الشعر وفنونه

لم يعُد الحديث عن الأدب عامة والشعر بخاصة من البساطة واليسر على نحو ما كان عند أجدادنا السابقين من العرب، بل أصبح من العجز أن نُردِّد اليوم في محاولة تعريفنا للأدب وفنونه أمثال تلك التعاريف الساذجة التي كان يُردِّدها أجدادنا مثل قولهم: «إن الأدب هو الإلمام من كل شيء بطرف»، وقولهم: «إن الشعر هو الكلام الموزون المُقفَّى»، بعد أن أصبحت الثقافات العالمية تعجُّ اليوم بمختلف الفلسفات الجمالية ومذاهب الأدب والفن؛ حتى أصبح لزامًا علينا أن نُعيد فهمنا للأدب عامة والشعر بخاصة على ضوء تلك الثقافات العالمية؛ حتى لا نظل متخلِّفين عن ركب الإنسانية العام.

ويُحسُّ مَن يريد أن يتحدَّث اليوم عن فن من فنون الأدب بحاجة جذرية إلى أن يبدأ من الكُلِّيات حتى يستطيع أن يُرسِي حديثه على أسسٍ عامة تُحدِّد وتُوضِّح حقائق الأشياء، وكأنه يبدأ هذا الحديث بأبجدية الفن والأدب.

ومن هنا يجدُر بنا أن نحاول أولًا: الاتفاق على تعريف يجمع ما تصطلح الإنسانية اليوم على تسميته أدبًا، ويمنع ما لا تعتبره داخلًا في الأدب من أنواع الكتابات الأخرى؛ فنقول: إن الأدب هو كل ما يثير فينا — بفضل خصائص صياغته — انفعالاتٍ عاطفيةً أو إحساساتٍ جمالية.

والأدب لا يزال ينقسم كما قال العرب القدماء إلى شعر ونثر، وإن تكن الفنون التي تنطوي تحت كل قسم تختلف اختلافًا بيِّنًا عند الغربيين عنها عند العرب.

فالنثر — في تقاليد الأدب العربي — كان لا يدخل في مجال الأدب إلا إذا كان نثرًا فنيًّا؛ أي في الغالب نثرًا مصنوعًا كنثر الرسائل والخطب والمقامات والأمثال السائرة، وذلك بينما يشمل النثر الأدبي عند الغربيين الكثير من الكتابات الفلسفية والتاريخية والاجتماعية، فضلًا عن النثر في معناه الضيق الذي يشمل القصة والأقصوصة والمقالة والسيرة والمسرحية، وهو أدب أخذنا نحتذيه منذ نهضتنا المعاصرة؛ حتى وُجدت لدينا كل الفنون النثرية، بينما اختفت فنون النثر العربي القديمة أو الكثير منها: كالمقامة وما إليها بعد أن تحلَّل نثرنا الحديث من الصنعة اللفظية التي كانت عماد تلك الفنون القديمة.

وأما الشعر فقد ميَّز الأوروبيون في مجاله منذ عصر الإغريق القدماء ثلاثةَ فنونٍ كبيرة، لكل منها خصائصه وأهدافه، وهي: شعر الملاحم، والشعر التمثيلي، والشعر الغنائي، وذلك بينما لم يعرف العرب القدماء في مجال الشعر غير فنٍ واحد، وهو الفن الغنائي، حتى إذا اتصلنا بالغرب ودرسنا آدابه، وتبينَّا فيها تلك الفنون المختلفة، أخذنا نحاكيها كما فعلنا في مجال النثر الأدبي، وذلك حين كان بعض تلك الفنون الشعرية الكبيرة قد انقرضت في الغرب، أو أخذت سبيلها نحو الانقراض، وحلَّ النثر محلَّ بعضها كالشعر التمثيلي، على حين مات البعض الآخر ولم يَعُد يستطيع الحياة بعد أن تطوَّرت الإنسانية، وأصبحت عاجزة عن أن تأتي فيه بمثل ما أتى الشعراء القدماء في فجر الإنسانية، ونعني بذلك شعر الملاحم، وكأننا بذلك نودُّ أن نعود فنمرَّ بجميع المراحل التي اجتازها الأدب في الغرب، وذلك بدلًا من أن نُجاري تطوَّر الإنسانية العام، فندرك أن الشعر أوشك أن يصبح اليوم مقصورًا على الفن الغنائي، وأن التجديد والإبداع في الشعر إنما يتركَّز اليوم في هذا الفن، وأن معارك الشعر الأدبية إنما تدور عند الغرب في العصر الحديث حول وسائل وأهداف ذلك الفن الغنائي.

ومع ذلك فإنه على الرغم من تطوُّر فنون الشعر على النحو الذي ذكرناه، فإنه لا يزال من الأهمية بمكان أن نوضِّح وأن نتفهَّم أصول وأهداف كل فن من هذه الفنون؛ لكي نستطيع فهم مذاهب الأدب المختلفة، ومدى انطباقها أو تأثيرها على كل من هذه الفنون، كما ندرك أسباب نجاح كل مذهب في السمو بأحد تلك الفنون دون الفنون الأخرى على نحو ما نلاحظه من أن المذهب الكلاسيكي مثلًا قد أدَّى إلى تفوُّق الشعر التمثيلي تفوقًا لم يستطع أن يلاحقه أو يدنو منه الشعر الغنائي عند الكلاسيكيين، وذلك على حين نلاحظ على العكس أن الرومانسية قد أنتجت شعرًا غنائيًّا يبذُّ في قيمته الإنسانية والفنية، الشعر التمثيلي الذي أنتجه الرومانسيون، كل هذا على حين فشل شعر الملاحم عند الفريقين بل عند جميع المحدَثين.

أما شعر الملاحم فقد ازدهر في فجر الإنسانية، وهو الشعر الذي يقصُّ أنباء المعارك والبطولة والأبطال على نحوٍ ساذجٍ خالٍ من التعقيدات العقلية والفنية، حتى ليُظَنَّ أن الملحمتَين اللتَين تعتبران المثل الأعلى لهذا الفن وهما: الإلياذة والأوديسة لم يبتكرهما شاعر بعينه إنما ابتكر أجزاءهما المختلفة شعراءُ شعبيون متعدِّدون، ثم جاء هوميروس — إذا سلمنا بصحة وجوده التاريخي — فوعى في ذاكرته كل تلك الأجزاء، ولربما أضاف إليها أجزاء من ابتكاره، ثم أخذ يجوب بلاد اليونان ومعه قيثارته أو ربابته مُنشدًا على نغماتها تلك الأشعار الرائعة بما فيها سحر البساطة ونضرة الجمال الذي يشبه جمال الطفولة، حتى إذا جاء القرن الخامس قبل الميلاد، رأى بيز ستراتوس حاكم أثينا أن يؤلِّف لجنة من الأدباء والشعراء؛ لتدوين هاتين الملحمتين حفظًا لهما من الضياع. ولما كان الخيال الشعري قد احتفظ بذكرى هوميروس الشاعر الضرير، وتوارثت الأجيال أنباء شهرته الذائعة فقد نُسبت الملحمتان إليه، وهما تقصَّان بعض أحداث تلك الحرب الضروس التي نشبت فيما بين القرنَين العاشر والحادي عشر قبل الميلاد بين بلاد اليونان ومملكة طروادة في آسيا الصغرى، نتيجة لخطف باريس أحد أمراء طروادة لهيلانة زوجة منيالاس الملك اليوناني أثناء رحلته البحرية إلى بلاد اليونان. ولما كانت اللغة اليونانية عندئذٍ موحَّدة المستوى، ولم تكن هناك لغةٌ عامية ولغةٌ فصحى، كما كانت أوزان الشعر وأصوله موحدة؛ فإن هذا الشعر لم يعتبر شعبيًّا بالنسبة إلى غيره من الشعر الثابت النسبة لشعراء معينين، بل على العكس اعتُبر التراث الأدبي الأول عند اليونان؛ حتى رأينا شعراء التمثيليات يعترفون بأن مسرحياتهم ما هي إلا فتات تساقط من مائدة هوميروس.

وسار الزمن سيرته، وأخذت الثقافة تنمو، وبنموها أخذت الطبيعة الإنسانية تتعقد وتبتعد عن الطفولة الأولى، كما أخذت فنون الأدب الأولى — وبخاصة الشعر — هي الأخرى تتعقَّد وتبدأ فيها بوادر الصنعة اللفظية، ومع ذلك استطاع فرجيل شاعر الرومان أن يضع لبني وطنه ملحمتهم، وهي: الإنيادة التي تقص أنباء جدهم الأعلى البطل أتيوس وتأسيسه لمدينة روما، وما كان له من معارك ومغامرات في هذا العالم وفي العالم الآخر أيضًا. وعلى الرغم من براعة فرجيل الفنية، ونمو ثقافته وتفكيره، فإن أدباء العالم كله لا يزالون يؤثِرون الإلياذة والأوديسة على الإنيادة؛ وذلك لسحر بساطتهما وجمال شعرهما التلقائي.

وفي العصور الحديثة حاول عدد من الشعراء في اللغات المختلفة، ابتداء من عصر النهضة حتى القرن التاسع عشر كتابة ملاحم، لكنهم فشلوا جميعًا، وطوى الزمن ملاحمهم في جوف أمواجه، ولم تعد الإنسانية تقرأ وتعجب إلا بالملاحم القديمة كالإلياذة والأوديسة والإنيادة في الغرب، والمهبراته والرميانا في الهند، والشاهنامة في فارس.

والواقع أن الآداب الفنية في العصر الحديث، قد تركت فن الملاحم للآداب الشعبية، بل في استطاعتنا أن نلاحظ أن العصر الحديث قد أخذت تختفي منه أيضًا الملاحم الشعبية، وذلك باختفاء شعراء الربابة المتجوِّلين تدريجًا بعد أن تطورت الإنسانية وتعدَّدت لديها وسائل التسلية الآلية كالراديو وغيره، بل بعد أن تعقَّدت الطبيعة البشرية بنمو الثقافة والتفكير الوضعي، وانقضاء روح الطفولة الغضَّة بين البشر.

وهكذا نستطيع أن نُسجِّل أن فن الملاحم انتقل بعد العصر القديم من الأدب الفني إلى الأدب الشعبي، ثم انتهى به الأمر إلى الاختفاء فلم تعد الإنسانية تبتكر ملاحمَ جديدةً، وإن ظلَّت تطرب للملاحم القديمة فنيةً كانت أم شعبية؛ بحيث يتضح لنا أن محاولة بعض شعرائنا المحدَثين كتابة ملاحم إنما هو ضرب من المجازفة التي تتنافى مع حقائق الأدب المعاصر، بل حقائق النفس الإنسانية. وما نظن أن أحدًا منهم يستطيع أن يهيئ في نفسه تلك الطفولة الغضَّة والسذاجة الساحرة التي يكمن فيها جمال الملاحم القديمة.

هذا، والملاحظ أن الملاحم كانت تتناول معارك وبطولة الماضي السحيق الذي جعل منه الخيال الشعبي والرواية الشفوية ما يشبه الأساطير وخوارق الأمور. والعالم اليوم لم يعُد يخترع أساطير، كما أن اختراع الكتابة وتدوين التاريخ لم يعودا يسمحان بتحويل أحداث الماضي إلى خوارق وأساطير، ومن بابٍ أولى أحداث الحاضر؛ بحيث يستطيع أحد شعرائنا المعاصرين أن ينظم قصيدة قصصية أو حماسية طويلة عن حرب فلسطين مثلًا دون أن نستطيع إدخالها في فن الملاحم الذي تميَّز بخصائصه المحدَّدة التي لم يعد يجهلها أحد من عامة الأدباء والدارسين في الغرب.

هذا، وقد ترجم سليمان البستاني إلياذة هوميروس شعرًا، وكتب لها مقدمةً ضخمة عن الشعر ونشأته وفنونه وأوزانه، لكننا نلاحظ أن هذه المقدمة هي التي تُقرأ اليوم أكثر مما تُقرأ الترجمة؛ وذلك لجهامة الأسلوب الذي استخدمه، وبُعده عن سحر الأصل اليوناني وسذاجته.

كما تُرجمت هي وغيرها من الملاحم القديمة إلى اللغات الأوروبية الحية جميعها، ومن بين تلك التراجم النثرية والشعرية ما يقارب الأصل في جماله، لكنه لا يلحق به، ومع ذلك فباستطاعة القارئ لترجمةٍ إنجليزية أو فرنسية، فضلًا عن الأصل اليوناني؛ أن يتبيَّن عناصر السحر في تلك الملاحم، وملامح تلك السذاجة الغضَّة التي تتفتَّح لها النفس، بل باستطاعتنا أن نُحيل السامع لحسن الحظ إلى عدة ترجمات ودراسات ظهرت حديثًا في لغتنا العربية عن الملاحم القديمة، مثل: الترجمة الدقيقة التي نشرها الأستاذ أمين سلامة للإلياذة في مطبوعات «كتابي»، ومثل ترجمة ودراسات أديبنا الكبير الأستاذ دريني خشبة لأشعار هوميروس، وأساطير اليونان الأقدمين، ومثل التراجم التي صدرت لبعض ملاحم الشرق مثل: ترجمة أستاذنا المرحوم عبد الوهاب عزام لشاهنامة الفردوسي، والمحاولات التي بُذلت لترجمة المهباراتة.

ولا أدلَّ على السذاجة الساحرة لتلك الملاحم من أن نرى هوميروس مثلًا لا يحاول أن يستقصي وصفًا، أو يُحلِّل نفسًا بشرية أو موقفًا إنسانيًّا، بل يقذف تلقائيًّا بصفة أو يُلوِّن صورًا عابرة، ومع ذلك يوحي بأسمى خصائص الجمال وأقوى عناصر التأثير. فهو مثلًا يتحدث عن هيلانة مثال الجمال الأعلى التي كانت السبب في نشوب الحرب بين طروادة وبلاد اليونان، كما يتحدَّث عن أندروماك زوجة هيكتور التي سبت الرجال بجمالها، ومع ذلك لا يصف جمال هيلانة إلا بصفةٍ واحدة يلصقها باسمها، وتتكرَّر الصفة نفسها مع الاسم كلما جرى في شعره، وهذه الصفة هي «عمق الحزام» فاسم هيلانة لا يرد إلا مُردَفًا بقوله «ذات الحزام العميق» وأندروماك لا يرد اسمها إلا مُردَفًا بصفة لا تتغير وهي «ذات الذراع البيضاء» وأما ما دون ذلك من مواضع الفتنة والجمال عن هيلانة أو أندروماك فذلك ما لا يشير إليه هوميروس مكتفيًا بتكرار اسميهما مردفًا بكل منهما الصفة الخاصة به؛ بحيث يولِّد فينا هذا التكرار إحساسًا عميقًا بالجمال، ويطلق هذا الإحساس العنان للخيال لتصوُّر ما شاء من مواضع الفتنة والجمال.

وأما عن فن هوميروس الخاطف في تصوير الحالات النفسية المعقَّدة بواسطة صورٍ حيةٍ خاطفة دون تمهُّل عند التحليل النفسي أو الأخلاقي المعقَّد، فلسنا نجد له مثلًا خيرًا من موقفٍ إنسانيٍّ شعريٍّ رائع، صوَّره هوميروس في الأغنية السادسة من الإلياذة؛ حيث قصَّ قصة وداع هيكتور بطل طروادة وزوجته الجميلة المحبوبة أندروماك ذات الذراع البيضاء قبل انطلاقه إلى المعركة التي لقي فيها حتفه، ولم تكن أندروماك تجهل خطورة تلك المعركة التي كان زوجها سيلقى فيها أخيل بطل اليونان «أخيل ذا القدم الخفيفة» وتشفق عليه من الموت الذي يتهدَّده، ومع ذلك لا تريد أن تنال من شجاعته ومن ثقته بنفسه بإظهار الجزع؛ فهي تتجلَّد، لكن الجلد يخونها عندما يتناول هيكتور من بين ذراعيها ابنهما الصغير لكي يُقبِّله ثم يردُّه لأمه، في هذه اللحظة الحاسمة تظهر قدرة هوميروس الخارقة رغم بساطتها وانحصارها في صورةٍ حسيةٍ خاطفة لقطتها ريشته، فجمعت فيها العواطف والانفعالات التي كانت تصطرع في نفس أندروماك في تلك اللحظة، وهذه الصورة هي قوله: «وردَّ إليها هيكتور الطفل فتلقَّته بابتسامة تُبلِّلها الدموع.»

وأما عن خصائص الصياغة الشعرية، فقد انفرد فيها أيضًا هوميروس بوسائلَ تلقائيةٍ ساذجة هي مع ذلك غزيرة الشاعرية، ومن أبرز تلك الخصائص استخدامه لنوع من الصفات التي يُسمِّيها النقَّاد المحدثون بصفات «الماهية» Epithètes de nature وبيان ذلك أن الصفات في اللغات جميعها ليست كما نظن مجرد أدوات لتمييز شيء عن شيءٍ آخر، مثلما نقول: رجلٌ أبيض؛ لتمييزه عن الرجل الأسود أو الأصفر، إنما هناك نوعٌ آخر من الصفات لا تُستخدم للتمييز، بل تُستخدَم لإظهار الماهية؛ أي أنها صفاتٌ ملازمة لطبيعة الشيء الموصوف مثل قولنا مثلًا «الله الخالد الباقي» فصفتا الخالد والباقي لا تُستخدمان هنا لتمييز إله خالد باقٍ عن إله غير خالد ولا باقٍ، إنما تُستخدمان لإظهار طبيعة أو ماهية الله. وقد أحسَّ هوميروس بهذه الحقائق اللغوية فأكثر من استخدام صفات الماهية التي تُكسِب شعره قوة وجمالًا ساذجًا كقوله: «البحر المائي» وككل تلك الصفات التي يُلحِقها بأبطاله لإظهار بعض خصائصهم لا لتمييزهم عن غيرهم.

وها هو ذا وصف هوميروس لبدء المعركة، كما حكاه في الأغنية الرابعة من هذه الملحمة مأخوذًا عن ترجمة الأستاذ أمين سلامة:

بدء المعركة

«وكما يضرب البحر الثائر الشاطئ الصاخب موجة بعد موجة مسوقًا بالريح الغربية، فترفع الأمواج رأسها على سطح اليمِّ أولًا كالصخرة العالية، ثم تتكسَّر بعد ذلك على الشاطئ مدوية بصوتٍ كقصف الرعد ناثرة زَبَدها من الماء الملح … هكذا تحرَّكت فرق الدانيين في ذلك اليوم، صفًّا بعد صف، دون توقُّف، إلى القتال، وأصدر كل قائد أمره إلى رجاله، بينما تقدَّم الباقون في صمت، وما كان يُخيَّل إليك أن لتلك الجموع المتحركة أي صوت، بل كانوا جميعًا صامتين كأنهم يخافون قادتهم، وكانت الدروع المرصَّعة تتلألأ على جسم كل رجل، وهم يسيرون. أما الطرواديون فكما تقف النعاج في جماعات لا تُحصى في ساحة أحد الأثرياء ليحلب لبنها الأبيض، وتثغو دون هوادة كلما سمعت أصوات حملانها. هكذا أيضًا ارتفع صياح الطرواديين في جميع صفوف الجيش الفسيح؛ لأنهم لم يكونوا كلهم يتكلَّمون لغةً واحدة، بل خليطًا من اللغات، وقد جُمعوا من بلادٍ كثيرة يدفعهم «أريس» كما كانت الربة «أثينا» المتألِّقة العينين تدفع الآخيين الأغارقة، وتدفعهم معها آلهة الهلع والشغب والشقاق، وكانت الأخيرة — التي لا تهدأ ثائرتها — هي شقيقة ورفيقة أريس قاتل البشر، وكانت تبدو قصيرة القامة في أول الأمر حتى إذا اعتدلت في وقفتها طاول رأسها السماء، ووطئت قدماها الأرض في وقت معًا، وإنها لتشعل الآن روح البغضاء الشريرة وهي تطوف بين الجموع لتزيد في أنَّات الرجال.

فلما التقى الجيشان الآن، وأصبحا في مكانٍ واحد، التحما معًا بالتروس والرماح، وكان المحاربون جميعًا يرتدون دروعًا من البرونز، فاصطكَّت التروس المطعَّمة بعضها مع بعض، وارتفع رنينها الصاخب، وبعد ذلك سُمع صوت الأنين وصيحات النصر في وقتٍ واحد من القاتلين والمقتولين، وفاضت على الأرض الدماء، وكما يحدث عندما تتدفَّق سيول الشتاء هابطة من الجبال من ينابيعها العظيمة إلى مكان يلتقي فيه واديان، فيجتمع فَيْضها القوي ليصبَّ في مضيقٍ عميق، ويسمع الراعي صخبها من بعيد وسط الجبال؛ هكذا أيضًا ارتفع الصياح والصخب من الْتحام أولئك وأولئك في القتال، وكان أنتيلوخوس أول من قتل محاربًا طرواديًّا في كامل عدته الحربية، رجلًا عظيمًا من مقاتلي الصفوف الأولى، هو «أنجيبولوس بن ثالوسيوس» وقد ضربه الأول على قرن خوذته المزينة بخصلة من شعر الخيل، فانطلق الرمح إلى داخل جبهته، ونفذت السن البرونزية داخل العظم؛ فخيم الظلام على عينيه، وسقط في الصراع العنيف محطمًا كالجدار، وإذ ذاك أمسك «أليفينور» بالقتيل من قدميه — وكان هذا ابن «خالكودون» وقائد «الأيانتيس» ذوي النفوس العالية — وحاول جذبه من تحت السهام جاعلًا همه أن يجرده من درعه بمنتهى السرعة، لكن لم تلبث محاولته هذه غير فترةٍ وجيزة؛ إذ بينما كان يسحب الجثة أبصر به «أجينور» العظيم النفس، ولما كان جنبه بدون وقاية وهو منحنٍ أهوى عليه هذا برمحه ذي الطرف البرونزي فقطع أوصال أطرافه، وفي الحال فاضت روحه، وانهال على جثته سيل مرير من الطرواديين والآخيين، وشرعوا كالذئاب يقفزون الواحد فوق الآخر، وراح الرجل منهم يدحرج الرجل على الأرض.»

وأما فن الأدب التمثيلي فقد كان يُصاغ هو الآخر عند اليونان الأقدمين شعرًا، سواء منه المآسي والملاهي، بل كان يجمع فيه من الشعر والغناء والموسيقى والرقص؛ حيث ترى أجزاء المسرحية الإغريقية القديمة تتكوَّن من مشاهدَ حوارية، وأغنيات للجوقة مصحوبة بحركات من الرقص البدائي ونغماتٍ موسيقيةٍ ساذجة، وتتعاقب هذه الأجزاء المختلفة؛ الواحدة بعد الأخرى حتى نهاية المسرحية.

•••

وعندما بدأت حركة البعث الأوروبي في القرن الخامس عشر، وعاد الأوروبيون إلى الأدب الإغريقي القديم يحتذونه، بل يستمدُّون منه مواضيع مسرحياتهم؛ رأيناهم في أول الأمر يجمعون في المسرح بين الحوار وبين المقطوعات الغنائية، لكن هذا النوع من المسرحيات لم يدُمْ طويلًا؛ فلم تلبث الكلاسيكية أن تكوَّنت، وفيها انفصل فن التمثيل القائم على الحوار عن الغناء، وإن ظلت المسرحيات الجدية والهزلية تُنظَم شعرًا على نحو ما نلاحظ عند كورني وراسين وموليير في فرنسا مثلًا.

وإذا كان بعض كبار شعرائنا المعاصرين كشوقي وعزيز أباظة قد كتبوا بعض المسرحيات الشعرية، فإن محاولتهم قد استُهدفت للكثير من النقد على الرغم من قوة الشاعرية، كما أن نجاحها المسرحي ظل محدودًا.

•••

وأخيرًا هناك فن الشعر الغنائي، وهو شعر القصائد والمقطوعات، وهو إذا كان قد اتخذ عند العرب صورةً محدودةً ثابتة هي القصيدة ذات الوزن الواحد والرَّوِيِّ الواحد والقافية الواحدة والمستقلة الأبيات؛ فإنه قد اتخذ عند الغربيين منذ القدم صورًا وأشكالًا متباينة، وكان لكل صورة تركيبها الموسيقي الخاص، كما ارتبطت بعض التركيبات الموسيقية بالأغاني الشعرية المختلفة؛ فلأغاني الحماسة والنصر مثلًا تركيبٌ موسيقيٌّ يختلف عن أغاني الغرام أو أغاني الرعاة أو الأغاني الريفية، وإذا كانت النزعة الذاتية قد غلبت على الشعر العربي فإن الشعر الغنائي عند الغرب قد جمع بين الذاتية والموضوعية، بل إن هناك من القصائد التعليمية الطويلة ما يرتفع إلى ذُرى الشعر، كقصيدة «الأعمال والأيام» لهزيود اليوناني، وقصيدة «طبيعة الأشياء» للوكريتوس الروماني، وذلك بفضل خصائص صياغتها الشعرية.

هذا والملاحظ أن الشعر الغنائي كان يُتغنَّى به فعلًا في فجر الإنسانية سواء عند العرب أو الإفرنج، وكلمة Lirigue الغربية مشتقة من كلمة Lyre؛ أي «عود». وفي موسوعة الشعر العربي وهي كتاب الأغاني نجد المؤلف يُورد المقامات الموسيقية الخاصة لكل قصيدة وإن تكن اصطلاحاته قد أصبحت بالنسبة إلينا طلاسم ليس من السهل حلها، وإذا كان هذا النوع من الشعر قد تطوَّر في الشرق والغرب من الغناء إلى الإنشاد بل وإلى القراءة الصامتة، فإن العنصر الموسيقي المتمثِّل في الوزن والإيقاع والانسجامات الصوتية لا يزال بالغ الأهمية في هذا الشعر، بل وأخذت أهميته تزداد في أواخر القرن التاسع عشر حتى رأينا الرمزيِّين يقولون إن الشعر موسيقى قبل كل شيء، وإن العنصر الموسيقي فيه يبذُّ في الأهمية المعاني والعواطف والصور الشعرية ذاتها باعتبار أن الموسيقى هي أقوى أداة للإيحاء، والشعر عندهم إيحاءٌ أكثر منه تعبيرًا لغويًّا صريحًا واضحًا.

هذا، والملاحظ كما سبق القول أن فن الشعر قد أوشك في العصر الحاضر أن ينحصر في هذا النوع الغنائي بعد أن اختفى شعر الملاحم، وبعد أن حلَّ النثر محلَّ الشعر في الأدب التمثيلي.

وبعد الفراغ من هذا الاستعراض السريع لتطور فنون الشعر، ننتقل إلى استعراضٍ مماثل لتطور فلسفة الفن عامة والشعر بخاصة؛ لنرى كيف ساير التطور التاريخي السابق.

التطور الفلسفي

الكلمات التي يُسمى بها الشعر في اللغات الأوروبية الحديثة مأخوذة كلها من الكلمة اليونانية القديمة Poetica، وهذه الكلمة الأخيرة مشتقَّة بدورها من الفعل اليوناني Poetin ومعناها «يعمل» أو «يصنع» أو «يخلق»، وعلى هذا الأساس يكون معنى «الشعر» الاشتقاقي عندهم «الخلق» أو الإبداع، ومع ذلك نرى الفيلسوف الأول أرسططاليس يُرجع الشعر، بل الفنون الأخرى جميعها إلى ما يسميه بالمحاكاة: أي محاكاة الطبيعة وواقع الحياة بشتى الوسائل التي تملكها الفنون المختلفة، وهي في حالة الشعر اللغة والموسيقى، وعند الفهم الصحيح لنظرية المحاكاة كما تحدَّث عنها أرسطو لا نجد هناك تعارضًا بين معنى الشعر الاشتقاقي وحقيقته القائمة على المحاكاة؛ فأرسطو لم يقصد هو ولا غيره من المفكرين القدماء والمحدَثين إلى القول بأن المحاكاة الفنية نقلٌ آليٌّ أو شبه آلي عن الطبيعة أو الحياة، ومثل هذا النقل هو وحده الذي تنتفي معه صفة الخلق والإبداع في الشعر بخاصة والفنون عامة، فالفنان أو الشاعر لا ينقل عن الطبيعة أو الحياة رأسًا وبطريقٍ مباشرٍ آلي، وإنما ينقل عن الصورة التي تنعكس في نفسه عن بعض مشاهد الطبيعة أو الحياة، ولا أدلَّ على ذلك من أن أرسطو لم يحصر المحاكاة فيما هو واقع في الطبيعة والحياة، بل رأى أنها كثيرًا ما تكون محاكاة لما يمكن أن يكون أو لما يجب أن يكون، ولا يمكن أن تقتصر على ما هو كائن، وعلى هذا الأساس يميز أرسطو بين التاريخ والأدب؛ فالتاريخ يتقيد بما كان، بينما الأدب يحقُّ له، بل يجب أحيانًا، أن يعمل فيما كان من الممكن أن يكون؛ ولذلك يبحث الأدب عن العام المشترك، بينما ينحصر التاريخ في الخاص المفرد؛ فهو قد يصوِّر مثلًا استبداد «نيرون» ولكنه لا يصور الاستبداد في ذاته منطلقًا من إطارَي الزمان والمكان؛ ولذلك يقدِّم التاريخ أفرادًا وشخصيات بينما يستطيع الأدب أن يقدِّم نماذجَ بشريةً، وفي كل هذا ما يُفسح المجال أمام الأدب عامة للخلق والإبداع؛ بحيث تقترب حقيقته عند أرسطو من المعنى الاشتقاقي للفظة الشعر في لغة أرسطو نفسه، أي اليونانية القديمة، وهو معنى الخلق والإبداع.

على أنه يلوح لنا أن أرسطو عندما أرجع الشعر إلى محاكاة الطبيعة والحياة إنما كان ينظر إلى فنَّين بالذات من فنون الشعر، وهما: فن الملاحم، وفن التمثيليات الشعرية؛ أي الفنَّين الموضوعيَّين قبل كل شيء، وذلك بدليل أنه لم يتحدَّث عن فن الشعر الغنائي في كتابه الذي تحدَّث فيه عن الشعر عامة، وهو كتاب «الشعر»؛ إذ نراه يكتفي بأن يُقسِّم الشعر إلى فنونه الثلاثة ثم يُغفل بعد ذلك الحديث عن الشعر الغنائي؛ ليأخذ في تفصيل القول عن الفنَّين الآخرَين اللذين يستقيم فهمهما، أو يمكن أن يستقيم، على ضوء نظرية المحاكاة باعتبار أن الملاحم والمسرحيات تعرض قطاعات من الحياة؛ أي تحاكيها بالمعنى الواسع للمحاكاة سواء أكانت تلك القطاعات من الماضي كما كان الحال في الملاحم والتراجيديات أو من الحاضر كما كانت الحال في الكوميديات، وبخاصة كوميديات أريستوفان.

وعلى ضوء هذا التفسير نستطيع أن نفهم كيف أن الفلسفة الأدبية الكلاسيكية التي تقيَّدت بآراء أرسطو في الفن وبنظريته عن المحاكاة؛ قد اتجهت وأُنتجت بنوعٍ خاص في فن موضوعي من فنون الشعر كفن الشعر التمثيلي، كما نستطيع أن نفهم كيف أن الرومانسية التي تمرَّدت على الكلاسيكية وعلى فلسفة أرسطو في الفن عامة والشعر بخاصة؛ قد اتجهت وأنتجت بنوعٍ خاص في فن الشعر الغنائي الذي تفوَّقت فيه، وجعلت أساسه الفلسفي التعبير لا المحاكاة، فالشعر عند الرومانسيين تعبير عن الذات الشاعرة قبل كل شيء، ومن الغريب أن نلتقي هنا مع الرومانسية عندما ننظر في المعنى الاشتقاقي لكلمة «شعر» في لغتنا العربية؛ إذ من الواضح أن الشعر من الشعور، أي إنه هو ما أشعرك كما كان يقول شاعرنا الكبير عبد الرحمن شكري وإخوانه من رواد التجديد في شعرنا العربي المعاصر؛ إذ نلاحظ أن دعوتهم تلك لم تكن إلا رجوعًا إلى المعنى الاشتقاقي للفظة «شعر» ولغتنا العربية، وإن يكن من الواضح أن اتصالهم بالشعر الغربي الغنائي هو الذي ردَّهم إلى هذا المعنى الاشتقاقي الخالد.

كان الرومانسيون إذن هم العامل الفعَّال في تغيير الأساس الفلسفي للفنون عامة والشعر بخاصة من المحاكاة إلى التعبير، وبفضلهم قوي الشعر الغنائي بينما أخذ الشعر الموضوعي يتراجع، وبخاصة في الفن الأدبي التمثيلي ليخلي مكانه للنثر.

وإغفال أرسطو الحديث عن الفن الغنائي في كتابه عن «الشعر» عامة؛ لا يزال موضع مناقشات وتكهُّنات بين المفكِّرين والباحثين، فمنهم من يُرجِّح ما أشرنا إليه من عدم تمشي الشعر الغنائي باتجاهاته جميعها مع نظرية المحاكاة التي جعلها أرسطو أساسًا للشعر بخاصة والفنون عامة، بينما يرى البعض الآخر أن أرسطو إنما أغفل الكلام عن الشعر الغنائي في كتابه «الشعر»؛ لأنه رأى أن الشعر الغنائي أدخلُ في مجال الموسيقى وألصقُ به من مجال الأدب. ويزعم أصحاب هذا الرأي أن أرسطو لم يكن يؤمن بأن الشعر الغنائي نفسه يخرج عن مجال المحاكاة؛ بدليل أن شعراء الإغريق ومفكِّريهم السابقين عليه كانوا أنفسهم يرون أن الشعر كله ضرب من المحاكاة، وباستطاعتنا أن نعثر في أقوالهم على ما يؤيد هذا الرأي مثل قول شاعرهم الغنائي سيمونيدس: «إن الرسم شعر صامت، والشعر تصوير ناطق.» وواضح من هذه العبارة أن الشعر عند سيمونيدس شبيه بالرسم، ومن البديهي أن الرسم يسهل إرجاعه إلى المحاكاة، ولكننا نحسب أن مثل هذا القول إنما يصح على الشعر الوصفي، بينما يصعب تطبيقه على الشعر الوجداني الذي يبدو لنا أن أساسه الفلسفي هو حاجة الشاعر إلى التعبير لا ميله الغريزي إلى المحاكاة، وذلك ما لم ندفع الجدل إلى حد السفسطة الميتافيزيقية، فنزعم أن التعبير عن الوجدان ما هو إلا تصوير لحالات نفسية ومحاكاة لها.

ونحن إذ نفرغ إلى أن الشعر الغنائي بنوعٍ خاص قد أصبح أساسه الفلسفي منذ الرومانسيين الحاجة إلى التعبير لا الميل الغريزي إلى المحاكاة.

ننتقل إلى النظر في هدف هذا التعبير لنرى هل هدفه كما يرى الفيلسوف كروتشي: التنفيس عن الذات الفردية دون نظر أو اعتبار إلى الجمهور المتلقي؛ أي إن الفنان يبدع لنفسه أولًا وينفِّس عن عاطفته قبل أن يخاطب الجمهور، وبذلك نعثر على الأساس الفلسفي لما سمَّيناه الشعر المهموس، أم أن الفنان يُبدِع كما قال تولستوي ليخاطب الغير ويعديه بمثل حالته النفسية التي يعبر عنها، وبذلك نجد أساسًا فلسفيًّا لما يسمونه بالشعر الخطابي أو شعر المحافل ذي النغمات الرنَّانة الجَهورية.

وإذا فرغنا إلى أن الشعر الغنائي تعبير عن الوجدان، ليشفي الشاعر نفسه، أو ليخاطب الغير وينقل إليه عدوى نفسه، فلا بد أن ننظر بعد ذلك في طبيعة هذا الوجدان، وهل هو الوجدان الفردي فحسب أم من الممكن أن يكون أيضًا الوجدان الجماعي؛ بحيث لا يتحدَّث الشاعر عن آلامه وآماله وأشواق روحه الخاصة فحسب، بل يتحدَّث أيضًا عن آمال شعبه وآلامه وأشواق روحه باعتبار أن وجدان الشاعر لا يمكن أن يكون ذاتيًّا خالصًا في الأحوال العادية، وفي غير حالات الانعزال، أو الانطواء المرضي، أو الأثرة المسرفة، أو الغفلة التي لا تجعله يُدرك أن وجدانه جزء من وجدان مجتمعه، متأثر به مؤثر فيه، وأن الشاعر مهما كانت أصالته إنما يتكوَّن من رواسب ماضيه وماضي قومه، وإشعاع حاضرهم، وإرهاصات مستقبلهم.

ولا بد لنا أيضًا من أن ننظر بعد كل ذلك في وسائل التعبير وطرائقه، وهل يكون هذا التعبير بالطريق المباشر وبالأسلوب التقريري الذي يكشف به الشاعر عن ذات نفسه، ويعرضها عارية محللة إلى عناصرها الأولية على القراء والسامعين، كما يفعل الرومانسيون، أم يحسن به أن يلجأ إلى الصورة والرمز فلا يُفصح عن حالته النفسية، بل يلتقط صورًا ترمز لتلك الحالة كما يفعل الرمزيُّون، وبذلك نعود إلى قول سيمونيدس إن الشعر تصويرٌ ناطق، أو كما يقول بعض نقادنا العرب القدماء تصويرٌ بياني.

وإذا فرغنا إلى أن الشعر عامة، والغنائي خاصة، تصويرٌ بياني يجب أن ننظر في مجالات هذا الشعر، وهل للشعر كواحد من الفنون التعبيرية المتعددة مجالٌ خاص كما حاول أن يثبت الناقد الألماني الكبير «لسنج» في كتابه «لاوكون» أم أن كل المجالات مباحة له حتى ولو اختلفت وسيلته عن وسائل الفنون الأخرى، كما يريد بعض الفلاسفة والنقاد المحدَثين؛ بحيث يحق للشاعر أن يلج جميع الميادين دون أن يخشى التخلُّف في قوة التعبير والإيحاء عن غيره من الفنانين كالمصوِّرين والنحَّاتين والموسيقيين.

وأخيرًا لا بد أن نواجه مشكلة الصورة الشعرية التي كثيرًا ما تقوم على المجازات والتشبيهات والاستعارات، لننظر في وظيفة هذه الصورة، وهل هي مخاطبة الحواس فحسب بأن يستند التشبيه إلى جامع من المظهر الشكلي، أم يخاطب الروح فيكون الجامع بين المشبه والمشبه به هو الواقع النفسي لكليهما؟ وبذلك ننتقل إلى الطرائق الرمزية في التعبير على نحو ما نحسُّ في قول شاعر كبير مثل رابندرانات طاغور «السكون المشمس»؛ إذ من الواضح أنه لا يشبه هنا السكون بالإشماس، ولا يصفه به، وإنما يُشبِّه وقع ذلك السكون المبهج في نفسه بوقع ضوء الشمس المشرقة؛ لأن المقصود بالتصوير البياني هو الإيحاء لا الإخبار، وهنا تجرُّنا نظرية الإيحاء إلى النظر في موسيقى الشعر، ومدى أهميتها في التعبير الشعري، هل هي جوهرية كما يزعم الرمزيون، أم أنها مجرد وسيلة كغيرها من وسائل التعبير الشعري!

كل هذه رءوس مسائل نرجو أن نعالجها في الأبواب القادمة مع ضرب أمثلةٍ منتقاة من الشعر العالمي والشعر العربي على السواء، وتحليل تلك الأمثلة، وتطبيق النظريات الجمالية المختلفة عليها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠