جماليات الكوارث: فصلٌ فِي المَال الحلال

زوج سابا تخلي الثري الشيخ طه لم يبخل بخمسين مليونًا، وهو نصيبه من تكلفة صيانة منزل مايا زوكوف، كان مبلغًا كبيرًا، لكن لا أحد يراه كذلك، الجميع دون فرز حتى سابا تخلي نفسها كانت ترى أن زوجها الشيخ طه قد بخل بماله بوضوح وخزي، ربما لأسباب سياسية، لمواقف عقائدية لا يرغب في الإفصاح عنها. كان أمين محمد أحمد أكثر الناس احتجاجًا؛ لأنه ونوار سعد عليهما إكمال صيانة المنزل بجهدها الخاص، كان يرى أن الشيخ طه بعد أن فاز بشراء كوارث مدينة كسلا في العام الماضي صار الرقم الخامس من حيث الثراء في البلاد الكبيرة، لا يفوقه إلا رجل فاز بشراء كوارث نازحي دارفور مؤخرًا.

ويقول أمين محمد أحمد وهو في حالة غضب لنوار: اشترى الكلب الكارثة كلها بمليار دينار فقط، وقد استلفه من البنك وأودعه البنك ذاته. انظري بعد ذلك عندما دمر القاش كسلا، انظري ملايين الدولارات والإعانات انهالت من جميع دول العالم، كم مليونًا من الدولارات … كلها، كلها دخلت حسابه ومخازنه. تصوري أنه في الخمس ساعات الأولى غطَّى ملياره من تبرعات مدينة القضارف وبورتسودان فقط، حُلي، نساء، ساعات، رغيف عيش، حطب دقيق، ملابس، جازولين، شرموط، وقود فحم، لحوم، دينارات سائلة، ملح … كان يعمل معه ألف عامل بالتمام والكمال في المحليات، في المخازن، في المطار، في الجمارك، في الطرقات، حكومات الولاية، الجيش، البوليس، عمَّال توزيع الأطعمة …

كانت أية قطعة خبز في طريقها إلى فم طفل لا بدَّ أن تمر بمحاسبيه ومخازنه، هو أولًا يأخذ حقه منها ثم يرى في شأنها، وقد تصل حبة عيش أو مجرد وعد بالرغيف أو يدفع فرق السعر، وقد قدمت له الحكومة الخدمات الإعلامية من إذاعة وتليفزيون وميكرفونات وندوات خارجية وخطابات وزارية وتنظيم رحلات السفر، الأجانب وعمد الجاليات والمنظمات العالمية؛ ليطلعوا على خراب القاش بأعينهم، وقامت الحكومة بتصوير فيلم سريع ومن حُرِّ مالها؛ ليُعرَض في القنوات الفضائية العالمية من أجل العمل الإنساني السريع الفوري، بل إن سفير البلاد الكبيرة في الأمم المتحدة طالَبَ كوفي عنان شخصيًّا بزيارة كسلا، وقد أرسل الأخير وفدًا رفيع المستوى حلَّق بطائرة الهليكوبتر العملاقة في المدينة كلها من أجل زرع البهجة والأمل في نفوس الغرقى والمسئولين والناجين على السواء، أما طه فقد كاد أن يُغمَى عليه من الابتسام، قال إنه أنفق في كوارث القاش ثلاثة أضعاف ما اتفق عليه. أشك في ذلك، حتى ولو كان ذلك صحيحًا، فإنه رَبِحَ من هذه الكارثة حوالي ثلاثة ملايين من الدولارات.

قلت لأمين: (…)

قال ببرود وحلق جاف: لا شيء.

ضحكنا كثيرًا … كثيرًا… كثيرًا. كانت سابا تخلي زوجته الثانية، الأولى لم تنجب له الأطفال وهي قريبته، كان يحبها وما زال، ولو أنه تزوج مرة أخرى رغمًا عنها ظنًّا منها أنها سوف تنجب يومًا ما … عليه الانتظار، ولكن تعجَّلَ الأمر وخاصة بعد أن ظهرت بوادر النعمة برضى المجموعة عنه، فقد وفد إليهم من حزب سياسي معارِض ذي صيت، وأكَّدَ على ولائه عندما أبلى في معارك الاستوائية — قبل السلام — بلاء قُيِّم بأنه حسن، وقتل ما لا يمكن التأكُّد منه من المُواطنين الجنوبيين، وإنه الآن أخذ يفكِّر جديًّا في وريث لماله واسمه ولنسله، واضعًا في الحسبان أنه الوليد الوحيد لأب له من البنات ثمان، الآن جميعهن ثريات وقد ظهرن مرة في التليفزيون في برامج سيدات الأعمال، بأيديهن السمينة أرطال من الذهب وألوان من الحناء، يُغرقن وجوههن بأغلى الكريمات، يشوين قلوب النساء غِيرةً وهن يستعدلن أثوابهن الفارهة بين الفينة والأخرى، وكنَّ في غاية الجمال والأناقة والغنج عندما يلوين شلاليفهن الكبيرة ليتحدَّثن.

ومن الطبيعي ألَّا يحكين عن شيئين: كيف وأين كنَّ قبل أن تهبط عليهن الثروة؟ والثاني من أين لهن هذا …؟ لكنهن أسرفن في وصف وضعهن الحالي وإدارة المال والرجال والعيال، الموضة، ولكي يصبحن أكثر حداثة، تحدَّثن عن دعمهن لإنهاء التمرد في دارفور والقضاء على الحركات المسلَّحة بتقديمهن لزاد المجاهد، بل جادت قريحة إحداهن ما أسمته المذيعةُ قصيدة شعرٍ حماسية في تشجيع الجنود على الحرب.

أنجب منها نوار، وسماها نوار لأنه يكنُّ شكرًا وعرفانًا كبيرًا لنوار سعد التي لولاها لما كانت سابا زوجة له، سابا الجميلة الممتعة، وكان يريد منها ولدًا ليضمن مسألة الوريث، ولكن عندما جاءت نوار احتفل بها واحتفى احتفاء يليق بمكانته السياسية والاقتصادية والاجتماعية ووضعه في الأسرة المميز، وهي السماية التي حضرها الوزراء والبيوتات السياسية وكثير من رجالات السفارات الأجنبية ورجال الأعمال والثروة وكبار التكنوقراط، وخلت تمامًا من المشردين الذين يضايقون الناس في الولائم الكبيرة، وتمَّ ذلك بتعيين فِرقة من البوليس وإدارة الشغب والأزمات العنيفين، الذين لا يرحمون ولا يعصون ولا يأبون، والذين يضربون، والذين إذا قيل لهم أن يقتلوا فإنهم يَقتِلون.

قدَّر أمين محمد أحمد تكاليف حفلة السماية بمبلغ ٣٢٠٠٠٠، ما تبقى من أطعمة جيدة وطازجة وسهلة الهضم حُمِل في شاحنة كبيرة إلى خارج المدينة الكبيرة قرب موقع حي فقير، وفي سبيل الله وحدة قُسِّم للجميع؛ كرامة وسلامة.

كان جارنا، تقدَّم لسابا قبلنا فقبلت، وتزوجها وأنجب منها نوار، كان كريمًا، إلا أن الناس يريدونه أكثر كرمًا؛ لأنهم على الأقل يعرفون مصدر ماله.

بعد التحولات السياسية في البلاد وهي كما يلخصها آدم:
  • بوادر السلام/حرب دارفور.

  • انتباه أمريكا لمصالحها في السودان.

  • دعم الصين والدول العربية وإيران للحكومة عسكريًّا.

  • النموذج العراقي والأفغاني.

  • تلويح أمريكا بالتدخل العسكري في دارفور.

  • النموذج الليبي.

الشيخ طه الجيلي، مثله مثل بعض أصدقائه عندما وعي التغيرات السياسية الكبيرة والصغيرة، أخذ يحسُّ بوخز الضمير الناتج عن الخوف من المستقبل، وبدأ يتبرَّع في المناسبات وغير المناسبات بمال يزكي به مالًا لديه في بنوك كثيرة يعرفها، ومشروع «طريق مايا العزيز» كما سمته منظمة اليونسكو هو فرصة للتطهير والطهارة والغسل النظيف، ولكن كما يقول أمين محمد أحمد: ولكن ليس بهذه الرخصة، لا نريد منه أكثر من مليار ولا أقل.

قبلنا بغسيل أمواله فينا، ولكن فَلْيُحسِن الغسيل.

طريقة التسوق الجماعية التي كنَّا نتبعها في السابق ما زلنا نحافظ عليها إلى اليوم، وهي الذهاب الجماعي إلى سُوق المدينة وشراء مؤنة الأسبوع كله في يوم الجمعة، ولو أننا جميعًا نعمل في المدينة إلا أن المجيء للتسوق مجيء للتسوق فقط.

أثَّرَ الانقلاب الذي سُمِّي بالكاذب أو الفاشل؛ حسب المتحدِّث، ما زال مؤثرًا بوضوح في الشوارع والناس والخطاب السياسي والجرائد، وحتى سعر السلع والمواد التموينية والكتب أيضًا.

اشترينا كما اشترى الناس شراءَ مَن يخاف أن يستيقظ ذات صباح ويجد السُّوق وقد فرغ من كل شيء؛ لأن الشائعة التي تقول إن ذاك الانقلاب ليس بكاذب، إشاعةٌ قوية، وإن هناك حقيقةً لا يُفصَح عنها، وإنهم أغلقوا صحيفتين وهدَّدوا بإغلاق أخرى؛ لأنهما ألمَّتَا بما يُشبِه قلب الحقيقة، أو عين الكذب.

أُجِّلَتْ زيارة دوشكا تودروف إلى البلاد الكبيرة حتى يستقر الوضع قليلًا، الصيانة في الكهوف تتقدَّم بصورة جيدة، العمَّال يقضون وقتًا أطول في إعمار منزل مايا زوكوف، حدَّد الجغرافيون خارطة سير مايا منذ خروجه الأول من روسيا، رسموا مدنًا كثيرةً مبعثرةً في العالم، عدة قرى لم يسمعوا بها من قبلُ، أحراشًا فلوات ومغارات وصحاري، ممالكَ صغيرةً جميلةً ليست بذات أهمية، دقَّقوا بصورة أكثر تفصيلًا على البلاد الكبيرة، عندما اهتدوا إلى أحد رجالات البوليس السري، الذي كان يمثِّل المسئول المباشِر عن تحركات مايا زوكوف، استطاعوا أن يحدِّدوا عدد المرات التي تبرَّز فيها مايا زوكوف في العراء وأين.

المغنية الجميلة عفراء عبد الرضي قطعت شوطًا كبيرًا في التدرُّبِ على ألحان مداح المداح السورية، حتى البدوية بلهجتها العذبة، الفنان كمال زكريا يضع اللمسات الأخيرة لنصب الحدأة، الذي تمَّ ترميمه في سنوات الظلامات؛ حيث اتفق الناس على تسميتها، رجالات الحكومة أيضًا يحبذون هذا الاسم، سكرتارية الاحتفال استطاعت أن تصل إلى تسعين في المائة من الأشخاص الذين حضروا يوم تأبين مداح المداح وما زالوا على قيد الحياة، حتى المجنون الذي صعد ذات مرة على شجرة التبلدي وخطب خطبته الشهيرة، ولحسن الحظ أيضًا، وافَقَ النور عثمان أبكر على أن يتم تكريمه في الحفل الافتتاحي كأكثر شعراء البلاد جنونًا في فترة ما بين تهجير أهالي حلفا القديمة، ومقتل الأستاذ محمود محمد طه، ولو أنه لم يوافق على قراءة أوراق الابن العاق كلها، واعتبر ذلك محاولة لتضليل أحبائه، الذين أعجبوا به كثيرًا، بأنه يحبهم أقل.

العالم كله الذي يخصنا في انتظار زيارتك يا صديقنا دوشكا تودروف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠