الفصل الأول

الدعائم النفسية للتعليم

(١) أساس التعليم النفسي عند رجال الجامعة

فرغنا من الجزء النقدي من هذا الكتاب، فبيَّنا فيما سبق أن ليس لأصول التربية والتعليم المصطنعة في الجامعة قيمةٌ ما، أو أن ليس للجامعة أصولٌ في التربية والتعليم. وإذ كنا قد أثبتنا فيما سبق أن ليس إلى الإصلاح الآن من سبيلٍ فلسنا نكاد نقترح إصلاحًا فيما بقي من هذا الكتاب. ولقد كنا نستطيع أن ننتهي ببحثنا عند هذا الحد، ولكنَّا رأينا أن نعرض الأصول التي ينبغي أن تقوم عليها التربية والتعليم والتي ينبغي تطبيق هذه الأصول في جميع فروع التعليم، ونحن نعلم أن مثل هذا البحث ليس له الآن فائدة عملية، ولكنه قد يفيد يوم تدعو الحياة الاقتصادية الجديدة إلى تغيير نفسية الأساتذة والأسر والتلاميذ فيشعرون جميعًا بوجوب العدول عن هذه المناهج القديمة.

ولنذكر قبل البدء في عرض هذه الأصول أن الجامعة لا تعتمد في التعليم إلا على الذاكرة، وقد لاحظنا فيما تقدم أن أكبر علمائنا وأشهرهم لا يتساءلون عن الأصل الصحيح الذي ينبغي أن يعتمد عليه التعليم، وما لهم يتساءلون عن هذا وهم يثقون كغيرهم من رجال الجامعة في جميع الأمم اللاتينية بأن الذاكرة وحدها هي الوسيلة الصحيحة للتعليم، فهم يغيرون الكتب والبرامج دون أن يغيروا المنهج، ومن هنا لا يفيد ما يقترحون من إصلاح، ومن هنا هبط التعليم عندنا إلى حيث لا يستطيع أن يهبط بعد ذلك، ومن هنا أضاع التلاميذ من أعمارهم ثمانية أعوام في المدرسة التي هي أشبه بالسجن، حتى إذا خرجوا من هذه المدرسة أو من هذا السجن لم تمض عليهم أشهر حتى ينسوا كل شيء، وحتى يضطر أصحاب الذكاء النادر إلى أن يستأنفوا تربيتهم فيما بقي لهم من أيام الحياة.

(٢) النظرية النفسية للتربية والتعليم: تحويل الشعوري إلى لاشعوري

إذا لم تكن الذاكرة أساس التربية والتعليم، فعلى أي ملكة من ملكات النفس تعتمد التربية ويعتمد التعليم؟ ليس من شكٍ في أن أسس التربية والتعليم مستقلة استقلالًا تامًّا عن البرامج، ولكنها مستعدة لأن تطبق على هذه البرامج؛ ولهذا نرى البرامج متحدة عند كثيرٍ من الأمم دون أن تتحد نتائجها، بل قد يظهر اتحاد البرامج ويدهشنا اختلاف النتائج اختلافًا عظيمًا؛ ذلك لأن المربين من الأجانب قد استطاعوا أن يستكشفوا الأسس الصحيحة التي يجب أن يعتمد عليها المربي والمعلم فانتهوا إلى نتائج لم نصل إليها نحن، وإن كانت برامج التعليم والتربية واحدة هنا وهناك.

ولقد يمكن اختصار القواعد الأساسية النفسية للتربية والتعليم في صيغة واحدة رددتُها كثيرًا في كتبي، وهي أن التربية هي الفن الذي يعين على تحويل الشعوري إلى لاشعوري.

فإذا استحال الشعوري إلى لاشعوري بعث في النفس حركة لاإرادية متصلة، وإنما السبيل إلى هذه الغاية — وهي تحويل الشعوري إلى لاشعوري — هو قانون تنادي الخواطر، فيجب على المربي أن يحدث في نفس الطفل خواطر ينادي بعضها بعضًا يشعر بها الطفل في أول الأمر ثم تصبح جزءًا لاشعوريًّا من نفسه، ومهما يكن الشيء الذي تريد أن تعلمه للطفل سواء أكان لغة أو فن اصطناع الدراجة أو ركوب الخيل أو التوقيع على البيانو، فالحركة الآلية واحدة، وهي تحويل الشعوري إلى لاشعوري بواسطة تنادي الخواطر الذي يخلق الحركة اللاإرادية.١

بل نستطيع أن نقول إن تكوين الأخلاق بنوعٍ خاص قائم على هذه القاعدة، فليس للأخلاق أثر في الحياة إلا إذا استحالت من الشعوري إلى اللاشعوري. هنالك ترشدنا الأخلاق في الحياة وليس للعقل أثر في ذلك، وليس للكتب أثر فيه بنوعٍ خاص. ولقد أظهر علم النفس الحديث أن أثر اللاشعوري في حياتنا اليومية أشد وأبعد من أثر الشعوري.

وإنما ينمى هذا اللاشعوري بإيجاد الحركة اللاإرادية، وهذه الحركة إذا تكررت أصبحت عادة فإذا تكررت في أجيالٍ مختلفة أصبحت خلقًا مكونًا للجنس، وعمل المُربي هو التأثير في هذه الحركة اللاإرادية بحيث يقويها إن كانت نافعة ويضعفها أو يزيلها إن كانت سيئة، فنحن إذن نكاد نكون المؤثر اللاشعوري في حياتنا، ولكننا متى كوناه عجزنا عن التأثير فيه فأصبح مسيطرًا على حياتنا، وإنما توجد هذه الحركة اللاإرادية بواسطة خواطر متكلفة يدعو بعضها بعضًا، ذلك شأن الطفل حين يتعلم المشي وشأن الشاب إذا تعلم التوقيع على البيانو أو أي فن يدوي آخر. وليس من شك في أن الحركة اللاإرادية التي تخلقها التربية ليست من القوة بمكان الحركة اللاإرادية التي بعُد بها العهد. ومن هنا كان أثر التربية ضعيفًا في تغيير الأخلاق والعادات التي توارثتها الجماعات والأجناس، فإذا لم تتكرر هذه الحركات اللاإرادية التي خلقتها التربية ضعفت ثم انمحت؛ لأنها أثر من آثار العادة، فإذا ذهبت العادة ذهبت معها. ومن هنا نجد الفارس والموسيقي كليهما معني بفنه يمرن نفسه فيه من وقتٍ إلى آخر؛ حتى لا ينساه ولا يجهله. ومن الظاهر أن بعض الحركات اللاإرادية قد يمانع بعضها الآخر، وأن إرادة قوية قد تستطيع ضبط هذه الحركات، فإذا أدنى إنسانٌ يده من عين إنسان آخر أغمضت هذه العين بحكم حركة لاإرادية، ولكن شيئًا من التمرين الإرادي يمكِّن الإنسان من أن يُبقي عينه مفتوحة دون أن يغمضها.

والغاية العظمى التي ترمي إليها التربية إنما هي تنظيم الحركات اللاإرادية الموروثة.

كثير من الناس لا يزالون كما كانت آباؤهم في العصور الأولى خاضعين لهذه الحركات اللاإرادية يستجيبون لها دون نظام ولا تفكير، فهم كالسوداني الذي يبيع غطاءه صباحًا بكأس من الخمر ليشتريه إذا أقبل الليل وأقبل معه البرد. فلا بد إذن من تنظيم هذه الحركات تنظيمًا داخليًّا نفسيًّا، وقد وصل إلى هذا التنظيم ناس قليلون ولكن الكثرة المطلقة من النوع الإنساني لا تزال بعيدة عنه، فأما هؤلاء الذين يستطيعون تنظيم حركاتهم اللاإرادية فهم يكتفون بما لهم من بُعد النظر وحسن التدبر عن القوانين التي تنظم هذه الحركات تنظيمًا خارجيًّا، هم يضبطون أنفسهم بأنفسهم بينما غيرهم لا يضبطه إلا القانون، وظاهر أن الجماعات التي تقوم على خوف الشرطة لا قيمة لها.

ومن اليسير أن تقاس سطوة الشعوب بعدد من فيه من أولئك القادرين على ضبط نفوسهم بواسطة هذا النظام الداخلي، ولقد يصيب الإنجليز حين يقدمون على الفضائل كلها فضيلة ضبط النفس، فهم مدينون لهذه الفضيلة بقوتهم وسلطانهم، ولقد كان خليقًا بالحكيم القديم أن يكتب على داره «اضبط نفسك بنفسك» لا «اعرف نفسك بنفسك»، فإن معرفة النفس شاقة جدًّا ولا تنتج إلا التواضع، بينما ضبط النفس يسير وهو ينتج القوة في الحياة. وإذن فسبيل المربي أن يؤثر في هذه القوة اللاشعورية عند الطفل، لا أن يتجه إلى عقله فليس لذلك فائدة، بل أقل نظام يؤخذ به الطفل أنفع وأجدى من أرقى المذاهب الخلقية، على أن يكون هذا النظام قويًّا متينًا لا مترددًا ولا ضعيفًا. يجب إذن أن يوجد المربي في نفس الطفل حركات لاإرادية جديدة إلى جانب الحركات اللاإرادية الموروثة، بحيث تقوي هذه الحركات الجديدة تلك الحركات الموروثة إن كانت نافعة أو تغيرها إن كانت سيئة. النظامُ الخارجيُّ يوجِد النظامَ الداخليَّ إذا لم تكن هناك مقاومة وراثية، فبحكم هذا النظام الخارجي يتعلم الصانع صناعته والجندي والبحار فنيهما. وظاهر أن المناهج التي تُتخذ لإيجاد هذه الحركات اللاإرادية تختلف باختلاف الموضوعات، ولكن الأصل واحد وهو تكرار الشيء الذي يؤخذ الطفل بتنفيذه حتى يحسن هذا التنفيذ. هذه القواعد المبينة لا يشك فيها رجال الجامعة بالقياس إلى الفنون المختلفة كالموسيقى والتصوير، ولكنهم لم يهتدوا بعد إلى هذه القواعد بعينها صالحة لكل ما يكتسبه الإنسان، سواء أكان هذا علمًا أم فنًا أم صناعة، فإذا وصلنا إلى توجيه الرأي العام نحو الاقتناع بهذه الآراء فقد أظن أن عشرين سنة تكفي لإقناع الأساتذة وغيرهم بفساد نظامنا التعليمي الذي لا يقوم إلا على الذاكرة، ويومئذٍ ينهار هذا النظام كما تنهار النظم القديمة التي لا تجد من يدافع عنها.

(٣) أثر قانون تنادي الخواطر في تكوين بعض الغرائز وخصال الشعوب

الأصول التي قدمت الإشارة إليها عامة جدًّا، تتناول الإنسان كما تتناول الحيوان، وتتناول الأفراد كما تتناول الشعوب، فالأصل في كل كسب عقلي إنما هو استخدام قانون تنادي الخواطر في تحويل الشعوري إلى لاشعوري، وليست هناك وسيلة أخرى تؤدي إلى هذه الغاية.

ولأجل أن نثبت ما زعمنا من عموم هذه الأصول نحاول الآن أن نطبقها على أشياء شاقة كتكوين بعض الغرائز وأخلاق الشعوب. كثير من الغرائز إنما يتكون بواسطة التأثير الآلي الذي يُحدثه تنادي الخواطر، فالماهر في ركوب الدراجة أو في فن من فنون الموسيقى أو في الاحتفاظ بتوازن الجسم حين يمشي على الحبل، والطفل حين يتعلم الأخلاق، كل أولئك يؤلف من الخواطر التي تتنادى في نفسه طائفة مختلفة يحتفظ منها بأنفعها وأهداها إلى الغاية التي يسعى إليها هو أو معلمه، وبفضل هذه الطائفة تتكون في نفسه ملَكة تُمكنه من إتقان الصناعة التي يحاول إتقانها، ولكن هذه الملَكة لا تكون غريزة؛ لأنها ليست وراثية بعد، فإذا أصبحت وراثية واستغنت عن التربية وتهذيب المهذب في وجودها فهي الغريزة.

يكفي أن نلاحظ الحيوانات المستأنسة التي تحيط بنا لنرى كيف أن تنادي الخواطر يخلق في أنفسها حركات لاإرادية، وكيف تثبت هذه الحركات حتى تصبح لاشعورية ثم تنتقل من جيلٍ إلى جيل فتصبح وراثية؛ أي تصبح غريزة، ولم يعن العلماء بعدُ عناية كافية بهذا البحث، ولكنهم سيوفونه حقه حين يرون أن أثره عظيم في تربية الأطفال، والأمثال التي تبين إيجاد الغرائز وخلقها بعد أن لم تكن، ليست كثيرة شائعة، ولكنها موجودة وستكثر وتشيع، فللكلاب غرائز ليس من شكٍ في أنها قد استُحدثت بالرياضة والتعليم ثم توارثتها الأجيال فأصبحت لازمة لهذا الحيوان. وهناك عادات لم تصل بعد إلى مرتبة الغريزة ولكنها آخذة في الوصول إلى هذه المرتبة، فهناك مثلًا عادة جديدة يصطنعها الكلب في اتقاء المكر الذي يتخذه بعض الصيد إذا جد في الهرب وألح عليه الكلب فأتعبه، فهو يقيم مكانه صيدًا آخر يمضي في الهرب ليتبعه الكلب ويستريح هو. فقد قال الأستاذ «كونو» إن الكلاب لم تؤخذ بهذا النوع من المكر إلا منذ ستين سنة ولم تمهر فيه بعد ولم يصبح وراثيًّا فيها. فلا بد من اصطناع التربية في كل جيلٍ، ولكن أثر التربية يتناقض شيئًا فشيئًا، ولا بد من الاستغناء عنها استغناء تامًّا بعد حين بحيث تصبح هذه الخصلة غريزة ثابتة.

كل هذه الملاحظات تعيننا على أن نفهم أثر التربية في تكوين أخلاق الشعوب وصفاتها حسنة كانت أم سيئة، فإن هذه الأخلاق والصفات إنما هي نتائج البيئة والظروف التي تحيط بهذه الشعوب في عصرٍ من العصور، وقد تتغير البيئة وقد تستحيل الظروف وتبقى هذه الأخلاق والصفات؛ لأنها نشأت عن الضرورة ثم استحالت إلى غرائز تلزم الأمة في جميع أطوارها. فمن المعقول أن شعبًا يقيم في جزيرةٍ فقيرة شاقة الإقليم مضطر إلى أن يكسب حياته وثروته بالعمل في البحر، وإلى أن يكون من القوة والشدة بحيث يستطيع أن يقاوم آلام الجو وما يعترضه في سبيل الحياة من المصاعب، فهو يروِّض نفسه بحكم الضرورة على هذه الخصال فيكسبها ثم يتوارثها ثم تصبح خلالًا تميزه من غيره. ومن الواضح أن من الممكن جدًّا أن توضع التربية مكان الظروف والضرورات القاهرة بحيث تكسب الأجيال خصالًا تتوارثها فتصبح أخلاقًا وغرائز نفسية، ولقد كان لينتز leibniz يرى هذا الأصل ويقول إن قرنًا يكفي لتغيير أمة من الأمم وربما كان القرن قليلًا، ولكن ليس من شكٍ في أن التربية تستطيع أن تقوم مقام الظروف والضرورات في تكوين أخلاق الأمم والشعوب.

(٤) التربية في العصر الحاضر

يظهر مما تقدم أنه لا بد من أن توجد قواعد للتربية تُستمد من الأصول التي شرحناها، ولكن هذه القواعد لا يمكن استنباطها إلا إذا دُرس علم النفس بالقياس إلى الأطفال والحيوان درسًا مفصلًا، وعرفنا بكل دقة كيف نخلق عند الطفل وعند الحيوان العادة والغريزة، ولكن هذا الموضوع لم يُدرس بعد كما ينبغي، ونستطيع أن نقول إنه لم يكد يُمس. فيجب أن نكتفي الآن بالتجارب الشخصية وأن نسترشد بها في التربية، حتى إذا دُرست نفسية الطفل والحيوان درسًا كافيًا، وأمكن وضع كتاب في التربية يكون له خطر عظيم، هنالك تستطيع التربية أن تقوم على أساسٍ صحيح، ويجب أن نعترف — ما دام هذا الكتاب لم يؤلف — بصعوبة ما يُطلب إلى المربي؛ فإن المربي المجيد نادر ندرة الرائض المجيد. ورجال الجامعة أنفسهم يشعرون بضعف مناهجهم في التربية وعسر الوصول إلى مناهج صالحة. وقد كتب مسيو كومبري Compayré مصيبًا أن ليس من سبيلٍ إلى إيجاد تربية صالحة إلا إذا دُرس علم النفس درسًا صحيحًا.

ولقد كتب المسيو «لبون بورجوا» كتابًا نشره سنة ١٨٩٠ حين كان وزيرًا للمعارف ونصح فيه للأستاذ أن يعتمد على نفسية الطفل في التربية وعلى نفسية الشاب في التعليم، ولاحظ أن الأولى لم تُدرس إلا درسًا متقطعًا وأن الثانية لم تدرس قط، وكانت نصائحه نافعة مفيدة، ولكن أحدًا لم يلتفت إليها … ومن الغريب أن هذا العلم على نفعه وجلال خطره لم يبعث الشوق إلى درسه في نفسٍ من نفوس الأساتذة، مع أن الأساتذة وحدهم هم القادرون عل درس نفسية الشبان الذين يحيطون بهم. وقد استطاع العلماء في معاملهم بعد أن شرَّحوا طائفةً لا تحصى من الضفاضع والأرانب أن يصلوا إلى نتائج قيمة، كسرعة التأثر العصبي وكالصلة بين التأثير الخارجي وبين الحس، وكأشياء كثيرة تتعلق بالمجموع العصبي، ولكنهم لم يصلوا بعد إلى أشياء واضحة معينة في علم النفس العملي.

وإذا لم نوفق إلى هذا الكتاب الذي أشرنا إليه في التربية فيمكن أن نستغني عنه مؤقتًا بتحقيقٍ لا يتناول البرامج والقواعد العامة كما ألِفنا، وإنما يتناول مناهج التعليم والتربية في البلاد الأجنبية المختلفة. هذا التحقيق نافع جدًّا؛ لأنه يدلنا على النتائج المختلفة التي انتهت إليها مناهج التربية والتعليم على اختلافها واختلاف بيئاتها. وإليك مختصرًا لبعض الملاحظات التي كتبت عن منهج التربية والتعليم لمدرسة كبرى ألمانية في مدينة كنيجسفلد kengsfeld، وقد وجدت هذه الملاحظات في جريدة «الطان» التي صدرت يوم ٢٥ سبتمبر سنة ١٩٠١ بقلم مسيو «ماسون فورستي»:
قاعدتهم في التربية إنقاص الساعات التي يعمل فيها الطالب بنفسه إلى أقصى ما يمكن، فهي لا تكاد تتجاوز الساعتين، وهناك ست ساعات أخرى خُصصت للدرس يتعلم فيها الطالب بأذنيه كما يتعلم بعينيه، ولا يكاد يتجاوز الدرس ثلاثة أرباع الساعة، والطلبة يستريحون كثيرًا ويأكلون كثيرًا أيضًا، ويتبع الطالب في كل قسم الدروس التي تلائم قوته، بحيث إن طالب القسم إذا كان ضعيفًا مثلًا في مادة من مواد هذا القسم فهو مضطر إلى أن يدرس هذه المادة في القسم الذي دونه، ولا يتجاوز عدد التلاميذ لأستاذ واحد اثني عشر أو ثلاثة عشر، وإذا عجز الطفل عن أن يفهم شيئًا في الدرس فله بعد الدرس أن يخلو إلى الأستاذ ليفهم ما شق عليه، والعقاب المألوف إنما هو الصمت، فيكلف الطالب أن يسكت أثناء أوقات الراحة في اليوم كله، ويقولون إن هذه العقوبة مؤلمة جدًّا، ومع ذلك فهذه العقوبة مألوفة لأنهم يرون فيها نفعًا كثيرًا، فإن الطالب الذي يخضع لها كثيرًا يتعود الصمت فلا ينطق إلا قليلًا، ومن هنا فأكثر التلاميذ خضوعًا لهذه العقوبة يأمنون شر اللغط والثرثرة والفخر الكاذب، يضبطون أنفسهم فيَزِنون ألفاظهم ويحسنون الاستماع ولا يؤذون الناس بألسنةٍ حداد، وبهذا يأمنون عداوة الناس في الحياة، ولقد رافقت فرنسيًّا من طلاب هذه المدرسة في رياضة فألححت عليه في المسألة وسألته كيف يستطيع أن يحتمل هذا النظام الشديد، أليس يتمنى لو عاد إلى أسرته؟ فأجابني هذا الطالب وهو من مدينة «بوردو» وكازكيا: إني قليل الشعور بالألم في هذه المدرسة حتى إني آثرت المدرسة على أسرتي؛ لأشترك في السياحة السنوية التي يسيحها طلاب المدرسة في الخارج، وحذا حذوي عشرون من رفاقي ونحن عائدون الآن من التيرول Tayrol.

ليس لدينا الآن مناهج صالحة مفصلة يمكن اصطناعها في فروع التربية والتعليم على اختلافها، ولكن لدينا الأصول العامة التي تستنبط منها هذه المناهج. فنحن نعلم أن غاية التربية تحويل الشعوري إلى لاشعوري، وليس علينا إلا أن نطبق هذه النظرية كلما عرضنا لفرعٍ من فروع التربية والتعليم، وسنعرض لذلك غير مرة في الفصول المقبلة، ولا سيما التي تمس التربية منها.

ولكن الشعوب اللاتينية ستظل زمنًا طويلًا دون أن تقدر هذه الأصول حق قدرها؛ لأن القاعدة عند هذه الشعوب أن يقدر كل شيء بالامتحان والشهادات، والذاكرة وحدها هي التي يمكن أن تقدر بالامتحانات والشهادات، فأما الأخلاق وقوة الإرادة والعمل الشخصي فليس للامتحان عليها سبيل. ولقد عرف الإنجليز أخيرًا قيمة الامتحان والمسابقات حين اشتدت الحملة الصحفية في الهند على احتكار الأوروبيين لمناصب الحكم، فاضطر الإنجليز إلى أن يجعلوا هذه المناصب موضوع المسابقة وأبيح للمواطنين أن يسابقوا فسبقوا؛ لأن لهم ذاكرة ليست للأوروبيين، ولكنهم لم يكادوا يعملون حتى ظهر نقصهم وفضل الأوروبيين وحتى كاد حكمهم ينتهي بالبلاد إلى الفوضى، واضطر الإنجليز إلى أن يسلكوا سبلًا مختلفة من الحيل لاتقاء هذا الشر. وعرف الألمانيون ذلك أيضًا فلم يحفلوا بالامتحانات لتكوين أكبر منصب علمي وهو منصب الأستاذ في الجامعة، فأستاذ الجامعة في ألمانيا لا يصل إلى منصبه بالامتحان وإنما يصل إليه بفضل عمله الشخصي. ومن هنا كانت الجماعة الأساتذة في ألمانيا أرقى جماعة للتعليم في العالم كله، أما عندنا فالامتحان كل شيء ولقد يمضي أحدنا أربعين سنة من عمره يستظهر ويحفظ ليؤدي الامتحان ثم ينسى ما استظهر، فإذا وصل إلى منصب الأستاذ لم يكن شيئًا ولم يفد قليلًا ولا كثيرًا؛ لأنه قد وصل إلى هذا المنصب بعد أن أفنى قواه العقلية فيما لا خير فيه.

(٥) التعليم التجريبي

تنتهي النظرية النفسية التي قدمناها إلى نتيجةٍ واضحة وهي أن ليس في الاعتماد على الذاكرة خير، وإذا لم يكن الاعتماد على الذاكرة في التعليم فلا بد من الاعتماد على التجربة، ذلك شيء معروف يردده العلماء منذ زمن بعيد، فقد قال مونتيني Montaiene: «ليس الاستظهار علمًا.» وقال كانط Kant: «إذا لم يستعمل الطفل قاعدة من قواعد النمو فسواء علينا أحفظها أم لم يحفظها، وإنما يعلم بالقاعدة من استطاع أن ينتفع بها وإن عجز عن استظهارها.» وقال أيضًا: «إن أحسن طريقة للفهم إنما هو العمل.»

بينما تعليم الذاكرة يعتمد على الكلام أو على الكتاب، يعتمد تعليم التجربة على أن توجد الصلة بين الطفل وبين الحقائق، ثم تُشرح له النظريات فيما بعد، أما الشعوب اللاتينية فتصنع الطريقة الأولي، وأما الإنجليز السكسونيون — ولا سيما الأمريكيون — فيصطنعون الطريقة الثانية.

فالشاب اللاتيني يتعلم لغة من اللغات بدرس كتاب النحو والإستعانة بالمعجم، وهو يتعلم الطبيعة باستظهار كتاب من كتبها، وهو عاجز عن أن يتكلم هذه اللغة، عاجز عن أن يصطنع أداة من أدوات المعنى، والشاب الأمريكي يتعلم لغة من اللغات دون أن ينظر في كتابٍ من كتب النحو أو في معجمٍ وإنما يقرأ ويتكلم، وهو يتعلم الطبيعة في المعمل لا في الكتاب، وبهذه الطريقة استطاع الإنجليز أن يكوِّنوا لأنفسهم طبقة راقية جدًّا من العلماء العاملين.

لست منفعيًّا بوجهٍ من الوجوه، أو على أقل تقدير لست مع الذين يرون أن التعليم يجب أن ينحصر فيما يفيد فائدة حاضرة، وإنما أرى أن التعليم يجب أن يُنتج تقوية العقل والخلق والإرادة، وأن يربي ملكة الحكم الصحيح ويوجد الشخصية الظاهرة في الحياة، ولست أكره تعليم اللاتينية واليونانية والهندية لنفسه بل لو أثبت لي إنسان أن هذا التعليم يؤدي إلى هذه النتائج لكنت أول من يؤيده، ولكن التجربة أظهرت أن التعليم المعتمد على الذاكرة لا يفيد، وأن التعليم التجريبي وحده هو الذي يكوِّن الإنسان ويمكِّنه من الفوز في الحياة من الوجهة العملية ومن الوجهة النظرية أيضًا.

ولو أن إنسانًا أراد أن يظهر الفرق الأساسي بين هذين النوعين من التعليم، لاستطاع أن يقول إن أحدهما يعتمد على الكتب والثاني لا يعتمد إلا على التجربة. ولقد يمكن الحكم على هذين المنهاجين بنتائجها، فالشاب الإنجليزي أو الأمريكي لا يكاد يخرج من المدرسة حتى يجد طريقه إلى العمل، بينما الشاب الفرنسي بعد أن يبلغ الشهادة الثانوية أو الليسانس أو شهادة الهندسة عاجز عن كل شيء، فإما أن ترزقه الحكومة وإما أن يضيع، ولقد يلجأ إلى الصناعة ولكن مكانه فيها ضئيل حتى يجد من الوقت ما يستأنف فيه تعليمه ويتعلم بنفسه ما عجز الأساتذة عن تعليمه إياه، فإذا سلك طريق التأليف فلن تكون كتبه ورسائله إلا طبعات معادة من كتب ورسائل معروفة منتشرة.

ولقد نعلم أن واحدًا في المئة من أساتذة الجامعات الآن يستطيع أن يؤمن بما نقول، فأما الآخرون فيرونه سخفًا وحمقًا. ولن تستطيع أن تقنع رجال الجامعة بنفع التعليم التجريبي؛ لأنهم آمنوا منذ زمنٍ طويل بأن درس الكتب وحده هو الذي ينفع وهو الذي يفيد، وخير تلميذ مهما تكن المدرسة التي يتعلم فيها أو الفرع الذي يتخصص له إنما هو من يحسن الاستظهار والإعادة. ولقد يضحك منك رجال الجامعة إذا ذكرت لهم أن التعليم العملي مقو للعقل وملكة النظر؛ لأنهم مؤمنون بأن المنطق وحده هو الذي ينمي هاتين القوتين. وكل ما تسمح به الجامعة إلى جانب تعليمها اللفظي إنما هي تجارب قليلة في المعمل لا تغني ولا تفيد. وليس ينبغي أن نفترض أن العلوم التي تُسمى تجريبية هي التي يجب أن تدرس وحدها درسًا تجريبيًّا، وإنما هذا الدرس التجريبي يستطيع ويجب أن يتناول كل شيء. وسنرى أن الجغرافيا والتاريخ واللغة يمكن ويجب أن تدرس درسًا تجريبيًّا، فلا ينبغي مثلًا أن يبدأ الطفل في درس الجغرافيا إلا بعد أن يكون قد استطاع أن يفهم الجهة التي يتردد فيها وأن يرسم صورتها على ورقة ما؛ لأنه لا يستطيع أن يفهم الصورة الهندسية للأرض إلا بعد أن يكون قد أتقن تصور الأرض التي تقع تحت عينه.

وقل مثل ذلك في التاريخ، فإن الطفل الذي يرى الصورة الفوتوغرافية المختلفة لما بقي من آثار الحضارات المتباينة أقدر على فهم التاريخ من ذلك الذي لا يدرسه إلا في الكتب. ولقد أمعن الإنجليز والألمان في فهم ذلك وتنفيذه. يجب أن تكون التجربة أساس كل شيء في التعليم فهي وحدها التي تكوِّن الإنسان.

١  قانون تنادي الخواطر أشهر من أن نفصله، وإنما نلفت القارئ إلى أن لهذا القانون صورتين ترجع إليهما كل الصور الأخرى التي تتنادى فيها الخواطر: الأولى تنادي الخواطر بحكم المجاورة. الثانية تنادي الخواطر بحكم التشابه. وصيغة الصورة الأولى هي أنه إذا تأثرت النفس بشيئين مختلفين في وقتٍ واحد أو في وقتين متتابعين مباشرة، فذِكْر أحدهما يُذكِّر بالآخر. وصيغة الصورة الثانية هي أن الخاطر الذي يخطر لك الآن يذكرك بما خطر لك في الماضي إذا كان يشابهه، وعلى الصورة الأولى تقوم دائمًا تربية الكائنات الحية، فتعليم الفرس مثلًا قائم على هذه الصورة التي تُستخدم فتنتج نتائج يظهر لنا أنها متناقضة، كوقوف الفرس فجأة إذا ضربته بالسوط أثناء العدو؛ ذلك لأن معلمه قد استخدم صورة تنادي الخواطر بحكم المجاورة أيامًا متوالية، فجعل يضربه بالسوط أثناء العدو ويوقفه بشد اللجام، وأنتج ذلك عند الفرس أنَّ وقْعَ السوط يستتبع الوقوف، فأصبح إذا أحس السوط وقف دون احتياج إلى جذب اللجام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠