الفصل الرابع

القصة

القصة أشيَعُ ما يعرفه عصرُنا هذا من صُوَر الأدب، لا يدنو منها في شُيوعها بين الناس صورةٌ أخرى، فتكاد لا تجِد من لا يقرأ القصص، ولكلِّ قارئ ما يُؤثره مِمَّا قرأ. ولمَّا كانت القصة بطبيعتها مجالًا خصبًا لبذْر الآراء والمذاهب؛ رأيت كُتَّابها يبثُّون في قصصهم ما يريدون من مبادئ الاقتصاد والاجتماع والدِّين. وقد يُحبُّ الكاتب أن يتَّخِذ من قصته أداةً للتحليل النفسي، الذي ربَّما ذهب فيه إلى أبعدِ الآماد عُمقًا واتساعًا، فلا عجَبَ إن رأينا الكثرة الغالبة من القُرَّاء، لا تُقوِّم القصَّة إلَّا بما تحمِل لها من تلك الآراء والمذاهب، فلا تَزِنها بمِقياس الفن الخالص، ولا تُقدِّرها على أساس القواعد الفنية للقصة، بغضِّ النظر عما تحمِل في طَيِّها من مذهبٍ أو رأيٍ أو تحليل، ولا غرابةَ كذلك إنْ رأيْنا أديبًا عظيمًا مثل «ولز» — بعد أن كان يُعنى بفنِّ القصة أولًا وبالمذهب الفكري بعد ذلك — أصبح اليوم لا يكتُب القصة إلَّا ليبُثَّ فيها رأيًا أو مذهبًا، يُريد له الذُّيوع بين الناس. ومن الجائز أن يكون ذلك أجدى على قُرَّائه وأنفَع، لكِنَّا إن جزَيناهُ على ما فعَلَ من حُسن الصنيع، فإنما نَجزيه مُفكرًا اجتماعيًّا لا كاتبًا قصصيًّا؛ لأنه بقِصَصِهِ التي ينشرُها اليوم، قد جاوَزَ ما نعرِفُه للقصَّة الفنية من حدودٍ وأوضاع. وكأنِّي بك تسأل الآن: وما هذه الأوضاع وما تلك الحدود التي تُشترَط في القصة الفنية؟ كيف نحكُم لقصةٍ دون أخرى بالجودة والإتقان، أو بعبارةٍ أقصر وأوضح: ما هي القصة؟ ذلك هو ما نُحاول الإجابة عنه في هذا الفصل.

القصة ضربٌ من ضروب الشعر، مِثلها في ذلك مثل المسرحية والملحمة والقصيدة الغنائية. ولعلَّك لم تنسَ بعدُ ما زعَمْناه لك في أول الكتاب، من أن الشعر يتناول كلَّ ضروب القول، الذي أُريدَ به أن يُمتِعَ لا أن يُفيد. وقد رأيتَ فيما سلَفَ أن ضروب الشعر كلها تُمثِّل «الفعل»، أصدَقَ تمثيلٍ وأحسَنَه؛ لأنها تستخدم الألفاظ وسيلةً وأداة، فموضوع الشعر بكافَّة ألوانه هو تصوير «الأفعال». وإذًا فالقصَّة كسائر زميلاتها من فنون الشعر، خُلِقت لتصوير هذه الأفعال، لكنها لم تُخلَق لتصويرها بكلِّ صنوفها، وما كان لها أن تطمَعَ في هذا؛ لأنها فنٌ واحد من فنون الشعر، فيجمُل بها أن تَقصُر نفسها على لونٍ واحد من ألوان الحركة والنشاط؛ لتترُك لسائر الزميلات سائر الألوان، فأيُّ جوانب «الفعل» هو للكاتب القصصي مَيدانه وحلبته؟ أي جوانب «الفعل» يتهيَّأ فيه للكاتب القصصي أن يجُول ممَّا لا يستطيعه أصحاب الفنون الشعرية الأخرى؟

لقد قابَلْنا بين الشعر والتصوير في فصلٍ سابق، فأتاحَتْ لنا المُقابَلة منفذًا يُدنينا من مثل هذا المطلَب. فلنبدأ البحث في الوسيلة التي يستخدمها القصصي في تصوير ما يُصوِّره، أو بعبارةٍ أخرى: في الخامة التي يُعالجها الكاتب القصصي؛ لنرى ماذا في وُسع هذه الوسيلة، أو هذه الخامة، أن تصنَعَه في تصوير ما يُراد لها أن تُصوِّره. أول ما يَرِد على الخاطر هو أنَّ وسيلة القصصي أو خامته، هي الألفاظ، لكن الألفاظ أداة يُشاركه فيها أصحاب الفنون الشعرية على اختلافها، ومن ثَمَّ اشتركوا جميعًا في مهمَّةٍ واحدة هي تصوير «الأفعال». وإنما سَبيلُنا الآن أن نرى وجوه الخلاف، التي تُميِّز أداة القصصي من أدوات فنون الشعر الأخرى. فالملحمة والقصيدة الغنائية — مثلًا — تتَّخِذ الألفاظ الموزونةَ أداةً لها، أما القصة فتستخدم الألفاظ منثورة. إذًا فوضْعُ الألفاظ في سياق النثر من الخصائص المُميِّزة لمادة القصصي. فلننظُر الآنَ في قُدرة النثر على التعبير والتصوير، بالقياس إلى الكلام المنظوم. لكن ذلك جانبٌ واحدٌ من جوانب الموضوع، فليست القصة وحدَها دون سائر فنون الشعر، هي التي تَستخدِم النثر أداةً لها، فالمسرحية — مثلًا — تستخدِم الأداة نفسها، وإذًا فلا بُدَّ لنا أن نعود فنُميِّز القصة من ضروب الكتابة النثرية، وقد يكون هذا مَطلبًا عسيرًا يشقُّ علينا بحثُه في استقصاءٍ وشمول، فحسبُنا أن نُشير إلى الخصائص البارزة التي تفصل فنون الأدب النثري بعضها عن بعض. فإن أرَدْنا مُوازنة القصة والمسرحية النثرية من حيث الخامة التي يتألَّف منها كلٌّ منهما، فلن نُخطئ بينهما فارقًا واضحًا هو الطول؛ فللقِصَّة أن تطُول كما تشاء، لها أن تبلُغ ستة عشر جزءًا، كما كان مألوفًا في قصة القرن السابع عشر، ولها أن تكون أربعةَ أجزاء كما أرادتْ قصة القرن الثامن عشر، ولها أن تقتصِر على ثلاثة كما شاءت قصة القرن التاسع عشر، ثُمَّ لها أن تكتفي بجزءٍ واحدٍ كشأنها اليوم. ولكنها حين تكتفي بجُزءٍ واحدٍ فهي — برغم ذلك — أطول جدًّا من المسرحية التي يَقتضيها زمن تمثيلها — وهو ساعتان أو ثلاث — ألَّا تطُول إلَّا بمقدار ما يَسَعُه ذلك الزمن القصير.

فمِن حقِّنا — إذًا — أن نتَّخِذ هاتين الصِّفتَين طابِعَين يُميِّزان القصة، وليس هو بالتمييز الدقيق الجامع المانع، لكنه تمييز يُعين على التفرقة بينها وبين سائر فنون القول على كلِّ حال. فالمادة الخامة أو الأداة التي يستخدمها القَصَصيُّ في التصوير هي النثر، ولهذا النثر أن يطُول به النَّفَس إلى غير حدٍّ معلوم، فعلى أي نحوٍ تستعين القصة بهاتَين الصِّفتَين على أداء واجبها؟ أو بعبارةٍ أخرى: أيُّ ضربٍ من ضروب الفعل يمكن تصويره أحسَنَ ما يكون التصوير بهذه الأداة التي يصطنِعُها القصصيُّ في فنِّه؟ أي موضوع هو للكاتب القصصيِّ خيرُ مجال؟

لنبدأ جوابَنا بالحديث في النثر. فبماذا يتميَّز النَّثر عن الشعر في القُدرة على التعبير؟ لقد قدَّمْنا لك — فيما سلَفَ من فصول — بعض الجوانب عن هذا السؤال، حين تناوَلْنا بالبحث وزْن الشعر وأدبَ المقالة، فحَسْبُنا الآن في موضوعنا كلمةٌ أو كلمتان. إنَّنا نُحِسُّ الرغبة في قول الشعر عندما تَنزعُ نفوسُنا إلى التَّسامي، فإذا ما أردْنا — مثلًا — أن نطرَحَ عن أنفسنا أعباء العَيش الدُّنيوي، بكلِّ ما فيه من كللٍ وملال، لِنصْعَد بأرواحِنا إلى ذُرى التعبُّد ونشوة المُثول بين يدي الله، تغنَّينا بالترانيم الدِّينيَّة شعرًا، فالشِّعر بإيقاعه الجميل يكون لنا بمثابة الأجنحة، تخفُق خفقاتٍ مُتتابِعة فتعلو بأرواحنا وعقولنا إلى أجواز السماء، ومِن هنا كان النَّغم الجميلُ في جرْس القرآن الكريم، وكانت الحِكمة في أن يُرتَّل في القراءة ترتيلًا منغومًا. وإذا ما امتلأت نفس العاشق بحرارة الحب، تراه ينفجِر في غزلٍ منظومٍ يتغنَّى به، فيُشعِره الغناء المُنغَّم الموزون أنه قد سما إلى أوجٍ لا يسمو إليه في مجرى عيشه المألوف. وقد تكون العِلَّة الحقيقية فيما للشعر على نفوسنا من أثرٍ يصعَد بها، أو يُشعِرها بالصعود، شيئًا في فِطرتِنا يجعل النفس تستجيب للوزن والإيقاع، فليس من شكٍّ في أنَّنا نُفتَنُ بسحر النغم في الشعر فتنةً تخدَعُنا عن أنفسنا فنقبَل كلَّ ما يَسوقُه إلينا الشعر من أفكارٍ وصور وعواطف ومشاعر، فمهما يكُن ما يُقدِّمه إلينا الشعر، يُصادِفُ منَّا عقولًا وعيونًا وشعورًا مُذعِنة، مُستسلِمة مُتعاونة كلها على استيعابه وقبوله، فمُعظم بحور الشعر — كما قدَّمْنا — لها القُدرة على هذه الفتنة وهذا السحر، الذي تستجيب له نفوسُنا على النحوِ الذي ذَكَرْنا، فضلًا عن أنها، بفعل ذلك السحر، تزيد من ضخامة ما يحمِل الشعر من معانٍ. فانظر مثلًا إلى «ملتن» في شعرِه المُرسَل، تجِدْهُ يستخدِمُه في تفخيم معانيه وتضخيمها، بمِثل ما يستخدِم المثَّال مادة المرمر، ليعلوَ بفِكرتِه التي يَصبُّها في تمثاله، ولو نحَتَ التمثال نفسه في مادة غير المرمر، لهبطتْ قيمة الفِكرة المُمَثَّلة فيه وقلَّ وزنُها. فهكذا تجِدُ الفكرة المألوفة قد ارتفعتْ درجاتٍ في شعر «ملتن»، ولو كُتِبت نثرًا لما كانت شيئًا.

وقُل ما شئتَ في تعليل ما للشعر من أثرٍ في النفوس، فالنتائج التي نُقرِّرها واضحةٌ، لا لبسَ فيها ولا غموض. الشِّعر صوت ينطِق بما هو خارقٌ للمألوف، وبما هو أسمى من مجرى الحياة المعهود، وبالإحساس النادر الذي لا يُلِمُّ بالإنسان إلا قبسات مُتباعدة، فهو على الجملة يتحرَّك في مجالٍ أعلى من مجال الحياة الواقعة. أما النثر فهو — على نقيض ذلك — أداةٌ تُعبِّر عن الحياة الجارية المألوفة الشائعة، التي لا غرابةَ فيها ولا شذوذ ولا سُمُو، فترانا نُباشر أعمالنا بالنثر، ونطلُب إفطارنا بالنثر، ونُنجِز سائر شئون العيش بالنَّثر، ففي مقدور النَّثر أن يُعبِّر عن كل هذه الأشياء، تعبيرًا أدقَّ وأوفى ممَّا يستطيع الشعر. وإذًا فطبيعة النثر من ناحية، وما جرَتْ به العادة ألوفَ السِّنين من ناحيةٍ أخرى، جعلت هذا النوع من التعبير، مُرتبِطًا في أذهانِنا بما هو عاديٌّ واقعيٌّ مألوف.

من هنا كان النثر أداةً مُلائمة للتعبير عن حوادث الحياة اليومية، التي تجري على المألوف ولا تكون عظيمة المَغزى. ولمَّا كانت القصة حكاية تَروي بالنثر وجهًا من أوجه النشاط والحركة في حياة الإنسان، فخير لها إذًا أن تَقُصَّ قصَّةً عادية عن الإنسان العادي الحقيقي، كما تجري حياته في عالم الواقع المُتكرِّر كل يوم. أما الحكاية التي تُساق شعرًا، فمَوسُومة بالمواقف الخارقة والتطلُّع إلى المثل الأعلى والخيال الجامح. فالمَلْحمة — مثلًا — قصيدة من الشعر القصصي، تُروى عن أحداث فوق ما يألَفُه البشر، يُؤدِّيها رجالٌ عتاةٌ جبابرة، من طرازٍ أسمى من مستوى البشر. الحكاية التي تُروي شعرًا — كهذه التي أنشأها «سكت» و«بيرن» في الأدب الإنجليزي — تحكي حوادث غريبة تتمُّ في جوٍّ خيالي على أيدي رجال خوارق، فإنْ رأيتَ حكايةً منظومة تبدو للوهلة الأولى، أنها تُعالج أحداثًا عادية في جوٍّ مألوف، فاعلَمْ على الفور أنَّ الشاعر إنما يريد بها، غايةً غير التي بدرَتْ في القراءة الأولى.

الحكاية النَّثرية المُثلى — أي القصة الجديدة — هي التي تستغلُّ كلَّ ما للنثر من قدرةٍ على التعبير، وقد علِمتَ أنَّ النثر من شأنه أن يُعالج الواقعيَّ المألوف، وإذًا فرَوعة القصة وبراعتها أن تروي حكاية الحوادث المألوفة الواقعية الجارية. وكأنى بك تعترِض على هذا القول مُحتجًّا بطائفةٍ من أروع القصص، فهذه «رحلات جلفر» وتلك «روبنسن كروزو» وأشباههما كثيرة لا تقع تحت الحصر، لا تُصوِّر الحياة كما نراها في البيت والشارع، وهل نرى في البيت والشارع أقزامًا في طول الأصابع وعمالقة في ارتفاع العمائر العالية؟ فهي بغَير شكٍّ تنقلنا من عالمنا الواقعي إلى بلادٍ لا عهد لنا بها؛ لتقُصَّ علينا هناك أغرب الأنباء وأعجَبَ الحوادث. ولكن رُوَيدك لا تتعجَّل الحكم، فنظرةٌ منك فاحصةٌ، ستؤدِّي بك إلى نتيجةٍ غير التي ظننت، وترُدُّك إلى ما زعمناه لك من خصائص القصة الفنية الأصيلة البارعة. فالكاتب في أمثال هذه القصص التي ذكَرْنا، يُنبئك بالحوادث الشاذَّة في بلادٍ غريبة، فلا الحوادث مألوفة، ولا البلاد لك بمِثلها عهد، ولكن غايته التي يضعها نُصب عينيه، هي أن يُنسيك شذوذ الحوادث وغرابة الرحلات. فسِوِفْت يُحاول جاهدًا مُوفِّقًا في «رحلات جلفر» أن يخدَعَك عن نفسك، بحيث لا تأخذك رِيبةٌ في صحة الحوادث التي يرويها، إذ يخلع ثوبًا من الواقعيَّة على «ليلبيت» أرض الأقزام، و«بروبد نجناج» أرض العمالقة، ويروي لك «روبنسن كروز» قصَّته في يوميات ليُوهِمك أن الحوادث التي يُسجلها، هي ما حدثت بالفعل في عالم الواقع المشهود، فتراه كلما اعترَضَه موقفٌ طارئ، عالَجَه بنفس الأدوات والوسائل، التي يُعالج بها الناس مشكلاتهم في حياتهم اليومية؛ هكذا يفعل في طهيِهِ للطعام وإعداده للثياب، وسائر ما تتطلَّبُه ضرورات الحياة. اقرأ القصة وأمعِنِ النظر في شخصية «روبنسن»، تجِدْه رجلًا يصِحُّ أن يكون واحدًا من جيرتك، فلا إسراف فيه ولا شذوذ ولا إفراط في الخيال، ولن تلمس فيه تلك العواطف المُحتدِمة العنيفة المُستهتِرة، التي تراها في أبطال شاعر مثل «بيرن»، إنه رجل بسيط مُتمسِّك بالتقاليد، يعيش حياته كما تعيش أنت حياتك وكما أعيش حياتي. انظُر مثلًا إلى جموده فيما يتَّصِل بعقائد الدين وقواعد الأخلاق، إنه لا تَشُوبه شائبة من الإغراق والشطط والجموح، التي نعهدها في المُغامرين كما يُصوِّرهم الشعراء الخياليُّون، فقد أراد «دفو» أن يَصُبَّه في هذه الصورة، ليَمثُل أمام عينَي القارئ رجلًا من الطبقة الوسطى، كأي رجلٍ آخَر ممَّن يُصادِفُهم في الحياة، حتى يُشيع في قصته جوَّ الحقيقة والواقع. وإذًا فقصَّتا «روبنسن كروزو» و«جلفر» لدى النظرة الفاحِصة لا تَحيدان قَيدَ شعرةٍ عمَّا اشترطناه للقصة من التزام الصِّدق في التصوير، بحيث لا يُداخِل القارئ شكٌ في أنه يَخُوض — وهو يقرأ القصة — حياة كالتي عهِدَها ومارَسَها.

قُلنا إنَّ للقصة طابِعَين يُميِّزانها: النثر والطول. وحسْبُنا ما قُلناه في خاصة النثر، لننتقِل إلى الصِّفة الثانية، ولكي نُدرك ما تكسِبه القصة من طولها في قُدرتها على الأداء والتعبير، يجب أن نُقارنها بضربٍ آخر من ضروب الأدب، مُضطرٍّ إلى القِصَر اضطرارًا بحُكم طبيعته، وهو المسرحية؛ فالمسرحية لا بُدَّ أن تقصُر نفسها على مجالٍ يبدأ وينتهي في سُويعات قلائل، ومن خصائص الحوادث التي تعرضها، أن تبعث شيئًا من الدهشة في نفوس النظارة لغرابَتِها ومُفاجآتها. القصة والمسرحية — كسائر ضروب الشعر — تُمثلان أفعالًا، ولكن ماذا نقصِد بكلمة «فعل»؟ أصحيحٌ أنَّ هنالك شيئًا مُعينًا محدودًا، يصحُّ أن نُطلِق عليه هذه التسمية؟ إنك إذا ما تناولتَ بالبحث وعُمق النظر عملًا مِمَّا تواضَعْنا على اعتباره «فعلًا» واحدًا، وجدْتَه في حقيقة أمره حزمةً كبيرة من الأفعال، فرَميُك الكرة قد يبدو «فعلًا» واحدًا، مع أنه في الواقِع يحتوي سلسلةً طويلة من الأفعال، يعقُب بعضها بعضًا! إمساك الكرة والشد عليها بقبضة اليد، وقذف الذراع إلى الوراء مسافةً مُعينة، وثَنْي الرسغ، وتطويح الذراع إلى الأمام ثُم إطلاق الكرة وهكذا، وقُلْ مِثل هذا في كلِّ فعلٍ آخَر. لا بل إن الفعل الواحد لا يقتصِر على أنه في ذاته مُتألفٌ من مجموعةٍ كبيرة من الأفعال، إنما يزيد في تَعقُّده أنه مُرتبطٌ بمئاتٍ من الأفعال سبقَتْه ومئاتٌ أُخرى ستلحق به، وهذه السوابق واللواحق مُرتبِطة به ارتباطًا بحيث يَستحيل فصلُها عنه، ففي المِثال السابق، قد تقدَّم رميَ الكرة رؤيتُها ورؤيةُ الهدف، والانحناء إليها وهي مُلقاةٌ على الأرض، وتَبِع رمْيَها إرخاءُ الذراع وتعقُّبُ الكرة في سيرها وهي مقذوفة في الهواء وهكذا، وإذًا فمن العسير أن تعزِل فعلًا واحدًا عمَّا يُحيط به من الأفعال، فالذي اصطلَحْنا أن نُسمِّيه «فعلًا»، هو في الحقيقة مجموعة أفعالٍ كثيرة يُمكن اعتبارها وحدةً مُتَّصِلة، ومِثل هذه المجموعة من الفعل هو ما يتَّخِذه القصصيُّ والمسرحيُّ كلاهما موضوعًا لإنشائه، لكن المسرحيَّ — على عجلٍ — لا يملك أن يُضيِّع من وقته القصير شيئًا؛ لأنه مُلزمٌ أن يَفرُغ ممَّا يُريد تمثيله وتصويره في ساعتَين أو ثلاث، فليس في مقدوره أن يُقدِّم إليك الفعل بكل حذافيره وأجزائه، ولا بدَّ له أن يتخيَّر من الحوادث الكثيرة التي ترتبط بالفعل عددًا قليلًا، يراه أكثر من غيره دلالةً ومغزًى، فلو كان «الفعل» الذي نحن بصدَدِه مَدًّا في البحر وجَزْرًا يعقُبه، كان على المسرحي أن يُسقِط من حسابه ألوفَ الألوف من صِغار المَوج، مُكتفيًا بقمَّة الموجة الكبرى أو بأسفل الفجوةِ بين المَوجتَين؛ لأنَّ هاتين النُّقطتين أبرز وأوضح ما تراه العين من حركة البحر في مَدِّه وجزْرِه. فالمسرحية إذًا لا تُمثِّل من الفعل إلَّا الجانب البارز الواضح الملحوظ، الذي كثيرًا ما يُثير الدهشة والعَجَب.

أمَّا القصصيُّ فليست تُلزِمه الضرورة أن يبتُر الحادثة أو الفعل ليَجتزئ منها بجانبٍ دون جانب، فهو إذا ما عمَدَ إلى تصوير فعل، بسَطَه بكل تفصيلاته من سوابق ولواحق وأجزاء. فافرِض — مثلًا — أنَّ القصصيَّ والمسرحي كليهما يُصوِّران مائدة الغداء، ففي المسرحية يرتفِع الستار وإذا بالمائدة قد هُيِّئت، والأضياف قد جلَسوا في أماكنهم من المائدة، وكلُّ ما على المسرحيِّ أن يُمثِّله بعد ذلك تقديم الطعام وأكله، أمَّا القصصي ففي وُسعه أن يرتدَّ إلى الأُصول الأولى لهذا الطعام، فيرجِع بك إلى البطاطس حين جناها الزارِع وعرَضَها البائع واشتراها الطاهي، وأخذ يُعدُّها في مطبخه تقشيرًا وسلقًا وتهيئةً في الصحون، وهكذا يستطيع أن يصنع في كلِّ ما قُدِّم في الغداء من ألوان الطعام. وبعد أن يمضي بك في ذلك صفحاتٍ تلوَ صفحات، ينتهي بك إلى حيثُ وجدْتَ المسرحي، فيُطالِعك بالأضياف وقد جلسوا إلى المائدة يأكلون، وليس حتمًا على المسرحيِّ أن يختار من الفعل نهايته، فقد كان يستطيع أن يُمثِّل جانبًا آخر من حلقات الفعل غير المائدة وحولها الأضياف، لو رأى أنَّ ذلك الجانب الآخر أبرَزُ علامةً وأوضح دلالةً للمعنى الذي يُريد. وأيًّا ما كان الجانب الذي يختاره المسرحي، فيستحيلُ أن يذهب في عرضِهِ وتمثيله، إلى ما يذهب إليه القصصيُّ من تحليلٍ وتفصيل. هذا شيكسبير في رواية «كما تهواه» يُفاجئك بجماعةٍ يأكلون في الغابة، ولا تدري كيف أُعِدَّت ألوان الطعام هناك، ولا عليك ألَّا تدري، فالمُهمُّ هنا أن تشهد الطاعمين وهم يأكلون، وهذا هو أيضًا في رواية «ماكبث» يبدأ حفلةَ عشاءٍ في قصر ماكبث، لكنَّهُ لا يلبَثُ أن يَسوق من الحوادث ما ينحرِف بك عن العشاء، فلا تدري عن الآكلين شيئًا؛ لأن اختيار الكاتب لم يقَعْ على هذا الجانب من حلقات الفعل؛ إذ رأى جانبًا أجدَرَ منه بلفتِ النظر. أما قصَصِيٌّ مثل «مردث» ففي وُسعه أن يملأ ثلاثة فصول كاملة، بشاربٍ يَحتَسي زجاجةَ خمر، و«جولز ور ذي» يُنفِق مساءً بأكمله في عشاءٍ هادئ للأسرة، التي يُصوِّرها في قصة «فور سايت ساجا»، ويخلُص من هذا كله إلى نتيجةٍ نُريد تقريرها، وهي أنه لمَّا كانت القصة هي الفرصة السانحة لعرض الفعل بكل أجزائه ودقائقه، كان الكاتب القصصي أبرعَ وأجود، وكانت قصته أروعَ فنًّا كلَّما استطاع استغلال هذه الفرصة السانحة.

ولقد وصف «ستيرن» — القصصي الإنجليزي في القرن الثامن عشر — فنَّ القصة، فحصرَه في مهارة الكاتب في الاستطراد، بحيث لا يعُوق هذا الاستطراد تطوُّر الحوادث وسيرها، بل يسير الاستطراد والتقدُّم بحوادث القصة، جنبًا إلى جنبٍ رغم ما يبدو في ذلك القول من تناقُض، فيكون الكاتب مثلًا بصدَدِ شخصٍ يُحكى عنه، ثم يعترِض الحكاية شخصٌ آخر أو حادثة، فينحرِف الكاتب إلى هذا الطارئ الجديد، على شرْط ألَّا يَغفُل عمَّن كان يحكي عنه، بل يذكُره خلال استطراده بلمحاتٍ بارعة آنًا بعد آن، بحيث تَزيد صورتُه في ذِهنك وضوحًا ورسوخًا، حتى يعود إلى حكايته من جديدٍ بعد فراغِهِ من استطراده الطارئ الدخيل.

ومِن الحكايات النثرية ما لا يُفرِط في الطول، فلا تدخُل في عِداد القصص بمعناها الصحيح، وقد جري العُرف أن تُسمَّى واحِدَتُها «قصة قصيرة» أو أقصوصة.

وليست القصص القصار في أوضاعها الفنية شبيهةً بالقصص التي حدَّثناك عنها، فقد يبدو للوهلة الأولى أنها تُعالج موضوعاتٍ وأشخاصًا كالتي تُعالجها القصص الطويلة، لكنك لا تلبَثُ بعد المُوازنة الدقيقة أن تتبيَّن فروقًا بين هذه وتلك؛ فقد رأينا في تحليل «الفعل»، أنَّ ما نعُدُّه «فعلًا» بسيطًا، هو في حقيقته مُركَّبٌ مُعقَّد، يشتمل على أفعالٍ ثانوية صُغرى تُلازمه، ويتعذَّر عزله وفصله عن أفعالٍ أخرى كثيرة، تُحيط به قبل وقوعه وبعد وقوعه، فالفعل يأتيه الإنسان ليس حادثًا واحدًا وخيطًا مُفردًا، وليس هو كذلك مُجرَّد عملٍ يظهَر في السلوك المرئي المُشاهَد، بل هو نتيجة عددٍ كبير من الدوافع والرغبات والعادات والضوابط، وما إلى ذلك ممَّا تموج به النفس وتزخَر، سواء كانت هذه العوامل الباطنية الخافية في حدود الوعي، عند القيام بالعمل أو لم تكن، فقد يُدرك الإنسان دوافعه وحوافِزه إلى العمل حينًا ولا يُدركها أحيانًا، لا بل الأمر أوسَعُ من ذلك نِطاقًا وأبعدُ مدًى، فهذا العمل الظاهر نفسه، الذي هو ثمرة لأخلاطٍ من العوامل النفسية المُستتِرة، يعود بدَوره فيُحدِث آثارًا شتَّى في شخصية الفاعل، ثم لا يقتصر الأمر على شخص الفاعل، بل إنَّ رشاشَهُ ليتَّسِع ويتشعَّب فيشمل أُسرته ومُحيطه الاجتماعي كله، وقد يُمعن في الاتساع والتشعُّب، حتى يُؤثِّر في الحضارة القائمة كلها. وبديهيٌّ أنك لو أردتَ أن تستقصيَ كلَّ هذه الأصداء، التي تتردَّد نتيجة لحدوث الفعل المُعيَّن، كان لزامًا عليك أن تُوسِّع من مجال البحث، بحيث تتغلغل في نفس الفاعل، لتتعقَّب كلَّ ما اقترن بالفعل، من خواطرَ ومشاعر ودوافع وموانع، ثم تجوب في أنحاء العالم الخارجي، مُسجِّلًا كلَّ ما أحدثه الفعل من آثارٍ في الحياة والناس جميعًا. وإن ذلك ليَقتضيك إطنابًا لا تستطيعه إلَّا القصة الطويلة، وأمَّا كاتب «القصة القصيرة» فيدَع ذلك لزميله صاحِب القصة الطويلة، ولا يُحاول أن يُجارِيَه في مِضماره هذا، ويكتفي من هذا الخِضمِّ الزاخِر بالأجزاء والدقائق، بالحادثة الأوَّليَّة التي أحدثت هذا كله، ويحصُر اهتمامه بالفعل وحدَه دون نتائجه ومُقدِّماته، باطنةً كانت تلك المُقدِّمات أو ظاهرة، فتجيء قِصته حكايةً لسلسلةٍ من الحوادث، لا صورةً تفصيلية لوجهٍ من وجوه الحياة الإنسانية، بما فيها من شَتيت التجارب وعديدها. وهو يختار لقصته مِحورًا تدور حوله الحوادث، بحيث يكون ذلك المِحور شائقًا في ذاته ولِذاته، لا يرجو القارئ أن يستشفَّ وراءه شيئًا. وخَير ما نَسُوقه مِثالًا للقصة القصيرة، هذا النوع الذي يُسمَّى بالقصة البوليسية، فاقرأ — مثلًا — قصة «شرلوك هولمز» المشهورة، لا تجِد فيها تحليلًا نفسيًّا بالمعنى الصحيح الدقيق، رغم ما فيها من مُحاولاتٍ سطحية لتصوير شخصيَّتَي «هولمز» و«وطسن»، فالمهم في القصة البوليسية، أو القصة القصيرة بوجهٍ أعم، هو سلك الحوادث وحبْكَتها. نعم استطاع عبقري مثل «بو»، أن يأخُذ نفسه أخذًا دقيقًا، بقَيد القصة القصيرة فحصَر نفسه في الحوادث، وأن يُلوِّن الحوادث في الوقت نفسه بِلَون الحالة النفسية، التي أحاطت بوقوعها تلوينًا قويًّا ساطعًا، يترُك في نفس القارئ أثرًا، فيه دراسة كاملة لموقفٍ من مواقف الحياة، لكن ذلك لا يعدو أن يكون خِداعًا يُحدثه فنُّ الكاتب بما فيه من سحرٍ وفِتنة، فلقد سما «بو» بالقصة القصيرة حتى بلغ بها في دولة النثر ذُروةً تُعادل الذي صعد إليه «كولردج» في قصيدة «البحَّار القديم» — كلاهما يخلع على المَوصوف لونًا من فَنِّه يَزيدُه فِتنة — وقد اختار «بو» لنفسه نمطًا خاصًّا من القصة، وذاك أن يَحكيَ حوادث تُلقي في النفوس فزعًا ورعبًا، فجاء نثرُه أداةً قوية تُعينه على الأداء، بحيث بلغ من الكمال مرتبةً ليس بعدَها زيادةٌ لمُستزيد، فالحادِث المُرعب يزداد في قلَمِه رُعبًا؛ لأنه يُقرِّبه من الواقع ويدنو به من المألوف، ولو كُتبتْ مُرْعِباتُه شعرًا لما استطاعت أن تفوح برائحة الصِّدق والواقع كما هي الآن في نثرها. لكن مهما بلغَتِ القصة القصيرة في دقَّة التصوير وروعة التعبير، فهي قصة قصيرة، وليست من قبيل القصة الطويلة في فنِّها وأوضاعها، ما دامت تحصُر همَّها وغايتها في الحادثة أو سلسلة الحوادث، سواء جاءت هذه الحوادث في تَتابُعٍ ساذجٍ بسيط، أو تعقَّدَتْ فكوَّنَت حبكةً تَستثير انتباهَ القارئ بتعقُّدِها وحلِّها.

حسبنا هذا حديثًا في الفخامة التي تتكوَّن القصة من عناصرها، فليس يسمَحُ لنا مجال القول في هذا الكتاب الصغير، بالإفاضة في البحث والتحليل، وأظنُّنا بما قدَّمناه من تعليلٍ وتدليل، نستطيع أن نزعُم أن القصة ضربٌ من الخيال النثري له مهمَّةٌ خاصَّة به، وهي أن تقصَّ أعمال الرجل العادي في حياته العادية، بعد أن تضَعَها في شبكة من الحوادث كاملة الخيوط، مُتتبِّعة كلَّ فعلٍ إلى أدقِّ أجزائه وتفصيلاته وسوابِقِه ولواحِقِه، مُوغِلةً في دخيلة النفس حينًا لتبسُطَ مكنوناتها أثناء وقوع الفعل، مُستعرِضةً الآثار الخارجية للفعل حينًا آخر، لا تترُك من جوانبه ومُلحقاته ونتائجه شاردةً ولا واردة، إلَّا سجَّلَتْها في أمانةٍ وصدق، كما تحدُث في الحياة الواقعية التي يخوضها الناس ويُمارسونها.

لو كانت هذه مهمَّة القصة، إذًا فقد أصبح لدَيْنا مِقياس واضح، نزِن به قيمة ما نَقرؤه من القصص، لنُميِّز فيها الطيِّب من الخبيث، فكلَّما وجدْنا في القصة رُوح الواقع، الذي يُمثِّل لنا الحياة الصحيحة، كما تجري يومًا بعد يوم، كانت أصدقَ مُراعاةً لفنِّ القصة كما ينبغي أن يكون.

أما وقد فرَغْنا من بسْط المبادئ النظرية، فيجمُل بنا أن نستعرِض تاريخ القصة وبعض القصص الرائعة؛ لنرى إن كانت تقوم دليلًا قاطعًا على صِدق ما ذهَبْنا إليه، فإذا استبْعَدْنا القصص التي صادفَتْ إعجابَنا لا بفنِّها، بل بما تُذيعه وتُوضِّحه من آراءٍ ومذاهب، فليس بعد ذلك من سبيلٍ إلى الشك في أنَّ طابع القصة الجيدة هو، أولًا وقبل كل شيء، هذه «الواقعية» التي تعكِس لك الحياة كما ألِفْتَها وعرَفْتَها في حياتك، وحياة أهلك وجيرتك وعشيرتك والعالم الذي تعيش فيه.

وأول ما يلفِتُ النظر — إذ نستعرِض القصة في ماضيها وحاضرها؛ لنرى إلى أي حدٍّ تصدُق مبادئنا على نتاج الأدباء — هو حداثة سِنِّها في تاريخ الأدب، فهي حديثة العهد جدًّا إذا قِيسَت بسائر ضروب الأدب وفنونه، ومع ذلك فهي أوسعُ تلك الضروب والفنون شُيوعًا بين الناس، فلو قارَنْتَها — مثلًا — بالملحمة التي عرَفَها الإنسان منذ أول نشأته، ألفَيْتَها وليدةَ الأمس لا تزال في نعومة أظفارها تحبو، فقد يُحدِّثك مُؤرِّخو الآداب أن القصة قد شهِدَتْ نور الحياة أول ما شهدَتْهُ سنة ١٧٤٠م، حين أخرج القصصي الإنجليزي «رتشردسن» قصة «باملا». وسيبدو لك ما زَعَمَه مؤرخو الآداب أمرًا عجيبًا؛ لأنك في أغلب الظنِّ ستخلِط بين الحكاية والقصة، وسترجِع بخيالك إلى أعمَقِ أعماق الماضي السحيق، لِترى الناس يَروُون الحكايات كلَّما كان فراغٌ ودارَ في حلقاتِ السَّمَر حديث، ثم تقول: وهذه قصص العرَب، وألف ليلة وليلة، وهي كلها أسبق من هذا التاريخ الذي زَعَمه مؤرخو الآداب بدايةً للقصة، لكنك قد أُنسِيتَ خصائص القصة بمعناها الصحيح، فليستْ كلُّ تلك الحكايات الأولى قصصًا؛ لأنها تفقِد أخصَّ خصائص القصص، فما هي بالصادِقة في تصوير الحياة، ولا هي تتعقَّب أجزاء الحادثة الواحدة تحليلًا حتى تبلُغ أقصى مداها، إنما هي حكايات تُطالِعها، ولا تنسى قطُّ وأنت تُطالع أنك في عالمٍ من خيال، ولكن لماذا تأخَّرَت القصة في الظهور؟

تأخَّرَت بسبب تلك الحكايات الأولى نفسها، التي أخطأتَ منذُ حينٍ قليل، فظنَنْتَها من القصص وما هي منها في كثيرٍ ولا قليل، فقد كان الرجل الموهوب في الخيال القصصي، إذا ما جلس ليروي للناس حكاية في الأزمان الغابرة، توهَّم أنه لو ساق في حكايته الحوادث العادية المألوفة، لم يستوقِفْ أسماع المُنصِتين ولم يَستثِر إعجابهم، كما لو ساق في حكايته الحوادث الشاذَّة العجيبة الشاطحة في خيالِها؛ فلا بُدَّ إذًا لكي يظفَر أولئك الحكاءون بالتقدير، أن يَرْوُوا المُدهِشات التي تُثير نفوس السامعين بغرابتها؛ لهذا جاءت حكايات القديم والعصر الوسيط حول الأرباب وأبطال الأساطير، فتُروى الأعاجيب عن الملك أرثر وملوك الجنِّ والشياطن وما إلى ذلك. وكانت هذه الحكايات تُروى شعرًا في أوروبا القديمة والوسطى؛ لأنَّ الشعر هو الأداة التي تستطيع أن ترتفع بالكاتب أو الحكَّاء إلى هذا الخيال البعيد، وهو الأداة التي تصلُح أن تطير بعقول السامعين إلى أرض الجنِّ والشياطين، وتُخلِّص عقولهم مِمَّا يقعُد بها ويُثقِلها من شئون هذا العالم الأرضي الذي نعيش فيه. ونُحبُّ — إنصافًا لهذه القصائد القصصية — أن نقول إنها تُمثِّل جانبًا من الحياة النفسية الحقيقية، وإن لم تُصوِّر الواقع الملموس من أوضاع الحياة؛ ذلك لأنها تُشبِع في الناس أهواءً ونزعاتٍ لا يُشبِعها عالَم الواقع، فهي في ذلك كأحلام اليقظة أو أحلام النوم، تُحقِّق للحالِم أمانيه التي لم يستطع تحقيقها في دُنياه. خُذ مثلًا لذلك مغامرات الفرسان في أساطير الملك أرثر، فلا هي بالصحيحة ولا هي بالباطلة، لا هي تُصوِّر ما يُغامر به الفرسان فعلًا في الحياة الواقعة، ولا هي بعيدة عمَّا يتمنَّاه الفرسان من مثلٍ أعلى، هي تُصوِّر الفرسان كما ينبغي أن يكونوا، فهي صحيحة إن نظرتَ إليها على أنها أُمنية تتردَّد في أنفس الفرسان وأملٌ يبتَغون تحقيقه، وهي باطلة إن قِسْتَها بالحياة الواقعة الجارية كما هي؛ لهذا أجراها الأدباء شعرًا؛ لأنَّ الشعر — كما قدَّمْنا — يخدع القارئ عن نفسه ويُلوِّن له الباطل في صورة الحق، ويعلو بالنفس إلى أفقٍ أعلى من مستوى الحياة، الشعر أصلَحُ من النَّثر في التعبير عن الغريب الشاذِّ الذي يَسمو على المألوف، فإن فقدَتِ الحادثة غرابتها وشذوذها وسُمُوَّها كان النثر لها أصلح أداة. ونعود فنقول إنَّ مغامرات الفرسان المثالية كانت تُمثِّل ما يطمَحُ إليه الفرسان، فكان الشعر أداةً صالحة لها. فلمَّا ذهب عصر الفروسية وانقضى، ولم يعُدِ الناس يَرَون مَثَلهم الأعلى في حياة الفارس المُغامِر، ذهبت عن تلك الأماني حلاوَتَها وطلاوَتَها، وأصبحتْ مجرَّد حكايات تُروى عن حوادث خيالية غريبة، دون أن تكون صورًا مِثالية تُفخِّم الواقِع وتسمو به. وعندئذٍ جاز لكاتبٍ مِثل «مالوري» أن يُحوِّلها إلى النثر، فيروي بها ذكريات عصرٍ زال أو في طريقه إلى الزوال.

بدأتِ القصة إذًا حكاية خيالية تَروي الغريب الشاذَّ ولا تُصوِّر الواقع، ثم مضت في هذا الطريق عصورًا طوالًا، فحتَّى حين اطَّرَح الحكَّاءون التقليد القديم، الذي كان يُحتِّم أن تدور الحكاية حول أشخاصٍ جبابرة عمالقة يَعلُون عن مألوف الرجال، فقد استبدلوا بذلك التقليد غرابةً في الحوادث التي صوَّروها. نعم كانوا يختارون لحكاياتهم أشخاصًا من الحياة العادية، لكنهم سَلَكوا هؤلاء الأشخاص في مَجرًى من الحياة لا يُشبِهُ الحياة الجارية في شيء، فكأنهم بذلك استبدلوا شذوذًا بشذوذ، وغرابةً بغرابة، ولم تبلُغ بعُد حكايتُهم أن تكون قصةً تَقصُّ الواقع في أشخاصه وحوادثه على السواء. هكذا كانت الحكاية في عصر اليصابات، لم تعُدْ كما كانت سالِفَتُها في العصور الوسطى، تنتقل بأشخاصها وحوادثها في أرض الجن والشياطين، ولم تعُدْ تختار عمالقة الأبطال يخوضون الحروب الصليبيَّة؛ ليأتوا بالبطولة النادِرة التي لا يُسلِّم بصِدقها عقل سليم، وأصبحت تختار لأبطالها أشخاصًا عاديين، بل أشخاصًا أقربَ إلى سِفلة الناس يتسكَّعون في الحانات ومَباءات الفساد. لكن هؤلاء الأبطال السِّفلة يأتون من الأعمال ما لا يقلُّ غرابةً وشذوذًا عن فرسان الملك أرثر في حكايات العصور الوسطى. ومن ذلك ترى أنَّ القصة التي تُعالج ناسًا كأوساط الناس، يَحيَون حياةً كالحياة المألوفة الواقعة، كانت لم تُخلَق بعدُ في عصر اليصابات، وكان من الجائز أن تظهَر عندئذٍ لو أن عقول الناس تهيَّأت للتمتُّع بالقراءة عن أشخاصٍ عاديين في حياةٍ عادية، فقبل أن يُفكِّر كاتبٌ في وصف حياة الرجل العادي، في حياته الجارية بكلِّ تفصيلاتها وأجزائها، لا بدَّ أن تنشأ عند الناس عادةُ الانتِباه إلى الحوادث التافِهة العابرة التي لا تحمِل في طَيِّها مغزًى ولا معنى، وعادةُ تقديرها وتقويمها لمُجرَّد أنها وقعَتْ تحت عَين المُشاهد الذي يرقُب مجرى الحياة بِعَينٍ تلحَظ كلَّ الدقائق. لا يُمكن لقصةٍ بمعناها الصحيح أن تنشأ، إلَّا إذا اهتمَّ الناس أولًا بأجزاء الحياة وتفصيلاتها اهتمامًا يُحوِّل التافِهَ إلى شيءٍ ذي وزنٍ وشأن، وإلَّا إذا أخذوا يستمتِعون بمُطالعة أوجه الحياة المألوفة كما تقَعُ كلَّ يوم.

لكن هذا الاستعداد الخاص لم ينشأ عند القرَّاء إلَّا في بطءٍ شديد. نعم أثارت صور الحياة الواقعة اهتمامًا شديدًا عند شيكسبير ومُعاصِريه، لكنهم كانوا في الحياة كالمَبهوت الذي يُعجَب بكلِّ شيءٍ يراه لأنه جديد؛ ولهذا صَوَّروا من الحياة فِتنَتَها وسِحرها، ولم يُعنَوا بجوانبها الفاترة الرتيبة. فلَمَّا انقضى قرنٌ بعد شيكسبير وعصره، أخذ اهتمام الناس يزداد رُويدًا رويدًا بالتَّوافِهِ من مُقوِّمات الحياة، وكان هذا الاهتمام الناشئ مُرتبطًا أشدَّ ارتباطٍ برُوحٍ علمي ناشئ، تمثَّلَ في إنشاء الجمعية الملَكية العلمية سنة ١٦٦٢م. والبحث العلمي — كما تعلَم — يُوجِّه النظر إلى المُلاحظة الدقيقة الفاحصة في أتفَهِ الأشياء وأقلِّها خطرًا، ثم إلى تسجيل ما انتهتْ إليه المُلاحظة، تسجيلًا هادئًا عاريًا عن كل تهويلٍ ومُبالَغة. وسايَرَ هذه النظرة التحليلية لظواهر الطبيعة نظرةٌ تحليلية أخرى، تنطوي على باطن الإنسان ودخيلته، تُحلِّل مكنون نفسه، وما يضطرب فيها من خواطرَ ومشاعر، فكما أرادت المُلاحظة الخارجية تسجيل العالم الخارجي كما تراه العين، أرادت المُلاحظة الباطنية تسجيل العالم النفسي الداخلي، كما يراه مَن يَستبطن نفسه وينظر في طوِيَّته. ولم يكن هذا الاستِبطان الذي يُسجِّل خواطر النفس معروفًا عند شيكسبير؛ فلا تراه حتى في شخصٍ كهاملِتْ رغم ما يتَّصِف به من تأمُّلٍ وإغراقٍ في التفكير، لأنه لم يعمَدْ قطُّ إلى تحليل نفسه تحليلًا دقيقًا. ثُم أخذَ انطواء الإنسان على نفسه يزدادُ مع الأيام، وأسرَعَ الخُطى في عهد المُتزمِّتين، الذين ما فتِئوا يفحصون ما تنطوي عليه ضمائرهم؛ ليُطهِّروها من أدرانها وشوائبها، فترى ظاهرة الاستبطان النفسي باديةً في جلاءٍ عند كاتب مثل «بنين» Bunyan في كتابه المشهور «رحلة الحاج»، الذي يُعدُّ في الطليعة إذا عُدَّتْ روائع الأدب الإنجليزي، ثم سار التحليل النفسي خطوةً أخرى إلى الأمام، وأخذ الكاتب لا يُحلِّل نفسه وكفى، بل يتحسَّس نفوس الآخرين ليستخرج كوامنها وأسرارها، ليتَّخِذَ ما يظفَر به من علمٍ وسيلةً تُعينه على تقسيم الناس أنماطًا مُختلفة. وهنا ينشأ لونٌ جديد من الأدب يُعنى بتصوير الشخصية البشرية، تصويرًا يرُدُّ هذا الفرد أو ذاك إلى هذا النَّمَط أو ذاك من نماذج البشر. فما إن أقبل القرن الثامن عشر وأخذ يتقدَّم بأعوامه، حتى اشتدَّتْ هذه النَّزعة في تصوير النفوس المُتبايِنة، لأهل الطَّبَقات الوسطى والدُّنيا؛ إذ كان زمام الأمر ينتقِل إلى أيدي هذه الطبقات رُويدًا رويدًا، بحيث لم يَعُد تصريف الأمور من شأن الأشراف والنُّبَلاء، بل عُهِد به إلى الطبقة الوسطى، التي كان قِوامها رجالًا أثْرَوا عن طريق التجارة. ومن أجل هذه الطبقة الجديدة أخذ يكتُب الأدباء، فإليهم خاصَّة توجَّهَ «أدسن» و«ستيل» بما كانا يكتُبان من مقالاتٍ في الصُّحف التي أنشآها لهذه الغاية، فقد بذَلَ هذان الكاتِبان، وغيرهما من أدباء القرن الثامن عشر، كلَّ جهدٍ مُستطاعٍ لتركيز الحياة كلها بما فيها من أوجه النشاط المختلفة، في مقهًى أو في مائدةٍ للطعام؛ أعني أنهم يَصِفون لك هذه المجامع الصغيرة، فيُحاولون أن يلحَظوا كلَّ شيءٍ ممَّا يجري بها، ثم يعرضون مجرى الحياة فيها بكلِّ جوانبها ودقائقها. فأَدَبُ القرن الثامن عشر بدأ يَصبُّ اهتمامه على الحياة الواقِعة وعلى أهل هذه الحياة الواقِعة كما يعيشون وينشطون ويسلكون ويُفكِّرون، فترى أُدباء ذلك العهد يتناولون بأقلامهم الرجل العادي، فيلحَظون فيه شذوذَ مسلَكِه وخواصِّ تفكيره، ممَّا يُميِّزه عن سائر أفراد الطبقة التي يعيش بينها. واقترَن بهذه الاتجاهات الأدبية ما قد نُسمِّيه مبادئ الشعور الديمقراطي، وهو الإيمان بقِيمة الرجل العادي، الذي لا يحتلُّ في الحياة مكانةً مُمتازة تملأ النظر. فلمَّا أخذَتْ هذه الاتجاهات تنتشرُ وتسُود، أخذَ يسُودُ إلى جانبها جوٌّ فكري جديد، كان من شأنه أن يُنتِجَ القصة بمعناها الصحيح. وهكذا قُدِّرَ للقصة أن تظهَرَ في عالم الوجود، بعد أن جاهدَتْ في سبيل الظهور قُرونًا، كانت خلالها تبدو آنًا بعد آنٍ شائهةَ الخَلْق ناقِصَةَ التكوين، وكُتِب لها آخر الأمر أن تُولَد في صُورتها السَّويَّة على يدي «رتشردسن» في قصة «باملا» عام ١٧٤٠م كما قدَّمْنا. والعجيب في نشأة القصة أنها — وإن لم تكن قد جاءت نتيجة جهود مُتَّصِلة وخطوات مُتتابِعة مُتلاحِقة — إلا أنها ظهرَتْ وكأنها وليدةُ المُصادفة، التي لم يُهيئ لها منطق الحوادث، فقد همَّ «رتشردسن» أن يكتب سلسلة من رسائلٍ نموذجية، يستعين بها من لم يُصِبْ حظًّا من التعليم من رجال ونساء الطبقة الوسطى والطبقة الدُّنيا، ثُم طاف بذهنه خاطر وهو أن يربِط هذه الرسائل ربطًا يجعلها تحكي قصة، فكان له بذلك قصة «باملا»؛ فهي إذًا مجموعة من الخطابات، تُبُودِلت بين فريقٍ من الرجال والنساء، وإنما تُعَدُّ القصة الأولى في آداب العالم، لأنها تروي حكايةً تتألَّف من رسائلَ عادية، تبادَلَها أشخاص عاديُّون، وعبَّروا فيها عن حياتهم وشعورهم تعبيرًا صادقًا أمينًا، ومن الخطابات يستخرج القارئ صورةً كاملة وافيةً لحياةِ خادِمة عادية — هي باملا — في حياتها وسلوكها، سجَّلَتْ أفكارها العابرة وعواطفها الصحيحة كما وقعَتْ، وكما تقَع دائمًا في الحياة الواقعة.

ولم تكَدِ القصة الأولى تشهَدُ الوجود، حتى تبيَّن للعالَم أنه قد اهتدى إلى ضالَّتِه، التي ظلَّ يَنشُدُها قرونًا طوالًا، يلتمس إليها الطريق ولا يجدها، حتى وقعَتْ عليها عبقرية «رتشردسن»، وأخذَتِ القصة منذ ذلك الحين تتبوَّأ مكانةً عالية في نفوس الناس، فما زالت تزداد انتشارًا حتى أصبحَتْ أوسعَ فنون الأدب ذُيوعًا بين القُرَّاء؛ ولذلك أسبابٌ ظاهرة، فالعالم كما نعرِفه يُشدِّد علينا قبضَتَهُ أكثرَ مِمَّا يفعل بنا عالم الخيال، وها هي ذي القصة قد صوَّرَت هذا العالم وأهله، والعالَم عالَمُنا والأهلُ أهلُنا. وإذًا فالقصة مِرآة تعكِس كلَّ شيء في العالم، الذي يؤثِّر فِينا بعوامله، ويجتذِب انتِباهنا ويَسترعي اهتمامنا بحوادثه وناسِه. أضِفْ إلى ذلك عاملًا آخر وسَّع من انتشار القصة، وهو أنَّ عصر الديمقراطية الذي نعيش فيه، والذي يرفع من قدْر الطبقات الوسطى والدُّنيا، يجد نفسه مُنعكسًا بكلِّ دقائقه في القصة، فالدوافع الكثيرة التي تُحرِّكنا باعتبارنا من أهل تلك الطبقات، كلُّها مُصوَّرة في القصة تلتمِسُها هناك فتراها، فالقصَّة تُمثِّل لنا أنفسنا وتُمثِّل لنا المُحيط الاجتماعي الذي نعيش فيه، بما فيه من تياراتٍ سياسية وغيرها، ومن ثَم لجأ إلى القصة كلُّ من أراد أن ينشُر في الناس رسالته السياسية أو الدِّينية أو الاجتماعية؛ لأنهم يعلمون أنها أقرَبُ الفنون الأدبية إلى قلوب القُرَّاء، فتراهم يُصوِّرون — فيما ينشُرون من قصص هذا العالم نفسه — ما يُبشِّرون به من عقائد ومذاهب وآراء؛ ليُبيِّنوا في جلاءٍ أنها طريق إلى السعادة التي يَنشُدونها للمجتمع، أو تراهم يُمثِّلون في قصصهم هذا العالم، بما فيه من عقائدَ ومذاهب وآراء؛ ليُبيِّنوا أنها لو بقِيَت بغَير إصلاحٍ فالمجتمع مصيره إلى بؤسٍ وشقاء.

لكن هنالك خطرًا عظيمًا في أن يَستخدِم ذو هوًى أداةً من أدوات الفنِّ الخالص، فإنْ عمَدَ فيلسوفٌ سياسيٌ إلى قصةٍ يُنشِئها، فاعلَمْ أنه لن يُصوِّر فيها العالم والناس كما هم في الواقع، بل سيُبشِّر فيها بمذهبه، بأن يُبدي العالم في الصورة التي يُريدها له، إذا ما اعتنَقَ الناس مذهبه، وهذا القول يَصدُق على «ولز» إلى حدٍّ ما، فقد لبِثَ هذا الكاتب الكبير يُمثِّل العالم الحقيقي في قصصه حينًا من دَهره، ثمَّ اتَّجَهَ اهتمامه إلى آرائه الاجتماعية لا إلى الحياة كما تقع، فهو مُخلِص لمذهبِه وعقيدته إخلاصًا حَدا به ألَّا يتصوَّر العالم في قصصه، إلَّا وقد شاع في الناس ذلك المذهب وتلك العقيدة. ومن الجائز أن يصلح العالم بذلك، لكن على حساب الفنِّ القصصي، فقصة لا تُصوِّر الواقع كما هو، ليست من ذلك الفنِّ في شيء. وقد يَصلُح الناس بقراءة أمثال قصصه، لكنهم سيدفعون ثمن ذلك الإصلاح مُتعةً، كانوا قَمِينينَ أن يُلاقوها في قصَّةٍ فنيَّة. وإنَّنا لعلى يقينٍ أنه حتى لو كان الغرَض المقصود، أن يتحوَّل الناس إلى الرأي الجديد، فهم أسرع إلى هذا التحوُّل إن قرءوا قصةً فنية، منهم إذا قرءوا قصةً تسُوق إليهم الرأي الجديد بالبُرهان العقلي. وهذه قصة «آن فيرونكا Anne Veronica» تُدافع عن حُريَّة المرأة، دفاعًا يستنِد إلى براهين العقل، فكم حوَّلَتْ من قُرَّائها إلى الرأي الذي تُدافِع عنه؟
كانت القصة من خلْق القرن الثامن عشر، خلَقَها «رتشردسن» ثُم أعقبَهُ «فيلدنج»، فصوَّر الحياة كما تجري في الهواء الطَّلْق، كما صوَّر «رتشردسن» الحياة داخل الدُّور. فقصَّتُه «توم جونز Tom Jones» صورةٌ للحياة اليومية في إنجلترا سنة ١٧٤٢م، وحسبُك — لتعلمَ مقدار عناية الكاتب بالرجل العادي في تصويره — أن ترى هذا العنوان الذي اختاره لقصته، فهذان الاسمان «توم» و«جونز» مِمَّا يفوح برائحة الطبقات الشعبية. ثُم جاء «ستِيرْن» وقصته «تِرسْترام شاندي Tristram Shandy»، مثلًا قويًّا، يُوضِّح لك كيف تُعنى القصة الصحيحة بالتفصيلات الدقيقة للحوادث، فمُجلَّدات عدَّة منها تقصُّ لنا أنباء البطل «ترسترام» في حياته الأولى، بل إنها لتبدأ في حكاية أنباء بطلِها منذ كان نُطفةً في جَوف أمِّه، وتقرأ الفصلَ بعدَ الفصل، و«ترسترام» لا يزال جنينًا لم يشهَدِ النور! ولا يُولَد إلَّا وقد قرأتَ من الرواية شطرًا كبيرًا من المُجلَّد الثالث! فهي قصة لا تملُّ مِن تعقُّب الدقائق، بحيث تُكوِّن صورةً شاملة كاملة للمراحل الأولى من حياة شخصٍ لا يَزِنُه المجتمع إلَّا بأخفِّ الموازين، مع ذِكر تفصيلات البيئة التي نشأ فيها، بحيث لا يترُك منها شاردةً ولا واردة إلَّا أثبَتَها. وبطَلُ القصة رجل له شذوذه وغرابته، لكنه الشذوذ الذي تلمسُهُ في سوادِ البشر. ولا نحسَبُ قصة غير هذه استطاعت أن تستغلَّ ما تمتاز به القصة من سائر الفنون الأدبية، وهو حُرية الكاتب في الإفاضة والإطناب إلى غَير حدٍّ معلوم، فترى الكاتب يُطيل الوقوف عند كلِّ حادثة؛ لأنه يراها مَحوطة بشبكةٍ كبيرة واسِعة الأطراف من الحوادث المُسايرة، فيظلُّ يُتابع الطريق المُتشعِّبة هنا وهنالك في هوادة، لا يتعجَّل الوصف ولا يُسرِع إلى الختام، بل يتتبَّع الخيوط والشُّعَب حيث تسير به، حتى يُشبِعَها وصفًا وتحليلًا. وعاصَرَ «ستيرن» قصصيٌّ آخَر هو «سمولت Smollett»، صاحب «رودريك راندم Roderick Random»، وكان السهم الذي شاطر به في تقدُّم القصة وتطوُّرها، أنه لم يكتفِ بما اكتفى به زملاؤه، وهو أن يتعقَّب الدقائق ساعةً بعد ساعة، بل أضاف إلى ذلك لونًا من الواقعية، هو ما يفهمه سوادُ الناس من كلمة «واقعي»، وإن لم يكن ذلك فهمًا للكلمة صحيحًا دقيقًا؛ وذلك أنه يذكُر الحقائق الغليظة التي يأباها الذَّوق المُهذَّب المُرهَف، فكان ذلك مُعينًا قويًّا للقصة على تصوير الدُّنيا، كما هي بغَير حذفٍ ولا تشذيب، فسواد الناس يُؤمنون بأنَّ «أنابيب المياه»، أكثرُ واقعيةً من قَوس قزح بألوانه الزاهية، وهذه الناحية من الواقع هي ما صوَّرَها «سمولت».

لكن تقدُّم القصة أصابَتْه نكسةٌ مُؤقَّتة؛ إذ عاود الناسَ حنينٌ إلى القصة القديمة الخيالية المُسرِفة في خيالها، حتى بعدَ أن تكشَّفَت لهم قيمة القصة الفنية الصحيحة. وليس في هذه النكسة ما يدعو إلى العَجَب؛ فالإنسان رُوحان في إهابٍ واحد، يحبُّ ما يدنو من قلبه وفؤاده وما تألَفُه عيناه وأُذُناه، أي أنه يُحبُّ الواقعي الذي يعيش بين ظهرانيه، وهو في الوقت نفسه يحنُّ إلى البعيد النائي الساحِر بخياله، الذي هو أقرَبُ إلى الأحلام منه إلى الحقِّ والواقع، أي أنه يحنُّ إلى فِتنة الوَهْم والخيال الجامِح. فهل تُريد من فنٍّ أدبي ذائعٍ بين سَواد الناس — وهو فنُّ القصة — أن يكتفي بإشباع جانبٍ واحدٍ من الإنسان دون جانبه الآخر؟ هل يُمكن أن يَقنَع القصصي بمُخاطبة الناحية الواقعية منها، ويُهمِل الناحية الخيالية إهمالًا تامًّا؟ لقد كان للجانب الخيالي الغَلَبة على القصة قرونًا طوالًا، حِيلَ فيها دون القصة الواقعية، فلمَّا ظهرَتِ القصة الواقعية، لم تعدِم قصة الخيال رجالًا يَعودون إليها بأقلامهم، مُفتونين بسحرها مأخوذين بأحلامها.

وترى هاتَين النَّزعتَين مُتمثِّلتَين في القصة في القرن التاسع عشر، فقصةٌ تميل إلى تصوير الواقع كما هو، وقصةٌ تميل إلى الجوِّ الخيالي الذي يسمو عن عالم الواقع ويبعُد عنه، وثالثةٌ تجمَع اللونين معًا ما استطاعت إلى جمعهما سبيلًا. فهنالك في أوَّل القرن «جين أوسْتن Jane Austen» تُخْلص الولاء للقصة الفنية، مُحتفظةً لها بعناصرها الرئيسية الأساسية، فتُسجِّل شئون الحياة العادية كما كانت تجري في عصرها، وإلى جانبها «سكت» يُحاول جهدَ طاقته، أن يجمع بين الإيهام الواقِع وبين رَوعة الخيال وسِحره، وكانت «القصة التاريخية» سبيلَهُ إلى غايته المنشودة، فقصته «قلب الأسد» تجري مجرى الخيال، الذي لا يرتبط بالواقع بِصِلةٍ قوية، لكنها في الوقت نفسه تتَّخِذ من الموضوع التاريخي الذي تُعالجه ذريعةً لإيهام القارئ أنه في جوٍّ من العالَم الواقعي الصحيح، لكنَّهُ لم يُوفَّق فيما أراد؛ لأن الواقعية التي نُريدها للقصة الفنية الكاملة، ليست هي الواقعية التي يشهَدُ بصِدقها المؤرخون، وتقوم الوثائق دليلًا على صِحتها، لكنها الواقعية التي تُلقي في رَوع القارئ أنها صحيحة. فسواء كانت حوادث القصة مأخوذةً فعلًا من الحياة الجارية أو لم تكن، فكلُّ ما نشترِطُه للقصة أن تُوحي للقارئ بشتَّى الوسائل الفنية، أنه يخُوض حياةً واقعية كالتي تجري كلَّ يوم. ومِمَّا هو جدير بالذِّكر في هذا الصَّدَد — وهي مُلاحظة قد يَعجَبُ لها القارئ — أنَّ «سكت» أبرَعُ فنًّا وأروع تصويرًا وأدنى إلى أوضاع القصة الصحيحة، ومُقتَضَياتها في أشخاصه الذين خلَقَهم بخيالِهِ خلْقًا من عدم، منه في أشخاصه الذين استمدَّهم من بطون التاريخ، وهذا وحدَه أقوى دليل على أنَّ واقعية التصوير، هي كلُّ ما يطلُبُه الفنُّ الصحيح، ولا عِبرة بعد ذلك أكان الموضوع من خلْق الخيال أو من حوادث التاريخ. على أنَّ القصة الفنية الصحيحة تختار بطلَها رجلًا عاديًّا، ممَّن أهملَتْهم صحائف التاريخ ووثائقه؛ إذ ليست القصة بحاجةٍ إلى الرجوع إلى الماضي، لانتقاء أبطالها من بين أعلام التاريخ، وأولى لها أن تقصدَ إلى تصوير هؤلاء الناس الذين نعيش بينهم. أضِف إلى ذلك أنَّ معرفة الدقائق التي أحاطت بحياة البطل التاريخي مُتعذِّرة أو مُستحيلة، وهذه الدقائق هي لُحمة القصة وسداها، فكُلَّما أمعَنَتِ القصة في الماضي لاختيار موضوعها، كانت أبعدَ عن مجالها لبُعدها عن جوِّ الحياة بتفصيلاته وظروفه، وبذلك تبعُد عن «الواقعية» المطلوبة. فلا عجَبَ أن رأيْنا «سكت» أنجحَ في قِصَصِه — التي لم تَعْدُ أول القرن الثامن عشر في رجوعها إلى الماضي — منه في قِصَصه التي اختار موضوعاتها من الماضي السَّحيق؛ فهو في قصته «ويفرلي Waverly» التي يختار لها عنوانًا ثانويًّا «منذ ستِّين عامًا»، كان مُوفَّقًا في فنِّه؛ لأنه استطاع أن يستعيد جوَّ الحياة التي يحكي عنها، إذ لم تكن قد طواها الماضي البعيد فطمَسَها، بل كانت لا تزال ذِكراها عالقةً في ذاكرات الأحياء، لا سيما إن ذَكَرْنا أنَّ «سكت» من رجال العشائر والقبائل الأسكتلندية، التي تحتفِظ بحقائق ماضيها زمنًا طويلًا. ومهما يكُن من أمرٍ فلا سبيل إلى الشكِّ في أنَّ الحياة المُعاصرة القائمة هي مَيدان القصصي؛ وذلك هو السبب في أن القصة، أحبُّ فنون الأدب إلى الناس وأمَسُّها بقلوبهم؛ لأنَّ القصصي إنما يُخاطِب مُعاصريه بما يَفهمونه ويألَفُونه. ولَسْنا — بطبيعة الحال — نُريد لقصص «سكت» التاريخية أن يُلقى بها في اليَمِّ أو أن يُنتَقَصَ من قدْرِها وقيمتها، بل إنَّنا — على نقيض ذلك — نعترِف لها بسِحر الفنِّ وفِتنته، ولا نَضعُها إلَّا بين روائع الأدب الخالدة، على ألَّا نضَعَها بين القصص؛ لأنها ليست منها. إنها لا تقَعُ عند التبويب والتقسيم مع طائفة القصص النثرية، التي تُعالج أمورًا قاصِرةً على النثر، ولا يستطيع أداءها غير النثر، ولكن رحاب الأدب لن تَضيقَ بها صدرًا، فهنالك مكانها بين القصة النثرية وبين القصة الشعرية؛ لأنها لا إلى هذه ولا إلى تلك، بل تقَعُ بينَ بين، تأخُذ من الأولى نثَرَها ومن الثانية لونَ خيالِها. وما أكثر ما تشتهي النفس، أن تَطير في عالَم الخيال على جناح النثر، في قصَّةٍ من قبيل ما جادَتْ به قريحة «سكت». لَسْنا نُريد أن نُحرَم هذه الروائع، فكلُّها مطلوبٌ لمُتعة النفس التي تنشُد الجمال، لكنَّنا لا نُحبُّ خلْط الأوضاع واضطراب الأقسام، فالقِصَّة قصةٌ لها خصائصها وسِماتها، وليست مُؤلَّفات «سكت» مِمَّا يتَّصِف بتلك الخصائص والسِّمات، أم تظنُّ أنه ما دام «المزمار البلدي» يُمتِعنا أحيانًا أكثر من موسيقى «موزار»، فالمِزمار البلدي ومُوسيقى «موزار» شيءٌ واحد؟

كانت الغاية التي وضعها «سكت» نُصبَ عينَيه، وتمنَّى أن يبلُغها بقصصه، هي أن يُؤلِّف على نحوٍ ما عناصر الخيال وعناصر الواقع في صعيدٍ واحد، لكنه لم يُصِب توفيقًا فيما أراد، فخَير قِصَصه هي التي يَسُود فيها الرُّوح الواقعي، وأمَّا قِصَصُه التي يسُودها جوُّ الخيال، فهي أدنى إلى «الحكايات» القديمة منها إلى القصص في فنِّها الحديث، وإذا وزنْتَها بميزان «الحكاية» لا «القصة» ألفَيْتَها رائعة بارعة، وسِرُّ رَوعتِها وبراعتها هو استخدامها للنثر، على نحوٍ بلغَ من جودةِ الفنِّ مَبلغًا عظيمًا استطاع أن يخلَع على الحوادث الخيالية العجيبة رِداءً فيه شَبَهٌ بالواقع، لكنها رغم هذه البراعة تترُك في قارئها أثرًا قويًّا بأنَّ هذا الذي يقرؤه لا يتمُّ له الكمال إلَّا إذا جرَتْ به يراعة شاعر؛ لأنه يُحسُّ أن الكلام الذي يُطالِعه كأنما ينقُصه الوزن والقافية!

وشهد القرن التاسع عشر قَصَصيًّا عظيمًا أعقَبَ «سكت»، وواجه المُشكلة القصصية التي واجهتْ سَلَفه — بل التي واجهَتِ القصَّة طوال القرن التاسع عشر — وهي أن يُشبِعَ في قصَصِهِ الجانِبَين جميعًا؛ جانب الواقع وجانب الخيال؛ وذلك هو «دِكنْز»، فليس من شكٍّ في أنَّ «دكنْز» يُعالِج بقصصه العالم الواقعي كما هو، فلا تفوتُه بيوت الفقراء واللُّصوص وصِغار الدكاكين. قِصَصُه مرآة للحياة كما تجري وكما تُبصِرها عيناه، لكنه إذا ما صوَّر الشخصيات مال إلى المُبالَغة، فبَعُد عن الواقع وضرَب في عالم الخيال بسهم. إنه لا يُصوِّر رجاله ونساءه كما يُشاهدهم في الحياة الحقيقية في مجموعها، بل يُصوِّرهم في لحظاتٍ من حياتهم يختارها، ثُمَّ يَمُطُّ تلك اللحظات ويَمُدُّها حتى يجعلَ منها حياةً بأكملها. فهذه شخصية «مستر مكوبر» يُمثِّلها لك تنتظِر الفرَج دائمًا، ولا ينقطع عنها الأمل في انفراج الضائقة التي تُلِمُّ بها، وهذه شخصية «مارك تابلي»، لا تنفكُّ باسمةً عن قلبٍ طيبٍ ومَيلٍ إلى فِعل الخير، وهكذا، فشخصياته «خيالية» وظروف الحياة التي يُقدِّمها «واقعية» — وهذا ما يقصِدُه رجال النَّقد حين يقولون عن «دكنز» إنه يُمثِّل شخصياته تمثيلًا «كاريكاتوريًّا»، ولا يرسُمُهم رسمًا يُطابق الحقَّ والواقع. وقد كان «ثاكري» Thackeray أكثرَ إخلاصًا للفنِّ القصصي من زميله «دكنز»، فهو لا ينظُر إلى الحياة والأشخاص بمنظارٍ وردي، يلوِّن له الأشياء والأحياء على غَير طبائعهم، وهو في الوقت نفسه لا ينظُر إلى العالم بمنظارٍ أسود، يُبدي له هؤلاء الناس أتعَسَ وأخبَثَ مِمَّا هُم في حقيقة الأمر؛ فهو من ناحية لا يَجِد «بطولةً» في الحياة البشرية العادية، ولا تقتضيه أن يُدير قصَّتَهُ حول «بطل»؛ ولذلك ترى قصته «عبث الحياة الدُّنيا Vanity Fair» خاليةً من البطل، لكنه من ناحيةٍ أخرى يُصوِّر لك في هذه القصة شخصية «بكي شارب»، فتاةً واقعية حقيقية تتحرَّك في دُنيا الحق والواقع، لا تزيد منه ولا تنقُص، ومع كل هذا المَيل الشديد الذي أبداه «ثاكري»، نحوَ تصوير الواقع كما هو، تراه ينحرِف آنًا بعد آن، في عالمٍ من الخيال البعيد عن دُنيا الواقع، على شرط ألا يُقلِّل ذلك الانحراف الخيالي من واقعية قصته، فلا عجَبَ إن قرأتَ «عبث الحياة الدنيا»، فوجدتَ مناظرَ مُستمدَّة من الحكايات القديمة، عن طرائق القتال التي جرى بها في تلك الحكايات، عرفٌ ثابت وتقليد لا يتغيَّر، فلم تكن الحكاية القديمة لتُعالِج غير المعارك واحتشاد الجيوش للقتال، ورفرفة الأعلام في حَوماتِ الوَغى ودَويِّ المدافع، والغواني وقد جَلَسْنَ على مسمعٍ من ذلك الدَّوي يرقُبنَ في قلقٍ ما عسى أن تتمخَّض عنه الواقعة. وإلى هذه المادة بعَينها كان يرجِع كل كاتب يحنُّ إلى حكاية الماضي، فهكذا فعل «بيرن» في قصته الشعرية «تشيلد هارلد»، وهكذا صنع «ثاكري» في قصته «عبث الحياة الدُّنيا»، حين أدخل فيها تلك المناظر حينًا بعد حين، وبهذا مزج ثاكري عُنصر الخيال القديم بعُنصر الواقعية الحديث، لكنه — كما ذكرنا — لم يأذن قطُّ لعنصر الخيال أن يطغى، بل إنه ما استخدَمَ الخيال، إلَّا ليُعينه على الرُّوح الواقعي الذي أراد تصويره.

فترى من ذلك أنَّ «ثاكري» لم يكَدْ يُوسِّع من نِطاق القصة شيئًا، وكلُّ فضلِهِ عليها أنه ثبَّتَ لها عناصرها الواقعية، وأضاف إليها هذه القَبَسات الخيالية، التي تلمَعُ بين صفحاتها آنًا بعد آن. أما مَن وجَّهَ القصة توجيهًا جديدًا تحتفِظ فيه بواقِعيَّتِها، وتُضيف إلى تلك الواقعية رحابًا فسيحة من الخيال، فأخواتٌ ثلاث: «إملي» و«شارلوت» و«آن»، ويُنسَبنَ إلى أُسرتِهنَّ «برونتي»؛ فقد جعلْنَ موضوع القصَّة ما يألَفُه الناس جميعًا من شئون الحياة، لكنهنَّ يَخترْنَه بحيث يصلُح، مع ذلك، لأن يحتمِل أغربَ النواحي وأبعَثَها على الدهشة والعجَب، فموضوع القصة عندهنَّ هو العاطفة الإنسانية، لا كما تبدو في المدينة التي تزخَر بأوجه الحضارة، بل في الريف وسُهول الرَّعي التي تقِف من المدينة عند هامِشها، فهي مُتَّصِلة بالحضارة مُنفصِلة عنها في آنٍ معًا، تتَّصِل بها اتِّصالًا بعيدًا لا يَغمِسُها في لُجَّتِها، ولا يجعلها في عزلةٍ تامَّة عنها. لقد اختار الشعراء في أوائل القرن التاسع عشر موضوعات لقصائدهم من الريف النائي؛ لكي يجدوا الطبيعة البشرية على صفائها ونقائها، ولكن الريف النائي عن ألوان الحضارة لا يصلُح للقصة الواقعية، فتوسَّط «أخوات برونتي» بين الطرَفَين، ووَقَعنَ على حياةٍ ريفية لا تتَّصِل بحياة المدينة الصناعية اتصالًا تامًّا، ولا تنفصل عنها انفصالًا تامًّا. والعاطفة عند «أخوات برونتي» هي لبُّ الحياة وصميمها؛ فهي من مُقدِّمات الإنسان كائنًا من كان، تكمُن في كلٍّ مِنَّا ولا تنفكُّ شديدة الصِّلة بنفوسنا، هي معنا في الدار والمصنع والملهى، فهي عنصر مألوف لا غرابةَ فيه ولا شذوذ، لكنَّها في الوقت نفسه قابلة للثَوَران العنيف، فتُبدي فيه أعجبَ القوى. هذه العاطفة هي أهمُّ جوانب الطبيعة البشرية غير العاقلة، والجانب غير العاقِل من الإنسان، هو بِذرة العنصر الخيالي في الحكاية القديمة، وهو ما كان أصحاب القصة في القرن التاسع عشر يُحاولون أن يضَعُوه مع العنصر الواقعي جنبًا إلى جنب. فالعاطفة — إذًا — تستطيع أن تُشبع رغبة الإنسان في الصورة الواقعية، ورغبتَه في فِتنة الخيال سواءً بسواء. وهكذا شقَّ أخوات برونتي طريقًا جديدًا في تاريخ القصة، إذ أدَرْنَها حول العاطفة الإنسانية، ولهُنَّ قِصص — منها «جين أير» و«مُرتفعات وذرنج» — تبدأ في القصة عصرًا جديدًا. ولك أن تقول وأنت بمنجاةٍ من الزَّلل، إن الشطر الأعظم من الأدب القصصي منذُ أيامِهنَّ، مَدينٌ لقصص هؤلاء الأخوات بما فيه من قوَّة العاطفة.

ولسْنا بالطبع نَعني أنَّ العواطف البشرية، لم تدخُل القصة إلَّا على أيدي أخوات برونتي، فنحن نعلم أنه حيثما كان إنسانٌ كانت عاطفة بشرية، أما ما صنَعْنَهُ في القصة، ولم يكن قبلهُنَّ معروفًا ولا مُحقَّقًا، فهو مِقدار ما يكمُن في عاطفة الشخص العادي، من قوةٍ وقُدرة على الخيال والسحر. ولم تكن الغَضبات العاطفية قبل هؤلاء الكاتبات، تتجلَّى إلَّا في الشواذ، ولكنهنَّ جِئنَ فبَيَّنَّ هذه القوة في أوساط الناس وعامَّتهم. نعم كانت العاطفة قَبلَهُنَّ أداةً يستغلُّها القصصيون؛ فمُعظم القصص يدور حول الحب، ولكن ذلك لا ينفي ما زعمناه لهنَّ من مكانة؛ لأنَّ الكثرة العُظمى ممنَّ جاء قبلهن، عالج عاطفة الحبِّ في وجهها العاطفي الخيالي، وعالَجَها الآخرون من حيث هي عنصرٌ في بناء الأسرة، أي أنهم عالَجوها من جانبها الواقعي، فكاد أخوات بُرونتي أن يَكُنَّ أول من وحَّدَ بين هذين الجانبين، فعالَجْنَ عاطفة الحب من وجهيها الخيالي والواقعي في آنٍ معًا، فضلًا عن أنهنَّ تناولنَ ألوانًا أُخرى من العواطف البشرية، فأظهرْنَ ما لها من قوةٍ تُوجِّه الإنسان في حياته.

وسنختِم هذا الفصل بكلمةٍ نُوضِّح بها ما نُريده بلفظة «الواقعية» التي طال ترديدُها، لا سيما وقد فسَّرَت جماعةٌ من قادة الأدب القصصي في عصرنا الحاضر هذه الكلمة تفسيرًا عجيبًا، فراحوا يحشِدون حوادث القصة في خلطٍ وفَوضى، لتجيء قصَّتُهم مُطابقةً للحياة؛ لأن حوادث الحياة لا تسير على نظامٍ معلوم، تراهُم لا يجعلون لقصَّتِهم بدايةً ولا نهاية؛ لأنَّ الحياة لا تبدأ عند نقطةٍ وتنتهي عند أخرى، ولا بدَّ لهم أن يُصوِّروا الواقع في قصصهم ما داموا يؤمنون بالواقعية، فيضعون حقيقةً في إثرِ حقيقة، لا تربِطُهما صِلة؛ لأنَّ حقائق الحياة تتتابَعُ على هذا النحو بغير صِلةٍ لازمة بين السابقة واللاحقة. ومن هذا القبيل أيضًا ما يتَّجِه إليه بعض رجال القصة المُعاصرين، من سَوق حكاياتٍ قصيرة مُتعاقِبة، أو مُحادثات مُتقطِّعة تفصل بينها الفواصل، وقد بلغ هذا الاتجاه الجديد في القصة، أبلغ مداه عند «جويس» Joyce و«مس رتشردسن»، فتراهما يخرجان القصة في خلطٍ عجيب، زاعِمين أنهما يُصوِّران الحياة تصويرًا واقعيًّا. والحقيقة أنَّنا نُطالب كاتب القصة بأن يترك في نفوسنا، بقصته أثرًا نُحسُّ معه واقعية الحياة، لكن ذلك لا يعني أن يترُك فينا هذا الأثر، على نفس الصورة التي تترُكه بها الحياة نفسها؛ ففي القصة يجِب أن يتلقَّى القارئ هذا الأثر، وهو شاعرٌ به مُدرك له، أمَّا في الحياة نفسها بما فيها من اضطرابٍ في تتابُع للحوادث، ومجال للمُصادَفة العمياء في سَيرها، فإنَّنا لا نُحسُّ الأشياء، إلَّا إحساسًا غامضًا مُهوَّشًا مُضطربًا، ونشعر بها شعورًا ناقصًا، ونُدركها إدراكًا ليس فيه كلُّ الوعي لصفاتها وخصائصها، كأنَّنا نتلقَّاها ونحن غافلون. وواجب القصة أن تُقدِّم لنا هذه الأشياء، على صورةٍ تُشعِرنا بها شعورًا كاملًا قويًّا، واجِب القصصي أن يَخلُق من فوضى الحياة نظامًا مُتَّسِقًا في قصته، وإنَّ ما نُسمِّيه بالحبكة القصصية، ما هو إلَّا عملية اختيار وتقديم وتأخير للحوادث، فالقصصي يختار الحوادث الصالحة، ويضع هذه قبلَ تلك وتلك قبل هذه، بحيث يجيء السياق والتتابُع مُوفيًا بالغرض المقصود. ولو خَلَت القصَّة من «الحبكة» لم تعُدْ قصةً فنية، ولو كان لنا أن نختم هذا الفصل بنُصحٍ نُسديه للقارئ، فذاك أن نُوصِيَه بقراءة قصةٍ إنجليزية حديثة لجولز ورذي، عنوانها «فورسايت ساجا» Forsyte Sega، وهي تدور كلها حول أسرةٍ تُسمَّى بهذا الاسم، تصِف حياتها وتصوِّر أشخاصها، ففي هذه القصة تتمثَّل كلُّ عناصر القصة الفنية، التي أشرْنا إليها فيما سلَف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠