الفصل الرابع

(في حي بني عامر وفي مضارب بني الأشتر وفي خيام صخر سرادق فخم وسامر حافل فيه جماعة من سراة بني عبس وأخرى من وجوه عامر، خدم يروحون ويجيئون بقصاع الطعام وأواني الشراب. جماعة يزمرون، وآخرون يضربون على الدفوف والمزاهر …)

المشهد الأول

أحدهم :
عبلةُ في الوَشْي
زُفَّتْ إلى عامرْ
يا زامرَ الحيّ
هات اشْدُ يا زامر
هَيّا ارتجل هَيّا
وأطرب السامر
شيخ من عامر :
الطعامَ الطعامَ يا عبس قوموا
الطعام الطعام ضيفانَ عامر
آخر :
الشرابَ الشرابَ تلك بواطيه
وهذه أقداحُهُ يا حُساةُ
دونكم تمر عامر ما اكتستْ
أطيبَ منه ولا ألذَّ النَّواةُ
دونكم من زبيب جَلَّق والطا
ئف ما لم يَسْقِ الملوكَ السُّقاةُ
آخر :
هذا شراب الرعاة دعني
منـه وهات اسقني الكروما
آخر :
هَيّا جواريَ الحمى
هيّا صبايا عامرْ
قُمْن إلى الدُّفوف واض
ربْن على المزاهِر
زدْنَ جمالَ العُرْس أو
زدَن جمالَ السامر
قد كَملَ الأُنْس
قد جَرت الكأسُ
قوموا اطرَبُوا عَبْس
قد كملَ السامرْ
ورَنَّم الزامر
قُوموا اطربوا عامرْ
غناء :
يا عبلَ حييِّنا
إنا محيُّوكِ
هاك الرياحينا
يَنْفَحْنَ عن فيك
يا عبْلَ يا حُرَّه
يا ملكةَ الغيدِ
أصبحت كالدُّرَّه
في مَفرق البيد
ضيف :
لا تَسقني التمرَ ولا
نبْتَ الشعير والذُّره
وعاطني ما يشربُ الرُّ
ومُ وراءَ أنقره
إذا شربْتُ أربعًا
منها انقلبْتُ عنترة!

(يسمع صوت عنترة من بعيد يخاطب رجالًا من وراء الستار)

صوت عنترة :
مَن الرجالُ؟
صوت أحد الرجال :
ومنْ أنـ
ـتَ؟
صوت عنترة :
فَاتكٌ ومُغيرُ
من آثَر العيْشَ
فليَنْجُ بالنفسِ
لا جرد الله
سيفي على عبسِ
واحد من بني عامر :
عنترةٌ؟
آخر :
مَاذا؟
الأول :
عنترةٌ جاءَ
آخر :
بل ذاك سكرانُ
يقول ما شاءَ
آخر :
ماذا تردُّ الجواءُ!
آخر (ثملًا) :
ما ذاك إلا ثُغَاءُ
شُوَيْهةٌ جاوَبتْها
من المَراعي الشاءُ
صوت عنترة :
وقفتمْ يا رجال؟
صوت أحد الرجال :
أجلْ وقفنا
صوت عنترة :
نَزالِ إذنْ نَزال إذَنْ نزالِ
صوت أحد الرجال :
تأهبْ يا فتى
صوت عنترة :
أبناءُ عمِّي؟
إلهي كيفَ أصنعُ بالرجالِ؟
صوت أحد الرجال :
تأهبْ يا فتى للقاء عبس
صوت عنترة :
وأنتم فاستعدُّوا للقتال

(تسمع قعقعة سلاح)

واحد من بني عامر :
أمَا تَبَينْتَ الفتَى
أما عرفْتَ الزمْجرَة؟
واحد من بني عامر (ثملًا) :
عامرُ
آخرون :
مَاذا؟
الأول :
ظفرت
أيديكمو بالجوهرهْ
فزدتُمُ من البيد ومن
سمائها بالنَّيِّره
آخر :
وبعدُ؟ …
آخر :
ماذا تبتغي؟
فيم تكدُّ الحنْجَره
الأول :
أريد أنْ أعلمَ أين
اليوم أينَ عنترة؟
عبْسٌ على سلاحها
وعامرٌ مُنْتظره
وذاك سَيْفي في يدي
فليجئ العَبْدُ يَرَه!
أحدهم :
أعوذُ بالْعُزَّى
أعوذُ باللاَّتِ
آخر :
نعوذُ بالبيتِ
من الفُجاءات
صوت عنترة :
أنا الذي لقَّبَني
أبي وأمي القسْوَرَهْ
ضجَّت ضَراغمُ الفلا
من حَمَلاتي المنكرهْ
واحد من بني عامر (لآخر من عبس) :
أوَ لم تقل لي إن رأسَ
العبد كان صَدَاقَ عبله!
الآخر :
قد قيل ذاك أجَل
الأول :
فكيفَ
إذن نراه؟
ثالث (من عبس) :
أنت أبْلَه!
مَنْ ذَا الذي يقوى على
رأس الغضنفر عنتره؟
قد مات رسُتم دونَه
وهوى أُسَيدُ القسوره
وجنى شيوخُ الحيِّ مِن
مهَر الفتاةِ الثرثره
فرضُوا صداقَ فتاتهم
نَعمًا تُساقُ وأبْعره!

(يدخل عنترة ومعه رجال آخرون من عبس وفتاة مقنعة فينهض السامرون ويشهرون سيوفهم ويفر من بني عامر غير قليل، ويبرز لعنترة واحد من بني عبس.)

المشهد الثاني

المتقدم :
أنا الذي تَعلم عبس أنِّي
أذودُ عنها وتذود عني
خُذْ يا ابن عمِّيَ الحذارَ مني
عنترة :
مرحبًا بك مرحبًا بك
عش تمتعْ بشبابِكْ

(يحمل عليه عنترة فيطير السيف من يده ولا يؤذيه.)

تعالَ سيفُكَ طارا
لا تخْشَ بالأسر عارا
إني لأرْعَى الأُسَارى

(يأخذه رجال عنترة أسيرًا)

عنترة :
خُذُوا الأسيرَ ناحيهْ
ولا تَجُزُّوا الناصيَهْ

(يبرز له آخر من بني عبس)

المتقدم :
إني أنا الغضَنفرُ العبْسيُّ
تعرفني الرماح والْقِسيُّ
والوحْشُ في الفلاةِ والإِنسيُّ
عنترة حاملًا عليه :
أنا المنايا الماثلَهْ
أنا القضايا النازِله
غضنفُرٌ في قافلَه

(يحطم سيفه)

سَيفُكَ يا هذا كُسِرْ
وصاحب السيف أُسِر

(إلى رجاله)

خُذُوهُ

(إلى منازله)

هيَّا امْضِ سِرْ

(يأخذه رجال عنترة، فيبرز له شاب ثالث.)

المتقدم :
أنا أخو الأشْبَالِ
مثلُ أبي الرئبالِ
بالقِرْنِ لا أُبالي
عنترة :
وأنتَ أيضًا يا حَدَثْ
ما الحربُ يا طفلُ عبثْ
قفْ لا تسرْ إلى الجدَثْ

(يحمل عليه عنترة فيطير السيف من يده)

الشاب :
أين مضى سيْفي؟
قد كان في كفّي
عنترة :
لا تَغْتَمِمْ ولا تَسَلْ
سَيْفُكَ في سَيْفي دَخَلْ!
سرْ قف هناكَ يا بطلْ!
الآن أنت لُعْبتي
الْحَقْ بصاحِبَيْكَا
امْض انضَمِمْ إليهما

(وفي هذه الأثناء يكون قد رفع بيده من الأرض مبارزًا آخر كان قد خرج إليه فيقذفه بجانب الشاب.)

وضُمَّ ذَا إليْكَا

(ثم يخاطب الجماعة)

سُدًى حربكم يا قوم ألقوا سلاَحَكم
ولا تُركبوني في دمائكمو وزْرا
رأيْتُم يدي؟
أحد بني عامر :
ما كان أعْظَمَ بطْشَهَا؟
عنترة :
وسيَفي؟
آخر :
كسيفِ الموْت يَفْري ولا يُفْرى

(يقترب عنترة من الفتاة المقنعة التي دخلت معه.)

انهضي الآن يا عروسُ تعالي
لا تخافي مني ولا منْ رجَالي
بَطلٌ كلهم فلا خوفَ منهم
كيف تَشْقَى النساءُ بالأبطال

(يرفع عن وجهها القناع فإذا هي عبلة)

صخر (في ذهول) :
مَنْ هذه؟
عبلة :
عبلةُ
صخر :
مَنْ!
بمنْ تزوَّجْتُ إذنْ؟
من التي تَركتُ في الخَباءِ؟
ومنْ تُرى تكونُ في النساء؟
رجل لآخر :
لكنْ أجبني ألسْنَا
في دار صخْر وعُرْسِهْ؟
الآخر :
نعَمْ وأحْسَبُ صَخْرا
جرَتْ أمورٌ بنَحْسِهْ
عنترة :
قيامًا عامرُ انتظروا قضائي
فإنِّي الموتُ ما منه فرارُ
وأنتم عَبْس للأوطان عودوا
فما في عامرٍ لكم قرارُ
نَسيتُ لكم وأنْسَى ما جنيْتُم
تُحَبُّ وإن تنكرت الدِّيَارُ
الجماعة (كل جملة يقولها رجل) :
العَفْوَ عنترة
الصفْحَ يا بَطَلْ
مُرْنَا بما تَشا
أمرُكَ ممتثَل
عنترة :
رأيتُمو يا قومُ عبلةً معي
وكنتمو حسبْتُمُوها في الخَبا
نيط بعَبْس وشباب عامر
أن ينقُلوها من حمى إلى حمى
ساقوا بعيرَهَا وكانوا حولْهَا
عشرين فتيانًا أشدَّاء القُوى
أدركتُهُمْ على الطريق فَنَجا
من المنون بالفرار منْ نَجا
ومات دونَ الرحلْ نحو عَشْرَة
قد غُودروا مجندَّلين في الفلا
وهؤلاء هم بنو العَمِّ أبوْا
إلا المسَيرَ معنا إلى هنا
كانت معي ناجيةٌ فركبْت
بعيرَ عبلةٍ وحثَّت الخطا
في وشي عبلةٍ وفي خمارها
وَانْطَلقَتْ تُحدَى بأتباعي أنا
رجل :
حديثُ عبلةٍ عجبْ
ليؤْثرَنَّ في العَرَبْ
لتروينَّهُ الحِقَبْ
صخر :
واشقْوَتي وابلائي
فَقدتُ إبْلي وشائي!
عبلة :
يا صخْرُ إنَّ في الخباء جاريهْ
تهواكَ في السرِّ وفي العلانيه
صخر :
جاريةٌ تحبني! منْ؟
عبلة :
ناجِيَه
صخر :
ناجيةٌ؟ ومن أرادها ليه؟
عبلة :
أنا التي جَعَلتها مكانيه
عنترة :
ناجيةٌ يا فتَى
جاريةٌ كالرَّشا
وأنتَ بانٍ بها
إن شئْتَ أو لم تشا
صخر :
قبلْتُ بالحكم
إن قبِلَتْ عامرْ
مُرْهُم بما شئْتَ
أنَت هُنَا الآمرْ
عنترة :
مَنْ يُخالفْ إرادتي
منكمو يمض ناحيَهْ

(لا يتحرك أحد)

قد قبلتم مشيئتَي
ورضيتُمْ قَضائيَهْ
اشهدوا عُرْسَ عبلة
واشهدوا عُرْسَ ناجيهْ
عبلة :
إني أخَافُ
عنترة :
عجبًا
يَخَافُ جارُ الأسَدِ
عبلة :
غدًا يُقالُ صدْتني
وكُنْتَ لي بمرصَدِ
غدًا يُقَالُ قد تآْ
مرنا على التمرُّدِ
يُقَالُ خانَ عَمَّهُ
عنترة :
وَأنتِ
عبلة :
خُنْتُ والدي
عنترة :
ليَقُل السَّامرُ ما
قدْ شاءَ وليَهذِ الندي
ولتقُم البيد لما
نأتي به وتقْعُدِ
ماذا يَهُمُّ بعدما
قد صار كنْزي في يدي
وبعدَ أن نِلت مُنا
كِ وبلغتُ مَقْصدي
عبلة :
والناسُ من كلِّ فضو
ليٍّ وكلِّ مُعْتَد؟
عنترة :
الناسُ؟ خلِّي لِقنا
تي الناس أو مُهَنَّدي
أنت إذا أطعَمتِهمْ
مُخ الرَّشا لم تُحمدي
غدا يخُصُّونَك بالـ
ـتّمْلِيق والتَّودُّد
البيدُ معْبدٌ وأنـ
ـتِ دمْيةٌ في المعبد
واحد من عبس :
عنترَ اسلَم لعبْسَ نحنُ فِداُؤكْ
لَقِيَ الذَّل والرَّدَى أعداؤُكْ
لقد أبَى عمُّكَ أنْ
يُهدي إِليكَ الجْوهَرَةْ
عمُّك نحنُ قوْمُهْ
نحنُ لنا أنْ نأمَرهْ
عنتَر هاكَ عبلَّة
عبلَةُ هاكِ عنتَرهْ
عنترة :
الآن صَخْر امض
إلى الخَباءِ جئْ بناجيهْ
عامرُ عبسُ أقبلوا
زُفُّوا العروسَ الغاليه
ما هيَ بالخادم في
عبس ولا بالرَّاعيه
لكن فتاةٌ حرَّةٌ
من البيوت العاليه
تزوَّجَتْ بوافر المـ
ـال كثير الماشيه
صخر :
عَنْتر
عنترة :
صَخْرُ هات قُلْ
صخر :
وإبِلي وشَائَيهْ؟
عنترة :
تُردُّ في غدٍ إليكَ
وهي مهر ناجيَهْ
يا عبلَ سامَحني في قربكم زمَني
وشاءَ ريبُ الليالي أن نعيش معا
يا بيدُ هيّا اشهدي أعراسَ عنترة
ويا سباع تعاليْ هنّئي السُّبُعا
عبلة :
التَامَ في عامر شَمْلي بعنترة
وكان ظَنّيَ في شَملي به انصدعا
قد اجتمعنا على عُرْس وفي فَرح
كم منْ شتيتين بعد الفُرْقة اجْتَمعا
إني وضعتُ بناني في يدَيْ أسد
لو مَرَّ مخلبه فوق الصَّفَا خشَعا
سامَ القبائلَ إجلالي وملَّكني
عقائلَ البيد حتى صرْن لي تبَعا

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤