كتابات: رسائل إلكترونية

نوار سوف أكتب إليكِ لا أدرى لماذا، هل لأنني لا أستطيع أن أقول لك الشيء قولًا، أو أن الشيء لا يمكن أن يقال؟

قضيت هذا الشهر بعيدًا عنكِ، لا أدري متى تسمح لنا الجامعة بالعودة إلى الخرطوم، الآن أُدَرِّسُ مادة الشِّعر الإنجليزي للطلاب بالكلية، والطلاب كالعادة لا يفهمون إلا مَن رحم ربه، مصابون بالكسل الذهني ولا يقرءون إطلاقًا، يأخذون معلوماتهم من المنتديات والونسات والنقاش العام بالأنشطة، وقد يحفظون خُطبًا بكاملها من أركان النقاش، لديَّ تلميذان أتنبَّأُ لهما بغدٍ مشرق في الحياة، أحدهما من أقصى الشمال اسمه صلاح الشايقي، والآخَر من الشرق اسمه صالح سعد. لديَّ تلميذة أيضًا تهتم ولكن بقدر أقل، وهي من الأبيض تسكن في داخلية بالخرطوم، هذه التلميذة تذكِّرني بكِ كثيرًا، هي فقيرة جدًّا وجميلة جدًّا وذكية جدًّا وطويلة جدًّا، وتكتب القصص القصيرة، وقد حضرتْ لكِ عِدَّة محاضرات عن التشكيل في كُوش، سنقضي هذين الشهرين هنا نسجِّل ملاحظات عن لغة العساكر، وهو بحث اللغويات المقرَّر في هذا العام للطلاب، وقد كُلِّفْتُ بالإشراف على خمسة من الطلاب. لم أكتب شيئًا من الشعر يُذكَر، فقط هذا المقطع:

ها هو الشتاء يا حبيبتي
يزهر مرة أخرى
وها هي النعاج الخجولة تقضم الورود المرتعشة
وأنا وحدي
أحاول حشوك بالمواكب والذكريات
مثل نعجة خجولة
الخوف
قابع على عتبة بيتنا الصغير؛ يقرصه البرد.

وقد أرسلتها من قبلُ عبر بريدك الإلكتروني، أقصد بالأمس القريب، كتبتها في الأصل باللغة الإنجليزية وقمت بترجمتها إلى العربية، وقد أعجب بها صديقنا الأديب لولي ينج، وهو قد يترك السودان ويسافر نهائيًّا إلى جنوب أفريقيا، لم تستمله ما لاحت بوادره من سلام، وقال إن السلام لن يغيِّر شيئًا وسوف يكرس لما سبق بصورة أسوأ من الماضي؛ لأنه سلام فوقي، وهي عكس أفكار مايكل حبيب القديسة سهير، فهو يؤكد أن أمريكا ما دامت موجودة ومسيطرة على العالم بمَن فيه وما فيه، فإن حكومة البلاد الكبيرة ستحترم مواطنيها وتعاملهم كبشر ولو على مضض، إلى أن تحل طالبان محل أمريكا، حينها فقط سأهرب ولكن للغابة أو إلى سيارا مايسترا، وليس لمكان آخَر.

أنتِ تعرفين رأي أمي سعاد عنكِ، لم يكن ذلك الرأي مزعجًا في الماضي، ولكنه الآن على ما أعتقد يجب أن نأخذه مأخذ الجد. سوف نتحدث عن ذلك لاحقًا، لا بأس.

SEND

العزيزة سابا تخلي

كيف حال نوار الصغيرة، اشتقت لهما كثيرًا، لم تحدثني عن رحلتكِ إلى قرية محمد آدم المرحوم، ولكني عرفت بعض التفاصيل من مايكل، وأنت تعرفين أنه لا يتحدَّث كثيرًا، هل عاد زوجك من ماليزيا أم لا يزال هنالك؟ إنه يسافر كثيرًا إلى هنالك. تحياتي، تسأل عنه نوار سعد أيضًا؛ لأنها تريد أن تغيِّر عربتها بعربة لاندكروز.

SEND

صديقتنا دوشكا تودروف

بعد أن عدت أنا من روسيا كان من أهم أهداف المرحلة عندي أن أُعِدَّ لكِ زيارة إلى البلاد أنت وناتاشا وقوني، وقد تمَّتِ الترتيبات على أكمل وجه، والأصدقاء مستعدون لكي يتبعوا معك آثار مايا العزيز، وتبنَّتْ كلية الفنون الجميلة ذلك بنفسها، وستكون الرحلات إلى المدن التي عاش فيها مايا وتلك التي بقي فيها قليلًا وتلك التي عبرها عبورًا، وحتى تلك التي كانوا يتحدَّثون عنها وينوي زيارتها، كل ذلك سيكون في المتناول.

كما قامت الجامعة بتوزيع دعوات كثيرة إلى بعض الذين كانت لديهم علاقات بمايا في البلاد الكبيرة، وبعد ذلك ستقيم الجامعة احتفالًا شبيهًا بالاحتفالات التي كان يُقِيمها مايا العزيز في منزله.

أما المنزل فتبنَّتْه نوار سعد وزوجها أمين محمد أحمد وسابا تخلي التي قد أصبحت من ذوات رءوس الأموال، بعد أن تزوَّجت رجلًا تجاريًّا سياسيًّا له أرصدة لا حصْرَ لها في بنوك العالم. وستعرفي الحكاية عندما تحضرين إلى البلاد الكبيرة، سيتولى هؤلاء صيانة المنزل وإعادته إلى هيئته الأولى تمامًا كما تركه مايا زوكوف فلاديمير في رحيله الأول من البلاد الكبيرة.

بالرغم من التشوُّه الذي أصاب الكهوف والتخريب الذي طالها في عهد ظلمات الحكم، إلا أن هنالك محاولات جادَّة يقودها نحَّاتون ورسَّامون شباب على رأسهم المعتوهان؛ كمال ذكريا ونادر جني، وما يسمونه بحاتم فان جوخ وتيسير عبد القادر وإيناس الطيب، وعشرون آخَرون، قامت بتمويل المشروع منظمة اليونسكو.

ستحضر الاحتفال أسرة مداح المداح من سوريا، وأسرة الشيخ إمام من مصر، وأمل الطاهر من العراق، وخوان بيدرو من إسبانيا، والنور عثمان أبكر من دبي. نتوقَّع قدومك بعد يومين من موسكو، الرجاء الرد بأسرع ما يمكن.

SEND

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠