الشُّرطِيُّ: يعني دائمًا رجل الأمن جمال

كتبت سارة حسن في دفترها، بدون تاريخ:

لم يستطع أحد أن يفهم ما معني أنني أريد قتل هذا الشرير الشرطي القذر جمال أمين، إنهم يخلطون ما بين الانتقام والعدل، ولو أن اتفق على عدم تسليمه إلى الحكومة؛ لأن ذلك يخدم كثيرًا من القتلة والمجرمين الذين هم الآن لا يزالون على سُدَّة الحكم، ولو أنهم غيروا جلودهم، ولكنهم لا يتسامحون في أن يُنبَش ماضيهم العَفِن الدامي، بالتالي أن نسلمهم إياه يعني أن نريحهم، ولن نفعل.

وبنفس المنطق يصبح قتل الشرطي جمال أمين هدية أخرى وخدمة مجانية لوزراء وولاة وتكنوقراط ونوَّاب، الآن ترتعد فرائصهم لمجرد ورود أسمائهم في قوائم القتلة بالإنترنت.

ولكن لم تُفهَم وجهة نظري بأن أقتله أنا بيدي، يعني أنني أقيم العدل بأسمى معانيه وإنسانيته، أن يقتل المقتول قاتله، إنني أتشوق أن أراه يتعذَّب ويتألَّم تمامًا كما فعل بي، كما فعل بعشرات النساء، أن أراه يموت.

قلت لهم مُنهِيةً جدلًا أخذ أكثر من ساعتين ويطول: حأقوم بالموضوع دا براي.

قال آدم في هدوء: أنا معاك.

قالت نوار، قالت سابا، قال برهاني، قال مايكل، قال أمين محمد أحمد: حنقتله سوا.

وُضِعت الخطة بصورة جماعية في كهوف مايا، مباشَرَةً بعد اليوم الختامي للاحتفال السنوي بمايا العزيز، حُدِّدت الأدوار والأسلحة، واتفق الجميع على استخدام القبر الفارغ بالكهف الكبير؛ لدفنه به والتخلُّص من جثته، على أن أقوم أنا باستدراجه إلى الموقع المتفق عليه، وهو الكهف الكبير نفسه.

وكنت أعرف مكان إقامته، لقد أخبرني به ذات مرة، إنه مكان جبلي وعر تنبت فيه أشجار الكتر ومستعمرات الحسكنيت، يبعد عن الكهوف ما يقارب الساعة والنصف مشيًا على الأرجل، وصَفَه لي قائلًا: دا واحد من الأماكن اللِّي أنا بقعد فيها، ربما يوم حتحتاجي لي.

قلت له في ذلك الحين: ما أظن.

ولكن احتجت إليه، نعم حدث ذلك بالفعل؛ لأنني قررت أن أقتله بنفسي، ووحدي وفي مسكنه وبدون أن يعرف أي كان ذلك.

مشكلتي الأساسية أنني لا أعرف أن أستخدم أية أسلحة، لا نارية ولا بيضاء ولا حتى العصي، بل لا أعرف مجرد الدفاع عن النفس، وهو — بلا شك — يجيد كل ذلك، ولكني أعرف شيئًا آخَر لا يُستهان به، وهو استخدام السموم، بالذات الزرنيخ؛ حيث إنني دائمًا ما أستخدمه في عملي اليومي في صنع بعض الألوان الحجرية لاستطالة عمر اللون وإعطائه بهاءً وبريقًا خاصًّا يدوم لسنوات كثيرة، نسبة لمقاومته للحرارة والضوء والماء.

ومعروف أن قدرًا ضئيلًا من الزرنيخ في وزن حبة البن بإمكانها قتل فيل في حجم قطية، ولكن كيف يصل هذا السم إلى معدته؟

أخذت ثلاث عبوات بأحجام صغيرة، خبَّأتها في أماكن مختلفة؛ حقيبة اليد، وجيب البنطلون، وفي فراغ كعب الحذاء. أخبرت آدم بأنني سأقضي صباح الغد بكهوف مايا زوكوف، وربما لا أعود إلا عند الخامسة أو السادسة مساء، لدي عمل فني من الحجارة أحاول أن أقوم بإعداد دراسة له، ولأنه يعرف أنني لا أكذب؛ صدَّقني وأخذني بنفسه إلى الكهوف، اشترى لي ماءً وطعامًا من الطريق، وألَحَّ عليَّ أن نتناول وجبة الإفطار معًا؛ لأنه يظن أنني عندما أعمل أنسي نفسي من الطعام والشراب، ثم أوصاني بألا أهمل شرب الماء، مذكِّرًا إياي بالتهاب الكلي الذي أُعانِي منه منذ أن خرجت من المعتقل، وذهب.

تحركت مباشَرَةً بعد أن غادَر آدم إلى المدينة لموقع عمله، كنت أمشي بسرعة فائقة، تتخبط وتتصارع الأفكار في رأسي، كل فكرة تمحو الأخرى وتنفيها وتُتَفِّهها، بمعني أنه ليست لدي فكرة معينة في رأسي، لديَّ الزرنيخ بوفرة، قلت لأضع بعضًا منه في الماء، قد يشربه، لا لا لا لا يمكن، إنه ليس بهذه البلادة، سوف … لا لا لا لا، إنه … لدي الإصرار والعزيمة على قتله فقط، ولكن لا شيء آخَر، دخلت غابة الكتر والحسكنيت، وانتبهت لمعركة عنيفة ما كنت قد وضَعْتُ لها أية حسابات، وهي أشواك الكتر والحسكنيت، التي استطاعت أن تعيق حركتي تمامًا، ولأنني أعرف الموقع ولا أعرف بالضبط المكان، لم أَرَ قطية ولا بيتًا ولا كهفًا ولا حتى مجرد أجمة عشبية تقي من حر الشمس أو المطر، فكانت مشكلتي أكبر؛ حيث أخذتُ أدور على نفسي في ذات المكان، ذات الحسكنيت، ذات الكتر، ذات الحجارة الصماء الخرساء الساخنة، ذات ريح السموم، الشمس الحارقة، ذات الجبل الذي يحتل الأفق كله، مرَّت ساعتان وأنا لا أعرف أين أذهب، شربت نصف ما لدي من ماء، وما زلت أحس بالعطش وجفاف الحلق، أخذ يسري في أعضائي هبوط طفيف من فعل العرق، حيث أفقدني كثيرًا من الملح، بيني وبين نفسي عرفت أنه قد خدعني، لا يمكن أن يرشدني إلى مخبئه، وهو يعرف أنني أيضًا أريد قتله، لقد كنتُ ساذجة وبليدة وقادني الانتقام وحده إلى هذه المتاهة، ولقد قال لي آدم من قبلُ أن الانتقام عاطفة مضلِّلة، ولكني لم أَعِ الدرس، جلست تحت شجرة لالوب عملاقة لألتقط أنفاسي قبل أن أعود أدراجي إلى البيت، أحتسي بعض الماء وأطعم قليلًا من الخبز، حينما أحسست بظل ثقيل يقترب مني، سَرَت قشعريرة مميتة في عمق لحمي!

قال بصوت أجش وهو يضع رجله على عود جاف خلفي، فيطلق تحت وزنه مضيفًا للظل موسيقى تصويرية مرعبة: أنا عارف إنك حتجيني … عارف، أنا حبيبك الأولاني، فلان الفلاني.

وأخذ يضحك بافتعال.

فنهضتُ مرعوبة، أخذت أحملق فيه.

قال لي: آها جيتي تقتليني، ولا جيتي مشتاقة لي؟

قلت له من بين أسناني: أنت شايف شنو؟

قال وهو يحاول أن يبدو مبتسمًا: بصراحة أنا شايف الاثنين سوا، حب وموت، يعني دا الحب الموت.

ثم أضاف وقد بدا على وجهه مرح غريب أخافني: يلا نمشي تشوفي بيتي، هو ما بعيد من هنا وما قريب شديد.

قلت له إن الوقت قد تأخَّر وإنني قضيت الساعات هنا أبحث عن بيته منذ الصباح الباكر، وإنني لا أستطيع عمل شيء سوى العودة إلى البيت، ولكنه أصرَّ على أن أذهب معه، فقط لأتأكد من المكان حتى لا أضيع وقتي في البحث في المرة القادمة، وذهبنا.

في الطريق قال لي إنه لم يكن في بيته منذ الأمس، وإنه كان في المكان الآخَر، وهذا المكان الآخَر يعرفه هو والله فقط، بعد أن عبرنا ممرات تحيطها أعشاب الحسكنيت والكتر، وقفنا أمام شجرة تنضب وارفة تقوم على حافة كتلة صخرية عملاقة، يبني عليها العنكبوت بيوته وتتطفل عليها نبتة متسلقة نسميها هنا السلعلع، قال لي: دا هو البيت.

قلت له مندهشة: أنت العنكبوت ولَّا السلعلع؟

قال: لا العنكبوت ولا السلعلع، ولكن العنكبوت والسلعلع سوا سوا.

ثم جذب غصن شوك كبير لم ألحظه في بادئ الأمر كان يرقد ما بين التنضبة والصخرة، فظهرت بوابة لمغارة يشع الضوء من عمق سحيق فيها، قال لي: أنا أسكن هنا، من الداخل واسع ولكن مدخله ضيق ودا للتأمين، ادخلي.

قلت خائفة: لا أنا ما حأدخل، خلاص عرفت المكان وحأجيك مرة تانية.

وحاولت أن أعود أدراجي للبيت.

في الحق كنتُ مرعوبة وخائفة، وأحسست بالخطر يحيط بي، الخطر الفعلي، أحس بأنفاس الموت في أذني تتلاحق، ولأول مرة في حياتي ينتابني مثل هذا الرعب. قال لي: حتدخلي معاي حتدخلي معاي، وأعدك ما في حاجة حتحصل ليك.

كان يتحدث في ثقة مفرطة محتفظًا في فمه بابتسامة صفراء.

– لا، لو عايزني أجي تاني، خليني أمشي وأوعدك بأني حأجي.

ولكنه أصرَّ إصرارًا غريبًا لدرجة أنني أحسست أنه إذا لم أدخل سيغتالني، ودخلت، مررت بحذر ما بين التنضبة وحافة الصخرة، حنيت رأسي إلى مستوى الركبة، مشيت بتلك الهيئة مترين ثم وجدت نفسي في بهو عريض في حجم حجرة صغيرة، به إضاءة خافتة تصدر من أركان كثيرة، توجد مفارش نظيفة على سرير من الخشب، ملابس معلقة على تربيزة ملابس من الحديد، هنالك دولاب من الحديد، وتفوح من المكان رائحة التراب الرطب، وشميم واهن من الفضلات الإنسانية.

قال لي وهو يشير إلى الأعماق: في غرفة تانية.

– غرفة تانية؟ غريبة!

وعبر ممر ضيق كنَّا أمام حجرة عليها باب من السيخ تمامًا مثل الحراسة، أمامها ممر في عرض المترين، وقبل أن اسأله قال لي: نحن ما وحدنا، عندي ضيوف قبلك.

ثم صاح بصورة مسرحية: رحبوا بسارة حسن يا شباب!

كما في الحلم، من خلف القضبان، وعبر الرؤية الشاحبة، حيث كانت هنالك لمبات كبيرة من الغاز في أماكن كثيرة، ظهر شبحان، وبصوت واهن ضعيف، كالفحيح سمعت شبحًا يقول، بصوت جائع مخيف: سجمك يا سارة اللِّي جابك هنا شنو؟

بعد ذلك لم أَعِ شيئًا، كمَن صُعِقت بتيار كهربائي، لا أدري بعدُ كم من الزمن أفقت، حيث وجدت نفسي عاريةً تمامًا، ففي قفص تحيط به الصخور في جهاته الثلاث، والسيخ من الجهة الرابعة، استيقظت على قهقهة مرعبة، وجدتني في صحبة امرأتين نحيفتين، تفوح من فميهما رائحة السل، تنمو الشعيرات في أطرافهما، لهما أظافر طويلة بأصابع رجليهما وأناملهما، شعرهما كأنه أعشاب في مفازة منسية مهملة، المرأتان عاريتان كما ولدتهما أمهما، يبدو أن شعرًا كثيفًا أوزغبًا قد نما على جسديهما، كنت أحس ذلك في ملمسهما المرعب الذي تقشعر له جلدتي، تموتان، تحتضران، تتحدثان في صعوبة بالغة، تفوح من المكان رائحة البول والصنان.

كان هو في الخارج يتحدث باستمرار، يقهقه في جنون، ويحتسي الخمرة، عندما عرف أنني استيقظت قال لي: مرحبًا بكِ في بيتي، وشوفي أنا لابس نعالك، يعني الحالة واحدة.

عبر ضوء الفوانيس استعطت أن أرى عُريه التام، وحذائي الصغير يرزح تحت ثقل جسده ورجله الكبيرة الخشنة.

قلت له في غضب: أنت زول غادر ووسخ.

قال في برود: وتاني؟

– حقير.

– وتاني؟

– قاتل ومجرم.

قال في برود: بس؟

– مش وعدتني إنك ما حتأذيني؟

قال بثقة: أنا ما أزال على وعدي.

– واللِّي عملته دا شنو؟

– أنا عايزك تكوني جنبي، ودي الطريقة الوحيدة اللِّي بتحقِّق لي دا، وأنتِ ناسية أنك زوجتي وأنا ما طلقتك، واتزوجتِ عليَّ؟ مش عيب وحرام؟ أنا زوجك بسنة الله ورسوله.

قالت لي إحداهما، في صوت واهن ما معناه أن النقاش معه غير مجدٍ، فسكتُّ، عرفت منهما أنه أخذهما بذات الطريقة التي استدرجني بها، وأن أملنا الوحيد في الخلاص هو الموت كما ماتت فتاة كانت في ذات القفص، وهما لا تدريان كم من الزمن مضى عليهما في هذا المكان، فقط تعرفان أن إحداهما أَتَتْ بعد الأخرى، أحضر لنا الطعام والماء عن طريق فتحات السيخ، ثم قال لي: اعرفي أنه ما في مخلوق يقدر يهرب من هنا، ومن الأحسن نحاول نتعلم الحياة مع بعض، ونحاول ما نخون بعض، ولا نعتدي على بعض، ولا نغدر ببعض، وكل اختراق للميثاق دا ولو مرة واحدة يعني الموت، والشباب ديل عارفين، مش كدا؟ أنا الوحيد المسموح لي بالغدر والخيانة.

ثم أضاف في قسوة: عايز أعرف ردك.

قلت له محاولة كسبه على الأقل إلى أن أجد حيلة للخلاص: موافقة.

ابتسم وهو يقبض على أعضائه التناسلية بيده اليسرى ووعاء الخمر بالأخرى.

– في الحالة دي تعالي، عايزك.

وفتح الباب بسحبه بالقوة للخارج، أصدر صريرًا مرعبًا، ودون أن يقول كلمة سحبني إليه، وترك الباب مفتوحًا.

هتف في المرأتين في رعب: نَوَمْ.

فانكمشتا على بعضهما وأخذتا تنتحبان في صمت.

قال لي: أنا ما حأمارس معك الجنس، ولكن أنتِ حتقومي بالموضوع دا، أنا بصراحة عايز أحس إنه أنا مُعتدَى عليَّ، حياتي كلها قاعد أعتدي على النساء، عايزك الليلة تعملي العكس، أنا منتظر آآها، اعتدي عليَّ تعالي اغتصبيني، عايز أكون ضحية.

رقد على الأرض على ظهره في الممر مُباعِدًا ما بين فخذيه، وضع كوب الخمرة قربه على الأرض، طلب مني أن أعتدي عليه مرة أخرى، أن أغتصبه، كان عضوه منتصبًا قبيحًا ومستفزًّا.

وقمت بذلك، بكل ما لدي من قوة وبكل ثقلي، ضربت برجلي على عضوه التناسلي، عندما حاوَلَ أن ينهض ضربته مرة أخرى في وجهه، ثم أخرى ثم أخرى، لم أترك له مجالًا للنهوض، كان صامتًا وهو يضع كلتا يديه على أعضائه التناسلية، ثم غاب عن الوعي، لكني لم أقف عن الضرب، كنت خائفة من أن يعود للحياة في أي لحظة ويقتلني، بحثت عن شنطتي أو بنطلوني لم أجدهما، رأيت حذائي يقبع ليس ببعيد عن الموضع، حيث كان يرتديه، بضربة واحدة للحذاء على الأرض اندفع كيس الزرنيخ للخارج، فأخذته بسرعة بالغة، سكبته في كوب الخمرة وأفرغت كل محتوياته في فمه، فابتلعه في صمت.

يبدو أنَّ صراخهما كان عاليًا جدًّا، بل ومرعبًا، أضاف إليه الصدى بُعْدًا شيطانيًّا آخَر؛ لأنني كنت خائفة ومشغولة بقتله، فما كنت أسمع غير شخيره، ما كنت أرى غير الشرر البذيء الذي يتطاير من عينيه اللتين تموتان ببطء، غير شفتيه اللتين تمتصان الزرنيخ، غير مقاومته الأخيرة، عندما همد، توقَّفَ نهائيًّا عن التنفس، غمرتني طمأنينة باردة لزجة سَرَتْ في أوصالي كدبيب سمٍّ لئيم، حينها انتبهت لهما؛ البنتان البائستان الحزينتان الخائفتان العاريتان؛ بائستان، كانتا قد التفَّتا على بعضيهما كثعبانين كبيرين في هياج التزاوج، وقد اتَّخَذَتَا أقصى ركن في الزنزانة القاسية التي صنعها لهما في إتقان، كانتا تصرخان في آنٍ واحد وهما تلتصقان على السيخ القاسي، تهتفان بكلمة واحدة: لا لا لا لا لا لا لا لا.

مكرَّرة وداوية يعبث بها الصدى المخبول.

قلت لهما في نشوة مَن انتصرتْ، لكنها لا تخلو من الخوف، بصوت لا أدري من أين خرج، في الحق كنت أحسُّ به يخرج من استي مباشرة، أو ربما كانت تصحبه ضرطة لم أسمعها: قتلته، الحقير، ريَّحْتكم منو، يلا، يلا اطلعوا، أنتو حرات.

وصرخت بأعلى صوتي: حرات حرات حرات!

قالت لي سوسن دون أن تنظر إليَّ: لأ، دا ما بيموت، حيحيا تاني، وحيقتلك ويقتلنا كلنا.

قالت آمنة وهي ترتجف في شفقة: لييه عملتي كدا؟ حرام عليكي! حيقتلنا كلنا، حيقتلنا يا سارة.

عرفت أنهما ما زالتا لم تصدِّقَا أنه قد مات، فطلبت منهما أن تنظَرَا إليَّ وأنا أركله بقدمي، أقلِّبه، أبصق في وجهه، وقلت لهما: تعالوا، وبإمكانكما أن تبولا في خشمه.

صرخت فيهن.

وعندما لم تحركا ساكنًا وازدادتا في الصراخ، دخلت عليهما في الزنزانة العفنة، وأخذتُ أسحبهما، وأفكهما من بعضهما البعض، وأنا انتهرهما في هستيريا، لقد كانتا أيضًا على حق، أنا نفسي قد قتلته من قبلُ مرة! قتلته فعلًا! قتلته قتلًا لا شك فيه في كهوف مايا زوكوف، ولكن هأنذا أقتله مرة أخرى، ولا أدري كم مرة قتله غيري.

علينا أنْ نهربَ من هذا المكان بأسرع ما يمكن. نعم، لقد ابتلع من الزرنيخ ما يقتل ألف فيل وخرتيت، وهو الآن ميت، ولكن ما ضمان أنْ يحيا؟ وتملَّكَني رعب عظيم وتخيل لي أنَّهُ بدأ يتحرك، بل بدأ يتكلم، بل يصرخ، سيهجم، سينقضُّ، داخلَ الزنزانة، ولأنهما كانتا مريضتين وجائعتين؛ لأنه لا يطعمهما إلا القليل الذي يبقيهن على قيد الحياة، ولأنهما مصابتان بالسل والأنيميا؛ فكانتا تستجيبان لقوتي بسهولة، كانتا لا تستطيعان المشي، فأخذتا تزحفان على بطنيهما، تحبوان كالأطفال، بدا لنا الكهف كبيرًا جدًّا، شاسعًا جدًّا، مظلمًا جدًّا، بليدًا، عنيفًا، مخيفًا جدًّا، يتمطى «كودامبعلو» أسطوري مريع، استطعت أن أوصلَ آمنة إلى قرب المخرج الذي تمَّ إغلاقه بغصن من أشواك الكتر القاسية بإحكام، عدتُ إلى سوسن حيث إنها أخذت تصرخ في هستيريا منادية باسمي، كانت تقول لي بصوت متقطع: حيقوم تاني، حيقتلنا.

حاولت أن أطمئنها عن طريق وضعها في حضني وضمها إليَّ، لكنها كانت تقاوم بشدة أية محاولة اقتراب منها، بل كانت تحاول أن تعود مرةً أخرى للزنزانة المرعبة، أمسكتها من يدها، جررتها على الأرض كجوال من التبن، نعم كنت قاسية بعض الشيء، لكنه إذا أفاق من موته سيقتلنا جميعًا، وقد يحيا في أية لحظة.

•••

كنَّا في المرسم نحتسي القهوة عندما تذكرتْ، ليس فجأة؛ لأنها دائمًا ما كانت تتذكر ذلك اليوم، قالت لي: إذا كنت أمتلك أية قوة كنت قتلتك في الوقت داك.

حقيقة كنت أريد أن أتخلص منك بأية طريقة، أريد أن أبقى في الزنزانة، كنت أحسُّ بأنهُ لم يمت، بل هي خدعة من خدعه الكثيرة، موتة من موتاته المرعبة، كان أحيانًا يجلس لساعات وأيام عدة على الأرض لا يتحرك، لا يأكل، لا يشرب، لا يتبول، ربما لا يتنفس أيضًا، حتى إذا أردنا الهرب، نهض في رعب كالشيطان وأعاد اعتقالنا وضربنا.

المخلوق دا شيطان، شيطان حقيقي، ولكن لما تركتيني، حقيقة أحسيت بخوف السنين.

كانت تضحك بعمق، لكن لا يزال باقي الخوف في وجهها، وهي تحكي كيف أنها جَرَت على قدميها بسرعة مبالغ فيها، وأنها سبقتني إلى غصن الشوك، وأنها هي التي أزاحته جانبًا وانطلقت تعدو في غابة الحسكنيت في الخارج.

الساعة الآن تدق معلنة الواحدة صباحًا، توقفت سارة عن كتابة مذكراتها، كان آدم لم ينم بعدُ؛ يُعدُّ العشاء، في الخارج أصوات عربات تهرب مسرعة من وقت وآخَر، سارة في الآونة الأخيرة عملت على كسب صديقات من نساء الجوار، حدث ذلك بعد صعوبة؛ لأنهن كنَّ يتعاملن معها في بادئ الأمر كامرأة مثقَّفة، لها اهتمامات غير اهتماماتهن، وأسلوب في الحياة غير أسلوبهن، لدرجة أنهن كنَّ يسألنَ أنفسهن: كيف تبدو امرأة محددة ومثقفة مثلها في فراش زوجها؟ وافترضن بطرقهن الخاصة أنها متعالية، وتهامسن بأنها شيوعية، وعرفن بأنها مترددة سجون، وقوالات أخرى كانت حاجزًا بينها وبينهن، لكنها كانت تقوم بزيارتهن بصورة متواصلة وكنَّ يردُدْنَ لها الزيارة، لكنهن عرفن وتأكدن من أنها امرأة عادية، وواحدة من النساء الجميلات، مثلهن عندما طلبت من نُسيبة جارتها أن تدعوها إذا أشعلت حفرة الدخان.

– سجمي، بتدخني برضو؟

لا يزال القلم في يدها وهي تتفقد آدم في المطبخ، كانت تفوح منها رائحة دخان الطلح، وبغنج أنثوي لذيذ جعلت منخريه يمتلئان بعطر النار الشهي، عرف حينها أن سارة قد تجاوزت الأزمة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠