الحكمة: امرأتان

عليَّ أن أتصرف بحكمة، لا أنكر أن وَقْع الزيارة المفاجئة كان ثقيلًا، وأنه أشعل الجيرة كلها بالأسئلة، وشمت الشامتون عليَّ … ولكن قلت لنفسي: كوني يا نوار قوية واتجاوزي المحنة.

بعد أن ذهبت القديسة ومايكل وضيوفهما جلسنا أنا والخير و«امرأتاه»، كان الخير يصرُّ على حلٍّ واحد لا ثاني له، وهو أن تعود المرأتان بأبنائهما، وتصرُّ المرأتان أنهما لن تعودَا، وإذا عادتا فبدون الأولاد.

المرأتان باسم واحد؛ زينب، ويفرِّق بينهما بزينب الكبيرة وزينب الصغيرة. زينب الكبيرة وهي الأصغر سنًّا، نحيفة طويلة لها سواد جميل ونعومة فائقة، وهي سكوتة أو ربما اكتفت بأن تكون زينب الصغيرة ثرثارة، وزينب الصغيرة جميلة أيضًا وسمينة، طويلة لها بشرة بنية وعينان واسعتان ذكيتان عنيدتان، وتكبر زينب الأخرى بعامين، يمكنها رد أية جملة يقولها الخير بسرعة فائقة، ولها مقدرة على تفنيد آرائه ونفيها بطريقة تُحسَد عليها، وهي لا تخشاه إطلاقًا ولا تخاف قسمه وتهديده بالطلاق أو الضرب، كانت تصرُّ على شيء واحد: أنا ما ماشية من العاصمة دي خطوة واحدة، ويعني ما ماشية. إذا كنت معك أو غيرك، لو طلقتني برضو حأقعد مع أولاد عمي في الثورة، أنا تاني ما ماشية للعذاب والرملة القبيحة والخرابات والخلا، عديل كدا قلت ليكم.

– وأنا كمان.

قالتها الأخرى خجلة، بسرعة وبعين باهتة. قلتُ لهما: أنا رأيي برضو زي رأيكم، حتسكنوا في الخرطوم جميعكم عشان الأولاد والبنات يدخلوا المدارس ويتعلموا حاجة تنفعهم.

بتلقائية وعاطفة نقية وروح حلوة انقضَّتْ عليَّ المرأتان بوسًا وحضنًا، وتحدَّثتا حديثًا جعلني أبكي، لقد وصفنَ لي الحياة هناك، فصَّلَتاها تفصيلًا محزنًا، قالتا لم يَبْقَ هناك سوى الموت، قالتا ما لم أره في زياراتي إلى القرية، وعرفتُ أني كنت أرى القرية وفي ذهني صورها قبل عشرات السنين، وما كنت أرى من واقعها الحالي شيئًا، وحسيت بأنني كنت أنانية عندما أخذت منها عمودها الفقري ونبيها وابن نوحها.

قال الخير محتجًّا: والأرض؟

قالت زينب الصغرى: أنت حتمشي تبيعها لو في زول يشتري خرابة بيعها ليهو، ولو عايز تقعد فيها، أقعد اسقيها، وأحسن تنساها نهائيًّا.

– والتمرات، التمرات برضو، أنتو بتحلموا ساي؟

قالت له زينب الصغرى: والتسعة أشهر اللِّي قاعدها في الخرطوم دي كانت شنو؟ دا ما النسيان ذاتو!

ثم أضافت: الحاجة أم الخير قاعدة هناك، تقوم بالواجب، مش حتمشي تشوف أمك؟

– يا ولية أنتِ قايمة عليَّ كدا ليه؟

أختاي نوار ونورة تسكنان في السلمة مع أطفالهما، ولديَّ أنا بيت كبير هناك لا يبعد كثيرًا عن منزل آدم وسارة حسن والمنزل فارغ، به الخفير فقط، أخذنا الأسرة الكبيرة إلى هناك، المشكلة الأساسية كانت في تعليم الأطفال؛ حيث إنهم لا يمتلكون شهادات ميلاد ولا يمكن إثبات أعمارهم إلا بالحكايات والقصص والمقاربات، والمشكلة الكبرى أن السنة المدرسية في نهاياتها.

والحل الذي هدتني إليه زينب الكبرى كان عمليًّا ومنطقيًّا؛ قمنا ببناء فصل داخل الحوش من الحصير والمواسير الصلبة، وأتينا بمعلمة واحدة، معلمة صف، وانتظم الجميع؛ الأمهات وأطفالهن في الصف الأول الابتدائي من منازلهم، ولكن الخير كان «ينقنق»: أنا ما عايز أولادي يتربوا في البلد دي، كلها فساد وشر وصعاليك ومتشردين.

وأصبح موضوع العودة للقرية هو الصباح والغداء والعشاء، وخاصة عندما تمرَّدت بنته الصغرى «ست البنات» على المعلمة وقالت: أنا ما عايزة أقرأ، عايزة أرجع الحلة.

وانضمت إلى صف الخير، ولو أن الخير كان يعرف تمامًا سبب تمرُّد ابنته، إلا أنه فضَّل ضمها إليه على الأقل الآن، أما في القرية فموضوع المحجوب ود المحجوب حيتعالج بسهولة.

وأخذ الخير يفتعل الشجار مع المعلمة، مع النساء، مع الأطفال، معي، الجيران، الباعة الجائلين، أصدقائنا، الشرطيين، عمال النظافة، وكل مَن هبَّ ودبَّ، وصل ذروة غضبه حينما قال لي: أنت عايزة لبناتي يصعلكوا زيك؟

– زي أنا؟ وأنا مالي؟

– أنت عارفة نفسك كويس، أنت وصحباتك وأصحابك، صنف واحد.

– أنت بدأت تخرج من حدودك.

– أنا حدودي أولادي … وبس … ارفعي يدك منهم، اطلعوا أنتو من حدودي.

عمل الخير سمسارًا في سوق البلح بموقف دنقلا بالحلة الجديدة، تزوجت ست البنات المحجوب ود المحجوب ود تويسة ورجع بها إلى القرية، زينب الكبيرة عادت مع ابنتها على شريطة ألَّا يغيب عنها الخير أكثر من شهر واحد، وقالتها بالحرف الواحد: أنا عندي نصيب معاكم.

البهجة التي نفحتنا بها زيارة دوشكا تودروف وأطفالها الاثنين لا تُوصَف، ولو أن حرارة الجو التي دائمًا ما نتجاهلها نحن وتزعجهم، بل تعتبر إحدى معاناتهم اليومية، بالإضافة إلى الذباب والغبار، إلا أنهم كانوا يستمتعون بحق وحقيقة في كل لحظة قضوها في البلاد الكبيرة، كانوا يسألون عن كل شيء.

– كل شيء هنا لا يشبه كل شيء هناك، إلا بعض عربات اللادا والبطاطا والفودكا.

تجولوا في الخلاء المفتوح والغابات والأنهر والآبار، رأوا الحيوانات الطليقة والتماسيح والقرنتي والناس، أعجبهم المحراب عجبًا شديدًا، واهتمَّ الأطفال بالصلاة فصلوا تحت الدومات الثلاث، لعبوا من على بُعدٍ كافٍ مع المرفعينين الصغيرين الجميلين ذوي الرائحة العفنة، وأطعموهما لحوم الدجاجات وأحشاء الماشية.

كانوا يقيمون في منزل مايا زوكوف، وهو ذات البيت الذي اختبأ فيه أمين محمد أحمد بعد فشل زواجه بنوار سعد؛ حيث اعتكف على كتابة ديوان «زهرة الزقوم»، أحبه أطفال دوشكا تودروف حبًّا جمًّا، وألَّفوا أغنية قصيرة لأجله …

أسموها «أمين السوداني ينام مع الفيران»، وأصبح منظرًا مألوفا في شوارع المدينة «الخواجاية وأطفالها والرجل الأسود» يتمشون على أرجلهم في كل مكان هنا وهناك، قال لي الخير: أمين يا دوب لقي شبهه.

لم أقل له التعليق الذي خطر في بالي عند سماعي جملته، قلت: يبدو … يبدو … لك …

قال: الخواجات ما عندهم مشكلة، زيهم زي البهائم، دا طالع دا نازل.

قلت: إنهم يقدِّرون العلاقة الزوجية ويحترمونها أكثر مننا نحن.

– أنت بتظني إن دوشكا عندها زوج؟

عندما رجعوا إلى روسيا سافَرَ أمين السوداني الذي ينام مع الفئران معهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠