلقت. ومرةً أخرى عبرتُ وادي سان خواكين، والجبالَ التي تقع خلفه، ونزلتُ إلى وادي ليفرمور. كان التغيُّر الذي حدَث في هذه السنوات الثلاث مُذهلًا. لقد كانت الأرض قبل ذلك تُحرَث وتُزرَع على نحوٍ ممتاز، أما في ذلك الوقت، فلم أكد أستطيع أن أُميِّزها؛ فقد غطَّاها ذلك الغطاءُ النباتي الكثيف الذي تفوَّق على ما تزرعُه يدُ الإنسان؛ لقد كان الإنسانُ يعتني دومًا بالقمح والخضراوات وأشجار الفاكهة؛ فكانت ضعيفةً وهشَّة. وعلى النقيض من ذلك، كان يكافح الحشائش والأدغال البرية ومثل هذه النباتات، فغدَتْ أقوى وأشد. ولهذا، فحين كفَّتْ يدُ الإنسان، اختنقتِ الغالبية العُظمى من النباتات المُستأنَسة بفِعل النباتات البرية وهلكت. زادت أعدادُ ذئاب البراري بدرجةٍ كبيرة، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أُصادف فيها الذئاب تسير في مجموعاتٍ ثنائية أو ثُلاثية أو في قطعانٍ صغيرة، في مناطق أكثر انخفاضًا من تلك التي كانت تعيش فيها على الدَّوام.

عند بحيرة تيمسكال، وفي مكانٍ غير بعيدٍ عما كان من قبل مدينة أوكلاند، عثرتُ على أول مجموعة من البشر الأحياء. آهٍ يا أحفادي، كيف عساي أن أصِفَ لكم مشاعري حين كنتُ أمتطي فرَسي هابطًا التلَّ المؤدي إلى البحيرة، ورأيتُ نار المخيَّم تتصاعد عبر الأشجار؟ كادَ قلبي يتوقَّف عن الخفَقان. شعرتُ بأنني سأُجَن، ثم سمعتُ صوتَ بكاء طفل: طفل بشري. نبحتِ الكلاب وأجاب كلباي. لم أكن أعرف شيئًا سوى أنَّني الإنسان الحي الوحيد في العالَم بأكمله. لم أكن أتصوَّر أن أجِدَ بشرًا آخرين؛ دُخان وبكاء رضيع!

على البحيرة، هناك أمام عينيَّ على بُعدٍ يقلُّ عن مائة ياردة، رأيتُ رجلًا، رجلًا ضخم الجثة. كان واقفًا على الحَجَر البارز يصطاد السمك. كنتُ في غاية التأثُّر. أوقفتُ حصاني، وحاولت أن أنادي على الرجل لكنني لم أستطع. لوَّحتُ بيدي، وبدا لي أنَّ الرجل قد نظر إليَّ، لكنه لم يلوِّح. بعد ذلك، أسندتُ رأسي على ذراعيَّ هناك على السرج. كنتُ خائفًا من النظر مرةً أخرى؛ إذ كنتُ أعلم أنها هلوسة، وكنتُ أعلم أنني إذا نظرتُ ثانيةً فسوف يختفي الرجل. وما كان أثمنها من هلوسة حتى إنَّني أردتُ لها أن تستمرَّ لفترةٍ أطول قليلًا. وكنتُ أعلم أنها سوف تستمرُّ ما دمتُ لا أنظر هناك ثانيةً.

وهكذا بَقيتُ على هذا الوضع إلى أن سمعتُ زمجرة كلبيَّ وصوتَ رجلٍ. ماذا تظنُّون أنَّ الصوت قد قال؟ حسنًا، سوف أخبركم. لقد قال: «مِن أيِّ جحيمٍ أتيتَ يا هذا؟»

figure
«الشوفير.»

كانت تلك بالضبط هي الكلمات التي تحدَّث بها إليَّ جَدُّك الآخر يا هير-ليب حين حيَّاني على شاطئ بحيرة تيمسكال قبل خمسة وسبعين عامًا. وقد كانت أقدس كلماتٍ سمعتُها. فتَحتُ عينيَّ ورأيته واقفًا أمامي، رجلًا ضخمًا مُشعِرًا أسمر البشرة، بارز الفكَّين، مُقوَّس الحاجِبَين، مُتَّقِد العينَين. لا أعرفُ كيف نزلتُ عن حصاني، لكن يبدو أنَّ أول شيءٍ قد عرفتُه بعد ذلك هو أنني أمسكتُ يدَه بكلتا يديَّ ورحتُ أبكي. كنتُ أرغبُ في عِناقه لكنه كان رجلًا مُرتابًا ضَيِّقَ الأُفق، وابتعدَ عنِّي. بالرغم من ذلك، فقد تشبثتُ بيدِه ورحتُ أبكي.»

تهدَّج صوتُ الجَدِّ وانقطع عندما تذكَّر ذلك الأمر، وسالت دموعُ الضَّعف على خدَّيه بينما راحَ الصِّبية ينظرون ويُقهقهون.

واصلَ حديثه قائلًا: «غير أنني رحتُ أبكي وكنتُ أرغب في مُعانقته، لكنَّ الشوفير كان رجلًا فظًّا، كان وحشيًّا تمامًا، لقد كان أبغضَ رجلٍ عرفتُه على الإطلاق. كان اسمُه … غريب كيف أنني نسيتُ اسمَه. لقد كان الجميعُ يدعونه الشوفير، لقد كان هذا اسم مِهنته، وقد التصقَ به. وهكذا أصبحَت القبيلة التي أسَّسها تُسمَّى إلى هذا اليوم بقبيلة الشوفير.

كان رجلًا عنيفًا وظالمًا. إنني لا أستطيع أن أفهم أبدًا السبب في أنَّ جراثيم الطاعون قد تركتْه. يبدو أنه ما من عدالةٍ في الكون، بالرغم من تصوُّراتنا الميتافيزيقية القديمة عن العدالة المُطلقة. لماذا عاشَ؟ هذا الكائنُ الشرير، وحشٌ في صورة إنسان، وصْمةُ عارٍ على جبين الطبيعة، كائنٌ قاسٍ عنيدٌ بهيميٌّ وغشَّاشٌ أيضًا. كلُّ ما كان يستطيع الحديث عنه هو السيارات ذات المُحرك والآلات والوقود والمرائب، وكان يحلو له على وجه الخصوص أن يتحدَّث بابتهاجٍ كبير عن سَرِقاته المَقيتة، وخداعه الخسيس للأشخاص الذي كان يعمل لحسابهم في أيام ما قبل الطاعون. وبالرغم من ذلك، فقد عاشَ، بينما ماتَ مئات الملايين، بل المليارات ممَّن هم أفضلُ منه.

figure
«فِستا: المرأة الفريدة.»

ذهبتُ معه إلى مُخيَّمه، وقد رأيتُها هناك، فِستا: المرأة الفريدة. لقد كان الأمر رائعًا … ومُثيرًا للشفَقة. ها هي، فِستا فان ووردن، زوجة جون فان ووردن الشابَّة، ترتدي أسمالًا بالية، وبِيدَين مُشوَّهتَين تمتلئان بالندوب وغلظتا من العمل الشاق، كانت تنحني على نار المُخيَّم وتؤدي مهامَّ الخدَم. إنها فِستا التي وُلدت في أثرى العائلات البارونية التي عرفها العالمُ على الإطلاق. لقد كانت ثروة زوجها جون فان ووردن، رئيس مجلس الأقطاب الصناعية، تُقدَّر بمليارٍ وثمانمائة مليون دولار، لقد كان حاكِم أمريكا. ولأنه كان أيضًا عضوًا في الهيئة الدولية للمراقبة، فقد كان أحد الرجال السبعة الذين كانوا يحكمون العالَم. وقد كانت هي نفسها سليلة أسرةٍ نبيلة بالقدْر نفسه. كان والدها فيليب ساكسون رئيسًا لمجلس الأقطاب الصناعية حتى وقت وفاته. وكان هذا المنصب في طريقه إلى أن يُصبح منصبًا وراثيًّا، ولو كان لفيليب ساكسون ابنٌ لخَلَفَه في تولِّي هذا المنصب. غير أنَّ فِستا كانت هي ابنته الوحيدة، الزهرة المثالية لأجيالٍ من أرقى الثقافات التي أنتجَها هذا الكوكب على الإطلاق. وبعد أن تمَّتْ خطبة فِستا وفان ووردن، أعلن ساكسون أنَّ الأخير سيكون خليفته. لقد كان زواجًا سياسيًّا بالتأكيد. إنني مُقتنعٌ بأنَّ فِستا لم تُحِب زوجَها يومًا ذلك الحبَّ الجنوني المُتَّقِد الذي كان يتغنَّى به الشعراء. لقد كان زواجهما أشبَهَ بالزيجات التي كانت تجمع بين الملوك قبل أن يحلَّ محلَّهم الأقطاب.

ها هي قد وقفَتْ تغلي حساءَ السمك في وعاءٍ يُغطيه سَوادُ الدخان، وقد ألهبَ الدخان اللاذع المُتصاعد من النار المكشوفة عينَيها الرائعتَين. لقد كانت قصتها قصةً حزينة؛ فقد كانت الناجية الوحيدة من بين مليون شخص، مثلما كنتُ أنا، ومثلما كان الشوفير أيضًا. على قمَّة رَبوة في تلال ألامِيدا التي تطلُّ على خليج سان فرانسيسكو، بنى فان ووردن قصرًا ضخمًا. كان مُحاطًا بحديقةٍ تبلغ مساحتها ألفَ فدان. حين تفشَّى الطاعون، أرسلها فان ووردن إلى هناك. كان الحُرَّاسُ المُسلحون يتولَّون حماية حدود الحديقة، ولم يكن هناك شيءٌ يدخل القصر، من المُؤن أو حتى البريد، دون أن يُعقَّم بالبُخار أولًا. وبالرغم من ذلك، فقد دخلَ الطاعون وقتل الحُرَّاسَ في مواقعهم والخدَمَ وهم يؤدُّون مهامهم، مُكتسحًا هذا الكَمَّ الهائل من الخدَم بأكمله، أو على الأقل جميع هؤلاء الذين لم يَفرُّوا ليموتوا في مكانٍ آخر. وهكذا، وجدتْ فِستا نفسها الإنسان الحي الوحيد في هذا القصر الذي أصبح مقبرة.

figure
«ها هي قد وقفت تغلي حساءَ السمك في وعاءٍ يُغطيه سوادُ الدخان.»

والآن، كان الشوفير أحد الخدَم الذين هربوا. وعند عودته بعد ذلك بشهرَين، عثر على فِستا وقد أقامت حياتها في سُرادق صَيفي صغير. لقد كان الشوفير وحشيًّا. ونظرًا لخَوفِها منه، هربتْ بعيدًا واختبأت بين الأشجار. وفي تلك الليلة، سارتْ على قدمَيها وهربتْ إلى الجبال، هي التي لم يعرِفْ جسدُها الرقيق وقدماها الناعِمتان يومًا كدمات الحجارة ولا خدوشَ النباتات المليئة بالأشواك. كان يتعقَّبها، وفي تلك الليلة أمسكَ بها. لقد ضربَها. أتفهَمون؟ راحَ يلكمها بقبضاته البَشِعة وجعلها أمَةً له. كانت هي التي تجمعُ الأخشابَ وتُقيم النار وتطهو وتؤدِّي جميع أعمال المُخيَّم المهينة، وهي التي لم تؤدِّ أيًّا من مهام الخدَم في حياتها. لقد كان يُرغمها على فعل هذه الأشياء، أما هو، فكان كأمثاله من الهمج يُفضِّل أن يجلسَ في المُخيَّم ويُراقب ما يحدُث. لم يكن يفعل شيئًا، لم يفعل شيئًا على الإطلاق، إلا أن يذهب أحيانًا لصيد الحيوانات أو الأسماك.»

تحدَّث هير-ليب بصوتٍ خفيض إلى الصَّبِيَّين الآخرَين مُعلَّقًا على القصة: «هنيئًا للشوفير. إنني أتذكَّرُه قبل أن يموت. كان عظيمًا. لقد استطاع أن يفعل أشياءً كثيرة بنجاحٍ. تزوَّج أبي من ابنته. كان الشوفير يتفوَّق على أبي إذ كان نذلًا في واقع الأمر. كان يجعلنا نحن الأطفال نقِف حولَه من غير أن نفعل شيئًا، وحتى عندما كان يُحتضَر، طلبَني وضربَني على رأسي بتلك العصا الطويلة التي كان يضعُها بجواره دومًا.»

مسحَ هير-ليب على رأسه المُستديرة مُتذكِّرًا، وعاد الصَّبيَّان إلى العجوز الذي كان يُثرثر بنشوةٍ عن فِستا، زوجة مُؤسِّس قبيلة الشوفير.

«أقولُ لكم إنكم لن تستطيعوا أن تتخيَّلوا بشاعة المَوقف. لقد كان الشوفير خادمًا. أتفهمون؟ كان خادمًا. وكان يتذلَّل مُطأطأ الرأس لشخصٍ مثلها. لقد كانت هي من أسياد الحياة مَولدًا ومُصاهرةً. إنَّ مصائر الملايين من أمثاله، كانت تحملها هي في يدِها البيضاء الورديَّة. وفي الأيام السابقة على الطاعون، كان أقل تواصُل مع أمثاله يُعَدُّ تلوُّثًا. آهٍ، لقد رأيتُ هذا. أتذكر أنَّ ذلك قد حدث مع السيدة جولدوين ذات مرة، وقد كانت زوجة أحد الأقطاب الكبار. فأثناء صعودها على متن سفينتها الهوائية الخاصة، سقطتْ منها مظلَّتُها. رفعَها الخادمُ من الأرض وأخطأ بأنْ مدَّ يدَه بالمظلَّة إليها، إليها وهي أحد أعظم السيدات على الأرض! تراجعَتْ هي إلى الخلف كما لو أنه أبرَص وأشارت إلى مُساعدها بأن يأخُذَها منه. وقد أمرت مساعدها أيضًا بأن يعرف اسم هذا الكائن ويتأكَّد من طردِه من الخدمة على الفور. على هذا النحو كانت السيدة فِستا فان ووردن. ثُم يأتي الشوفير بعد ذلك ليضربها ويجعل منها أمَةً له.

figure
«ثم يأتي الشوفير بعد ذلك ليضربها ويجعل منها أمَةً له.»

بيل، لقد كان هذا هو اسمُه، بيل الشوفير. لقد كان رجلًا بدائيًّا بغيضًا، وكان أبعدَ ما يكون عن السلوكيَّات الفطرية الأكثر رُقيًّا ونزعات الشهامة التي تتحلَّى بها النفوسُ المُتحضِّرة. حقًّا، ليس هناك عدالة مُطلقة، إذ وقعت في يده أعجوبة النساء تلك: فِستا فان ووردن. إنكم لن تفهموا أبدًا مدى الفاجعة في هذا الأمر يا أحفادي؛ فأنتم أنفسكم صغار همجيُّون وبدائيُّون لا تدرون شيئًا البتَّة سوى السلوك الهمجي. لماذا لم تكن فِستا زوجةً لي؟ لقد كنتُ رجلًا ذا ثقافة وتهذيب، أستاذًا في جامعة عريقة. بالرغم من ذلك، فإنه في زمن ما قبل الطاعون، كانت هي في مكانةٍ رفيعة للغاية؛ فلم تكن لِتهتمَّ بأن تعلم بوجودي من الأساس. ثم انظروا إلى ما هَوتْ إليه من انحدارٍ سحيق على يدي الشوفير. لم يكن شيءٌ أقل من هلاك البشرية بأكملها ليُتيح لي أن أعرفها وأنظُر في عينَيها وأتحدَّث معها وألمس يدَها وأُحبَّها وأعرف أنها تُكنُّ لي العطفَ والحنان. إنني أعتقد أنها، حتى وهي ما هي، كانت ستُحبُّني إذ لم يكن يُوجَد رجلٌ آخر في العالم سوى الشوفير. لماذا وقد أهلكَ الطاعونُ ثمانية مليارات شخص، لم يُهلك شخصًا واحدًا إضافيًّا وهو الشوفير؟

بينما كان الشوفير يصطاد الأسماك ذات مرة، توسَّلتْ إليَّ أن أقتُله. لقد توسَّلت إليَّ أن أقتله والدموع في عينَيها، لكنه كان رجلًا قويًّا وعنيفًا، وكنت خائفًا. بعد ذلك تحدَّثتُ معه، وعرضتُ عليه أن أعطيه فرَسي ومُهري وكلبيَّ، وجميع ما أملك، مقابل أن يترُك لي فِستا. غير أنه عبَسَ في وجهي وهزَّ رأسه. لقد كان مُهينًا للغاية. قال إنه كان خادمًا، كان كالتراب تحت أقدام الرجال من أمثالي، والنساء من أمثال فِستا، وإنه أصبح لدَيه الآن أعظمُ سيدة على وجه الأرض خادمة له تطهو له طعامه وتُرضع أطفاله. قال: «لقد عشتَ أيامك قبل الطاعون، أما هذه الأيام فهي أيامي أنا، ويا لها من أيامٍ رائعة! إنني لن أقايض للعودة إلى الأيام الخوالي بأي ثمن.» كانت تلك هي الكلمات التي تحدَّث بها، لكنها ليستْ كلماته. فلقد كان رجُلًا وقحًا وضيعًا، وكان لسانه لا يعفُّ أبدًا عن الأيمان البذيئة.

وأخبرَني أيضًا أنه إذا رأى عينيَّ تقع على امرأته، فسوف ينال منِّي، ويضربها هي أيضًا. ماذا كان عليَّ أن أفعل؟ كنتُ خائفًا؛ إذ كان مُتوحشًا. في الليلة الأولى التي اكتشفتُ فيها المُخيَّم، تحدَّثتُ مع فِستا حديثًا رائعًا عن أمور عالَمنا المُندثر. تحدَّثنا عن الفنِّ والكتب والشعر، بينما كان الشوفير يستمع عابسًا ويهزأ منَّا. لقد كان ضجرًا وغاضبًا من طريقتِنا في الحديث التي لم يكن يفهمها، وأخيرًا تحدَّث قائلًا: «هذه هي فِستا فان ووردن التي كانت من قبل زوجة القطب فان ووردن، جميلة مُتشامخة من عِلية القوم، وهي الآن زوجتي. أجل يا بروفيسور سميث، لقد تغيَّر الزمن. والآن، هلُمِّي يا امرأة وانزعي عنِّي خُفيَّ، أسرِعي! إنني أريد البروفيسور سميث أن يرى كم درَّبتُك جيدًا.»

رأيتُها تجزُّ على أسنانها، بينما يشتعل لهيب التمرُّد في وجهها. رفع قبضته الشرسة ليضرب بها. كنتُ خائفًا وسقيم القلب. لم يكن بوسعي أن أفعل شيئًا لأتغلب عليه؛ لذا فقد نهضتُ لكيلا أشهَدَ مثل هذه المهانة. غير أنَّ الشوفير ضحك وهدَّدني بالضرب إن لم أبقَ وأنظر. وقد جلستُ هناك مُرغمًا بجوار نار المُخيَّم على شاطئ بحيرة تيمسكال، ورأيتُ فِستا، رأيتُ فِستا فان ووردن وهي تركع على ركبَتَيها وتنزِع الخُفَّين عن ذلك الرجل الوحشي العَبوس كثيف الشعر، والذي هو أشبَهُ بقِردٍ.

آهٍ يا أحفادي، إنكم لا تُدركون صعوبةَ هذا الموقف. أنتم لا تفهمون ما أعنيه بحقٍّ.

تحدَّث الشوفير شامتًا بينما راحَتْ هي تؤدي تلك المهمة البشِعة المُهينة: «ها هي ترتدي الرَّسن وتنصاع للِّجام. إنها تكون عنيدة قليلًا في بعض الأحيان يا بروفيسور، عنيدة قليلًا، لكن ضربة على الفك تجعلها وديعةً ولطيفة كحَمَل.»

وفي مناسبةٍ أخرى قال: «علينا أن نبدأ من جديدٍ ونتناسَل كي نملأ الأرضَ مُجدَّدًا. أنت عاجزٌ عن ذلك يا بروفيسور؛ إذ ليس لديك زوجة، ونحن نُواجِه موقفًا صعبًا في مسألة تكوين «جنَّة عدن». غير أنني لستُ فخورًا بذلك؛ ولذا لديَّ اقتراحٌ لك أيُّها البروفيسور.» أشار إلى طفلته الصغيرة التي لم تكد تبلغ العام، وقال: «ها هي زوجتك، غير أنك ستُضطرُّ إلى الانتظار إلى أن تكبُر. أليس هذا أمرًا ثمينًا؟ إننا جميعًا مُتساوون هنا، وأنا الأقوى بينكم هنا، غير أنني لستُ مُتعاليًا، ليس ذلك من شِيَمي. إنني أمنحك أيُّها البروفيسور، الشرَفَ العظيم في أن تكون خطيبًا لابنتي أنا وفِستا فان ووردن. أليسَ من فداحة سوء الحظ ألا يكون فان ووردن موجودًا ليرى؟»»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠