الفصل الثاني

النتائج الأخيرة لتربية الجامعة

أثرها في الذكاء والخلق

رأينا أن مناهج الجامعة لا تعلم الطالب شيئًا مما يشتمل عليه البرنامج، وأول نتائج التعليم القديم إنما هو الجهل المطلق، ولكن أليس لهذا التعليم نتائج أخرى أقبح من هذا أثرًا؟ ألسنا مدينين لهذا التعليم بهذه الجماعات الكثيرة ذات العقول الفاسدة الحانقة التي فقدت مكانتها الأولى وأصبحت عدوًّا للجماعة ونظمها؟ ألسنا مدينين لهذا التعليم بهذه الطوائف من رجال لا خلق لهم ولا إرادة ولا قدرة على شيء إلا إذا أعانتهم الدولة؟

لأجل أن نجيب على هذه المسائل يكفي أن ننقل بعض ما جاء في التحقيق البرلماني.

ولقد قال بعض الذين كلفوا اختصار نتيجة التحقيق:

إن العيوب الأساسية للتعليم القديم تُكرهه على أن يخرِّج للأمة لا طبقة راقية خليقة بهذا الوصف، بل جماعات من المتشوقين إلى المناصب العامة، وأدباء من الطبقة العشرين، وقومًا لا طبقة لهم.

أضف إلى ذلك الامتحان الذي يختم هذا التعليم وهو امتحان الشهادة الثانوية التي أصبحت لكثرة المستبقين وسهولة الامتحان ورقة من أوراق النصيب، وقد عرف الطلبة ذلك حق المعرفة فهم يخرجون من مدارسهم مقتنعين بأن شئون الحياة كلها كالشهادة الثانوية ورق من أوراق النصيب.١
ولقد يستطيع كل الذين ساحوا أن يثبتوا صحة ما ننقله عن تقرير مسيو ريمون بوتكريه وزير المعارف سابقًا:

لا أعرف شعورًا بالذلة أعمق من هذا الشعور الذي نجده حين نلقى الفرنسيين في البلاد الأجنبية، ليس هناك أشد حزنًا من هذا، فإن الفرنسي خارج فرنسا غريب حقًّا، عاجز عن أن يجيب على أي مسألة.

وما سبب هذه الغربة؟ سببها أنه لم يتعلم قط أن يدير أمور نفسه إذا لم يجد من يديره، فهو لا يرى شيئًا ولا يعرف شيئًا ولا يفهم شيئًا، ولقد ذكر مسيو بايو رأيه أمام لجنة التحقيق فقال: «إنهم (أي الطلبة الفرنسيين) لا يعرفون أن يفكروا بأنفسهم؛ لأنهم كانوا طول حياتهم حقائب بولغ في حشوها فأصبحوا عاجزين عن التفكير، ثم إن هذه الطريقة نفسها تبغِّض إليهم القراءة، فهم لا يُظهرون أي ميل إلى ما نعلِّمهم وهم كالأطفال الذين أسرف أهلهم في تغذيتهم.»

ومن الآثار السيئة لهذا التعليم عدم الاكتراث بالحياة الخارجية بحيث يشبه تلاميذُنا المتوحشين الذين لا يحفِلون ببدائع الحضارة، فكل شيء يتجاوز برنامج الامتحان لا وجود له، فإذا تحدث أمامهم متحدث عن حرب السبعين فهم لا يحفِلون بهذه الحرب؛ لأنها ليست من موضوعات الامتحان، أمامهم أداة التليفون ينتفع بها الناس ولكنهم لا يحفِلون بها؛ لأنها ليست موضوع الامتحان، ولعلك لا تصدق مثل هذه الغرائب؛ ولذلك أتعجل فأنقل إليك ما يؤيدها، ثم لا أنقل ذلك إلا عن أشهر الناس وأنبههم ذكرًا.٢
هناك ظاهرة أخرى ترافق عدم الميل إلى الاطلاع، وقد دهش لها رئيس لجنة التحقيق وإن كانت في نفسها واضحة، وهي ظاهرة النسيان الذي يعقب الامتحان، فهؤلاء التلاميذ الأشقياء الذين كانوا يستظهرون يوم الامتحان نَسبَ السانسنيين وبراهين الهندسة، يعجزون بعد ذلك بأيامٍ عن حل أيسر مسألة حسابية، ومن هنا هذه الحقيقة التي لا شك فيها وهي أن أصحاب الشهادة الثانوية يفشلون في المسابقات التي تعرضها بعض المصالح عن الذين يريدون الالتحاق بها، فإن نجحوا فمنزلتهم تلي منزلة تلاميذ المدارس الأولية.٣
١  ثم ينقل المؤلف كلامًا كهذا.
٢  ثم ينقل المؤلف كلامًا بهذا المعنى عن طائفةٍ من العلماء.
٣  ثم يستشهد المؤلف على ذلك ببعض نصوص التحقيق البرلماني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠