مقدمة الطبعة الثانية

بقلم  محمد زكي عبد السلام مبارك
 مصر الجديدة 

بسم الله الرحمن الرحيم

باسم الله الذي أمدني بالصبر على مكاره الحياة الأدبية، باسم الله الذي حبب إلي الأنس بعناء البحث والدرس في غفوات الليل، باسم الله أقدم الطبعة الثانية من كتاب «عبقرية الشريف الرضي» مصحوبة بزيادات وتحقيقات، رجوت بها أن يكون كتابي هو الفيصل في قضاء حق الشريف.

وهذا الكتاب هو صورة من صور النشاط الذي بذلته حين تشرفت بخدمة العلم والأدب بدار المعلمين الغالية في بغداد، وهو عزيز علي جدًّا؛ لأنه جعل لي مقام صدق في الأقطار العربية والإسلامية؛ ولأنه من كرائم الذكريات التي خلفها في ديار الرافدين؛ ولأن القلم جرى فيه بأسلوب ما أحسبني سبقت إليه في شرح أغراض الشعراء، حتى كدت أتوهم أني طفت بأودية لم تعرفها الملائكة ولا الشياطين!

وما تذكرت عهدي بدار المعلمين العالية في بغداد إلا ذكرت بالخير تلامذتي وزملائي هناك: فقد كانت أيامي في صحبتهم من أخصب العهود في حياتي. حفظ الله عليهم نعمة العافية، وجعلهم من ذخائر الأدب الرفيع!

هذا، وقد كان قيل: إني احتفلت بالأسلوب في هذا الكتاب، وأقول: إني لم أتعمد ذلك، فقد كانت المطابع تأخذ المواد ورقة ورقة بحيث لم أستطع مراجعة ما كنت أكتب من أفانين البحوث، وكنت حينذاك أغذي مطبعتين في وقت واحد، مع الاشتغال بأصول كتاب «وحي بغداد» وكتاب «ليلى المريضة في العراق» وكتاب ثالث سيعلم القراء أنباءه بعد حين، وتلك جهود لا يتسع معها الوقت للزخرف والتنميق.

وإنما فتن بأسلوبي في هذا الكتاب من فتن؛ لأنه رآني أقبس من النار التي قبس منها الشريف، ومن هنا جاز لأحد الفضلاء أن يقول في إحدى مجلات بغداد: «إن نثر زكي مبارك له روعة تفوق روعة شعر الشريف في بعض الأحيان»، فإن صح ذلك القول فهو شاهد على قوة الصلة بيني وبين الشريف، وهو أيضًا من علائم التوفيق، فما كان يجوز أن نلقى الشريف إلا بنثر يماثل شعره في القوة والعذوبة والصفاء.

•••

أيها الشريف!

لقد قضيت حقك وأنصفتك، وأيدت مركزك في عالم الخلود، بلا من عليك، وهذا كتابي أقدمه هدية إليك بمناسبة مرور ألف سنة على ميلادك، وأنا أحمد الله الذي وصل جناحي بوطنك لأحلق في الجو الذي عشت فيه فأرى أسرار قلبك وسرائر روحك، وألقاك وجهًا لوجه بين مدارج الرشد والغي في ضمائر «الزوراء».

وأرجو — أيها الشريف — أن تنسى بعض ما قدمت إليك من إساءة في هذا الكتاب، فمن واجب الصديق أن ينسى هفوات الصديق، إذا صدرت عن إخلاص للأدب وغيرة على التاريخ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١