الفصل الخامس

مسألة التعليم الحديث والتعليم العملي

(١) التعليم الحديث

تاريخ هذا التعليم الذي يسمى التعليم الحديث هو أحسن مَثَل يسجل ما قلناه من أن الإصلاح ليس بالشيء اليسير إذا لم يسبقه تغيير الآراء والعقائد. فقد حاول أحد وزراء المعارف العاملين عندنا، مسيو «ليون بورجوا»، أن يصلح التعليم إصلاحًا أساسيًّا، فاستحدث إلى جانب التعليم القديم نوعًا آخر من التعليم سُمي بالتعليم الحديث، ألغى فيه التعليم اللاتيني واليوناني، ووضع مكانهما تعليم اللغات الحية والتوسع في درس العلوم. وكان الغرض من هذا التعليم إعداد طائفة من الشبان للحياة العملية المنتجة. ولكن هذا التعليم الحديث فشل كل الفشل، ولم يُنتِج شيئًا مما كان ينتظر أن ينتجه. وأهم الأسباب التي اضطرته إلى الفشل شيئان: الأول أن الجامعة لم تحسن فهمه ولا تدبيره، فطبعته بطابعها القديم وسلكت فيه مناهجها القديمة، فأصبح التعليم الحديث تعليمًا قديمًا ممسوخًا تنقصه اللاتينية واليونانية. والثاني أن أساتذة التعليم القديم حاربوه ومانعوا الممانعة كلها في تأييده وتثبيته، فلم يكونوا مخلصين ولا منصفين، وهناك سبب آخر، وهو أن الأسر مع أنها تشعر بفساد التعليم القديم وحاجته إلى الإصلاح لم ترغب في التعليم الحديث ولم تطمئن إليه.

وقد أجمع الباحثون على ملاحظة هذا الفشل والأسف له؛ ذلك لأن بلدًا كفرنسا ليس محتاجًا إلى الذين يعملون في مناصب الحكومة وحدهم، بل هو محتاج أيضًا إلى الذين يعملون في الحياة الاقتصادية في التجارة والزراعة والصناعة، وهو مع هذا بلد ديمقراطي محتاج إلى الذين يؤيدون الديمقراطية ولا يخدمونها، وإنما أنصار الديمقراطية حقًّا هم الذين يعملون في المصانع والمزارع والمتاجر، إلا أولئك الذين يستعدون للمناصب والأعمال الحرة ثم لا يجدون منها ما يريدون، فيصيبهم اليأس وتدركهم الحسرة ويصبحون عالة على الجمهورية أعداء لها. وفي الوقت الذي يظهر فيه فشل التعليم الحديث في فرنسا ظهر نجاح هذا التعليم في ألمانيا نجاحًا باهرًا. فبينما كان في سنة ٨٢ عدد الطلبة المنصرفين إلى هذا التعليم في بروسيا ١٢٠٠٠، وعدد المنصرفين إلى التعليم القديم ١٢٠٠٠٠، أصبح اليوم عدد المنصرفين إلى التعليم الحديث ٦٥٠٠٠، والمنصرفين إلى التعليم القديم ٨٦٠٠٠. وسبب ذلك أن الألمان لا يصلحون التعليم إلا قليلًا قليلًا، ولا يذهبون في ذلك إلا مذهب التدرج، فهم قد أنشئوا مدارس متوسطة بين النظامين، فيها الحظ القليل أو الكثير منهما، فيتدرج الطلبة في هذه المدارس وينتصر الحديث قليلًا قليلًا. وكل هذا التاريخ يثبت ما قلناه غير مرة من أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يتحقق بإصدار المراسيم وأوامر الوزراء، إنما ينبغي أن يسبقه تغيير العقائد والآراء، ومن أن تغيير البرامج لا يفيد إذا لم يسبقه تغيير المناهج، فليس هناك برنامج سيئ إذا حسن الأستاذ، وليس هناك برنامج حسن إذا ساء الأستاذ وجهل عن التربية.١

(٢) التعليم العلمي

يكاد خريجو الجامعة يستأثرون بالتعليم العملي، وإذن فهم يصطنعون فيه مناهجهم النظرية. يعتمدون في هذا التعليم على الكتب يستظهرها الطلبة فينتج هذا التعليم نتيجة لا قيمة لها كنتيجة التعليم القديم. ولولا أن في فرنسا عددًا قليلًا من المدارس الفنية أقامتها الجامعات الخاصة كالفرير والأفراد لكان من الحق أن نعترف بأن ليس لهذا التعليم وجود في فرنسا.

على أن الجامعة ليست وحدها مصدر انحطاط هذا التعليم، وإنما السبب الأساسي لذلك هو كلف الأسر بدرس اليونانية واللاتينية، واعتقادها أن هذا الدرس ينمي الذكاء ويكفل للتلمذ حياة راقية. ونحن في عصر انتقال لم يشعر فيه الناس بعد بأن هذا الرأي خاطئ من وجهين: فالتعليم القديم يفسد الذكاء ويحول بين التلميذ وبين الحياة الهينة اللينة.

آمنت الأسر بقيمة التعليم القديم فكلفت به وأعانتها الجامعة على ذلك. ففي البلاد اللاتينية لا يقاس أمهر الصناع وأقدرهم إلى أصغر المحامين والأساتذة؛ ولهذا تجتهد الأسرة دائمًا في أن تخرج أبناءها من طبقة العاملين الذين تزدريهم لتدخلهم في طبقة العلماء الذين تكبرهم، وهذا مصدر ما نحن فيه من الضعف الاقتصادي. ولقد نشرت إحدى المجلات الكبرى كتابًا لبعض زعماء الصناعة في فرنسا الشمالية، أختصر منه ما يأتي:

من المؤلم جدًّا أن نرى قسمًا من أقسام فرنسا كانت فيه الصناعة قوية مزدهرة، فأصبحت الطبقات الوسطى فيه تنصرف عن هذه الصناعة وتعنى العناية كلها بالعمل في الدواوين، ذلك لسوء الحظ حال الشعوب التي لا ترى في التعليم إلا وسيلة توصل إلى دواوين الحكومة ومناصبها، كل امرئ يطلب عملًا في الحكومة، وفي أثناء ذلك يكاد البلجيكيون يستعمروننا فهم يسيطرون على أكبر المصانع القائمة في ناحيتنا. ومن أدل الأمثلة على ذلك ما وقع في «موبيج». فقد ارتقت الصناعة في هذا البلد رقيًّا عظيمًا منذ سنة ١٨٩٢، ولكن بفضل البلجيكيين الذين أقبلوا من «ليج» و«شارلروا» فأقاموا المصانع على الحدود ووجدوا في بلادهم ما هم محتاجون إليه من رأس المال، وكان مواطنونا يشهدون ذلك دون أن يتحركوا ويستثمرون أموالهم في المصارف أو في شراء الأسهم الأجنبية. ذلك شيء مؤلم موئس، نحن قوم مرضى تعمل فينا علة خفية سنشعر بها بعد فوات الوقت.

ونشرت المجلة نفسها كتابًا يبين ما أصاب مستعمراتنا من نتائج التعليم النظري وإهمال التعليم العملي، جاء فيه:

إن الوطني من أبناء المستعمرات إذا قرأ وكتب وحسب احتقر من يحرث الأرض أو يعمل في المصنع، واعتقد أنه من طبقةٍ راقية وعد نفسه أوروبيًّا وطالب لنفسه بمنزلة الأوروبي، فالتعليم في المستعمرات هو بعينه التعليم في فرنسا إلحاح في قيمة الدرس النظري وازدراء للعمل، إخلاءٌ للمصانع والحقول وإكثار لعدد الذين يتهالكون على المكاتب والدواوين، ولو أن الذين يعنون بالتعليم في المستعمرات استبدلوا بتاريخ فرنسا منذ فرعون إلى نابليون الثالث الترغيب في العمل على اختلاف ألوانه، سواء في ذلك الزراعة والصناعة والتجارة، لتضاعفت ثروة المستعمرات، وتبع ذلك رقيٌّ في تجارتنا العامة.

يقولون إن مستعمراتنا لا تغل شيئًا، وينسون أن مصدر هذا إنما هو أننا نفسد بالتعليم النظري ذكاء هذه المستعمرات وقوتها على العمل.

وهنا نمسُّ نقطة حساسة في حياتنا القومية، فإن الذين يسيطرون على الأمور في فرنسا يجهلون أن العالم قد تطور، وأن المكان الأول فيه الآن إنما هو للحياة الاقتصادية، وأن الحاجة ماسة إلى العمال الأذكياء لا إلى النحويين وعلماء اللغة وغيرهم من الثرثارين، والجامعة تجهل هذا أيضًا ولا تعرف إلا ما ورثت من عاداتٍ وسنن، يتطور العالم وتنشأ الضرورات وتستتبع نتائجها ونحن عن هذا كله غافلون، وماذا تريد من بلدٍ زراعي صناعي تجاري لأن الزراعة والصناعة والتجارة هي التي تحييه، وهو مع ذلك يهمل هذه الفنون الإهمال كله، وحسبك أن عدد الذين يتلقون التعليم الثانوي الآن ١٨٠٠٠٠ بينما عدد الذين يتلقون التعليم العملي على اختلاف فنونه لا يبلغون ٢٢٠٠٠، بينما تسعة أعشار فرنسا يعيشون من الزراعة والصناعة والتجارة، وشر من هذا أن هذا التعليم العملي على قلة العناية به فاسد الفساد كله؛ لأنه متأثر بالجامعة. ففي بلد زراعي كفرنسا يجب أن تعنى مدارس الزراعة بالزراعة العملية لا بالكتب والنظريات، ولكن الكتب والنظريات هي كل شيء في هذه المدارس. ولقد نشرت الجريدة الرسمية تقريرًا كتبه المسيو «ملين» يشتمل على معلوماتٍ قيمة، ويظهر إلى أي حدٍّ تعتمد مناهجنا العامة في التعليم على قاعدة واحدة، ففي فرنسا (٨٢) مدرسة زراعية عملية غير المجمع الزراعي في باريس، وهذه المدارس تكلفنا في السنة أكثر من ٤ ملايين، وفيها ٦٥١ أستاذًا و٢٨٥٠ تلميذًا؛ أي ٤ تلاميذ لكل أستاذ، ويتكلف كل تلميذ أكثر من ١٤٠٠ فرنك في السنة، وأكثر التلاميذ في بعض المدارس يدرسون مجانًا، ولولا هؤلاء التلاميذ لاضطرت المدارس إلى أن تغلق أبوابها.

وقد كان ينتظر أن يحسن تعليم هؤلاء التلاميذ القليلين الذين يتكلفون نفقات باهظة بحيث يستطيعون أن يفيدوا الزراع فائدةً ما، ولكن شيئًا من ذلك لم يكن، فهؤلاء التلاميذ من جهل الفن الذي يدرسونه بحيث لا يستطيع أحدهم أن يكون خادمًا في مزرعة، وإذ كان هؤلاء العلماء الزراعيون الذين كنا نعتمد عليهم في إصلاح الزراعة لا يصلحون لشيءٍ، فهم يطلبون مناصب الدولة وأكثرهم يسعى ليكون أستاذًا حتى إن ٥٠٠ يتهالكون على ١٥ منصبًا.

ولقد عُرضت طرق كثيرة للإصلاح، منها ما يستدعي تغييرًا عظيمًا، ومنها ما يستدعي تغييرًا قليلًا. ولكن هذا الإصلاح كما قلنا لا سبيل إليه إلا إذا تغير الرأي العام، فليس لنا الآن إلا أن نصلح ما نستطيع قليلًا قليلًا دون أن ننتظر لهذا الإصلاح نتيجة ذات خطر؛ لأن هذه النتيجة لن تتحقق إلا إذا تحققت المساواة بين الطبقات وفهم المسيطرون على الأمور أن ليس هناك فرق بين المعنيين بالعلم النظري والمنصرفين إلى الحياة العملية. وهذه المساواة متحققة من غير شك، بل قد أخذت تتحقق؛ لأن الثروة أصبحت أو أخذت تصبح الوسيلة الوحيدة إلى الوصول إلى أرقى منزلة اجتماعية، والثروة لا تكتسب بالبحث النظري وإنما تكتسب بالجد والعمل، فسيأتي يوم يشعر فيه المسيطرون على الأمور في فرنسا بأن العمل وحده هو الذي يمكِّن أبناءهم من أن يصبحوا أغنياء، أي من أن يسيطروا على الأمور، وإذا وصلنا إلى هذه المنزلة تحققت ثورة عميقة تغير عندنا كل شيء. وليس تحقق هذه الثورة شيئًا مستحيلًا فقد تحققت بالفعل في أمريكا، فأصبح الفرق بين الطبقات لا يكاد يوجد، وإذا كان تحقق هذه الثورة لم يكلف أمريكا عناءً شديدًا؛ فذلك لأن هذه البلاد لم تضطر إلى مقاومة سنن موروثة وعادات قديمة كما تضطر الشعوب اللاتينية، وأمريكا لم تضطر كما نضطر نحن إلى محاربة جامعة قوية رجعية عدوة لكل رقي؛ لذلك سهل عليها تحقيق هذه الثورة، أما نحن فقد نحققها ولكن بعد عُسرٍ شديد، وليس مصدر هذا العسر تمنعنا أو إباؤنا، وإنما مصدر تمنع الموتى وإباؤهم، فالجهاد ليس بين الأحياء وإنما هو بينهم وبين الموتى، وقد انتصر الموتى إلى الآن ولكنهم لن يظلوا منتصرين.

١  وينقل المؤلف كلامًا كثيرًا في إثبات هذا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١