في القرية: نَحو العَاشِقِ البدويِّ

غادرنا جميعًا إلى المدينة في يوم السبت، حيث تبدأ فترة عملي من السبت إلى الثلاثاء بالمستشفى الحكومي، تركنا في المحراب مايكل، كان يستعدُّ للجلوس لشهادة التويفل، ويحتاج إلى مكان هادئ للاستذكار والمراجعة، وسوف يقوم بحراسة المحراب من مخافات لا ندريها. اتفقنا على ترتيب مسألة الزواج بيني وبين مايكل أكول بعد أن ينال شهادة التويفل؛ حيث تتاح له فرصة جيدة في العمل مع منظمة أمريكية، كان قد اجتاز جميع معايناتها وتبقَّى له شرط هذه الشهادة.

وجدت المستشفى كما كنتُ أجده دائمًا مكتظًّا بالمرضى، مكتظًّا بمُرافِقيهم، مكتظًّا بالممرضين والأطباء ورائحة البنسلين والديتول، والملاريا والبعوض والذباب، مكتظًّا بالأوساخ، مكدسةٌ عند الأركان حاوياتُ الأدوية الفارغة الزجاجية والبلاستيكية، الحقن القديمة والدربات الفارغة وعليها بقايا المحاليل والدماء الباردة، بقايا الأطعمة على أكياس البلاستيك أو في العراء تتدافع عليها القطط السمينة، الذبابات والكلاب الضالة، الموتى يخرجون من المستشفى وقد حمدوا الله على الراحة الأبدية، المرضى الذين مَنَّ الله عليهم بالخروج سالمين. في الحوائط إعلانات دائمة لفنانين سوف يقيمون حفلات بهيجة بأسعار زهيدة على كازينو النيل الأزرق احتفاءً بالسنة الميلادية، بقايا مخرجات بشرية هنا وهنالك.

– دقيقة يا دكتورة سهير.

قفزت عليَّ قطة صغيرة تعبث بحاوية بلاستيكية استُخدِمَتْ لنقل دمٍ لمريض، بها بقايا الدم شاهِدة على ذلك.

– دقيقة يا دكتورة سهير.

– أهلًا.

– أنا أبو حازم، صحفي بجريدة الخرطوم، وعايز أعمل تحقيق صحفي عن المستشفى، لو سمحتِ عايزك تجاوبي لي على بعض الأسئلة، وكنت في انتظارك منذ الساعة السابعة صباحًا، ومعي المصور جمال زكريا، تسمحي نأخذ صورة مع بعض!

– لا بالتأكيد، إذا كانت عندكم أسئلة اسألوها لإدارة المستشفى، أنا طبيبة فحسب.

– معليش، سألنا إدارة المستشفى وسألنا الأطباء، فبقيتِ أنتِ فقط.

– أنا لن أجاوب على أي سؤال بالرغم من أنني لا أعرف ما هي أسئلتكم، انظروا يمينًا ويسارًا وتحتكم، ثم اسألوا أنفسكم وجاوبوا على أنفسكم، وخذوا صورة تذكارية مع الكدايس.

وذهبت، اعتبرتُ أن هذه بداية غير مشجِّعة ليوم عمل صعب يحتاج عادة لروح معنوية عالية، تسلَّمْتُ ورديتي من زميلة بدت مرهَقَة وحزينة، تبادَلْنَا جُملًا قصيرة معتادة، ذهبَتْ.

اثنان من طلاب كلية الطب يسألون ويكتبون في هدوء وأدب، بنت وولد، سألتني البنت سؤالًا مفاجئًا: الناس ديل عايزين يبيعوا المستشفى؟

– ياتو مستشفى؟

– المستشفى دي اللِّي نحن فيها الآن.

– لمنو؟

– لشركة أجنبية.

– تعمل بيها شنو؟ هل ستصدِّر المرضى للخارج والضبان والبعوض والملاريا؟‍

– آسف يا دكتورة، سمعت الناس بيقولوا كدا.

– والله لا علم لي بشيء.

– قام المرضى أمس الجمعة بمظاهرة لمان سمعوا الخبر.

– ما سمعت بالموضوع دا، كنت في الغابة.

– ياتو غابة؟

– مكان بعيد أسكن فيه ويسمى الغابة، لا عليك.

– حيدخل الأطباء في إضراب عن العمل بدايةً من يوم الخميس القادم.

– كويس، من وين بتجيبي المعلومات دي يا دكتورة؟

– كل الناس هنا بيعرفوا، والصحافة والشارع و… و… و… و…

– الآن فهمت.

– تخشي إضراب مع الدكاترة؟

لأول مرة أنظر إلى وجهها بتمعُّن وعناية، كانت صغيرة لها وجه طفولي مستطيل، وعينان جميلتان ومتسعتان، شفة سفلى أطول قليلًا من العليا، سمينة، على وجهها شبه ابتسامة دائمة، كان الطالب يمشي خلفها في صمت ويبدو مشغولًا بكتابة بعض الملحوظات، سألتها: أنت طبيبة ولا صحفية؟

قالت في خجل: متأسفة يا دكتورة.

قلت في نفسي: هل هنالك شخص في هذه الدنيا يشتري كوشة على مقابر قديمة؟

نهضَتْ في ذهني الكوشة الكبيرة في قريتنا، التي تقع خلف السلخانة، ما وراء المقابر، ليس ببعيد عن شاطئ النهر، نطلق عليها ونحن صغار «كُوشَة حريقا»، لها رائحة الجيفة، رائحة الجلد المشوي، رائحة الموت، ترعى فيها طيور الأبو خريطة العملاقة، وليس ببعيد تقف حاوية الماء والوابور عليه عم توتو بصورة دائمة ونهائية، وكأنهما خُلِقا معًا، بل من مادة واحدة، صورة لا تأتي إلا متكاملة.

في المحراب أفهمتني سارة كل شيء، وأكَّدَتْ لي أن الأمر تمَّ فعلًا، وسوف يُعلَن رسميًّا في الإذاعة والتلفزيون والجرائد كأهم حدث طبي في البلاد الكبيرة، شركة ماليزية سوف تقوم بتأهيل المستشفى وفقًا للمواصفات العالمية، هكذا وافتنا الجرائد بالنبأ، ونحن في طريقنا إلى قرية الفزراء من مدينة القضارف، ثم غادرنا الأسفلت على أرضٍ صلبة سوداء، سافرنا جنوبًا، ثم جنوب شرق، عبر غابات الهشاب والطلح واللالوب الخضراء، ومزارع الذرة والسمسم التي تُدخِل في النفس عالمًا من المرح والطفولة. سافرنا نحو الجنوب الشرقي، سافرنا سفرًا حلوًا ممتعًا، غنَّينا، قرأنا شعرًا، تناكتنا، تحاكينا.

توقفنا عند بِركة ماء حولها بجعات بيضاوات، بعض الأوز، طار كل شيء بمجرد أن توقَّفت العربة، حطت بعض الطيور بعيدًا تُراقِبنا عن كثب، اقتربَتْ بعض النعاج الخجولة، الأرض تحتنا لينة خضراء باردة ورحبة، جلسنا تحت ظل شجرة جوغان ضخمة، فرشنا على أوراقها وبقايا ثمارها القديمة الكبيرة فرشة من البلاستيك، أطيار الكُلج كُلج تُصدِر ضجيجًا حلوًا، قطان بريَّان يمران أمامنا في سرعة البرق ويختفيان بين أعشاب الخريف، آدم وسارة تمشَّيَا في عمق الغابة الصغيرة، أما مايكل وبرهاني وسابا وطفلتها الصغيرة نوار، كنَّا نتحدث في وقت واحد، نوار سعد وأمين، لكن كانت لمايكل ملاحظات جيدة حول فكرة موت مايا العزيز: مات مقتولًا.

وجمنا جميعًا في انتظار حيثيات الفكرة. جمع مايكل قدرًا كبيرًا من الطين الأحمر من حافة بركة المياه، صنع جبلًا صغيرًا زيَّنَه بأرياش الأوز وما تساقَطَ من ريش البجعات ومالك الحزين، خلط الطين والريش مع أوراق الأشجار المتعفنة من فعل الماء والرطوبة، جرت نوار الصغيرة نحو جبل مايكل الصغير، صعدت عليه بصعوبة، ابتسمت لنا جميعًا في براءة وهي تنزل بولًا أخذ لون الطين وهو يتدحرج من الجبل الصغير، صفَّق لها الجميع، خطفتها والدتها وجرت بها بعيدًا، كانت نوار تحتج معبِّرة عن ذلك بالرفس والصراخ، لا تود أن تبرح جبل مايكل.

– ليس لديَّ فكرة بعينها، كنت أحاول أن أرتب أفكاري حول مقتل مايا زوكوف فلاديمر العزيز، ولكني أحاول أن أصنع من كومة الطين امرأة هي في الحقيقة ليست سوى سهير حسان؛ القديسة ذاتها، كانت تعرف ذلك، ويعرف الجميع أنني أصنع القديسة، ولو أنني لم أشكِّل غير الفخذين الكبيرين كاملين وجزء من الصدر، في الحق خجلت من نفسي لأنني عريتها، عريت نفسي وبدوت واضحًا أكثر مما يجب، وقد استجابت سهير لذلك بعد ثلاثين يومًا؛ حيث إنها جعلتني ألتصق بما نحَتُّ من الطين بلحم إنساني حي طازج وبهيج، وهذا هو الدرس الذي لم نتعلمه من كُلية الفنون؛ أنَّ الفن طوطم الطواطم.

إنه يريد أن يقول لي شيئًا فاضحًا جدًّا، خاصًّا جدًّا، قريبًا جدًّا ولا معنًى له غير ما يعرفه هو وحده، ولكنه أذاعه للعامة، هم أصحابنا ولكن هنالك تفاصيل صغيرة تظل محجوبة عن الأصدقاء أيضًا؛ لذا أعلنت أنا أيضًا لهم: أنا ومايكل كولي حنتزوج عندما يتحصَّل على شهادة التويفل في أغسطس الجاي.

قالت سابا ضاحكة: قولي عندما يُسْلِم.

قلتُ لها في إصرار: عندما يتحصَّل على التويفل وبس.

قالت بذات القدر من المَرح المعروف عنها: ومنو حيخليكم تتزوجوا؟ هو مسيحي وأنت مسلمة، لو كان العكس ممكن.

قلت لها، وكأنني كنتُ مواجَهة بهذا السؤال منذ سنوات مضت: لا أحد.

– ولكن زواجك حيكون باطل.

قلت لها بثقة: إنَّ في هذه الأيام في البلاد الكبيرة لا تستطيع الحكومة الوقوف ضد أية زيجة ولا ضد أي سلوك، الحكومة ستفكِّر فيما يطيل عمرها فقط. الآن الوطن أصبح مفتوحًا للعالم، المنظمات الدولية التي ترعى حقوق الإنسان، أمريكا، أوروبا الموحدة، النموذج العراقي وأفغانستان، اتفاقية السلام … كل ذلك سوف يحمي زواجنا، كما أننا لا نحتاج التصديق من شخص آخَر، فالزواج مسألة شخصية.

– حتى أبوك؟

وضحتُ لها أنَّ أبي وأسرتي سيتعامل معهم مايكل بالصورة التي يراها مناسِبة. ربما أسلَمَ وتشهَّدَ تماشيًا مع فقه الضرورة، وقد نهاجِر، وقد يصلي لأجلهم، قال إنه لا يمتلك أبقارًا ولا ذهبًا يعطيه لهم. فسألتني: لماذا لا يفعل الشيء نفسه مع الحكومة؟

– الحكومة لا.

قال مايكل: أنا عايز أتزوج مرا من الحكومة!

قالت سارة لآدم، وقد ظهَرَا من بعيد يقبضان على أكف بعضهما البعض في حب وحميمية: لا يؤمن الإنسان بالله إذا لم يَرَ مثل هذا المكان.

قالت سارة: عشان كده الخرطوم ملآنة بالكفَّار.

ضحِكَا ضحكًا عاليًا.

وصلنا القرية عند العصر، بعد عشرين عامًا من الوعود التي لم تتحقَّق لمحمد آدم، كنتُ أترقَّبُ خروجه من قطية ما، من راكوبة ما، أو من أية حجرة من وقت لآخَر يلبس جلبابه القروي، على ظهر حمار أو يجري خلف مرفعين صغير أتى به أبوه من رحلة صيد متعِبة، طالما لم نلتقِ في الطريق إلى القرية، طالما لم يستقبلنا عند مداخلها، طالما لم يهتف مرحِّبًا بنا ونحن ندخل الحوش الكبير الذي حدَّثني عنه كثيرًا كثيرًا … طالما …

قالت لي أمه: كنتُ دائمًا أتوقَّع زيارتك للقرية، كل سنة، كل سنة، سبحان الله! دي عشرين سنة مضت من اليوم اللِّي مات فيهُ محمد آدم، أنا كأني أشوفو الآن، لم يكبر محمد أبدًا، دائمًا صغير ونشيط ويتكلم ويحكي ويركب الحمير ويمشي العيد مع الكبار، وكل مرة يفشل في صيد مرفعين صغير لك. «تبتسم».

– كل مرة أقول أجيكم ربنا ما يطلق القدم، ومرت بي ظروف كثيرة منذ أن توفي محمد آدم، أبدًا ما استقريت على وضع محدَّد، دراسة، سفر، مشاكل أسرية لا ليها أول ولا آخِر.

– وعايزة أوريك بالمناسبة دي، طبعًا أنا حضرت زواجك، كان بعد سنة من وفاة المرحوم.

– افترقنا، طلَّقني واتزوج، والآن عنده ولد وبت. ولكن بعدما شوَّفني الويل ونجوم النهار.

قالت متأثرة: المرحوم دائمًا كان يقول لي، دائمًا كان … ولكن قدَّر الله وما شاء فعل.

ثم صمتت على صوت أطفال يلهون في الخارج ويقتربون من المنزل.

– محمد آدم، يا ولد يا محمد … تعال هنا في ضيوف، تعال سلِّم عليهم.

كان هو نفسه، فقط ازداد طولًا بعض الشيء وربما صار أكثر نحافة، والجرح القديم الذي في وجهه اختفى تمامًا ولا أثر له، كان حافيًا ويرتدي جلبابًا به بقع من الطين الأحمر ناشفة، شعره كث، في وجهه عينان مرتابتان كعينَيْ خروف شبع.

– دي عمتك سهير حسان. دا عمك آدم زكريا. دي خالتك سارة. دا عمك مايكل كولي. آه، عمك مايكل، وزي ما شايف هو من الجنوب. دي خالتك، خالتك سابا، وبنتها الصغيرة الحلوة دي حنخطبها لك من اليوم، رأيك شنو؟

ضحكنا معًا، ولكن أنقذتنا الجدة بالرد: أنت شايفها نوار شنُو؟

قال دون تردد: نُوار السيَّال.

كثيرون منَّا ما كانوا يعرفون السَّيَّال، وإذا عرفوه ربما لم ينتبهوا إلى نواره، وإذا انتبهوا إلى نواره مثلي، فإنهم لا يعرفون تلك الرائحة العطرة التي تفوح منه، وذلك الطعم الجميل، وصوته الشجي الذي هو طنين الزنابير عليها. شرحَتْ لنا جدته كيف كان يرى جمال نوار.

قالت له: خالك المرحوم محمد آدم اللِّي أنت مسمى عليه كان يسكن مع ناس سهير في البيت الله يرحمه.

– وأنا برضو عايز أمشي أسكن معاهم في المدينة، وعايز أقرأ هناك.

قالت له الجدة: إن شاء الله عندما تدخل الجامعة حتسكن معاهم في الخرطوم.

كانت الجدة في غاية السرور وهي تسحب الشنطة التي تخص المرحوم محمد آدم من تحت سرير المخرطة العجوز، الذي تجلس عليه هي الآن، وهي تحدثنا عنه؛ كان طفلًا عاش طفولته بصورة متكاملة دون نقصان، وكان يملأ المنزل كله بالحياة والحركة والنشاط، يفعل كل شيء بدءًا بصيد الأسماك والقنص، نهايةً بحلب الماشية وصنع الروب والعصيدة، وكأنه يعرف كل صغيرة وكبيرة في القرية، سبحان الله! يا بتي سهير، كان محمد آدم يعرف تمامًا إنو حيموت قريب؛ قال لأخته الكبيرة الكلام دا.

تحتوي الشنطة كما شارَكَ الجميع في حصر محتوياتها على الآتي:
  • ٢٠ كراسة صغيرة، منها ١٠ كراسات رياضيات.

  • ١٠كراسات كُتب في غلافها كراسة خارجية.

  • ١ كراسة مدونة المصاريف.

  • ١٠ كتب مدرسية قديمة أغلفتُها ممزقة.

  • حذاء واحد بحالة جيدة.

  • جلباب أتلفته لعنة الانتظار الطويل.

  • أزرار من مختلف الأحجام والأشكال والألوان، وهي الهواية التي ما كنت أعرفها عنه.

قالت لي: خذيها معكِ وإذا فرغت منها أعيديها لنا في أي وقت، إن شاء الله بعد سنة.

تم صنع قفص صغير متين بواسطة نجار القرية، أدخل فيه المرفعينين الصغيرين اللذين تم صيدهما لنا خصيصًا، قال لي محمد آدم: عندما أدخل الجامعة حأسكن معاكم في المدينة.

– ما حترجع من وعدك؟

قال: إذا أم نوار ما رجعت في كلامها.

قالت سابا وهي تقبِّل ابنتها الجميلة في خدها: أنا ما حأرجع من كلمتي، ولكن طبعًا بعد استشارة نوار لمان تكبر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠