الفصل الخامس

الرواية المسرحية

الرواية المسرحية كالقصة؛ ضربٌ من ضروب الأدب، لأن الألفاظ وسيلتُها إلى التصوير، لكن ظروف الألفاظ في الرواية المسرحية تختلف عنها في القصة، وأول ما يلمَحُه النظر بينهما من فروقٍ، هو أنَّ المسرحية تُكتَب لتُمثَّل، وأما القصة فتكتب لتُقرأ، أو بعبارةٍ أخرى، المسرحية والقصة كلتاهما تُمثِّلان «أفعالًا»، لكن الأفعال التي تصلُح الرواية المسرحية لتصويرها، تختلف عن الأفعال التي تصلُح لها القصة؛ ذلك لأنَّ لكلِّ فنٍّ مجاله، الذي تتجلَّى فيه قُدرته ورَوعته، فما الذي تتميَّز به المسرحية من سائر فنون الأدب؟ ما خامَتُها وما مداها في قوة التعبير؟

أما طابعها المُميَّز فهو بغيرِ شكٍّ أنها أدبٌ يُراد به التمثيل، لكنَّ التمثيل مُتعدِّد العناصر، فيه المُمثِّلون وفيه الملابس، وفيه المسرح، وفيه المناظر، وفيه النظَّارة وفيه البناء الذي يجتمع فيه النظَّارة ليُشاهدوه، فكلُّ هؤلاء عناصر تتكوَّن من مجموعها الخامة التي تتألَّف منها المسرحية، فإذا ما تضافرَتْ هذه العناصر كلها في اتِّساقٍ وانسجام، كان لنا بذلك نِتاج فني من الطراز الأول، وعلامة المسرحية الرديئة أن ترى هذه العناصر مُتنافِرة، يضرِب كلٌّ منها على وترٍ غير ما يضرب عليه الآخر، أو بعبارةٍ أخرى يُفصِح كلٌّ منها عن قوَّتِه المُعبِّرة مُستقلًّا عن سواه، وتلك هي الحال حين تأخُذ صورةٌ جديدة من المسرحية في التكوُّن، فعندئذٍ تكون هذه العناصر في تنافُرها، وكلما سارت الصورة الفنية الجديدة خطوةً في مجرى تطوُّرها، تحلَّلت العناصر وتداخَلَ بعضها في بعض، بحيث يتكوَّن منها في النهاية صوتٌ واحد مُتناغِم النَّبَرات، وهنا يتكامَلُ للمسرحية الجديدة تكوينها، والفنان البارِع هو الذي أرهف حِسَّه لعناصر فَنِّه، بحيث يُدرِك من فوره كيف يستطيع أن يستغلَّ تلك العناصر إلى أقصى مداها. وأما من لم يَهَبْهُ الله ملكةَ الفنِّ الصحيح، فيَعْمى عن القوة الكامنة في عناصر فنِّه، ومِن ثَمَّ لا يسعه استغلالها وإخراجها، فيجيء إنتاجُه خلْقًا شائهًا ناقصَ التكوين مَبتورَ الأعضاء. ولعلَّك تذكُر حديث المقطوعة الأربع عشرية، وكيف تطوَّرَتْ هذه المقطوعة في الأدب الإنجليزي، وكيف كان الشعراء الإنجليز بادئ الأمر يُحسُّون رغبةً غامضة، ولا يجدون لها التعبير المُلائم، حتى قَيَّضَ الله لعبقري أن يُحِسَّ الرغبة عينَها، وأن يُعبِّر عنها في هذه المقطوعة بأوزانها وقوافيها، تعبيرًا تنفُثُ فيه النَّفسُ كلَّ ما يَجيشُ بها، فتَبِعَه الشعراء جميعًا، وهكذا تُوجَد العناصر اللازمة، وتظلُّ مُتنافِرة فيكون النقصُ والعجز، حتى إذا ما أُتِيح لها مَن يوفق بينها ويضعها في مواضعها الصحيحة، بحيث تتَّفِق وتتَّسِق كان لها الكمال، وهذا ما يحدُث في كلِّ خلقٍ فنيٍّ جديد.

الصورة الفنية الجديدة تنشأ من ائتلاف عناصر، كانت قبلُ مُختلفةً ثُم اتَّصلتْ في تَوافُقٍ وانسجام، لكنها لا تكون عند مَولِدِها حاصل جمع عناصرها ومُقوِّماتها، إنما تتَّخِذ لها طبيعةً جديدة وحياةً جيدة، ويكون لها كيانٌ عضوي جديد وقُدرة جديدة على التعبير. وإنك لتسلُب الشعر قيمتَهُ الكُبرى إذا فاتك أن ترى هذا الطابع الذي يُميِّزه. ونحن نعلم أنَّ من أخطر النتائج التي قد تترتَّب على طرائق النقد والتقدير التي قدَّمناها، أنها قد تُنسيك هذا الطابع، فقد تُحلِّل القصيدة إلى عناصرها، وتُخطئ فتظنُّ أنه يكفي أن تضُمَّ العناصر بعضَها إلى بعض؛ لتكون لك قصيدة الشاعر، لكن الأمر في القصيدة كالأمر في الكائنات الحيَّة جميعًا، فقد يظفَر العالم بكلِّ مقومات الحشرة أو الزهرة أو الإنسان، لكنه مع ذلك يعجِز أن يَصُبَّها في حشرةٍ حيَّة أو زهرة نامية أو إنسان يعيش يشعُر ويُفكِّر، ولا يستطيع أن يأتي بهذه المُعجِزة إلَّا الشاعر. إنَّ القصيدة من الشعر كالمُركَّب الآلي فيه عجلاتٌ وتُروس وأذرعة وأنابيب، ثُم أُضيف إلى هذه الأجزاء رُوح فكانت القصيدة، لكن الشاعر وحدَه يستطيع أن يُدرِك أي مُركَّبٍ آلي يصلُح لقصيدته، على أنَّ المُركَّب الذي يختاره الشاعر يعود بدَورِه فيؤثِّر في عمله. ولو رأيْتَنا اليوم نتحدَّث عن أدوات الشعر كالأوزان والبحور والقوافي وما إلى ذلك، فاعلَمْ عِلمَ اليقين أنه ما كان لنا أن نُدرِك لهذه الأشياء وجودًا لو لم يخلُقْها الشعراء. وإنَّ النُّقَّاد ليُحسنون صُنعًا — إذ هم يقتَتِلون في بحور الشعر وما إليها — أن يَذكُروا أن بحور الشعر هي صنيعة الشعراء، هي ما يُجري فيه الشعراء شعرَهم بالفعل، لا ما يُقرِّر أصحاب النظريات النقدية أنه يصلُح للشعر، وينبغي أن يكون أداةً في يَدِ الشاعر. ولنَعُد بعد هذا الاستطراد الواجب إلى حديثنا في الرواية المسرحية.

الطابع الذي يُميِّز الرواية المسرحية من سائر الفنون الأدبية أنها أدبٌ يُمثَّل، أي أنها أدبٌ ينطِقُ به المُمثِّلون على مسرح، فيه مناظر على جوانبه، وأمامه نظَّارة يجلسون في بناءٍ على نحوٍ مُعيَّن، ولا بُدَّ لنا أن نتساءل عن القوة المُعبِّرة في هذه العناصر، بحُكم تكوينها وطبيعتِها، فمِن تلك القوة المُعبِّرة الكامنة فيها جميعًا تتكوَّن الرواية المسرحية.

الرواية المسرحية تُمثَّل في مسرح ليشهدها نظَّارة، والنظَّارة ناسٌ كسائر الناس من رجالٍ ونساء، جاءوا في وقتٍ مُعيَّن ليرجِعوا في وقتٍ مُعيَّن، فلا مندوحةَ للرواية أن تُحدِّد الزمن الذي يَلزَمُها، للتعبير عمَّا تُريد أن تُعبِّر عنه، ومن ثَم نشأت ضرورة في إنشاء الرواية المسرحية، أن يختار كاتبها من الفعل الذي يُريد تمثيله، أعقابَه التي تُحرِّك الدهشة والعجَب في نفوس المُشاهدين، وليس له أن يُصوِّر الفعل بكلِّ دقائقه المُفصَّلة وأجزائه المُعقَّدة المُركَّبة المُتشعِّبة، التي تقع في الحياة الحقيقية الجارية، وترتَّبَ على ذلك أيضًا إيثار الرواية المسرحية لأنواعٍ من الحوادث، تضمُّ كلُّ واحدة منها أكبرَ ما يُمكن ضمُّه من العناصر المُثيرة، حتى يتركَّز في الزمن القصير المُحدَّد لتمثيلها مقدارٌ كبيرٌ من الحوادث التي تستوقِف النظر. وليس معنى ذلك بالطبع أنه كلما ازداد الفعل المُختار إثارةً للنفوس، ازدادت الرواية رَوعةً وجَودةً في فنِّها، فليس كلُّ مقومات الرواية المسرحية فعلًا مُثيرًا، إنما هي كائنٌ عضوي مُركَّب فيه مئات الألياف والأنسجة والخلايا، ولكلٍّ من هذه العناصر الكثيرة خصائصه، ولا تبلُغ الرواية مرتبةَ الكمال إلَّا إن جاءت هذه الأجزاء كلها مُتَّسِقة مُتَّفِقة مُتناغِمة، لا تَنافُر بين نغماتها ولا نشاز، فإنْ أُبرِزَ عنصرٌ واحد منها في إفراطه — بغضِّ النظَرِ عمَّا تقتضيه سائر العناصر — فقد يحدُث التعارُض والتضارُب، ومن ثَمَّ الاضطراب والنقصُ والسُّوء، فربَّما كان الغلوُّ في اختيار الحوادث المُثيرة طاغيًا على عنصرٍ آخر، كالمُمثِّل مثلًا، فلا يُمكِّنه من إخراج كلِّ ما يستطيع إخراجه من قوته. ونعود فنُقرِّر أن الرواية المسرحية تزداد كمالًا، كلما زال التنافُر بين العناصر المُكوِّنة لها، فلا يطغى عنصرٌ منها على عنصر، وتتَّحِد خُيوطها جميعًا في وترٍ واحدٍ يخرج نغمةً واحدة. خُذ مثلًا روايَتَي شيكسبير «تيتس أندرونكس» و«رتشرد الثالث»، تجِد الأولى بغير شكٍّ أكثرَ ازدحامًا بالحوادث المُثيرة من الثانية، ولكنَّها في الوقت الذي أذِنَت فيه لعُنصرٍ من عناصرها أن يُبرِز قوَّتَه على هذا النحو، حدَّتْ من قوة عنصرٍ آخر، فالمُمثِّل الذي يُمثِّل «تيتس» يُوضِّح بأعماله كيف يُمكن لرجلٍ أن يُؤثِّر في مجرى الحوادث بقوته الجسَديَّة العضلية، مع أنه لو بَيَّنَ إلى جانب ذلك كيف يُؤثِّر في مجرى الحوادث، بقوة أخلاقِه وقوَّة فِكره، لحقَّقَ الشخصية الإنسانية أكثرَ مِمَّا فعل، وهذا ما قصَدْناه حِين قُلنا إنَّ كثرة الحوادث المُثيرة في الرواية، قد طغَتْ على عنصر المُمثِّل، فلَمْ تسمَحْ له أن يُبرِز كلَّ ما يستطيع، وبهذا بعُدت الرواية عن الكمال. أمَّا «رتشرد الثالث» فقد أزالت هذا التنافُر بين العُنصرَين: عنصر الحوادث، وعنصر المُمثِّل؛ فجاءت أكمل فنًّا من زميلتها، إذ هي تُمثِّل الحوادث والشخصية الإنسانية في اتِّزانٍ بحيث لا يطغى جانبٌ منهما على جانب. ونُلخِّص ما نُريده فنقول: إنَّ الرواية المسرحية تَتبَع قانونها الذاتي وتنساقُ مع طبيعتها، إذا أباحَتْ لنفسها أن تختار من الحوادث ما يُدهِش ويُثير، على شرط ألَّا يكون في تصوير الفعل على هذا النحو ما يَحُدُّ قوَّةً أخرى لعنصرٍ آخَر من عناصرها، تستطيع أيضًا استغلالها وإبرازها.

ونحن إذ نضَعُ المُمثِّل في اعتبارنا عنصرًا أساسيًّا من عناصر الرواية المسرحية، نتساءل: ما دامتِ الرواية كغيرها من صُوَر الأدب، لها مجالها الخاص وقوَّتُها الخاصة في تمثيل الفعل، فأيُّ نوعٍ من الفعل يَصلُح لها أكثر من غَيره — مع العِلم بأنها تستخدِم إنسانًا بشريًّا وسيلةً لتمثيل فعلها؟ الأمر واضِح جَلِي، فالمُمثِّل — وهو إنسان من البشر — يكون في أحسن حالاته ومواقِفِه إنْ مَثَّل فِعلًا إنسانيًّا مِمَّا يأتيه البشر، فالأفعال الإنسانية هي مجال الرواية المسرحية، وعليها أن تتجنَّب غير ذلك من الأفعال الخوارق التي تقتضي طبيعةً غير طبائع البشر، فليس من شأنها أن تُمثِّل فعل القوى الطبيعية، ولا فعل الحيوان والطير. نعم لها أن تُحدِث — إذا اقتضى الأمر — رعدًا «مسرحيًّا» أو تيَّارًا من الماء جارفًا، لكن إن غالَتْ في ذلك بحيث لم تَعُد هذه الظواهر الطبيعية عُنصرًا ثانويًّا، يُساعد على اتِّساق الرواية في مجموعها وحدةً مُتِّصِلة؛ أقول إن غالت الرواية في تصوير هذه الظواهر الطبيعية، فجعلتْها عنصرًا أساسيًّا مقصودًا لذاته، فقد خرجت على حدودها الطبيعية من جهة، وأذِنَتْ لعنصرٍ واحدٍ أن يطغى على سائر العناصر من جهةٍ أخرى. وكذلك لا يجُوز للمسرحية أن تُمثِّل فِعل الطير والحيوان. وقد ترى روايات يقوم بأدوارها طَير وحيوان، ولكن ذلك لا يهدِم القاعدة ولا يُشكِّك في صِحَّتِها؛ لأنَّ الطير والحيوان في أمثال هذه الروايات تُمثِّل الآدمِيِّين وأفعالَهم بطريقةِ الرمز. ثُم هل للرواية المسرحية أن تُدخِل عنصرًا رُوحانيًّا بين عناصرها؟ هل لها أن تقبَل بين عناصرها أربابًا وأشباحًا وجنِّيَّاتٍ وساحرات؟ الجواب بالإيجاب على شرط أن تُعامَل — كالطير والحيوان — مُعامَلَة الآدميين خُلُقًا وسُلوكًا، ومع ذلك فالذَّوق المسرحي الحديث ينفِر من أمثال هذه الخوارق ولا يَستسيغها. وكم يُعاني المخرج الحديث في روايات شيكسبير، حين يخرُج له الشبح في «هاملت» أو في «ماكبث». ولقد كانت هذه الأشباح — فيما يظهر — أيسَرَ تناوُلًا في عصر شيكسبير، بل في عصر اليونان الأقدَمين، ولنا إلى ذلك عودة.

الفعل الإنساني — إذًا — هو مجال الرواية المسرحية، لكنه الفعل الإنساني مُمثَّلًا وظاهرًا في سلوكٍ مرئيٍّ مَشهود. ونقول ذلك لأنك قد تجِد من المسرحيات ما يقلُّ فيه الفعل الجسدي المنظور قِلَّةً تلفِتُ النظر، ويكثُر فيها الكلام، ولو أن كثرة الكلام في المسرحية وقِلَّة العمل، لا تُخرِجها عن حدودها الطبيعية؛ لأنَّ الكلام ضربٌ من الفعل الإنساني على كلِّ حال، لكن حصر الفعل البدني في دائرةٍ ضيِّقة يُعرِّض فنَّ الرواية لخطرٍ عظيم، وهو أن يُفقِدها قوةً كامنة في أحد عناصرها، وبذلك يَضيع التوازُن واستغلال العناصر إلى أقصى حدٍّ مُستطاع، فلا تتوفَّر فيها شروط الجودة والكمال. وكم مِن مسرحيةٍ قُضِيَ عليها بالإفلاس والفشل؛ لكثرة القول فيها وقِلَّة العمل، وفي رواية «شو»: «الإنسان والإنسان الأعلى» منظر لا فِعل فيه ولا حرَكة، فيُوشِك المُخرِجون جميعًا أن يُسقِطوه حين يُهيِّئون الرواية للتمثيل، ومع ذلك فالمسرحية الحديثة أمْيَلُ من سابقَتِها إلى الحدِّ من الفعل الجسدي فوق المسرح، وذلك بحُكم الرغبة — التي أخذتْ تَشيع — في أن تنحصِر مناظر الرواية في أمكنةٍ مَسقوفة، أعني أن تُمثِّل الرواية من الأفعال ما يُمكن حدوثُه داخل الدُّور، وتُهمِل منها ما يقتضي السُّهول الطلْقة والعراء المكشوف، وفي هذا بالطبع تحديدٌ شديد لِما يُمكن تمثيله، فلا معارك ولا جماهير مُحتشِدة ولا حقول ولا غابات، إلى آخر هذه الأشياء التي لا تقَعُ بين الجُدران. ولنا كذلك إلى هذا الموضوع عودة.

كمال الرواية المسرحية — كما رأينا — في تمثيلها للفعل الإنساني، وذلك راجعٌ قبل كل شيءٍ إلى وجود المُمثِّل — وهو إنسان — بين عناصرها التي تُكوِّن خامتها، لكنَّ المُمثِّل لا يقف وحدَه فردًا قائمًا بذاته، إنما تُحيط به جماعة من الناس هو عضو من أعضائها، فماذا تستفيده المسرحية من هذا العنصر الجديد؟ أتراه يُضيف إلى قُوَّتها المُعبِّرة قوةً جديدة؟ وازِن في ذلك بين المسرحية والقصيدة الغنائية، فالشاعر الغنائي إذا ما انطلق يتغنَّى بشِعره، فهو إنما يحصُر غناءه في نفسه ويسمو بوجوده الذاتي، حتى يبلُغ أوجًا يُطلِق فيه نفسه من قيودها لتُخرِج مكنونها، فهو يضع نفسه في عالمٍ خيالي لا يُقيم في وَجهِهِ الحوائل والحواجز، عالَم يخلُقُه بخياله يسُود فيه سيادة مُطلَقة، فيستطيع أن يقول في نفسه ما يشاء، عالَم من خلاءٍ لا يَسكُنه سِواه، فلا اهتمامَ إلَّا بشخصه، وليس لشيءٍ غير شخصِهِ وزْن ولا قِيمة، وإن كان لشيءٍ قِيمةٌ ووزن؛ فلأنه يتَّصِل بشخصه ويكتسِب وجودَه من وجوده. أما في الرواية المسرحية فالمُمثِّل يُعبِّر عن نفسه في عالمٍ مأهول، فتراه في هذا العالم يفعل فيكون لفِعلِه ردُّ فعلٍ في سِواه، أو يفعل سواه فيكون لفِعلِهم ردُّ فعلٍ فيه. هو في عالمٍ أرضي يتفاعَلُ فيه مع غيره، يُؤثِّر في الناس ويتأثَّر بهم. وإذًا فالرواية المسرحية الكاملة هي التي تضع شبكة الأفعال وردود الأفعال في صورةٍ طبيعية تتَّفِق مع جماعةٍ إنسانية. الرواية الجيدة لا تُمثِّل الفعل الإنساني في خلاءٍ بل تُمثِّله في مجتمع، ولا تُمثِّله على المريخ بل فوق هذا الكوكب الأرضي، وفي هذه الحياة الدُّنيا. الرواية الجيدة تُمثِّل الفعل الإنساني من جانبه الاجتماعي، لا من جانبه الفردي كما تفعل القصيدة الغنائية، هي تُصوِّر لنا الأفراد وحداتٍ من مجتمع، لا أفرادًا استقلُّوا بوجودهم.

هذه الصِّفة الاجتماعية التي تكوِّن جزءًا أساسيًّا من طبيعة الرواية المسرحية، هي التي تُفسِّر لنا كثيرًا من الظواهر الغربية في تاريخ المسرحية الحديثة، فكيف حدَث — مثلًا — للمسرحية الحديثة ألا تكتفي بتخصيص شطرٍ عظيم من مجالِها واهتمامها للنشاط الاجتماعي، وأن تُغالي فتجعل من نفسها مَيدانًا للبحث الاجتماعي وعرْض نظريات الاجتماع؟ لماذا نجعل بين روايات العصر الحديث عددًا ضخمًا لا يدُور إلَّا حول مِحورٍ واحد، هو شرْح مشكلة اجتماعية أو علاجٌ لمرضٍ اجتماعي؟ انظر إلى «شو» و«جولز ورذي» و«باركر» من أدباء المسرحية في العصر الحديث، تجِدْهم قد دفعوا أدبَهم المسرحيَّ في الاتجاه الاجتماعي إلى نهايته، فأصبحَتِ الرواية المسرحية تفُوق كلَّ ضروب الفنِّ الأخرى في تصوير وجهة النظر الاجتماعية وتمثيلها. أتَظنُّها مُصادفةً عرضية عابرة أن يُنتِج أحسنَ الروايات المسرحية من «إبسن» إلى يَومِنا هذا رجالٌ يَعتنِقون الاشتراكية مذهبًا اجتماعيًّا؟ ثُم كيف نُعلِّل خلوَّ الأدب الإنجليزي من الإنتاج المسرحي فترةً طالت، فامتدَّت من عهد «شردان» و«جولد سمث» في مُنتصف القرن الثامن عشر، بحيث لم تَستيقظ من رُقادها إلَّا في ختام القرن التاسع عشر؟ لن نقول إنه عصر ضعُف فيه الأدب وعزَّ فيه الأدباء الفُحول، فحَسْبُه خصوبةً وغزارة أن يكون بين رجاله «وردزورث» و«كولردج» و«شلي» و«كيتس» و«تنسن» و«براوننج». لَبِثت الرواية المسرحية خامدةً في الأدب الإنجليزي ما يزيد على قرنٍ كامل، حتى أيقَظَها كاتب مسرحي من النرويج هو «إبسن»، أفلا تكون هناك علاقة بين النَّزعة الفردية القوية، التي تملَّكَتِ النفوس طوال تلك السنين، وبين مَوات الأدب المسرحي؟ أليس لنا أن نقول إنه لا رجاءَ في أدبٍ مسرحي قوي، إلَّا إذا شاع في الناس شعور اجتماعي، يُحسُّ معه الفرد أنه لا يتحرَّك في خَلاء، إنما يحيا في عالمٍ مأهول يُؤثِّر فيه ويتأثَّر به؟ لقد أنشأ «بيرن» في فترة الجدْبِ المسرحي كثيرًا من الروايات، لكنَّها فشلَتْ جميعًا؛ لأنه لم يستطع أن يُجاوِزَ حدود نفسه إلى سواه، وكذلك كتَبَ «براوننج» الروايات، ولكنها فشلتْ أيضًا لأنها لا تُوضِّح أثَرَ أشخاصها بعضهم في بعض. عُنِيَ «براوننج» في مسرحياته بالفرد، حتى لقد أطلَقَ عليها «مسرحيات وجدانية»، فجاءت أبعدَ ما تكون المسرحيات عن كمالِها الفني، باعتبار نوعِها لا باعتبار شِعرها.

الرواية المسرحية إذًا مَحتومٌ عليها — بحُكم طبيعتها — أن تُمثِّل فعلًا إنسانيًّا، فعلًا من شأنه أن يقَعَ من الرجال والنساء في هذه الحياة، لكنَّها تنظُر إلى الفعل يأتيه الفرد من حيث علاقته بالأفعال يأتيها سائر الأفراد، أو بعبارةٍ أخرى تنظُر إلى الأفعال ورُدودها، تنظُر إلى الفعل من جانبٍ اجتماعي، وقد يكون بين الفعل وردِّ الفعل صنوفٌ من الروابط والعلاقات، لا تقَعُ تحت الحصر والتحديد، ولكنَّا نستطيع أن نجمع العلائق التي تَصِل فردَين أو جماعتَين، تحت نوعَين رئيسِيَّين، فهي إما علاقة ودٍّ أو نفور، وللرواية المسرحية أن تختارَ ما شاءتْ من النَّوعَين، لكنها تُوشِك ألا تختار منهما إلَّا نوعًا واحدًا، هو ذلك الذي فيه عداوة ونفور؛ ذلك لأنَّ الرواية تُمثَّل ليشهدها نظَّارة في مسرح، وهذه الحقيقة قد مالَتْ بالأدب المسرحي — كما رأينا — نحو الحوادث المُثيرة والأفعال، التي تبعَثُ الدهشة في النفوس، ولا شكَّ أنَّ العداوةَ بين الناس أبعَثُ على الدهشة من التَّغنِّي بأناشيد السلام. إنَّ العين تجذِبُها المعركة تنشَبُ بين رَجُلَين أكثر مِمَّا يَستوقِفُها الرَّجُلان يتصافحان في ودٍّ وصفاء، إلَّا إن كانت المُصافَحة مُقدِّمةً للقتال، أو مُمهِّدةً لصداقةٍ بعد قتال! ومِن ثمَّ كان موضوع المسرحية المُفضَّل المُختار أفعال الفرد التي تصطدم مع أفعال الآخرين. وكلُّ حبكةٍ مسرحية هي في حقيقة الأمر مُصطرَع فيه تضارُبٌ وصدام، وأغلَظُ أنواع الصراع هو بالطبع ما اشتَجَرَ فيه المُتقاتِلان بالأكتُفِ ضربًا وصفعًا، وقد يتَّخِذ الصراع صورةً أعلى، فيُنافِس بطلُ الرواية نذْلَها مُنافسةً تنتهي بنصرِهِ وفَوزِهِ بالجزاء، والجزاء امرأة، تلك هي الحبكة التي لا تكاد تتغيَّرُ فيما يُسمَّى «بالميلودرامة»، والمِيلودرامة مَسرحية ترمي إلى تحريك الانفعالات الشديدة في نفوس المُشاهدين، ثم تنتهي بخاتمةٍ سعيدة، وقد كانت فيما مضى تتخلَّلُها الأغاني، لكن الأغاني لم تعُدْ شرطًا لها. ولمَّا كان الصراع فيها بين البطل والنَّذْل مِحور الحوادث، كانت مَيدانًا صالحًا لتمثيل الفعل الجسدي، وبهذا اتَّصفَتْ بأخصِّ خصائص المسرحية الجديدة، لكنَّها مَعيبةٌ من ناحيةٍ أخرى، وهي أنها لا تتعمَّق في الحوادث والأشخاص، فلا تُمكِّن الفنَّ المسرحي أن يستغلَّ كلَّ قوته المُعبِّرة الكامنة في طبيعته؛ إذ لا تُتيح للمُمَثِّل أن يعرِضَ الإنسان في تَعقُّده وتشعُّبِه، كما ينبغي له أن يُعرَض، لكنَّ الكاتب المسرحي مُتأثِّر بكثيرٍ من العوامل، التي تُحدِّد له نوع الصراع الذي يَختاره موضوعًا لروايته.

فمن هذه العوامل الكثيرة التي تُسيِّر الكاتب المسرحي في فنِّه، وتضطرُّه اضطرارًا أن يتَّخِذ لنفسه طريقًا مُعيَّنًا، أنه يُريد أن يُشكِّل الحوادث التي تقع خلال ساعتين، تشكيلًا يُوحِّد بينها ويُكسِبها قوةً وشدَّةَ وقْعٍ في نفوس نظَّارته، فهو مُلزَم بالضرورة أن ينصرِف بأكثرِ عنايته إلى البطل، فيُولِيه اهتمامًا لا يظفَر بمثله سائر أشخاص الرواية، وبذلك يُرسِّخ البطل في أذهان المشاهدين أكثر من سواه، ولكن لا بُدَّ لهذا البطل أن يصطرِع ويختصِم، وأن يكون الصراع وأن تكون الخصومة مع ندٍّ وقرين، فماذا يصنع الكاتب وكلُّ أشخاص الرواية أدنى منه شأنًا وأقلُّ قوَّةً وخطرًا؟ إذًا فليُثِر معركةً بينه وبين جماعة، أو قُل بينَه وبين طائفةٍ اجتماعية، أو بينَهُ وبين تقاليد المجتمع وعقائده، وقد يُؤدي ذلك إلى انتقال ميدان الصراع من الدُّنيا الخارجية إلى العالم الباطني، إلى دخيلة نفسه، فيكون موضوع الرواية صِدامًا بين البطل ونفسه، بين نوازِعِه المختلفة ودوافعه المُتعارِضة، بين واجبه الوطني وولائه لأسرته — مثلًا — أو بين الحبِّ والواجب أو بين نداء العقل ونداء القلب وهكذا. في مِثل هذه الحالة نرى البطل، وكأنما تُمزِّقه النوازع المختلفة والدوافع المُتعارِضة تمزيقًا مُخيفًا، ويترتَّبُ على ذلك أن يجعل الكاتب المسرحي لهذه العوامل الباطنية الماثلة، قوَّةً أعنفَ ممَّا يجعل للفرد الذي يحتويها، وتلك ناحية سنعود إليها بعد حين، وحسبُنا أن نقول إنَّ مثل هذه المسرحية تُمثِّل فعلًا لا يقَعُ في صميم المجال المسرحي، وإذًا فهو فِعل لا يمكن للمسرحية أن تبلُغ فيه حدَّ الكمال؛ لأنه خارجٌ عن طبيعتها، أو قُل إنه فِعل لا يستغلُّ كلَّ عناصر الرواية المسرحية، فهو يُهمِل المسرح ولا يستخرِج منه كلَّ ما يُمكن أن يستخرجه من قوةٍ تُضيف إلى قوَّة التعبير.

الفعل الذي يُمثِّل المسرح هو فِعل إنسان، قد تضارَب وتعارَض مع أفعال سائر الناس، ولكن أي صراع يُناسِب التمثيل المسرحي؟ ستقول: هو الصراع الذي يقتضيه الجوُّ الذي تقَعُ فيه الحوادث. فأيُّ المناظر وأيُّ الجواء يكون المسرح على أكمل مراتِبِه وهو يُمثِّلها؟ لقد رأيْنا أنَّ المسرح بمثابة الميدان، يلتقي عليه المُمثِّلون فيتفاعلون، كما يلتقي الناس في الحياة الواقعة، فهو وسطٌ اجتماعي لا يكون فيه الفرد قائمًا بذاته، لكنَّنا نعود فنقول إنَّ الحياة الاجتماعية التي تربِط الأواصِر بين الفرد وغيره صنوفٌ وأشكال، فقد تكون «الجماعة» أُسرة، وقد تتدرَّج في الكِبَر والاتِّساع فتكون جمعيةً أو قرية أو حزبًا سياسيًّا، أو سُكان هذه الأرض كلها، أو كلَّ ما يَعمُر الكون من أرواح، فهل يُلائم الرواية المسرحية جماعةٌ من هذه الجماعات دون أخرى؟

ممَّا ينفعنا في الإجابة عن هذا السؤال أن ننظُر إلى المسرح ومناظره، فهما عاملٌ قوي يُوجِّه الرواية المسرحية إلى خير جماعة تختارها موضوعًا لتمثيلها، فافرِضْ أنك في مسرحٍ في مدينة القاهرة، تُمثَّل عليه رواية تقَع حوادثها في غرفة الاستقبال من منزلٍ في لندن، فماذا تتوقَّع أن ترى؟ تتوقَّع أن ترى مناضد ومقاعد وما إليها، ممَّا يصحُّ أن يكون في غُرفة الاستقبال من بيتٍ إنجليزي، وعلى الرغم من يَقينك بأنَّ هذه المناضد والمقاعد التي تُشاهدها على المسرح، لم تكن قط في بيتٍ في لندن، فأنت تُوقِن كذلك أنها تُماثلها وتُحاكيها، وإذًا فالمسرح يُحاول أن يكون بين أشيائه وبين الأشياء التي يُمثِّلها شَبَهٌ كالذي بين الأصل وصورته، أو بعبارةٍ أخرى، يميل المسرح، بما عليه من أشياءٍ، أن يكون واقعيًّا يُصوِّر الحقيقة كما هي، ثُمَّ تجيء المناظر المرسومة والستائر فتزيد من هذه النزعة الواقعية. وتاريخ المسرح من أوله إلى آخره، يتلخَّص في جهاده المُتَّصِل أن يَقرُبَ من تصوير الواقع جهد المُستطاع، فتراه يصطنع الوسيلة إِثر الوسيلة، ممَّا يدنو به من هذه الواقعية المنشودة. وقد حقَّقَ المسرح ما ينشُدُه من تصوير الواقع، تحقيقًا بلَغَ أقصى مداهُ في المناظر، التي تُمثِّل البيئة الاجتماعية المُباشِرة كالمنازل والشوارع، وبواطِن الدُّور والمباني، كتصويره لغُرَف البيوت أو الفنادق، وللمكاتب والمَتاجر، وقد ساعَدَه على النجاح في تمثيل هذه الأماكن المُغلَقة، أنه بحُكم هندسته يُشبِهُ الغرفة أو المكتب، أو المتجر بجُدرانه الثلاثة التي يقَعُ عليها بصَرُ الرائي.

نتَجَ عن هذا كُلِّه مَيل طبيعي في المسرح نحو الواقعية فيما يُمثِّله، أضِفْ إلى ذلك مَيل المسرحية بطبيعتها أن تُعالج الشئون الاجتماعية، أعني شئون الإنسان باعتباره عضوًا في جماعة، وأن تكون هذه الجماعة واقعةً ملموسة كالأُسرة، أو المدينة، أو القرية، أو الطائفة التي ينتمي إليها الفرد، وما إلى ذلك، فتُصوِّر المسرحية ما يقَع من صدامٍ بين الفرد وتقاليد الأسرة، كأنْ تُمثِّله وقد أفلَتَ من والديه ليُؤسِّس أُسرة لنفسه، أو تُمثِّله وقد أراد أن يظفَر بزَوجة رجُلٍ آخر وما شابَهَ ذلك. وكذلك تُصوِّر المسرحية ما يقَعُ من صدامٍ بين الفرد وطائفته التي ينتمي إليها، أو جماعته التي هو عضوٌ فيها، كأن تُمثِّله يعمل حيث تقضي التقاليد الدِّينية أن يقِفَ العمل، أو تُمثِّله صاخبًا بالحديث في حُجرة المُطالعة العامة، حيث القُرَّاء يريدون الصمت، أو يلبَس الجلباب حيث يجِب أن يلبَس غيره، أو يخلَع الطربوش في وقتٍ لا بُدَّ فيه أن يلبَسَه وهكذا. هذه أمثلة قليلة من الخلاف الذي يقع بين الفرد وما يُحيط به من أفراد المجتمع، في منزله أو في ناديه أو في مكان عمله. وصفوة القول أنَّ المسرح يعمل على تمثيل الحياة كما تبدو، ولاحِظ أنَّ هناك فرقًا بين الحياة كما تبدو للعَين وبينَها على حقيقتها، والمسرح يهتمُّ بها كما تتراءى وتبدو بغضِّ النَّظر عن حقيقتها، هو يأخُذ الأشياء بظواهرها لا بحقائقها الكامِنة وراء تلك الظواهر، أي أنه يُصوِّر الحياة من السطح لا من الأغوار والأعماق، فهو مثلًا يُمثِّل السلوك الظاهر، ولا شأنَ له بمبادئ الأخلاق الكامنة وراء هذا السلوك، ويقِفُ عند تقاليد المجتمع وأوضاعه، ولا يأبَهُ بمُشكلات الكون الكُبرى. وبعبارةٍ أُخرى فإنَّ المسرحية مُلزَمة — بحكم استخدامها للمسرح وأدواته — أن تتَّجِه اتجاهًا واقعيًّا، وإنَّ هذه الواقعية لتزداد شيئًا فشيئًا، كلَّما سارَتِ المسرحية في طريق التطوُّر، وكلَّما ازدادت في تطوُّرها وواقعِيَّتها، تَبِع ذلك ازدياد في مَيلها إلى الملاهي دون المآسي، فالسَّير في طريق الواقعية يُوازيه حتمًا رُجحان المَلهاةِ على المأساة، وذلك ما وقَع فعلًا في تاريخ الرواية المسرحية، فالكَثْرة العُظمى مما يخرجه أدباؤنا اليوم من المسرحيات ملاهٍ. وارجِعْ ببصرك إلى بدء الرواية المسرحية في تاريخ الآداب الأوروبية، تجِدِ للمأساة الرُّجحان، ثُمَّ تَعادَلتا أيام النهضة الأوروبية، ثُمَّ أخذتِ الملهاةُ تطغى على زميلتها وتسُود. ومن الخَطَل أن نُعلِّل هذه الظاهرة بأنَّنا اليوم أقلُّ جِدًّا وأكثرُ هزلًا من أسلافنا، والتَّعليل الصحيح إنما يُلتمَس في طبيعة المسرحية ذاتها. فهذا التحوُّل نتيجةٌ لا مندوحةَ عنها لِما طرأ على المسرحية من تغيُّر، وبخاصَّة صناعة المسرح نفسه وإعدادِه بأدواته.

وتتَّضِح العلاقة بين المَلهاة والواقعية، إذا عرَفْنا الفروق بين المَلهاة والمأساة، فقد رأيْنا فيما سلَفَ أنَّ الرواية المسرحية تُمثِّل صراعًا، والصراع إمَّا أن ينتهي بالنَّصر أو بالفشل (لأن التعادُل الذي لا هوَ إلى النصر ولا هو إلى الفشل، ليس نهايةً لموضوع الخلاف، بل هو تسويف وإرجاء لصراعٍ آخر). فأمَّا المسرحية التي تنتهي بفوز البطل — والفوز عادةً ظفَرٌ بزواج امرأة يُحبُّها — فمَلهاة، وأمَّا التي تنتهي بفشله — والفشل عادةً يقتضي مَوتَه — فمأساة. على أن العِبرة ليست بالنهاية وحدَها، وإلَّا لكانت المأساة والمَلهاة كِلتاهما سواءً في سائر الأجزاء، حتى الفصل الذي يسبِقُ الأخير، فإن كان الفصل الأخير فوزًا للبطل كانت مَلهاة، وإن كان فيه قضاؤه كانت مأساة. فالخاتمة في الحقيقة نتيجة لازمة للفصول السابقة كلها، وفيها العقاب أو الثواب الذي يترتَّب على سلوك البطل في مجرى الرواية كلها، ولو أراد المسرحيُّ لبطل الرواية أن يموت في نهايتها، فحَتْمٌ عليه أن يُرتِّب الحوادث ترتيبًا مُحكمًا، بحيث يَجيء الموت نتيجةً طبيعية، لا تُثير العجَب والاستنكار.

ماذا يحدُث إذ نقصِد إلى المسرح لنشاهد فيه مأساة؟ إنَّنا ندفع أجرًا لقاء «متعة»، نرقُبها من رؤية منظرٍ فيه الأسى وفيه الموت! ترى أيكون ذلك مِنَّا حُمقًا لا يُبرِّره العقل السليم؟ لننظُر إلى الأمر عن كثب، نحن ندفَع أجَرَ الدخول، ونستوي في مَقاعِدنا، ويُرفع الستار ويُقدِّم لنا المسرحيُّ بطلَ الرواية، رجُلًا ليس لنا به صِلة كائنةً ما كانت، لكنَّ المسرحي سُرعان ما يَستميلنا بفنِّه، فلا تكاد تمضي الرواية في حوادثها قليلًا، حتى يكون البطل قد تسلَّل إلى قلوبنا، واحتلَّ من نفوسنا مكانة، كأنَّنا معه على ودٍّ قديم، ثم تمضي الرواية ونزداد بالبطل إعجابًا، حتى إذا ما بلَغَ حُبُّنا له وإعجابُنا به أقصى الحدود، أخذ المسرحيُّ نفسه يتسلَّل وراء البطل خفيةً، ثم يضرِبُه الضربةَ التي تقضي عليه، ويكون في ذلك الختام. فكيف نحتمِل مثل هذه الفجيعة تقع على مرأًى مِنَّا فوق المسرح! لماذا لا يحدُث للنظَّارة وقد أُوذِيت في شعورها، أن تنهَضَ من فورِها ثائرةً تصبُّ لعَناتِها على المسرحيِّ الذي لم يعرِف قلبُه الرحمة، وظنَّ النظارة في مِثل فظاظتِهِ وغِلظة قلبه؟ أم ترى المؤلف المسرحي يفترِض أنَّنا بغرائزنا نستمتع بمَوت من أحببناه وأُعجِبنا به؟ ولو لم يكن ذلك لما اقتضانا أجرًا ولَما دفَعْناه، اللَّهم إن كان هذا شأن المأساة فما أغنانا عن رؤية الفجيعة لقاءَ مالٍ ندفَعُه! لكنَّ المأساة ليس هذا شأنها، وما أصاب رجال النقد الذين زعموا أنَّ المأساة والملهاة مُتشابِهتان كلَّ التشابُهِ في مجرى الحوادث، ولا تختلفان إلَّا في الختام، فقد زَعَموا أن ما يَصلُح ملهاةً قد يَصلُح مأساة، لو تغيَّرتِ الخاتمة وحدَها، لكنَّنا لا نذهب معهم فيما ذهبوا إليه، ونُحتِّم أن يجيء مَوت البطل في المأساة نتيجةً طبيعية لمَجرى الحوادث، حتى لا نَصدِم النظَّارة في شعورهم. يجِب أن يشعُر هؤلاء النظارة أن مَوت بطلِهم، الذي ظفِر منهم بالحبِّ والإعجاب، لم يكن عنه مَحيص؛ لأنَّهُ — كما يرَون — جزاءٌ وفاقٌ لِما قدَّمَت يداه، وليس هو بالعقاب الظالِم المُفاجئ الذي لا تُبرِّره المُقدِّمات، فمنذُ بداية الرواية يضع المؤلف المسرحي عنصرًا أو مجموعة عناصر، ثُمَّ يَدَعُها تفعل فِعلها وتسير سَيرها المنطقي الصارِم المُحكم الدقيق، فإذا بها تنتهي إلى ختامها الطبيعي وهو موت البطل، تلك هي المأساة الجيِّدة عندنا، وخير مقياس تحكُم به على جودة المأساة، أن ترى هل تُحقِّق عند مُشاهديها الشعور، بأن موت البطل محتوم بحُكم الحوادث، فإن فعلَتْ جادَت، وإلَّا فاحكُم عليها بالضعف والفشل. لو شعرتَ لحظةً واحدة وأنت تشاهد مأساة، أنك تودُّ لو نهضتَ من كرسيِّك لتُنقذ البطل من مَوقفه، فاعلَم أن المأساة ضعيفةٌ فاشلة. فمثلًا قد يَصيح مشاهد إذ يرى روميو قد همَّ بقتل نفسه، إلى جانب ما ظنَّها جُثَّة حبيبته جوليت، أقول قد يَصيح مُشاهد في مكانه مُحذِّرًا روميو ألَّا يُتمَّ فعلته؛ لأنَّ جوليت في حالةٍ من التخدير وليست بِميِّتة، فتكون هذه الصيحة نقدًا سليمًا، نُوجِّهه إلى رواية شيكسبير «روميو وجوليت»؛ لأنَّ هذا الصائح لم يُحسَّ من أعماق نفسه، أنَّ روميو سيموت نتيجةً لازمة لما قدَّمَت يداه، بل شعر أنه مَوتٌ ظالِم وقَعَ في غير موضعه، وإن كان هذا هكذا فالرواية ضعيفة بغَير شكٍّ من هذه الناحية. إنَّنا نعترِف أنَّ «روميو وجوليت» مُترَعة بألوان السِّحر الفني، الذي لا يستطيعه إلَّا شاعر في عظَمَة شيكسبير ونُبوغه، لكنها من حيث هي مأساةٌ فيها ضَعف لا شكَّ فيه، مصدره هذا الشعور الذي أشرْنا إليه، وهذا الشعور إنما نشأ عن ضعفٍ في منطق الحوادث، أدَّى إلى نتيجةٍ لا تلزَم حتمًا هذه المُقدِّمات. الموت في ختام هذه الرواية ليس وليدَ الحوادث نفسها، إنما هو ضربةٌ من القَدَر شاءتها المُصادَفة، وربما شاءت سواها، وقد أدرك ذلك شيكسبير — وهو الفنان العبقري — فأدخل في فَنِّه عُنصر «القدر»؛ ليُسعِفه بمَوت البطل، حيث لا تُسعِفه حوادث الرواية نفسها. لكنَّنا اليوم إذ نُشاهد رواية لشيكسبير فيها إصبع القدر، لا نعترِف بهذا العامل الدخيل، على أنه جزء من طبائع الأشياء؛ لأنه في رأْيِنا اليوم اسمٌ آخر يُطلَق على المُصادفة العمياء التي تقَعُ لغَير سببٍ ظاهر. وفي رواية «روميو وجوليت» يلجأ شيكسبير إلى حيلةٍ فنيَّة أُخرى، يُخفِّف بها من وقْع الموت المُفاجئ على النظَّارة، وهي إصلاح ذات البَين بين الأُسرتَين المُتخاصِمَتَين — الأُسرة التي منها روميو والأُسرة التي منها جوليت — لعلَّ هذا الوئام بَين أُسرَتي الشهيدَين يشفع له عند نظَّارته، لكنَّهُ في الحق عِوَض ضئيل، إذا قيس إلى الفاجِعة الأليمة.

يُشترَط لخاتمة المأساة أن تكون نتيجة لازمة لطبائع الأشياء، حتى يشعُر المشاهدون أنها مُتَّفِقة مع ما يسود الكون كلَّه من سببيَّة مُطَّرِدة لا تتخلَّف، فإن وقَعَت الأسباب فلا مناصَ من وقوعِ المُسبِّبات في أثرها. لا يَجوز أن يجيء موت البطل في النهاية بفعل المُصادفة، التي لا تَجِد مُبرِّراتها في فصول الرواية، بل يجب أن تصعَدَ الحوادث بعقول النظَّارة خُطوةً فخطوة، حتى تبلُغ ذُروةً مُرتكِزة على الماضي كلِّه. هنالك مآسٍ يموت أبطالها بفعل حوادثَ عارِضةٍ أو عوامل مُؤقَّتة، فلا شكَّ في أن هذه المآسي مَعيبة لم يكمُل فنُّها، إذ أعوَزَها شعور المُشاهد بأن القوانين التي تتحكَّم في حوادثها هي نفسها القوانين التي يَسير بمُقتضاها الكون كله، فقد يموت البطَلُ مثلًا في حادثةٍ تصدمه فيها سيَّارة فتقضي عليه، ومِثل هذه الحادثة مما يقع في الحياة، ويستدرُّ العطف والإشفاق، ومع ذلك فلا يجوز للمؤلف المسرحي أن يختارها نهايةً لبطله؛ لأنها تُشعِر بعامل المُصادفة الذي لا ينساق مع قوانين الكون، اللَّهمَّ إلَّا إن كان المشاهد مِمَّن يعتقدون أنَّ اصطدام السيارة نتيجة ترتَّبَت على ألوف الحوادث قبلها، فمُنذ الساعة الأولى التي رُصِفتْ فيها الطريق، ومنذ الطرقة الأولى في صناعة السيارة، ومنذ اليوم الأول في حياة البطل، ودقائق الحادثات تجري على صورةٍ مُعيَّنة من شأنها أن تؤدي، في لحظةٍ مُعيَّنة، إلى أن تَصدِم السيارة البَطلَ في هذا المكان. نقول إنه بغير هذه العقيدة — وهي بعيدةٌ عن مُعظَم المشاهدين — لن يسعَكَ إلَّا أن ترى في موت الرجل تحت عجلات السيارة خروجًا على المألوف وشذوذًا في القانون ونتيجةً لا تلزَم طبائع الأشياء. وإذًا فمأساة كهذه ضعيفةٌ في فنِّها.

تلك هي المشكلة في كثيرٍ من المآسي الحديثة التي تُؤثِر في الأعمِّ الأغلبِ أن تختار موضوعها ما بين الفرد وموقفه الاقتصادي من تَعارُضٍ وصراع. وخير مَثَل يُساق لذلك روايات «جولز ورذي»، فلو جعلتَ تُحسُّ وأنت تشاهد الرواية أنَّ النُّظم الاقتصادية والقضائية القائمة، التي يُصارعها البطل فتصرَعُه في النهاية — لو جعلتَ تُحسُّ أن هذه النُّظم رغم ما يبدو أنَّها مُؤقَّتة عرَضية قد تتغيَّر وتتبدَّل، ضاربةً بجذورها في طبائع الأشياء الثابتة الدائمة — كانت المأساةُ جيدة لا غُبار عليها ولا عيبَ فيها، لكنك لا تُحسُّ هذا الإحساس في المآسي الحديثة، بل إنَّ المؤلف المسرحي نفسه يعرِض عليك في رواياته هذه النُّظم الفاسدة التي تصرَع الأفراد، ليَستحِثَّك على إصلاحها وتغييرها، وما دُمتَ قد شعرتَ أن الأسباب التي انتهت بمصرع البطل عرَضية عابرة، لا تَمتُّ إلى نظام الكون المُطَّرِد وقوانينه الدائمة الصارِمة التي لا تتخلَّف، كانت المأساة مَعيبةً في فنِّها. نعم قد تَستدِرُّ منك العطف والإشفاق، لكنَّها مع ذلك يَعوزها «العنصر الكوني»، أي يَعوزها العنصر الذي يُوحي إلى المُشاهد أنه يرى قطعةً تأتلِف مع نواميس الكون، ليس بينها وبينَهُ نُبوٌّ ولا نشاز. ولسْنا نُريد بهذا أن نزعُم أنَّ ظروفًا مُعيَّنة، أو موضوعًا مُعيَّنًا، يستعصي على الفنان فلا يُمَكِّنُه من مُعالجته على نحوٍ يجعله «كونيًّا»، كما ينبغي له أن يكون إذا قصَدَ به إلى الكمال الفني — وفي هذا قُدرة الفنَّان ونُبوغه — إنما أرَدْنا أن نُوضِّح قاعدةً للحُكم على المأساة بجودة الفنِّ أو ضَعفه، فليس أصحاب المآسي الحديثة من الفنانين المُجيدين، تطبيقًا لهذه القاعدة، هم يُعالِجون المشكلات الاجتماعية حقًّا، يُشخِّصون الدَّاء ويصِفون الدواء، فينتفِع بهم نظام المجتمع، فإن استحقُّوا على مجهودهم الجزاء، فإنما هو الجزاء الذي نُقدِّمه لمن ينفَعُنا في أخلاقنا وبنائنا الاجتماعي، وليس هو بالجزاء الذي يَستحقُّه الفنان القدير في فنِّه. ونعود فنُقرِّر الفكرة من جديدٍ ترسيخًا لها في الأذهان، وهي أنَّ مآسي «إبسن» ومن لَفَّ لِفَّه من رجال الرواية المسرحية في عصرنا الحديث، وهم جميعًا يُعالجون في مسرحياتهم مشكلاتٍ اجتماعية، ويُبيِّنون أنَّ للنُّظم القائمة كثيرًا من الضحايا لاضطرابها وفسادها. مآسي «إبسن» ومن لفَّ لِفَّه قد تُعدُّ جيدة، لو اعتبَرْتَ البيئة الاجتماعية بنظامها الراهن جُزءًا من نظام الكون ليس لنا بِرَدِّه قِبَل، أو بعبارةٍ أخرى لو كنتَ قدريًّا، يؤمن بأنَّ كلَّ أوضاع الحياة من فعل القضاء الذي لا رادَّ له، عندئذٍ تُشاهد المأساة وتشهد البطل صريعًا أمام هذه النُّظم الاجتماعية، فتُدرك أنه هُزِم أمام قوةٍ تشتمل الكون كلَّه، فتكون المأساة جيِّدةً سليمة. أما إذا نظرتَ إلى النُّظم الاجتماعية، نظرَتَك إلى الأشياء العرَضية السطحية العابرة، التي كان يُمكن اجتنابُها، والتي لا يزال في وُسعِنا أن نُصلِح فيها كما نُريد، فليست المآسي الحديثة من جودةِ الفنِّ في شيء.

وليس لختام المَلهاة كل هذا الخطر، الذي عزَوناه إلى ختام المأساة؛ لأنَّ المَلهاة لا تخلُص إلى نهاية يكون الأمر فيها موتًا أو حياة، وكذلك تقلُّ في نظرِنا أهمية العوامل والقوى، التي تتفاعل في مجرى الرواية وتؤدي إلى الخاتمة، تقلُّ في المَلهاة عنها في المأساة. الحوادث في المَلهاة أقلُّ شأنًا وأخفُّ وزنًا منها في المأساة، فلو صوَّرتَ لنفسِك بطلَ المأساة وقد وقفَ أمام محكمة القدَر، تُطوِّح به هنا وهناك جريًا على قوانين الكون الثابِتة، فلك أن تتصوَّر بطل المَلهاة رجلًا تفصِل في أمره جماعة النادي؛ لتقبَلَه عضوًا بين أعضائها أو لا تقبَله، فالملهاة تختار الحوادث السطحية التافِهة الخفيفة، وتترُك للمأساة الحوادث العميقة الجادَّة ذات الخطر البعيد. المَلهاة تنظُر في الرجل، هل تُخوِّل له عاداته وصفاته، أن يكون عضوًا في نادٍ أو لا يكون، والمأساة تنظُر في الرجل هل يُقضى عليه بالموت لِما قدَّمت يداه أو لا يُقضى. فمن شأن المَلهاة أن تُعالج من الأشخاص عاداتهم، التي قد تتَّفِق أحيانًا مع أوضاع المجتمع وقد تتعارَض أحيانًا، ولكنها على كلِّ حالٍ لا تضمُّ الشَّرَف ولا تمسُّ صميم الأخلاق، من شأنها أن تُصوِّر من الأشخاص جوانبهم، التي تجعلهم مصادر شغَبٍ في المجتمع، لكنها لم تبلُغ من العمق والجدِّ حدًّا يجعلهم بين المجرمين الآثمين، فإنْ كان بين بطل المَلهاة وبين المجتمع الذي يُحيط به صراع وتضارب، فمن أجل هذه التَّوافِه، فهو يُثرثِر والناس يُريدون الهدوء والصمت، وهو يشمَخُ بأنفسه والناس يُريدون التواضُع، ففي مِثل هذا التعارُض بين الصفات السطحية الخارجية للشخص، وبين نُظم المجتمع العرَضية المُتغيِّرة العابرة، يكون موضوع المَلهاة. العالم الذي تتحرَّك فيه المَلهاة تُسيِّره التقاليد، وأما العالم الذي تتحرك فيه المأساة، فتُسيِّره القوانين الطبيعية التي لا تتخلَّف، فليس هناك قانون كوني صارم، يُحتِّم أن تنطِق حرف القاف في مِثل «قلم» ألفًا أو جيمًا، لكن إن تَواضَع القوم على نُطقه ألفًا وجاء رجل ينطقه بالجيم، كان في ذلك تعارُضٌ بين عاداته وبين الجماعة التي هو عضوٌ فيها، وفي مِثل هذا التعارُض تكون ملهاة، ومِثل هذا الخارج على أوضاع الجماعة يكون بطلَ المَلهاة، وعاقبة خروجه أن يُعاقبه الناس بالضَّحِك والسخرية. وأغلظ أنواع الملاهي هو ما يختار بَطلَه رجلًا لا يأتي الأشياء إلَّا معكوسة مغلوطةً مقلوبة، وعندئذٍ يكون بطلُ الملهاة مُهرِّجًا لا أكثر ولا أقل، فيدخل هذا المهرج الساخر سائرًا على يَدَيه ورجلاه إلى أعلى، ويضع السُّترة حيث تواضَعَ الناس أن يضعوا السراويل، ويقول ألفاظًا تعني عكس ما يُريد وهكذا. وتتدرَّج الملهاة صاعدةً من هذا التهريج الصِّبياني الغليظ، إلى ألوانٍ من الانحراف دقيقة لطيفة، لكن أساسَ الملهاة واحدٌ في كِلتا الحالتَين. ولئن كان المسرح وأدواته يحاول أن يُمثِّل الواقع كما يبدو للعَين، فهو في هذه المُحاولة أنجحُ في تمثيل الملهاة منه في تمثيل المأساة، ما دامت الملهاة تتحرَّك على سطح الحياة الظاهر، والمأساة تغُوص إلى الأعماق. إنه أيسرُ على المسرح بغير شكٍّ أن يُمثِّل ثياب الرجل من أن يُمثِّل قلبَه الدَّفين، وأن يُمثِّل عاداته الظاهرة من أن يُوضِّح مبادئه الكامنة في نفسه، وسلوكه البادي من أن يُمثِّل أساسها الخُلقيَّ الراسخ. والملهاة أقرب من المأساة إلى المجتمع الذي يمَسُّنا من قريب، هي أقرب إلى حياتنا في الدار والنادي ومكان العمل. ولمَّا كان أيسر على المسرح وأدواته أن يُمثِّل هذه البيئة القريبة تمثيلًا واقعيًّا صادقًا، أيسَرَ عليه أن يُمثِّل غرفة في الدار أو بهوًا في النادي أو حجرةً في مكان العمل، كانت كلُّ العوامل المسرحية مُؤدِّية إلى نجاح الملهاة أكثر ممَّا تؤدي إلى نجاح المأساة. ومن ثَمَّ كان تطوُّر الملهاة وتطوُّر المسرح يسيران جنبًا إلى جنبٍ كما أسلفنا لك القول، ومن ثمَّ كان التوفيق الذي أصابه أدباء المسرح في ملاهيهم في عصرنا هذا. فنستطيع أن نضعَ ملاهي «برنارد شو» في طليعة ما عرفَتْهُ آداب العالم من الأدب المسرحي حتى اليوم.

ولا أحبُّ لك أن تفهَمَ من هذا العرض الذي عرضتُهُ أمامك من خصائص الملهاة والمأساة، أنَّ الملهاة لخِفَّةِ موضوعها تخلو حتمًا من الجدِّ العميق؛ فامتيازها ومجال نُبوغِها أنها تُصوِّر الأشياء من ظواهرها، ولا تتعمَّق فيما يكمُن وراء هذه الظواهر البادية من مبادئ عميقة. امتياز الملهاة ومجال نبوغها أنها تُصوِّر من الأشياء جانبها المادي، والصِّعاب التي تُقيمها في وجه بطلِها أدْخَلُ في شئون الحياة العارِضة منها في أصولها الحيوية الجوهرية، والمبادئ التي يخرُج عليها بطل الملهاة هي التقاليد السائدة في جماعةٍ — ضاقت حدودها أو اتَّسَعَت — وليست هي النُّظم الأبدية الثابتة في الخير والشر والصواب والخطأ. لكن الملهاة تستطيع أن تُوسِّع من أُفقها بحيث تُمثِّل النظام الاجتماعي، الذي يُظلِّل الإنسان بصفةٍ عامة، ولا يقتصِر على قومٍ أو طائفة، وتستطيع أن تجعل التقاليد التي يخرُج عليها البطل، مِمَّا يؤمن به الجنس البشري كافَّة، ضرورةً لا مندوحةَ عن رعايَتِها وصيانَتِها؛ لتسير الحياة الإنسانية سيْرَها في أمنٍ وسلام. فالبطل في الملاهي الخفيفة يستمدُّ بطولته هذه من خروجه على تقاليد طائفةٍ أو فريقٍ محدود من الناس، والبطل في الملاهي الرفيعة بطل؛ لأنه يخرُج على أوضاع الجنس البشري كله، ويتحدَّى ما يُمليه الإدراك الفطري السليم. وأسمى الملاهي ما مجَّدَ هذا الإدراك الفطري السليم الذي يَهدي — أو يحبُّ أن يهدي — الإنسان في سلوكه وتصرُّفه. فمن أخطأه هذا الإدراك الفطري، فثارَ على ما يُوحى به، وتحدَّى ما يُمليه يُعدُّ ثائرًا على المجتمع مُتحدِّيًا له؛ لأنه لا يعترف بالشروط والقيود التي لا بدَّ من رعايتها، إنْ أُريد للإنسان حياةً آمنة فوق هذه الأرض. والملهاة بما تُصوِّره لنا من شروط الحياة الواجبة المفروضة، إنما تقصد إلى غاية عملية خالصة، تُريد أن تُبَصِّرنا كيف ينبغي أن نحيا حياةً مستقيمة، لا تَعارُض فيها ولا تضارُب، وتُريد أن تمدح الخصال التي تُعين على مثل هذه الحياة، وأن تقدَحَ في الخصال التي تُعرقِل سيرها وتعوق مجراها. غاية الملهاة أن تُفصِّل ما يصلُح للعيش من صفات، تاركة لزميلتها المأساة أن تُبيِّن ما هو حقيق، بالتَّضحية والموت في سبيله من تلك الخصائص والصفات، الملهاةُ تأخُذ الأمور كما هي، ولا تبحث عما يمكن لها أن تكون عليه، ولا ما ينبغي أن تصير إليه، تأخُذ العالم كما يبدو للعَين، لا كما هو في حقيقته الخافية، ورُوح الملهاة وصميمها أنها تجعل من الإدراك الفطري السليم، فيصلًا يُفرِّق بين الطيِّب والخبيث. فالبداهة عند الملهاة هي الحَكَم الأول والأخير، فما رأيتَ بالبداهة الفطرية أنه صحيح فهو صحيح، وليس بك حاجة إلى تَعمُّق الأمور إلى جذورها وأصولها، وحُكم البداهة عند الملهاة هو مفتاح السعادة والنجاح، في هذه الحياة الدنيا التي نحياها، في هذه الحياة الدنيا التي جُعلت للناس جميعًا، ولم تُخلَق لفريقٍ من الناس دون فريق، والتي نرى الحياة فيها مشكلة عملية تحتاج إلى حلولٍ عملية، لا إلى فروضٍ نظرية، حتى يُتاح للفرد أن يعيش بين الناس في غير تضاربٍ، مع تقاليدهم وقوانينهم ومصالحهم، وفي غير تَعارُضٍ مع ما للطبيعة من شروطٍ وفروض. الملهاة من شأنها أن تُفصِّلَ للناس أسلوب العيش الهانئ السعيد، وليس من شأنها أن تُعِدَّ الإنسان للخلود بعد الموت، مُهمَّتها السعادة هنا لا هناك، ومجالها الحياة الدُّنيا لا الحياة الآخرة.

تلك إذًا غاية الملهاة، فامتيازها ومجال نبوغها أن تُوضِّح ضرورة الإدراك الفطري السليم، ضرورة الاحتكام إلى البداهة التي لا عِوَج فيها ولا الْتِواء؛ كي نعيش في هذه الحياة الدنيا خير عيشٍ مُستطاع. وعلامة الملهاة الجيدة في فنِّها، هي هذه النظرة الصادِقة التي تُفرِّق بها بين السويِّ والمُلتوي، بين المألوف والشاذ، علامتها هي إرهافها لحواسِّنا إرهافًا يُشعِرها بما يقَع من تناقُضٍ بين حماقة الحمقى، وبين ما يَستوجِبه الإدراك الفطري والبداهة السليمة، علامتها أنها تُصوِّر العالم وقد سادَه النظام بفضل ما فيه من تناسُقٍ بين الأجزاء. وتناسُق الأجزاء في صميمه وجوهره، إنْ هو إلَّا حُبُّ الإنسان للإنسان، وتسامُحٌ سخيٌّ كريم يصدُر عن رُوح الفكاهة. علامَتُها أنها تنظُر إلى الدُّنيا كما هي، لا تضجَر بها ولا تَضيق، تلك هي الغاية التي تلتمِس إليها الملهاة الجيدة مُختلِف الوسائل والسُّبل، فقد تسلُك إليها سبيل إظهار الفعل المُنحرف بوضعها في مُحيطٍ يُبرِز انحرافَهُ واعوجاجه. وفي هذا التَّبايُن الواضح بين الشيء وما يُحيط به ما يَستثير الضحك، كأن تُلبِس عبدًا أسود قُبَّعةً من الحرير الأسود، أو أن تجعل الماجِن المأفون يقِف موقِف الواعظ الهادي، فهذا تناقُضٌ تلمَحُه العين. وقد تَسلُك إليها سُبلًا أخرى في بَيان التناقُض والتبايُن، إذ تُوضِّح التناقُض بين الفكرة والفكرة، لا بين الشيء المنظور والشيء المنظور. وفي التناقُض الذي يلمحه العقل ولا تراه العين فِطنةٌ بارعة، ومن ثم كان الحوار الفَكِهُ من أفعَلِ أدوات الملهاة؛ لأنه مجال خصيب للمُؤلِّف المسرحي أن يَعرِض فيه الفكرة، ثم لا ينفكُّ يقرِنُها إلى أضدادها وأشباهها، مُقارنةً تُبيِّن على الفور أوجهَ الضعف والركاكة فيها. فكم فكرة لنا رسختْ في أذهاننا بحكم العُرف القوي، ولم نتبيَّن سُخفها وغضاضتها إلَّا حين تعرَّض لها كاتب مِثل «وايلد» أو «شو»، فوضَعَها أمام عقولِنا جنبًا إلى جنبٍ مع أشباهها، فظهرَتْ لنا فيها أشياء لم تدُرْ بخلدِنا من قبل، وبهذا اهتزَّ أساسُها، وترنَّح بناؤها، وقد كان مَتينًا مكينًا.

ولنَعُد الآن بحديثنا إلى المأساة؛ تُمثِّل المأساة فعل الفرد وهو في صراعٍ مع بيئته، وليست غايتها عمليةً كالملهاة، إنما هي مُطلَقة مُجرَّدة تبحث عن القوى النظرية، والقوانين العامة التي تُسيِّر حوادث الحياة، ومن ثَمَّ رأيتَ مآسي كل عصر خير مرآة، تعكس لك عقائد ذلك العصر فيما يتعلق بالقوى التي تتحكَّم في مصاير البشر، ولكلِّ عصر في ذلك عقائده، فالمأساة بهذا المعنى تنطوي على فلسفةٍ عصرها؛ لأنها تُمثِّل الفعل الذي يشفُّ عن القوة العُليا، المُدبِّرة للكون المُسيطرة على ما فيه، في رأي ذلك العصر. وعلى الرغم من ذلك فليس مُؤلِّف المأساة فيلسوفًا يُحلِّل بعقله الكون وقواه، ليستخرج القوَّةَ العُليا الكامنة وراء ظواهر الوجود، إنما هو رجلٌ ذو خيالٍ خصيب يُدرِك عناصر تلك القوَّة بقوةِ خياله، وليس لكاتب المأساة عن إدراك هذه القوة المُتسلِّطة المُسيطرة محيص؛ لأنَّ مأساته لا بدَّ لها أن تُقرِّر مصير بطلِها بالموت والحياة، فمن ذا يصرِف مثل هذا القضاء الخطير غير قوَّةٍ يعتقِد العصر وأهله أنَّ لها الأمر في آجال الرجال؟ وعظمة مُنشئ المأساة تنحصِر في قُدرته على إيهام النظَّارة بفعل تلك القوة الخفية الجبَّارة، إيهامًا لا يدَعُ لهم مجالًا للشكِّ بأنها هي صاحبة الحَول والطول والنفوذ والسلطان، فالمأساة سلسلة من الأفعال يتلو بعضها بعضًا، وينتهي بها البطل إلى قضائه المحتوم، فواجب الأديب أن يَحبُك هذه المراحل حَبْكًا مُحكمًا، بحيث يُبدي لنظارته في جلاءٍ لا يقبَلُ الشك، أن البطل سائر في طريقه ذاك، مُسَيَّرًا بتلك القوة العُليا لا يلوي ولا ينحرِف. وما تلك القوة العُليا بالطبع إلَّا ما تتعلَّق به عقيدة العصر، فقد كانت «ربة الانتقام» عند اليونان هي المُصرِّفة للبشر، فكان على كُتَّاب المآسي عند اليونان مثل: «اسخيلوس» و«سوفوكليز»، أن يُؤلِّفوا مسرحياتهم على نحوٍ يجعل الأمور كلها من فعل «ربة الانتقام»، ولم يُصغِّروا من شأنها في أعيُن الناس، فيرمزوا لها بشخصٍ يظهر على المسرح أمام الأبصار، إنما جعلوها يدًا خفيَّة، تُبدي آثارها للناس ولا تبدو، وبهذا لم يَزالوا في خطأ زلَّ فيه رجال المأساة في العصور الوسطى، إذ جعل هؤلاء قواهم العُليا مِثل «الخير» و«الشر» و«الضمير» و«التوبة» إلى آخر هذه المعاني المُجرَّدة، التي شخَّصوها وجسَّدوها واعتبروها مُصرِّفةً للأمور، ثم جعلوها تبدو على المسرح مرموزًا لها بأشخاص المُمثِّلين، فكان ذلك بغير شكٍّ تخفيفًا من خطرها وتهوينًا من شأنها. خذ مأساة «أويدبس» عند اليونان، فقد تزوج «أويدبس» من أمه على غير علمٍ منه، لكن الجريمة تُرتَكب جهلًا لا تجِد مغفرة عند «ربة الانتقام»، ولا بُدَّ أن يُكفِّر الآثِم عن إثمه؛ لأنَّ قوة سماوية عُليا قد أُوذِيت بفعله، فلا مناص من التكفير ليزول ذاك الأذى، لقد كان «أويدبس» أداةً جاءت إلى الأرباب بالسوء، فلا بدَّ أن تَرُدَّ الأرباب عن نفسها السوء في شخص «أويدبس». وهكذا ترى أطراف القصَّة في مُحيطٍ يعلو على المُحيط الإنساني الخالص، ولا تقِف عند القوانين الموضعيَّة المؤقَّتة، بل تعدُوها إلى قوانين الكون بأسره؛ فقوانين الكون العُليا هي التي أُوذِيت بفعل الآثم، وقوانين الكون العُليا هي التي تردُّ الإيذاء، وتُقيم الأمور في نصابها الصحيح، وليست هذه قوانين الدولة أو قوانين المدنية أو تقاليد الأُسرة أو النادي أو الحزب الذي ينتمي إليه البطل، ليست هذه القوانين الموضعية المؤقَّتة، هي التي تتصرَّف في الأمر، فمجال الفعل في المأساة اليونانية هو الكون الرُّوحاني الأعلى، لا العالم الأرضي الذي نعيش فيه.

لكن كيف يُمكن للمسرح أن يُمثِّل هذا المجال الرُّوحاني؟ كيف له أن يُمثِّل مكانًا لا تحدُّه الحدود الموضعية، وزمانًا لا تُقيِّده مقاييس الزمان؟ لقد رأَيْنا أنَّ كفاية المسرح وامتيازه، إنما يَظهران في تمثيله للواقع زمانًا ومكانًا، وهذه الواقعية هي التي جعلَتْه في عصرنا أداةً قوية في إخراج الملاهي، التي هي أقربُ من المآسي إلى الحياة الواقعة. المسرح الحديث يخلع على الفعل شبهًا بالحياة الصحيحة الواقعة؛ لأنه يُحيط الفعل بمكانٍ وزمان يُشبِهان ما في الدنيا الواقعة من مكانٍ وزمان، أفيكون المسرح الحديث الذي يصلُح للملهاة أدنى قوَّةً وأضعف أداة للمأساة من المسرح أيام اليونان وأيام شيكسبير، وإلَّا فكيف كان هؤلاء وأولئك يُمثِّلون على مسارحهم ما في رواياتهم من عناصرٍ هي أسمى من حياة البشر؟

إنَّ ما جعل المسرح عند اليونان وفي عصر شيكسبير أصلح أداةً من المسرح الحديث لتمثيل المأساة — كما كانت تُفهَم المأساة عندئذٍ — هو أنهم لم يعدُّوا المسرح بحيث يُمثِّل المنظر تمثيلًا واقعيًّا صحيحًا، إنما كانوا يكتفون فيه بالرمز، فلم يكن عند اليونان مناظر مرسومة يُعلِّقونها على جُدران المسرح، لتدلَّ على مكان الفعل وزمانه، إنما كانوا يرمزون للزمان والمكان باعتبارهما حقيقتَين مُجرَّدتَين، فلم يكن يَعنيهم أن يُمثِّلوا مكانًا مُعيَّنًا وزمانًا مُعيَّنًا، وكفاهم أن يقولوا إنَّ الحوادث حدثَتْ في مكانٍ ما وفي زمانٍ ما بغير تحديد. كانوا يكتَفُون فوق المسرح بحاجزٍ يُقام في طرفِهِ الخلفي ليكون رمزًا للمكان، ولم يأبَهوا في مآسيهم بتحديد الزمن تحديدًا يتَّفِق مع الواقع، فليس ما يمنع مثلًا أن نسمع أنَّ أجاممنون بسُفُنه في عرْض البحر، ثم نراه بعد لحظةٍ في داره مع زوجته. وحسبُهم أنَّ هذه الحادثة وتلك وسائر الحوادث وقعَتْ في زمان. وليس بذي خطرٍ أن يُصوِّر المسرح أوضاع الزمان وأقسامه، كما هي في الدنيا الواقعة، وزاد من هذه النزعة نحو التجريد عند اليونان، أنَّ مُمثليهم كانوا يلبسون أقنعةً تُخفي وجوههم، فلا يعود المُمثِّل المُقنَّع شخصًا له قسماته ومميزاته، بل يُصبح صوتًا يُمثل نمطًا من أنماط الإنسان، ونموذجًا من نماذج البشر، وهكذا كان الفعل يأتيه المُمثل المُقنَّع من هؤلاء، فعلًا مُجرَّدًا من كل جوانبه، فلا هو يُعزى إلى فردٍ مُعيَّن، ولا هو يَتقيَّد بحدود مكانٍ مُعيَّن وزمانٍ معلوم.

أما المسرح في عصر شيكسبير فكان أقرب إلى مسارحنا الحديثة منه إلى مسرح اليونان الأقدمين، ولكنه شابَهَ المسرح القديم في اصطناعه للرموز بدل التمثيل الواقعي، فلم يكن يُصور المكان المُعيَّن الذي تقع فيه الحوادث، إنما كان يُشير إليه بالرمز الدال، فشُجَيرة تُوضَع على جانب المسرح دليل على غابة، بل ربما وُضِعت لوحة كُتِب عليها وصف المكان المفروض. لكن لم يكن المُمثِّلون يُقنِّعون أنفسهم كأسلافهم اليونان، بل كانوا على عكس ذلك يُمثِّلون بين النظَّارة أنفسهم. كان المُمثِّل عند اليونان يُمثِّل في مُدرَّجٍ فسيح يتسع لألوف المشاهدين؛ ولذلك لم يكن بدٌّ من أن يقف على مَبعدةٍ منهم، وكذلك ترى المُمثِّلين في مسارحنا الحديثة يفصِلهم عن الجمهور حاجزٍ من مصابيح، أما المسرح في عصر شيكسبير فمصطبة بارزة في فناء، والمشاهدون يجلسون حول جوانبه الثلاثة، بل يجلسون على أطراف مصطبة التمثيل نفسها. ومن هنا كان المُمثِّلون في عصر اليصابات أشخاصًا من لحمٍ ودم، وليسوا رموزًا مُقنَّعة، كانوا أفرادًا لكلٍّ طابعه المُميز، وملامحه الخاصة التي تجعله إنسانًا بين الناس، وكان لهذا أثره في قوة المأساة عندئذٍ؛ إذ أتاحت هذه الفرصة للمُمثِّل أن يُعبِّر عن مَعانيه بملامح وجهه وإشارات جوارحه، فنظرةٌ من العين، وإشارة باليد، ونبرة في الصوت قد تزيد في التمثيل قوة، بل كان لظهور الممثل بين النظارة أثر أقوى من هذا؛ إذ كان عاملًا ذا شأنٍ في صياغة الموضوع المسرحي عند شيكسبير.

لم تكن القوة العُليا التي تُسيطِر على مجرى الحياة عند شيكسبير «ربَّة الانتقام» كما كانت عند اليونان، بل لم تكن قوة خارجة عن الإنسان نفسه، إنما يتحكَّم الإنسان في مصير نفسه، والقوة العُليا نابعة من نفسه لا مفروضة عليه من خارج، فالذي ساق «هاملت» إلى قضائه المحتوم، لم تكن قوَّة آمِرة ناهية خارجة عنه، بل قوة داخلية فيه، ساقَتْه إلى قضائه «فردِيَّتُه» أو «شخصيته»، من هنا كان للشخصية الإنسانية في مآسي شيكسبير أكبر شأنٍ وأعظم مكان؛ فالذي يُحدِّد مسلك الفعل من أوله إلى آخره، ويُقرِّر له مراحِلَه التي يجتازها، هو شخصية الإنسان نفسه الذي يقوم بذلك الفعل. فالشخصية — إذًا — هي القوة الدافعة، ولن تجِدَ سبيلًا إلى فَهم مسرحية عند شيكسبير، إلَّا إذا ألمَمْتَ بعناصر شخصية البطل إلمامًا تامًّا؛ لأنها المفتاح الذي يلقي الضوء على سلوكه وتصرُّفه. وكثيرًا ما ترى شيكسبير يحشُر المناظر المسرحية، لا ليُواصل بها القصة لمُجرَّد أنها فعلٌ مُتَّصِل، بل ليُتيح فرصةً أخرى يدخل بها إلى صميم شخصية البطل، إذ كلَّما تعدَّدتِ المواقف كثُرَت النواحي، التي ندرُس منها نفسية البطل وحقيقة خلقه، ولا أمل في فَهم الحوادث نفسها فهمًا صحيحًا، إلَّا إذا وُفِّقتَ إلى هذه الدراسة؛ إذ بِغَيرها تظلُّ مُفردات الحوادث حلقاتٍ مُفككة، لا تجِد من عامل الشخصية في البطل ما يَربِطها في سلسلةٍ واحدة.

وقد وجَدَ شيكسبير من نظام المسرح في عصره، ما عاوَنَه على بناء المسرحية على هذا الأساس؛ إذ كان المُمثلون في طليعة العناصر المكوِّنة للمسرح والرواية المسرحية، هم العامل الأول الهام، وعلى براعَتِهم تتوقَّف قوة التعبير المسرحي للرواية، فتمكن المؤلف المسرحي بذلك أن يجعل الأفراد، الذين يتفاعلون في الرواية أفرادًا لهم شخصياتهم، ولكلٍّ طابعه المميز، لا مُجرَّد أشباح ورموز؛ لأنه كلَّما كان المُمثل ذا شخصيةٍ حيَّة متميزة، أمكن أن يقوم بدَور فيه هذه الخصائص الفردية المُتميِّزة. كان الممثلون إذ ذاك عاملًا يساعد على تمثيل الواقع؛ لأنهم يُمثلون أفرادًا مِمَّن تُصادِفُهم في الحياة بين أهلك وجيرتك، لكن البطانة المسرحية من أدواتٍ ومناظر مرسومة وما إلى ذلك، لم تكن تساعد حينئذٍ على هذه الواقعية كما تساعد عليها اليوم، لم يكن يدلُّ المسرح بما عليه من أدواتٍ ورسوم على مكان الحادثة وزمانها. وإذًا فقد كان الممثلون طُلَقاء من حدود الزمان والمكان، كأنما هم أفراد قِوامهم الدوافع الأبدية الكونية الخالدة، ومعنى ذلك أنَّ سلوكهم الخارجي لم يكن يُنظَر إليه نظرةً جغرافية تاريخية، تربِطه بمكانٍ معلوم وزمانٍ معلوم، من بيئتهم التي يعيشون فيها، بل كان يُنظَر إليه باعتباره صادرًا عن عالمٍ رُوحيٍّ كامن في أنفسهم.

وصفْوَة القول أن المسرح الحديث يُصوِّر العالم المحسوس، الذي يُحيط بنا ويُبرز جوانب الحياة الظاهرة البادية، دون صميمها الخَفيِّ المستور. والحياة الظاهرة المحسوسة العملية، كما تبدو أمام أعيُننا، هي خير مجالٍ للملهاة بصفةٍ خاصة. أمَّا المأساة — فعلى نقيض زميلتها — من شأنها أن تتغلغلَ إلى ما وراء هذه القشور الظاهرة التي تُغلِّف الحياة لتضرِب في الصميم الكامن خلْف سِتارها؛ لهذا كُلِّه كان المسرح الحديث أصلح لتمثيل الملاهي منه لتمثيل المآسي، ومن ثَمَّ كان تطوُّر الرواية المسرحية نحوَ الملهاة.

ونختم الحديث بكلمةٍ مُوجَزة عن اللغة التي تُكتَب بها الرواية المسرحية. ظلَّت المسرحيات مآسيها وملاهيها على السواء، تُكتَب شعرًا حتى القرن السادس عشر، وعندئذٍ بدأ النثر يأخُذ مكانته رويدًا رويدًا، حتى أصبحت له الغَلَبة على الشعر في الملهاة، وبقي الشِّعر سائدًا في المأساة وحدَها، ولكن حركة التطوُّر لم تقِف عند حد، فأخذ النَّثْر يتسلَّل إلى المأساة أيضًا، حتى أصبحنا اليوم ومُعظم المآسي تُكتَب نثرًا، وتلك نتيجة طبيعية لسَير المسرح نحوَ الواقعية، فتمثيل الواقع من شأنه أن يضع النثر مكانَ الشعر؛ لأنه لغة الحياة الواقعة، غير أنَّنا نُلاحظ أنَّ النَّثْر أصلح للملهاة منه للمأساة؛ وذلك لسببٍ ظاهر، فالملهاة — كما أسلفنا لك القول — تُعالج ظروف الحياة القائمة كما نعيشها ونلمسها، وأمَّا المأساة فتضرِب وراء الظواهر لتَصِل إلى الأعماق. المأساة تُريد القوانين الكونيَّة الشاملة الأبدية الخالدة، ولا يَعنيها في كثيرٍ أو قليل قوانين هذه الطائفة من الناس أو تلك. وإذًا فالنثر في الملهاة يُساعد على واقعيتها، والشعر في المأساة يُساعد الخيال على تحطيم الحدود المادية، التي يُوهِم بها المسرح وأوضاعه؛ لكي يطير بأجنحته إلى المجال الكوني المُطلَق. لكن شعر المأساة يعجز عن تحطيم حدود المسرح المادية؛ إذ كانت هذه الحدود مُقيِّدة شديدة التقييد، لا يستطيع الخيال أن يتخلَّص من أثقالها، فقد كان المسرح عند شيكسبير — مثلًا — لا يحمِل ما يدلُّ على الزمان والمكان دلالةً قوية. ولهذا كان شِعر المأساة قمينًا أن يطير بالخيال، وراء تلك القيود الخفيفة. أما في المسرح الحديث فيكاد يستحيل على مأساةٍ مهما سمَتْ بشعرها، أن تتخلَّص ممَّا يزدحِم به المسرح من مناضدَ ومقاعدَ وطنافِسَ وستائرَ ومناظرَ تُقيِّد الخيال بمكانٍ مُعيَّن وزمانٍ مُعَيَّن تقييدًا لا خلاص من أغلاله. فمن الغفلة — إذًا — أن يقف المُمثِّلون وسط هذه الأشياء، التي تنمُّ عن الحياة المادية، ثُم يتكلَّمون شعرًا! فلا بُدَّ أن يكون حديثهم شبيهًا بملابسهم ومقاعدهم ومناضدهم وسائر متاعهم، حتى تتِمَّ خديعة الحواس عند النظَّارة، ويعيشوا في جوٍّ واقعي مسرحًا وحديثًا ووقائع. ولعلَّكَ الآن تُدرك العُسر الشديد الذي يُلاقيه المُخرِجون في إخراج روايات شيكسبير على المسارح الحديثة.

لقد حدَّثناك فيما سلَفَ عن نوعَين من الرواية المسرحية؛ المأساة والملهاة، وبقِيَت أنواعٌ أخرى لن نجِدَ المجال لبَسْطها؛ فهناك المسرحية التي تجمع بين المأساة والملهاة، ثُمَّ هنالك الرواية التاريخية. فما مجالها؟ إن كانت الملهاة تُصوِّر لنا مُجتمعًا بشريًّا خالصًا كما نُشاهِده ونُمارِسه، وتضع الفردَ على محكِّ الإدراك الفِطري والبديهة السليمة؛ لترى هل يتصرَّف بما يتَّفِق مع أوضاع المجتمع القائم، أو يشذُّ وينحرِف فيكون مُثيرًا للضحك، ثُمَّ إن كانت هذه المأساة تُصوِّر لنا القوانين الكونية العُليا التي تتحكَّم في أقدار البشر، وتضع الفرد على محكِّ الأبدية المُطلقة؛ لترى إن كان مُتَّفقًا مع رُوح الكون بأسره. فهل يكون للمسرحية التاريخية مجالها الخاص كذلك؟ هل تضع الفردَ على محكٍّ ثالثٍ لتَسبر فيه جانبًا ثالثًا؟ قد يكون ذلك. قد تكون المسرحية التاريخية مِعيارًا للإنسان — لا باعتباره حيوانًا اجتماعيًّا كما تفعل الملهاة، ولا باعتباره طامحًا إلى الخلود كما تفعل المأساة — ولكن باعتباره أداةً سياسية في المجتمع، أعني باعتباره خادمًا ساهرًا على مصلحة الجماعة التي يعيش فيها. ولعلَّ البطل في المسرحية التاريخية أن يكون فردًا تمَّحي الفردية فيه أمام عُنصره السياسي الذي يَمتُّ إلى الجماعة بصفةٍ عامة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠