العابد

«لكن حيث يكون الخطر تلوح كذلك سُبل النجاة»١

من الأدباء مَن يكتب «أدبًا»، ومن الشعراء مَن يؤلف «شِعرًا» .. أما الأديب الحق «فيكتب» الأدب والشِّعر من خلاله، لأنه «وسيط» يملي عليه فيطيع، وينادي فيستجيب، ويؤمر فيمتثل للأمر الأعلى .. هذا النوع من الأدباء يعيش للأدب ولا يعيش منه أو عليه. إنه يتحد بحياته، وحياته تتحد به. الشِّعر عنده هو الشاعر، والشاعر هو الشِّعر. الشِّعر عنده رسالة، نبوءة، تبشير وتحذير، عبادة وطاعة. ولهذا كان في كل شاعرٍ حقيقي جزء من النبي .. فكلاهما يُلهَم ويوحى إليه، وكلاهما يُبلِّغ ويعلن، وإن اختلف مصدر الوحي واختلفت طبيعة الرسالة.

وشِعر هلدرلين صلاةٌ وعبادة، شكر وعرفان، يفيض من نبع التقوى العميقة، والنقاء المحض. ولهذا فهو يعدُّ نفسه من خدمه وعبَّاده، ولا يجد حرجًا في أن يكون عبدًا له. بل يعتبر ذلك نعمةً كبرى من نعم السماء. هكذا يقول عن نفسه في قصيدته إلى العذراء:

أيتها العذراء،
كثيرًا ما تعذبت في سبيلك،
وفي سبيل ابنك،
منذ أن سمعت عنه
في شبابي الحلو؛
فليس الرائي وحده
بل كذلك العابدون
يخضعون معه لقدرٍ واحد.

وهكذا يسمي نفسه «العبد» في قصيدة «باطموس» التي تعدُّ من أجمل ما قاله في شِعره الأخير الذي بلغ ذروة نضجه وكماله.

وتنقسم هذه المرحلة الأخيرة من حياة هلدرلين إلى قسمَين؛ قضى أحدهما بين سنتي ١٨٠٠م و١٨٠١م في شتوتجارت وهاوبتفيل ونورتنجن، وقضى الآخر بين سنتي ١٨٠٢م و١٨٠٦م في مدينة بوردو الفرنسية وفي مدينتي نورتنجن وهومبورج.

ودع حبيبته «ديوتيما» الوداع الأخير وذهب إلى بلدته نورتنجن. ولم يكد يقيم فيها عشرة أيام حتى اضطرته لقمة العيش إلى الرحيل. فهو مدرسٌ خصوصي يتسول من أسرة إلى أسرة، وقدره البائس يدفعه للبحث عن بيتٍ جديد يعمل فيه. ودخل هذه المرة بيت تاجر القماش «كرستيان لانداور» في مدينة شتوتجارت، وكان بيتًا جميلًا وجد فيه «الحب والوفرة والهدوء». ولم تمضِ أيام على وجوده فيه حتى أحسَّ الراحة بعد طول السير على «دربٍ ضيق»، وأكبر صاحبه الكريم المغرم بالأدب والفن، وفتح له قلبه حتى صار عنده «صديق الأصدقاء». وكان من حسن حظه أن يجد رب البيت من هواة الموسيقى والغناء، وأن تُتاح له ساعاتٌ ذهبية يقضيها وسط الأنغام. كان كل هذا يدفعه إلى الإحساس العميق بالشكر والعرفان، كما يدفعه إلى المقارنة بين هذه الحياة التي يحياها في بيت غريب وبين حياته القلقة التي ختمت عليها الأقدار بالحرمان: ها هو ذا يعبر عن هذا حين يخاطب مضيفه بقوله:

تختلف حظوظ الناس من العيش
كما يختلف النور عن الظلمة،
أما أنت فتسكن في الوسط الذهبي.

ويعود في بداية شهر يونيو إلى وطنه في نورتنجن. ثم يمضي الصيف والخريف في صحبة أصدقائه في مدينة شتوتجارت. ولا ندري متى ولا كيف ترك بيت «لانداور» ولكن المهم أنه خرج منه وهو صديقه الحميم. وربما كان السبب في تركه هو إخفاقه المستمر في مهنة التعليم التي لم يُخلق لها ولم تتفق في يوم من الأيام مع إحساسه بالكبرياء، وربما كان المسئول عن ذلك أيضًا هو قلقه المستمر ورغبته المُلحَّة في الوحدة والتجوال.

figure
برج هلدرلين والبيت الذي عاش فيه بمدينة توبنجن على نهر النيكر.

وغادر وطنه من جديد بحثًا عن لقمة العيش .. وذهب في شهر يناير سنة ١٨٠١م إلى مدينة هاوبتفيل (في سويسرا) ليلتحق بعمله عند عائلة «فون جونزنباخ» ويقضي ثلاثة أشهر في كنفها قبل أن يتأكد مرةً أخرى من إخفاقه. وكان رب هذه الأسرة — كما يقول شاعرنا نفسه — رجلًا مهيبًا يبدو عليه أنه جرَّب كثيرًا في حياته، وإن لم يمنعه هذا من الاحتفاظ ببراءته وبساطته. أما زوجته فكانت امرأةً عمليةً نشيطة تعيش وتفكر كما يعيش التجار ويفكرون! وعلى الجملة فقد كان الرجل وزوجه كما يقول الشاعر أيضًا في عبارة لا تخلو من الحدة والسخرية: «من أولئك المستقيمين الذين يشاركون الغرباء بالقدر الذي لا يضعف قلوبهم …»

تبين للشاعر كما قلت أنه أخفق في مهمته التربوية، فعاد إلى أهله في «نورتنجن» مع بداية شهر أبريل سنة ١٨٠١م. وقضى بقية السنة في وطنه الصغير، عاكفًا على كتابة أنضج أشعاره، ومن بينها المرثيات والأناشيد الكبرى. وحاول في أثناء ذلك بعض المحاولات التي باءت بالفشل. فقد دخل في روعه على ما يبدو أنه يستطيع أن يلقي محاضرات في الفلسفة أو الأدب في جامعة «يينا». وسعى إلى ذلك لدى المسئولين فأغلقوا الباب في وجهه! ولا شك أنهم أدَّوا له وللشِّعر نفسه خدمة لا يمكن أن تُنسى. فقد استطاع في هذه المرحلة أن يجد نفسه ويبلغ قمة نضجه وعبقريته.

ولا شك أن الفيض الذي تدفق منه في هذه السنوات القليلة التي سبقت انحداره إلى هاوية الجنون (سنة ١٨٠٦م) سيظل لغزًا من ألغاز الخلق الفني، وأن قصائده الطويلة التي كتبها ستبقى من أجمل وأنقى ما تعتزُّ به مملكة الشِّعر.

كان قد وجد نفسه واطمأن إليها وظهر أثر ذلك في قصيدته التي أشرنا إليها في الفصل السابق عن نواح مينون على ديوتيما. ويبدو أنه ازداد بعد ذلك عكوفًا عليها وثقةً بطاقاتها ورغبةً في التعبير عنها. تدل على هذا سطورٌ قليلة كتبها إلى صديقه «لانداور» في شهر فبراير سنة ١٨٠١م يقول فيها: «كلما زادت ثقة الإنسان في نفسه وتركيزه على حياته الفضلى، وكلما سهل عليه الخروج من أجواء مشاعره الجانبية والعودة إلى التحليق في جوه الأصيل، ازدادت عينه قدرةً على الرؤية الواضحة الشاملة واستطاع أن يهب قلبه لكل سهل وعسير وعظيم ومحبَّب إليه في هذا العالم …»

وهذه السطور القليلة تكشف عن «المعرفة» التي اطمأن إليها الشاعر في هذه المرحلة من حياته. فالحياة عنده «مدرسة» يتربَّى فيها ويتعلم منها وينمي مواهبه بالتأمل فيها والإخلاص لها والإقبال على خير ما فيها. أما العالم — وهو الكلمة التي تختم بها السطور السابقة — فهو الإمكانية الشاملة التي لا تُحدُّ ولا تنتهي، وهو منبع كل عظيم وحبيب إلى القلب. وأما الفعل الذي يحقق به نفسه ويستجيب لإرادة الخلق في طبيعته فهو توجيه انفعالاته ومشاعره من التشتت إلى التركيز، ومن العرضي إلى الثابت، ومن الظواهر المتعددة إلى الحقيقة الباقية. أبدًا لن يتوصل إلى هذه الحقيقة — وهي في نهاية الأمر حقيقته هو — بالعقل والتفكير المجرد ولا بقسر عواطفه والضغط عليها، بل بالتحليق بجناحَيه في «جوه» الأصيل، والاستجابة لصوته الباطن، وتلبية نداء الخلق، وهو في نهاية الأمر أيضًا نداء القلب. وهذا النداء الآتي من الأعماق له رنين اللحن ووقع الغناء، وهو شيء لا يسمعه الإنسان ولا يستجيب له إلا إذا كان قادرًا بفطرته على الانفعال باللحن والغناء .. أعني أن الخلق في ذاته عملٌ موسيقي يصدر عن طبيعةٍ موسيقية. وربما كانت قصيدة «بلاد اليونان» التي صاغها في هذه المرحلة ثلاث مرات هي خير ما يعبر عن الجو النفسي الذي عاش فيه الشاعر في هذه الفترة التي لم تستمر، للأسف، طويلًا. فهي تصور في صيغها الثلاث ما حاولت السطور السابقة أن تصوره فخانها التوفيق إلى حدٍّ كبير — وهو في الغالب يخون الناثر! — وتعبر عن الاطمئنان والثقة والراحة التي أحسَّ بها هلدرلين وهو يرى أنضج قصائد عمره تفيض منه كما يفيض الماء من النبع. وليس أدلَّ على هذا من أن القصيدة تعبر عن هذه الحالة مرة بالثقة والاطمئنان وأخرى بالفرح والسرور، كما ترسم لنا صورة الإنسان الوحيد الذي يسبح في جو الموسيقى والأساطير، بعد أن استقر على قمة طاقاته الفنية، وجمع شتات نفسه، ووجد الأمان في التجمع والتركيز، ولمس النغمة الخاصة به وحده. ومن فوق هذه القمة ترى العين رؤيةً مشرقة، ويتكشف أمامها العالم الواسع الممتد، وينفتح القلب لتجربة هذا العالم الرحيب. ولا شك أنه لم يصل إلى هذا الاطمئنان أو هذه السعادة بمحض الصدفة، بل جاهد في سبيلها وعانى من أجلها وتعب حتى ارتقى إليها. ولذلك فإن خير ما يوصف به هذا الشعور المطمئن السعيد هو الحرية. الحرية بأدق معانيها وأنبلها. الحرية التي يشقى الإنسان في السعي إليها ويغامر من أجلها ويقتحمها ويغزوها … فهكذا تتطلب كل حريةٍ حقيقية، لأنها لا تسقط أبدًا في حجر الضعيف العاجز المتواكل. لنقرأ معًا بعض أبيات «بلاد اليونان» في صيغتها الثالثة والأخيرة:

آه يا أصوات القدر، أنت يا دروب المتجول (الوحيد)
لأنه في زرقة المدرسة،٢
من بعيد، في ضجيج السماء
يرن جو٣ السحب المرح
وقد استراح لوجود الإله، وللرعد والبرق،
ورنينه أشبه بغناء الشحرور،
ونداءات كالاستشراف،
للخلود والأبطال؛
كثيرة هي الذكريات.
حيث تنغم الأرض
كأنها جلد العجل،٤
من بعد الخراف وإغواء القديسين
— لأن العمل يتكون في البدء —
وتتبع القوانين العظيمة
التي تغني للمعرفة٥ والحنان
وتظهر بعد ذلك للسماء منشدة أناشيد السحب.
لأن صرة الأرض ثابتة.
إذ إن (ألسنة) اللهب والعناصر العامة
سجينة بين الشطآن المعشبة
أما في الأعالي فيحيا الأثير منصرفًا للتفكير.
ولكن في الأيام الصافية،
يكون النور فضيًّا.
وكعلامة على الحب،
تكون الأرض زرقاء كالبنفسج.
البدء العظيم.
قد يصبح كذلك قليلًا.٦
أما اليوم العادي فعجيب محبب للبشر
الرب يلبس رداء.
ويخفي وجهه عن [أسباب] المعرفة،
ويتفنن في تغطية الهواء.
والهواء والزمن،
يحجبان المخيف
حتى لا يفرط أحد في حبه بالصلوات،
أو [تحبه] النفس. لأن الطبيعة
مفتوحة [الأبواب] للتعلم [منها]٧
كالأوراق أو الخطوط والزوايا،
والشموس والأقمار أشد صفرة،
لكن في بعض الأوقات،
عندما تريد ثقافة الأرض القديمة أن تبرز،
وذلك في الحكايات،
(الحكايات) التامة المحاربة بشجاعة
يُسيِّر الرب الأرضَ (وكأنما تسير) فوق الذرى.
بيْد أنه يحد الخطى المعوجة،
أما طاقات النفس ووشائجها
فتتجمع كالنورات الذهبية،
حتى يؤثر الجمال
الساكن على الأرض
ويأنس أحد الأرواح
بعِشرة البشر.

تبدأ القصيدة بالمتجول الوحيد الذي يجوب الدروب والآفاق، ويتعلم من زرقة السماء وصفاء السحاب كما يتعلم التلميذ من مدرسة، ويستثير ذكريات الماضي الجليل ويستشرف حكايات الأبطال الخالدين، ويتأمل قوانين الخلق الأزلية التي تغني لحن المعرفة والحنان، ويرى كيف يروِّض اللهب والعناصر المعربدة، فيخضع النهر للشطآن ويتجلَّى النور الفضي وتتطهر الأرض وتبزغ عروسًا زرقاء بلون البنفسج، ويتلفت البشر لصوت الإله ومعجزة الوجود فإذا به يخفي وجهه المهيب عنهم، ويفتح لهم كتاب الطبيعة لعلهم أن يروا النور في انعكاساته ويدركوا سر الخلود من تاريخ الخالدين .. هذا المتجول الوحيد يستقر في نهاية الرحلة ويطمئن إلى نفسه ويلمُّ أشتات طاقاته «حتى يؤثر الجمال أن يسكن على الأرض وتأنس الروح بعِشرة البشر». لقد انتهت به الرحلة إذن إلى نفسه، وكأنه لم يضطرب بين معجزات الطبيعة والتاريخ ولم يشق في البحث عن السر الأكبر إلا لكي يعثر على هذه النفس الراقدة بين جنبيه! حتى إذا وجدها وجد معها الجمال على الأرض، والسعادة على وجوه الناس، وأحسَّ أن كل شيء قد رُدَّ إليه حين استعاد الطمأنينة إلى قدرة الخلق والإبداع الكامنة في قلبه، أي استعاد حريته.

وهذه رسالةٌ أخرى كتبها إلى نفس هذا الصديق (لانداور) تعبر عن الصراع الطويل الذي انتهى به إلى الحرية السعيدة المبدعة. فقد وقف يومًا أمام جبال الألب الرائعة، وارتعش ذاهلًا وهو يتأمل جلالها وهدوءها، ثم أفاق على أعياد الربيع من حوله، وشعر أن هذا الربيع قد أقام عيدًا آخر في نفسه.

ولا بد من قراءة سطورٍ قليلة من هذه الرسالة لنعرف أن هذا الربيع لم يكن كله غناءً وجمالًا ونورًا بل امتزج فيه الغناء بالبكاء، والجمال بالعذاب، والنور بالظل: «ما زلتُ أقف مذهولًا أمام جبال الألب التي تمتد على مسافة ساعاتٍ قليلة من حولي. الحق أنني لم أجرب مثل هذا الانطباع في حياتي. إنها أشبه بخرافةٍ عجيبة من خرافات الشباب البطولي لأمنا الأرض — تذكرنا بالعماء القديم الذي خرج منه التكوين — على حين تطل من علٍ في هدوء، وفوق ثلوجها الزرقاء الصافية تسطع الشمس والنجوم ليلًا ونهارًا. يمكنك إذن أن تتصور حالي وأنا أنعم بكل العناصر في أوائل الربيع، وأمتع عينيَّ بمشهد التلال والجداول والبحيرات من حولي، فهذا هو أول ربيع يأتي عليَّ منذ ثلاث سنوات وأتذوَّقه بنفس حرة وأحاسيس حية منتعشة …»

هي إذن رحلة صراع طويلة سبقت هذا الشعور الطيب بالسعادة والراحة والحرية. ولكنه شعورٌ مهدد في كل لحظة. لأن النور فيه لا ينفصل عن الظل، والسعادة لا تخلو من الشقاء. فلا تكاد تمضي بضعة أسابيع على هذه الرسالة حتى نجد رسالةً أخرى إلى نفس هذا الصديق يقول فيها: «… أحس منذ بضعة أسابيع أن رأسي يدور على نحوٍ عجيب. آه! أنت أدرى بهذا، لأنك تطلع على نفسي حين أقول لك إن هذه المشكلة لا تنفك تلح عليَّ كلما ثابرت على كتمانها؛ مشكلة أنَّ لي قلبًا وإن كنت لا أعرف هدفًا لوجوده، وأنني لا أجد أحدًا أبوح له بسرِّي وأفضي إليه بما أجد. قل لي، أهذه الوحدة التي كُتبت عليَّ، نعمة أم نقمة؟»

ثم يواصل الشاعر حديث القلب إلى أن يقول هذه الكلمات: «اذكرني إن ذهبت إلى فرانكفورت.» ونحن نعرف لمَن تهفو نفسه في فرانكفورت!

هو الصراع إذن بين نقيضَين: بين ربيع الحرية التي يحس أنه يستريح على قمتها وبين محنة المتجول الوحيد الذي لا بيت له ولا وطن. ولقد باح للصديق بما يجد، ولمس حد المأساة التي ستصرعه في النهاية. ولكنه يكتب لأخيه [من أمه] فيحاول أن يكون أكثر تماسكًا وتجردًا، وإن لم يستطع مع ذلك أن يخفي عنه هول المأساة: «لقد تسلط عليَّ الكفر بالحب الأبدي. وكان عليَّ أن أُستدرج إلى هذا الإيمان الخرافي المخيف بما هو في الواقع علامة على النفس والحب، فإذا أسيء فهمه أصبح علامة على موتها. صدقني أيها الحبيب! لقد كافحت حتى أصابني الإعياء المميت لكي أثبت الحياة العليا بالإيمان والرؤية. أجل! لقد كافحت وأنا أعاني من ألوان العذاب ما يفوق في النهاية كل ما تقوى إرادة الإنسان الحديدية على احتماله …»

هكذا يفرق هلدرلين تفرقةً صارمة بين سوء الفهم الذي يحيل الإيمان «بعلامة النفس والحب» إلى موت للحب الأبدي، وبين الحياة العليا في ظل الحرية التي يحققها هذا الحب الأبدي عن طريق الصراع الذي ينهك صاحبه إلى حد الموت. ولا بدَّ أنه كان يتعذَّب بين هذين القطبَين الأليمَين عندما راح يكتب أروع قصائده وأناشيده في هذه السنوات القليلة التي كانت أنضج مراحل عمره.

ولا بد أن محنة الوجود وإرادة الخلق قد تعاونتا معًا على تهيئة الشاعر لطاعة الشِّعر، ووضعه في خدمة روحه الملهم. ولا شك أن وجدانه الرقيق المعذب الباحث أبدًا عن المطلق قد أصبح مسرحًا لهذه الفورة الروحية النادرة. غير أنه لم يكد يشف وينفتح لاستقبال الحرية حتى بدأ يتفتت شيئًا فشيئًا تحت وطأة محنته الوجودية، ولم يكد ينضج الثمرات العذبة حتى ذبلت جذوره في الأرض العطشى إلى الحب والحنان .. كان عيد الربيع الذي تحمس له الشاعر هو عيد الكلمة. وقدَّم القربان في هذا العيد الخالد قبل أن يهجم عليه شتاء الصمت والمرض والجنون. وليس في مقدورنا أن نتناول في هذا المجال كل زهور هذا الربيع وفواكهه — وقد أربت على خمس مرثيات وتسع قصائد وأغنيات رائعة نشأت كلها في خلال سنتين عكف فيهما الشاعر على وحيه الملهم وانتزع من اللغة أقصى ما يمكن أن تعطيه — ولهذا سنكتفي بالإشارة إلى الأبيات الأولى من قصيدةٍ واحدة تعد قمة هذه المرحلة وتاجها البديع، وهي قصيدة باطموس٨ التي أشرنا إليها على الصفحات السابقة. وليس من الممكن أيضًا أن نقف عند أبيات هذه القصيدة الحافلة بالأسرار والألغاز التي تزخر بها أشعار هلدرلين في هذه المرحلة المتأخرة من حياته، بل يكفي أن نقرأها ونتركها تؤثر على قلوبنا ونقف أمامها كما نقف أمام ظاهرة معجزة تكاد تستعصي على التحليل. إن كل كلمة فيها تستريح في ذاتها، وتتجلى نقية طاهرة كأنها خُلقت لأول مرة. وكل كلمة تحمل طاقة أكبر منها، ومعنًى أبعد من السياق الذي وضعت فيه. ولذلك فهي تكاد تقف وحدها كما قلت، أشبه بنجوم القدر الذي يُسيِّر حياة الشاعر ومصيره وعبقريته. ومن العبث كما ذكرت أن نبحث عن معناها في الجملة أو السياق، إذ لا بد من البحث عنه في إنتاج الشاعر كله:
«قريب
وعصيٌّ على الإدراك هو الإله.
لكن حيث يكون الخطر،
تلوح كذلك النجاة.٩
في العتمة تسكن النسور،
وبلا خوف يعبر أبناء الألب
فوق الهاوية،
على جسور خفيفة،
لهذا تتراكم حولنا
قمم الزمان، وأحب الأحباب
يسكنون قريبًا،
منهكين فوق جبالٍ متباعدة،١٠
أعطنا إذن أيها الماء البريء،
أيتها الأجنحة أعطنا
أن نعبر إليها بحسٍّ عميق الوفاء
ثم نعود.
ليس في استطاعتنا كما قلت أن نقدِّر عظمة هذا الشِّعر إلا إذا وضعناه في سياق العمل الكامل، ونظرنا إليه كحجر في معبدٍ ضخم، وهو أمر يخرج عن حدود هذا الكتاب الذي لا يريد إلا أن يكون تمهيدًا لقراءة الشاعر والإلمام بمأساة حياته. ولعل هذه المرحلة المتأخرة من حياته أن تكون مفترق الطريق الخطر أو القمة الوحيدة التي بدأت عندها تتفتت وتنحدر إلى الهاوية. ولعله قد أحسَّ بهذا فأخذ يتدبر مصيره ويفكر في قدر حياته وشِعره على السواء. إن هذه العبارة الموجزة تصور علاقته بشِعره أدق تصوير:

«أردت أن أغني الغناء الخفيف، غير أنني لا أوفق أبدًا إليه …»

تمنى الشاعر أن يوفق إلى هذا الغناء الخفيف؛ الغناء المتحرر من ثقل قدره وظلام وجدانه. أراد أن يكون الشِّعر «عيد الكلمة»، أن يكون مرآة فرحته النقية العالية التي لا تعكرها قتامة قدره في الحب والحياة. وأراد أيضًا أن يصل إلى هذه الفرحة نفسها، إلى هذه الخفة المطلقة، إذ كان الإحساس المطمئن في رأيه هو الإحساس المرح، وكانت خطوة الشجاع «الذي لا يخاف» تسير فوق «جسورٍ خفيفة».

ولكنه لم يوفق إلى شيء من هذا. كان اليأس أكبر منه. ولعلنا نحمد الآن لهذا اليأس أن ألهمه أنضج شِعره وأحفله بالمعاني والأسرار. ولم يكن هذا اليأس مجرد كآبة عبَّر عنها في شِعره أو نفَّس بها عن كربه [فنحن نظلم الشِّعر والفن بوجهٍ عام لو قصرناه على هذه المهمة!] بل كان قدرًا مظلمًا مميتًا صحب الشاعر في كل حياته وشِعره. ونحن نظلم الشاعر أيضًا لو حاولنا أن نفسر هذا القدر تفسيرًا نفسيًّا أو مرضيًّا. فالعبارة التي أوردناها تبين كيف اتحد الشِّعر بالشاعر فلم يستطع أن ينفصل عنه، وكيف اتحد الشاعر بالشِّعر فلم يكتبه، بل عاشه وكانه، وخضع له وفني فيه فناء العبد في معبوده. لنستمع إليه وهو يتحدث إلى قوى السماء في ختام أغنيته الجميلة «عند منبع الدانوب»:

أنتِ أيتها الأرواح الطيبة، أنت أيضًا موجودة هناك،١١
غالبًا، عندما ترف السحابة المقدسة فوق إنسان
يصيبنا الذهول ولا ندري كيف نفسر معناها.
أما أنتم فتمزجون١٢ أنفاسنا بالنكتار١٣
وعندئذٍ نفرح في معظم الأحيان أو تفجؤنا الحيرة،
لكن إن أحببتم إنسانًا حبًّا شديدًا
فلن يجد الراحة حتى يصبح واحدًا منكم.
لهذا، يا أيها الطيبون! التفُّوا حولي خفيفين
كي يتسنى لي أن أبقى، فلم يزل بي شوق للغناء.١٤
أما الآن فتختم أغنيتي الطيبة النواحة
كأنها خرافة حب،
وكذلك انقضى شأني معها منذ البداية
بين الخجل والشحوب،
وكذلك ينقضي كل شيء.

والنزعة الصوفية الواضحة تغلب على هذه الأبيات. فالبشر الفانون لا يدرون كيف يفسرون ظهور السحابة المقدسة، بعد أن تاهوا في الأرض كالأيتام — كما تقول القصيدة نفسها في موضعٍ آخر — وفقدوا الإحساس بالوفاء للبطولة والألوهية والقداسة. والحيرة تفاجئهم وتصيبهم الدهشة والذهول — ربما لأنهم لم يتوقعوا ظهور القداسة على الأرض أو لأنهم نسوها وفقدوا الصلة بها. ولهذا تضيع الأغنية من الشاعر كما ضاعت منه منذ بدأ يحاول الغناء. ولهذا أيضًا يحس في نفسه حاجة للمزيد من الغناء على الرغم من انقطاع أغنيته، إذ لا تزال الأرواح الطيبة تناديه وتؤثر على حياة الإنسان لترده للطاعة والوفاء.

ولا يخفى على القارئ أن مثل هذا الشِّعر يصبح مستحيلًا بغير الإيمان العميق. فهو مؤمن بأن الآلهة أو الخالدين أو الأرواح الطيبة تحب الإنسان حبًّا شديدًا. ولقد عبرت عن حبها للشاعر نفسه بما احتمله في سبيلها من عذاب قاسٍ انتهى به إلى التسليم. فكل شيء طيب وخير، والشاعر الذي فقد كل شيء حين فقد نعمة الحب لا يملك إلا الشكر؛ أي لا يملك إلا الشِّعر. والشِّعر هو سبيله الوحيد للتعبد والطاعة والوفاء …

ولقد وهب هذا الشِّعر أو هذا الغناء الطيب الحزين كل حياته. فالشِّعر يجري في حياته جريان الدم في عروقه. ولكنه كذلك يمر وينقضي. والشاعر يقف على الشاطئ، يجرفه تيار النغم ويحسُّ نحوه بالخجل والشحوب .. ربما لأنه عجز عن الغوص في تيار الحياة فقنع بتيار الشِّعر الذي راح ينشده بين النشوة والبكاء. ويمضي التيار، وتتساقط الدموع التي كان يدَّخرها للحب، ولا يبقى له غير هذا العزاء؛ وهكذا ينقضي كل شيء!

كانت محنته في قلبه. أراد «الغناء الخفيف» فأثقل قلبه بالحب المحروم، بمرارة الفقد والفراق وخيبة الأمل. لم يتعلق هذا الحب بشخصٍ واحد ولا موضوعٍ واحد، ولو اقتصر عليه لكان من السهل تعويضه أو التعزي عنه.

بدأ هذا الحب مع «مليته» في الشذرة أو الصياغة الأولى لروايته هيبريون، فكانت هي «الوحيدة». ثم أصبحت ديوتيما، في الخيال والواقع، هي «سلام السماء». وعبر ليل الحزن والمعرفة فتجاوز شخص الحبيبة ذات الأسماء المتعددة إلى المطلق. وتجسد هذا المطلق في أواخر حياته في شخص المسيح وعذابه وصعوده. وهنا أصبح المسيح هو «السلام المبارك» وهو «الوحيد»:

لكن الحب
يتعلق بواحد.
إذ إن الغناء
قد خرج في هذه المرة
من صميم القلب،
أريد أن أصلح الخطأ
حين أغني لآخرين.
أبدًا لن أجد المقياس
كما أتمنى.
لكن إلهًا يعرف
متى يأتي الخير الذي أتمناه.

فالقلب متعلق الآن بحبٍّ واحد، أو هو يحاول هذا على الأقل. إنه يفور ويجيش في باطنه، ويريد لذلك أن يتعلق بموضوعٍ واحد، ويجد الحد والمقياس العدل في الحب والشِّعر على السواء. وهو يعرف أنه طالما اضطرب وتمزق وتشتت، ولهذا يحاول أن يجد الحبيب الوحيد الذي يتشبث به كطفلٍ يتيم يفتش عن جدار يمكنه أن يستند إليه ليبكي ويبكي. إذن فقد أخطأ وأذنب، وهو يعرف هذا ويعترف به.

لكني أعرف،
إنما هو ذنبي،
فيا شد ما أتعلق بك
أيها المسيح!

وجد الآن سيده ومعلمه. ولكن هل استراح؟ إن روحه ما زالت مترعة بالحزن، وكأن الآلهة قد آلت على نفسها أن تتركه في الحيرة والعذاب:

سيدي، مولاي
أنت يا معلمي!
لمَ بقيت بعيدًا؟
ولَمَّا أبصرت الأبطال والآلهة
بين الأرواح القديمة
لمَ غبت عنهم؟
والآن روحي مفعمة بالكآبة،
وكأنكم، يا أيها السماويون،
قد آليتم على أنفسكم،
إن صليت لمعبود،
أن أفقد معبودًا آخر.

غير أن هذه الحيرة نفسها، هذا الوهج الباطن والجيشان الدائم الذي أنساه الحد والمقياس هو نفسه الذي أعطاه القدرة على الغناء. صحيح أنه اشتاق «للغناء الخفيف» فلم يوفق إليه. ولكن متى استطاع الشعراء أن يغنوا بغير بكاء، ومن أين يأتيهم الشوق إلى الغناء الخفيف لولا الحزن الذي يثقل قلوبهم؟ المهم بعد كل شيء أنه غنَّى، وترك لنا في هذه الفترة القصيرة — بين سنتي ١٨٠٠م و١٨٠١م — أغنيات باقية تعبر عن شكره وطاعته، أي عن تسليمه لقدر الحب والشِّعر.

سافر هلدرلين في اليوم العاشر من شهر ديسمبر سنة ١٨٠١م إلى مدينة «بوردو» ليواصل مهنته البائسة في تربية أبناء القنصل الألماني المقيم في ذلك الميناء الفرنسي على نهر الجارون. وقد أرسل قبل رحيله بأيامٍ قليلة بضعة سطور إلى صديقه بولندورف تكشف كالبرق الخاطف عن رؤيته للقدر الذي يهيمن على حياته، وإحساسه بالموت الذي يتربص بطريقه: «كنت فيما مضى من الزمان أستطيع أن أفرح وأهلل لحقيقةٍ جديدة، وأرى ما يمتد فوقنا وحولنا رؤية أفضل. أما الآن فإني أخشى أن تكون نهايتي كنهاية تنتالوس١٥ العجوز الذي أعطته الآلهة أكثر مما يطيق أن يهضم. غير أني أفعل ما أستطيع، بقدر ما أستطيع، وحين أرى أنني سائر على الطريق الذي سيؤدي حتمًا إلى نفس المصير الذي سينتهي إليه غيري، أحسُّ أن من الكفر والجنون أن يبحث الإنسان عن طريقٍ مأمون من العثرات، وأن الموت لا يستعصي عليه شيء. والآن وداعًا يا صديقي الحبيب! وإلى رسالةٍ أخرى. قلبي الآن مفعم بالوداع.»

والسطور تكشف كما ترى عن حزنٍ عميقٍ فاجع يعبر عن رؤية الشاعر لقدره ومصيره، وإحساسه بأن الطريق العسير الذي يخطو عليه لا بد أن ينتهي به إلى نهايةٍ محزنةٍ فاجعة. هذه الرؤية أو هذه الرؤى القاتمة التي يتصورها شاعر — يتحقق فيه معنى الرائي أو العراف القديم — تعبر عن تنبُّئه بانهياره الوشيك. فالعذاب الذي يتحمله والحياة التي يحياها بلا حب ولا أمل إلا في ماضٍ أسطوري ذهب ولن يعود، تفوقان في النهاية قدرة العقل البشري. ولا بد في النهاية أيضًا أن تسوقاه إلى حافة التمزق والدمار.

ها هو ذا يتعذب ويتحمل، ويفنى في الشِّعر والخيال إلى الحد الذي يفقده الصلة بالأرض والواقع، ويحاول أن يحافظ على نقائه وبراءته وحقيقته وسط صحراء الرؤى المميتة، ويعبر عن هذا في أبيات من قصيدة «الوحيد» التي قرأنا جزءًا منها على الصفحات السابقة:

صحراء زاخرة بالرؤى،
هائلة على الدوام،
وتغري بالموت،
بحيث يصبح البقاء
في الحقيقة البريئة
عذابًا …
وطبيعي أن تنضم صورة الموت إلى هذه الرؤى. فهو يغري الإنسان أو يغويه بالموت، والموت عند شاعرنا يرادف البُعد عن الحقيقة والبراءة، أي التحلل من المطلق. ويبدو أن فكرة الموت كانت في هذه الفترة مسيطرة على عقل هلدرلين ووجدانه. ويكفي أن نعيد قراءة السطور السابقة لنرى أنه يذكره مرتين، مرة حين يقول إنه لا شيء يستعصي على الموت،١٦ وأخرى بالفراق والوداع. ولا يمكن أن تبتعد رؤيا الموت عن شاعر ظل يصارع قدره حتى أنهكه وأهلكه، وظل يحيا حياته وعينه لا تكفُّ عن التطلع إلى الصور الأولى والنماذج الخالدة للبطولة والقداسة والنقاء. ولا بد أنه عرف بوضوح ما يعترف به الآن في رسالته إلى صديقه؛ لا بد أنه عرف أن شبح الموت يحوم كنسور القدر القاتم فوق الرحلة العظيمة. وهل اختلف مصير الأبطال والشعراء العظام عن هذا المصير؟

سافر هلدرلين إلى «بوردو» عن طريق ستراسبورج وليون، ومعه جواز سفر يحدد شخصيته بأنه «أديب» .. وعبر طريقًا موحشًا تطل عليه أعالي جبال الأوفيرون المخيفة، وتعصف به الرياح، ويخيم عليه الليل البارد برودة الثلج .. وبجانبه مسدسه المحشو الذي يتحسَّسه باستمرار وهو يتقلب على فراشه الخشن .. ووصل إلى بوردو في الثامن والعشرين من شهر يناير سنة ١٨٠٢م. وجاءت أول رسالة منه وكلماتها تحمل ذلك الرنين المعدني الذي نعرفه من أغنياته الطويلة المتأخرة. فقد عوَّد نفسه على العيش الخشن واحتمل الدور المكتوب عليه. وجاءت رسالته التالية معبرة عن السكون الشامل الذي بدأ يطوي حياته، في لغةٍ زجاجية تكشف على الرغم من سحرها وشفافيتها عن بوادر الجنون التي أخذت تظهر عليه. فهو يطلب من أحبائه أن يذكروه ويفكروا فيه بالقدر الذي لا يزعج حياتهم. وهو يصارحهم بأن مشاغله العديدة وغربته عن الوطن ومسافة البعد التي تفصله عنهم تجعله ضنينًا بالكتابة إليهم. (وواضح أن هذا البعد لم يكن بُعدًا جغرافيًّا فحسب!).

ونحن نكاد نجهل كل شيء عن حياة هلدرلين في «بوردو». وكل ما نعلمه أنه نزل في بيت القنصل الألماني «دانييل كرستوف ماير» الذي كان يتاجر في النبيذ إلى جانب عمله الرسمي .. وكان رجلًا أنيقًا ذكيًّا، يعيش في بيتٍ فخم بُني على الطراز الكلاسيكي. وقد كتب هلدرلين إلى أمه عن هذا البيت فقال إنه يعيش فيه عيشةً بالغة الأبهة والفخامة، ويتمنى لو كانت حياته أكثر بساطة وهدوءًا .. ولا بد أنه استمتع مع ذلك بالطبيعة الحالمة التي كانت تحيط به، فعبر عن ذلك في قصيدته المشهورة «ذكرى» التي تزخر بذكرياته على ضفاف الجارون وبين حدائق «بوردو» وغاباتها. ولا بد من قراءة هذه القصيدة لنستطيع الإلمام بتفاصيل البيئة التي عاش فيها الشاعر وعرض مشاهدها وانطباعاتها في نفسه كما يعرض طفل مجموعة من الصور التي تسجل ألعابه الحلوة البريئة:

تهبُّ ريح الشمال،
أحب الرياح إلى نفسي؛
لأنها تعد الملاحين
بالروح المشبوبة والرحلة الطيبة.
لكن اذهب الآن،
وحي «الجارون» الجميل،
وحدائق بوردو،
هناك حيث يمتد الطريق
على الشاطئ الوعر،
وينحدر الجدول
إلى أعماق النهر،
أما من فوقه
فيطل زوج نبيل
من أشجار البلوط والحور الفضية.
ما زلت أذكر هذا،
وكيف تحني الغابة
ذراها العريضة فوق الطاحونة،
أما في الغابة فتنمو شجرة تين.
أما في أيام الراحة
فتمشي النساء السمراوات هناك
على أرضٍ من حرير،
في فصل الربيع١٧
عندما يتساوى النهار والليل،
وفوق الممرات البطيئة
ترفُّ الأنسام،
مثقلة بالأحلام الذهبية.
فلتمتد إليَّ يد
بالكأس العطرة
المترعة بنورٍ مظلم؛
علِّي أجد الراحة.
ما أحلى النوم
تحت الظل!
ليس حسنًا
أن تحيا بلا روح،
وتستحوذ عليك الخواطر الميتة.
لكن الحديث حسن،
والإفضاء برأي القلب،
والإنصات إلى الأخبار الكثيرة
عن أيام الحب،
وما تم من الأعمال.
لكن أين الأصحاب؟
أين بيلارمين١٨ ورفاقه؟
أكثر الناس يمنعهم الخجل
من الذهاب إلى النبع،
لأن الثراء
يبدأ في البحر.
إنهم كالرسامين،
يجمعون جمال الأرض
ولا يزدرون الحرب المجنحة،
ولا الحياة لأعوامٍ طويلة،
وحيدين تحت الشراع الجاف،١٩
حيث لا تسطع أعياد المدينة في الليل،
ولا أنغام الأوتار ولا الرقص القومي.
أما الآن فقد ذهب الرجال
إلى الهنود،
هناك على القمة التي يرفُّ حولها الهواء،
بين التلال التي تغطيها الكروم،
حيث ينحدر «الدوردوني»٢٠
وينسكب التيار عريضًا كالبحر
مع الجارون الرائع.
لكن البحر يهب الذكرى ويستردها،
والحب كذلك يثبت أعيننا،
أما ما يبقى فيؤسسه الشعراء.
لم يكد هلدرلين يمضي أربعة شهور في «بوردو» حتى فكر في العودة إلى وطنه. ولم يكتفِ بالتفكير فأخرج في اليوم العاشر من شهر مايو (١٨٠٢م) جواز سفر لرحلته. ولسنا ندري شيئًا محددًا عن سبب عودته المفاجئة. أكان هو الإخفاق من جديد في مهمته التربوية التي لم يُخلق لها بطبيعته بل أجبرته عليها لقمة العيش المُرة؟ أم ألوان أخرى من الذل التي لم يحتملها قلبه الجريح؟ أم ضيقه بالمسكن الفخم الذي جعله يحن للوحدة والبساطة والسكون؟ أم هي أخبار وصلته عن مرض حبيبته الطاهرة التي لم تنقطع عنه رسائلها على الرغم من الفراق الحاسم الأخير؟ لسنا ندري شيئًا كما قلت. صحيح أن هناك مَن يفسر رحيله بأسباب تتصل بكرامته وكبريائه ويذهب إلى أنهم هناك في بوردو قد «فرضوا عليه بعض المطالب التي عجز عن الوفاء بها أو وجدها جارحة لشعوره»، ولكنها كما ترى فروض لم تتحقق حتى الآن. والمهم أنه عبر الحدود الألمانية الفرنسية عند مدينة كيل٢١ في اليوم السابع من شهر يونيو على قدميه، ثم لم يلبث أن ظهر بعد ذلك بقليل في مدينة شتوتجارت، ولفت الأنظار بملامحه المرتبكة وغضبه العارم وحالته التي تنم عن الجنون واليأس الفظيع. وفهم منه الناس أن اللصوص سطوا عليه في الطريق، أو أنه أصيب بضربة شمس وهو يخترق الجنوب الفرنسي الحار. ولكن الكارثة كانت قد بدأت بالفعل.

«من الكفر والجنون أن يبحث المرء عن طريقٍ مأمون من كل العثرات.» هكذا كتب قبل بداية رحلته الكبرى إلى صديقه بولندورف. ولقد قرأنا سطورًا من هذه الرسالة ورأينا كيف تقمَّصته روح الشاعر العراف الذي انكشفت له حجب الغيب في لمحةٍ خاطفة. فقد تحدث فيها عن الجنون والموت. ولكنه حديث المؤمن الذي يعتقد أن من الكفر وجحود النعمة أن يرفض السير على طريق حددته له السماء من قبلُ. إن عليه أن يقطع هذا الطريق مهما انتهى به إلى الجنون أو الموت. بل إنه يعلم أن الجنون والموت ينتظرانه في نهايته. ولكن لا مفر من السير عليه، لأن هذا هو واجب الطاعة والخضوع الذي لا يوجد واجب أسمى منه. ولقد كتب يقول أيضًا في هذا الخطاب إنه قد تعود على الحياة الخشنة وأصبح مستعدًّا لما يأتي به المستقبل. فهل معنى هذا أنه استعد للحادث العظيم والكارثة المخيفة؟ لا بد أنه أحسَّ بهذا؛ فحديثه عن الموت في هذه الرسالة، وقوله إن قلبه مفعم بالفراق، يدلَّان على أنه كان ينتظر شيئًا أكبر من طاقته وقدرته .. ولكنه انتظار الرضا والاستسلام .. لقد ظهرت عليه بوادر الجنون الذي تمكن منه بعد ذلك بأربع سنوات. وتفتتت شخصيته مزقًا متناثرة، وفقدت الوسط والمركز والرباط الذي يوحد بينها. تكسرت سفينة العبقرية على صخرة اليأس والجنون، وتحولت إلى حطام لا يستطيع أن يحمل فكرة أو عاطفة. أما الموت فقد أخطأه في هذه المرة وأصاب حبيبته .. ولكن هل أخطأه حقًّا وهو الذي فني فيها واتحد كيانه بكيانها؟

ماتت «سوزيته جونتار» في نفس الوقت الذي فقدَ فيه هلدرلين عقله أو كاد. انتهى صراعها القصير مع السل في الثاني والعشرين من شهر يونيو سنة ١٨٠٢م. وظهر هلدرلين قبل ذلك بحوالي أسبوعين «بملامح مرتبكة» في مدينة شتوتجارت .. هل كانت هناك صلة بين الحادثَين؟ وهل يمكننا أن نربط بينهما كما نربط بين السبب والنتيجة؟ إن مأساة الموت أو مأساة الجنون أكبر من أن ننظر إليها هذه النظرة العلمية أو شبه العلمية. إنها سر من أسرار الحياة تعجز الأسباب والنتائج عن إدراك حقيقته. وكل ما نملك حياله هو أن نشعر بما فيه من عذاب الإنسان وجرحه وانكساره. وماذا عسى أن تفعل الحجج والأسباب أمام القلب الذبيح والعقل الجريح؟ ماذا يملك العلم أمام السر؟

«كنا زهرةً واحدة لا غير .. عاشت روحانا في كيانٍ واحدٍ …» هكذا يقول هلدرلين في روايته هيبريون. فهل يدهشنا بعد هذا أن يكون الموت قد أصابه حين أصاب حبيبته؟ وهل كان الجنون الذي بدأت نيرانه تلتهم عقله إلا نوعًا من الموت؟ وهل هذا الذي جرى له ولحبيبته إلا تحقيق الرؤيا التي رآها قبل ذلك بشهور معدودة؟ .. كان هلدرلين قد اتحد بالفكر والروح والشعور بحبيبته إلى حد الفناء الذي يعرفه شهداء العشق في كل العصور. وكل كلام عن هذا الاتحاد يفسده ويفقده معناه. وكل شرح يصبح ثرثرةً سخيفة من النوع الذي تفوق فيه عصرنا إلى حدٍّ مخيفٍ. لا بد إذن أن نحس به. وليس أمامنا إلا أن نفعل ذلك إن استطعنا، فهذا هو السبيل الوحيد للشعور بعذاب الإنسان خلف قناع الموت أو الجنون. ويكفي أن إحساس هلدرلين بفنائه في شخصية حبيبته قد وصل إلى تلك الدرجة التي يصفها علماء النفس كما يصفها المتصوفون في آخر الطريق. ويكفي أن الشاعر سئل عن «ديوتيما» وهو في الواحد والسبعين من عمره (أي وهو في قمة جنونه وقبل موته بسنتين) فقال: لقد أصابها الجنون.»

كان لقاء هلدرلين بالموت من وحي إلهامه كشاعر وهب حياته للشِّعر وحده. وقد يبدو هذا شيئًا بعيدًا عن العلم قريبًا من الخرافة، ولكن لا بد من التسليم به ونحن إزاء شاعرٍ كبير مثله .. وفي كلِّ شاعرٍ كبيرٍ شيءٌ من العرَّاف القديم الذي يحسُّ بالغيب ويتنبأ بالقدر.

ومع ذلك فهناك مَن يقول إن للصدفة دورًا في هذا اللقاء. وهناك من مؤرخي حياته مَن يرجِّح أن يكون قد تلقَّى رسالة من سوزيته أثناء وجوده في «بوردو» تخبره فيها بمرضها الأخير، وتودعه وداع مَن يشعر أن الموت قريب منه. ولقد قال بهذا الرأي شقيقه من أمه «كارل جوك» الذي أرَّخ لحياته. ثم تشكك الدارسون في هذا الرأي بحجة أن سوزيته لم تمرض بداء السُّل إلا عشرة أيام قبل موتها. ثم تبين بعد ذلك للباحثين أنها قاست من هذا الداء شهورًا طويلة. ومهما يكن الأمر في هذه المسألة فقد أُبلغ هلدرلين بوفاة حبيبته في الأيام الأولى من شهر يوليو سنة ١٨٠٢م على لسان صديقه «إسحاق فون سنكلير» الذي قال له في خطابه إليه: «إنني أبكي وأنا أكتب إليك بهذا النبأ …»

عاش هلدرلين السنتَين التاليتَين في تمزق وانهيار. وبدأ الموت البطيء يفترس عقله وقلبه، وينخر هيكله المحطَّم قبل حلول الكارثة الفظيعة. ومع ذلك فقد أتيح له في أيام أو ساعاتٍ قليلة أن يجمع نفسه ويلمَّ شتات عبقريته. واستطاع في هذه الأيام والساعات النادرة أن يكتب أغنياته الأخيرة أو على الأصح ما بقي منها من شذرات لم تتم.

والمتأمل لهذه الأغنيات والترانيم يكتشف أن علاقة الشاعر بالشِّعر قد تغيرت عما كانت عليه. كنتَ تحسُّ في أشعاره السابقة بأنه متحكم في مادته وصوره وأفكاره وأنغامه، وأن هناك «ذاتًا» تُنظِّم وترتِّب وتبني. أما الآن فأنت تحس أن هذه الذات قد فقدت السيطرة على مادتها وأن الصور والأشكال والخواطر والأنغام تتحكم فيها وتستغلها أداةً للتعبير عن نفسها، بدلًا من أن تتحكم هي فيها وتعبر بها. لقد أصبح الشاعر موضوعًا لها — إن جاز أن نستعير هذه الكلمة من لغة الفلسفة — كما أصبح موضوعًا لقوًى أخرى أكبر منه تعمل عملها على نول القدر والوجود:

لأن قوًى هائلة
تتجول فوق الأرض،
ويهيمن قدرها
على مَن يكابده ويراقبه،
كما يهيمن على قلب الشعور.
لأنه لا يقدر أن يحيط بكل شيء
إلا نصف إله أو إنسان، بحسب عذابه،
عندما ينصت وحده،
أو عندما يتحول هو نفسه،
إذ يحس خيول الرب من بعيد.
ولا يقتصر الأمر على تغير الذات وحيرتها وتفتتها، بل يتعداه إلى الموضوعات التي يطرقها الشاعر. فقد كانت الأغنيات أو الترانيم أو التراتيل ٢٢ التي كتبها في المرحلة التي بلغ فيها ذروة نضجه الفني تدور حول مبدأٍ أعلى ينظم كل شيء ويرعاه رعاية الأب لأبنائه. وكانت موضوعاتها الرئيسية تدور حول شخصية هرقل أو المسيح أو حول الروح والكلمة. ثم تحولت في المرحلة المتأخرة التي نتحدث عنها إلى مبدأ أو قوة أخرى أسطورية ذات طابعٍ أمومي. فهناك الهاوية المظلمة العميقة، وهناك المملكة الساكنة، المادونا أو العذراء المقدسة، وهناك الوطن. ونلمس في كل هذه الموضوعات روحًا شفافةً هامسة، تدير حديثًا خافتًا عذبًا مع الأم الأولى؛ مع الأرض، ونحس فيها شيئًا أشبه بعودة البطل إلى بيته ووطنه من غربةٍ بعيدة. تقول أغنية «الوطن»، وهي إحدى هذه الشذرات التي ترك الشاعر بعض أبياتها ناقصة:
ولا أحد يدري

ثم ينقطع الكلام قبل أن يتصل بعد ذلك بقليل:

لكن دعيني أتجول،
وأقطف التوت البري،
كي أطفئ حبي لك،
على دروبك، يا أيتها الأرض
هنا حيث …

وينقطع الكلام مرةً أخرى ثم يقول:

وأشواك الورد،
والزيزفون الحلو ينشر عبيره
بجوار أشجار الزان،
في وقت الظهيرة
عندما يهمس النماء في حقل القمح المصفرِّ الشاحب
للأعواد المستقيمة،
وتحني السنبلة عنقها جانبًا
كما يفعل الخريف، أما الآن فتحت قبة السنديان العالي،
حيث أتفكر وأتطلع بسؤالي للسماء،
ترنُّ في سمعي من بعيد دقات الناقوس
الأليفة إلى نفسي رنينًا ذهبيًّا،
في الساعة التي يصحو فيها الطائر.
عندئذٍ يطيب كل شيء …

ويلاحظ القارئ أن الجملة الأخيرة في القصيدة الزاخرة بالصور الحية الملموسة تعبر عن روحٍ متدينة ترحب بكل شيء وتثني على كل شيء. ولن يغيب عنه أيضًا أن مثل هذه الرُّوح التقية المستسلمة لا تخلو من الإحساس بسلطان الموت. ولقد رأينا كيف عبر الشاعر عن هذا الإحساس القاتم المضيء في قصيدة الذكرى التي قرأناها على الصفحات السابقة أجمل تعبير وأصفاه حين قال:

فلتمتد إليَّ يدٌ
بالكأس العطرة
المترعة بنورٍ معتم
فلعلي أجد الراحة،
ما أجمل أن يحلو النوم
تحت الظل …

يبدو أن وطأة الإحساس بالموت والفناء قد اشتدت على الشاعر في هذه السنوات التي تلت وفاة حبيبته فخنقت قدرته على الخلق أو كادت. ولذلك وجد متنفسه في ترجمته الرائعة لمسرحيتَي سوفوكليس «أوديب» و«أنتيجونا» التي كان قد بدأها مع نهاية القرن. وهي ترجمةٌ رائعة تعد من درر اللغة الألمانية، ولا يقلل من روعتها أنها بعيدة عن الترجمة الحرفية والعلمية الدقيقة، لأنها ستظل أثرًا باقيًا من آثار الترجمة الخلَّاقة التي لا يقدر عليها إلا الأدباء والشعراء الكبار. ولذلك جاءت أخطاؤها أخطاءً رائعة، لأنها خرجت من يد شاعرٍ كبير، ولأنها في مجموعها خلقٌ جديد لا ترجمةٌ حرفيةٌ دقيقة. وقد قدر لهذه الترجمة أن تجد ناشرًا جريئًا سخيًّا في كرمه ونبله، وهو «فريدريش فيلمانس» الذي لم يمنعه بؤس الشاعر وظلم الحياة الأدبية له من طبع ترجمته التي ظهرت في مدينة فرانكفورت سنة ١٨٠٤م. والمجال لا يتسع لمناقشة هذه الترجمة الخالدة التي تعدُّ جزءًا لا يتجزأ من أدب هلدرلين وشخصيته وحنينه إلى عالمٍ أسطوري جميل وجليل. ولعل الأيام أن تسعفني بالحديث عنها وعن أثر الفكر والأدب اليوناني على شاعرية هلدرلين وأسلوبه وخياله ومثاليته.

يبدو أن هلدرلين وصل في هذه الفترة من حياته إلى حالٍ مؤلمة من الاختلاط والفوضى العقلية والنفسية. تشهد على هذا رسالة كتبها الفيلسوف «شيلنج» في الثانية والسبعين من عمره، وراح يتذكَّر فيها اللقاء المحزن الذي تم بينه وبين الشاعر المسكين في ربيع سنة ١٨٠٣م. فقد سعى الشاعر إليه وعبر المسافات الطويلة على قدمَيه ليراه، وكأنما ساقته غريزته أو صداقته القديمة للفيلسوف الصوفي الكبير … كان لقاءً حزينًا كما قلت، أقنع الفيلسوف العجوز بأن «هذه الآلة الموسيقية ذات الأوتار الرقيقة» قد اختلت إلى الأبد. كان شيلنج كلما عرض لفكرة أو شيء يتعلق بحياتهما الماضية وجد منه الجواب الصحيح، ثم لا يلبث الخيط أن ينقطع، ويضطرب كلام الشاعر ويغمغم بحديث لا يُفهم. ومع ذلك فقد تأكد للفيلسوف — كما يشهد بنفسه — أنه أمام عبقري لم يفقد شيئًا من فطرته النقية ولا رقَّته الأصيلة. ولقد لبث هلدرلين ستًّا وثلاثين ساعةً في ضيافته فلم يصدر من سلوكه أو حديثه ما يناقض خلقه النبيل أو جوهره النقي الذي عرفه في شبابه الباكر٢٣

أما صديقه القديم «إسحاق سينكلير» فقد أسرع لنجدته، وبذل أقصى جهده ليرد إليه إيمانه بنفسه وينقذه من الجنون الذي يتهدَّده. فقد جاء به في صيف سنة ١٨٠٤م إلى مدينة هومبورج وسعى لدى أميرها الحاكم لتعيينه أمينًا لمكتبته وتعهَّد أن يدفع راتبه من جيبه؛ لكي يوفر له الحياة التي تعينه على الخروج من محنته.

وكانت طريقة الحياة في بلاط الأمير «الناسك فريدريش» — كما لقَّب نفسه ذات مرة — شيئًا غير مألوف في ذلك الحين. فقد كان في أعماقه رجلًا زاهدًا يؤثر العيش مع أفكاره النقية التقية على الحياة بين مشاغل السياسة والحكم. وكان كل مَن يقترب منه — كما يروي واعظ بلاطه بريدنشتين — يضطر إلى طاعته والثناء عليه، وكل مَن يراه ينحني أمام عظمته وهيبته. كان يشعُّ من هيئته وملامحه ذلك السحر الآسر الذي ينمُّ عن الانتصار على كل المشاعر المنحطة والانفعالات الدنيئة. وليس غريبًا على مثل هذا الأمير الناسك أن يترك الحكم لزوجته الباهرة الجمال. أما ابنته «أوجستا» فكانت أشد منه حياءً وانطواءً. ويظهر أن لقاءها بالشاعر البائس الرقيق قد فجَّر في صدرها عاطفةً عميقة لم تكاشفه بها أبدًا. وقد شهدت في وصيتها بأن ظهوره في حياتها كان بمثابة الصحوة التي أيقظتها من سباتها وجعلتها تتطلع إلى وجودٍ أسمى. ولكن جو التدين العميق الذي كانت تعيش فيه، وحرصها على التقوى والصلاح إلى حد التشدد قد جعلها تكتم عاطفتها وتقسو على مشاعرها. ومَن يدري؟ فلعلها لو أبدت له شيئًا من الاهتمام أو باحت له ببعض ما تجده نحوه لأعانته على الخروج من محنته. ولكن أمثال هذه المعجزات نادر في حياة الموهوبين المساكين؛ إذ يبدو أن دائرة تعاستهم لا بد أن تكتمل!

ويظهر أن هلدرلين قد لقي من عطف الأمير فوق ما كان يتوقع أو يتصور، فعبر عن شكره له في قصيدة أهداها إليه تعد من أروع قصائده إن لم تكن أروعها — وأصعبها أيضًا — على الإطلاق، وهي قصيدة «باطموس» التي قدَّمتُ لك بعض مقاطعها.

أما عن حياته في بلاط أمير مقاطعة «هسَّن» الزاهد فلا نعرف عنها شيئًا كثيرًا. غير أن ظواهر الأمور وروايات الشهود توحي بأنها كانت حياةً بائسة يلفها ظلام المحنة من كل ناحية. ومع ذلك فيبدو أنها لم تخلُ في أحلك لحظاتها ظلامًا من آثار تدل على رقة الشاعر وفطرته النقية وصمته ووحدته المؤثرة. ولدينا روايةٌ مشهورة سجلتها الكاتبة الرومانتيكية الرقيقة «بتينافون أرنيم» زوجة الشاعر الكاتب الرومانتيكي المشهور «أخيم فون أرنيم» عندما رأته وهي لم تكد تبلغ العشرين. والسطور القليلة التي كتبتها «بتنيا» تعبر عن روح هلدرلين وفكره أكثر مما تعبر عن حياته في ذلك الحين. وهي تشهد بأثره على نفسها، وتكاد تشهد أيضًا بأثر شِعره على كل مَن يقرؤه: «كل شيء إيقاع. قدر الإنسان كله إيقاعٌ سماويٌّ واحد، وكذلك فإن كل عملٍ فني إنما هو إيقاعٌ واحدٌ فريد، وكل شيء يرف أمام شفتي الرب الشاعريتَين، وحيثما امتثل الروح الإنساني لهذا؛ نشأت تلك الأقدار الملهمة التي يتجلى فيها روح الفن …»

ساءت حال هلدرلين وظهرت عليه علامات الجنون الواضح. وأسرع إليه الصديق الوفي سينكلير فنقله في شهر سبتمبر ١٨٠٦م من هومبورج إلى مدينة توبنجن وأدخله المصحة ليعالَج تحت إشراف الطبيب أوتنريت وتلميذه يوستينوس كيرنر. وكان يتردد عليه نجارٌ ماهر «إرنست تسيمر» عُرف في مدينة توبنجن بحبه للثقافة والأدب والشِّعر. ويبدو أن هذا النجار المثقف الطيب القلب كان يحب هلدرلين حبًّا دفعه إلى أن يأخذه إلى بيته في صيف سنة ١٨٠٧م ليرعاه بنفسه. قال له الطبيب وهو يسلمه له إن المريض ميئوس من شفائه ولن يعيش أكثر من ثلاث سنوات .. فهل قدَّر هذا النجار الطيب أن المريض «الميئوس من شفائه» سيعيش في بيته وتحت رعايته ستًّا وثلاثين سنةً أخرى قبل موته؟ أي نصف حياته الأخيرة الذي قضاه في ليل الجنون المقدس؟!

لا بد أن المريض المسكين قد أحسَّ بهذا الليل الذي سيحاصره من كل جانب ويمنع عنه النور الحبيب. فها هو ذا في قمة يأسه ومرضه يكتب مجموعة من القصائد يسميها «أغنيات الليل (١٨٠٣م)». وها هو ذا يناجي النور — وقد كان دائمًا عزاءه الوحيد وصاحبه الذي يسير دائمًا إلى جانبه وهو مستغرق في التفكير — ويسأله أين أنت؟ وإذ يغيب النور ولا يطل بوجهه من الخارج ولا من الباطن يجلس وحده في صمت وسكون وينتظر وينتظر … لعل «المنقذ الحبيب» أن يلوح له من بعيد:

أين أنت أيها النور؟
القلب صحا من جديد، لكن الليل الجبار
يشدني بلا قلب على الدوام …
الآن أجلس وحدي في سكون،
وتمتد بي الساعات،
— ولأن السم بيننا —
تخلق أفكاري أشكالًا
من الأرض الغضة ومن سحب الحب،
وأمدُّ سمعي بعيدًا
علَّ منقذًا عطوفًا يقبل نحوي.٢٤

•••

فهل جاء هذا المنقذ العطوف؟
هل أخلف وعده أم أتى كعادته في موعده؟!
١  عن قصيدة باطموس.
٢  يلاحَظ أن الشاعر أضاف كلمة المدرسة إلى الصيغة الثالثة، أما في الصيغة الثانية فلا نجد إلا في السماء، وهكذا تحولت السماء والعالم إلى مدرسة يتعلم منها.
٣  يلاحظ أن الكلمة الأصلية (Stimmung) تستعصي على الترجمة إلى أية لغة. فهي تدل على الجو النفسي والانفعالي أو الشعور والإحساس العام. وكذلك الفعل منها الذي عبرت عنه بكلمة «استراح» يتصل بها ويصور الحالة الوجدانية بوجهها الطيب المريح.
٤  زائدة في الصيغة الثالثة.
٥  في الصياغة الثانية الوحدة.
٦  الصيغة الثانية أوضح قليلًا: ولكن كالرقصة في العرس، قد يستحيل المبدأ العظيم أيضًا إلى شيءٍ ضئيل.
٧  الكلمات الموضوعة بين قوسين زيادة مني لفهم النص المكثف الذي يكتفي بالإشارة والتلميح.
٨  هي إحدى الجزر اليونانية في بحر إيجه، ويقال إن يوحنا اللاهوتي قد رأى فيها رؤياه المعروفة.
٩  حرفيًّا: ينمو المنقذ.
١٠  فسَّر هيدجر هؤلاء الأحباب الذين يسكنون فوق قمة جبلَين متجاورَين منفصلَين بأنهم هم الشِّعر والفكر أو الأدب والفلسفة .. فليت الذين يصرُّون على الفصل بينهما أن يذكروا هذا التفسير!
١١  إشارة إلى المقطوعة السابقة التي تتحدث عن أبناء السماء الأول أو أبناء القدر الذين تركوا لنا — نحن الجاحدين — آثارهم المقدسة.
١٢  حرفيًّا: تتبِّلون.
١٣  هو شراب الآلهة.
١٤  حرفيًّا: فلم يزل عليَّ أن أغني المزيد.
١٥  هو فيما تقول الأساطير اليونانية ملك الليديين الذي زارته الآلهة فأكرم ضيافتها بتقديم أعضاء ابنه «بيلويس» لها. وقد غضب عليه كبيرها زيوس فقذف به في ظلمات العالم السفلي وحكم عليه أن يجوع ويعطش إلى الأبد.
١٦  حرفيًّا: ما من نبتة تستعصي على الموت أو تقف في وجهه.
١٧  حرفيًّا: في شهر مارس.
١٨  بيلارمين هو الصديق الألماني الذي كتب له هيبريون قصته في مجموعة من الرسائل الشاعرية.
١٩  أي العاطل من أوراق الشجر.
٢٠  نهر في جنوب غرب فرنسا يبلغ طوله ٤٩٠ كيلومترًا ويلتقي بنهر الجارون عند رأس أسبيس.
٢١  مدينة Kehl في مقاطعة «بادن فرتمبورج» وتقع في مواجهة مدينة ستراسبورج الفرنسية. وهي غير مدينة «كيل» على بحر الشمال.
٢٢  ليس هناك ترجمةٌ دقيقةٌ لكلمة Hymne في اللغات الأجنبية. وقد كانت في الأصل قصيدة تُغنَّى بمصاحبة الموسيقى في مدح إله أو بطل، ومن أشهرها ٣٣ قصيدة تنسب إلى هوميروس في الثناء على ديونيزيوس وديميتر وأبوللون وهيرميس، وست لكاليماخوس، وقصائد بندار المشهورة في الثناء على الفائزين في الألعاب الأوليمبية، وكذلك قصائد هوارس. وقد ظلت محتفظة بطابعها الديني والحماسي ثم دخلت عليها بعد ذلك مضامينُ جديدةٌ مختلفة مع تغير العصور الأدبية.
٢٣  نشرت رسالة شيلنج في الكتاب السنوي الذي أصدرته جمعية هلدرلين سنة ١٩٤٨-١٩٤٩م، ص١٢.
٢٤  عن قصيدة «خيرون» من «أغنيات الليل» التي كتبها حوالي سنة ١٨٠٣م. وخيرون نهر في العالَم السفلي أو عالَم الموتى والظلال يرد ذكره في الأساطير اليونانية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢