أعوام البؤس في حياة الشريف

أيها السادة

أحدثكم هذه الليلة عن أعظم حادثة أثرت في حياة الشريف، وأضرمت النار في صدره، وبصرته بحقائق الدنيا وخلائق الناس.

وهذه الحادثة تفسر لكم إلحاح الشريف في مدح أبيه، والتشوق إليه، بطريقة لم تعرف عن أحد من الشعراء.

هذه الحادثة هي اعتقال أبيه وحبسه في قلعة فارس من سنة ٣٦٩ إلى سنة ٣٧٦.

وقبل أن نفصل أسباب هذه الحادثة نذكر أن الرضي ولد في أيام كانت تفيض بالنكبات، وتعج بالدماء، فقد حدث وهو صبي في المهد أن ثارت الفتن بين الديلم والأتراك ثورة عادت على بغداد بأعظم الفجائع، وأبيحت مدينة الكرخ فدام فيها الحريق أكثر من أسبوع، وأحرق الرجال والنساء في الدور والحمامات، وتقدم أبو أحمد الموسوي والد الرضي لمخاطبة العباس بن الحسين وزير بختيار ومحاسبته على ما وقع في الكرخ، فغضب الوزير وصرفه عن النقابة، وكانت يومئذ أعظم منصب يتولاه الأشراف.

وما كاد الشريف يدرك كيف يبتسم لأبويه وهو في المهد حتى وقع حادث انكشفت به الخلافة الإسلامية أبشع انكشاف: فقد وردت الأخبار إلى بغداد بأن الروم غزوا نصيبين فملكوها وأحرقوها وقتلوا الرجال وسبوا الذراري، ثم ورد ناس من ديار ربيعة وديار بكر مدينة بغداد واستنفروا المسلمين في المساجد والأسواق، وخوفوا البغداديين عواقب ما يتطلع إليه الروم من غزو العراق، وقامت مظاهرة هائلة توجهت إلى قصر الخليفة المطيع لله، وحاول المتظاهرون الهجوم عليه، وقلعوا طائفة من نوافذ القصر، فأغقلت دونهم الأبواب بعد أن كادوا يصلون إلى الخليفة، ولكنهم لم ينصرفوا حتى أسمعوه أفحش السباب.

وفي تلك اللحظة الحرجة تقدم بختيار يطالب الخليفة بما عنده من المدخرات ليستعين بها على غزو الروم، فأجاب الخليفة:

إن الغزو يلزمني إذا كانت الدنيا في يدي وإليَّ تدبير الأموال والرجال، وأما الآن وليس لي منها إلا القوت القاصر عن كفايتي، والدنيا في أيديكم وأيدي أصحاب الأطراف، فما يلزمني غزو ولا حج ولا شيء مما تنظر الأئمة فيه، وإنما لكم مني هذا الاسم الذي يخطب به على منابركم تسكنون به رعاياكم، فإن أحببتم أن أعتزل اعتزلت عن هذا المقدار أيضًا، وتركت لكم الأمر كله.

ولكن هذا الجواب على ما فيه من فضيحة الخليفة لم يرض بختيار: فما زال يوعد ويهدد حتى اضطر الخليفة المطيع لله إلى بيع ثيابه، وبعض أنقاض داره ليجمع أربع مائة ألف درهم يسلم بها من غضب بختيار الذي أخذ من الخليفة ومن الناس ما أخذ ولم يخط خطوة واحدة في قتال الروم!

وقد تجلت هذه البلايا عن قوتين تخاصمان بني بويه: قوة الخلافة إن بقيت لها قوة، وقوة أبي أحمد الموسوي الذي عزله وزير بختيار عن نقابة الأشراف.

وبعد سنتين من ذلك التاريخ سنة ٣٦٣ شبت الثورة بين الترك الديلم مرة ثانية، فسفكت الدماء، وأحرقت مدينة الكرخ حريقًا ثانيًا بعد الحريق الأول، وعانت بغداد أهوالًا أسود من قطع الليل١ … ولستم في حاجة إلى من ينبهكم إلى خطر هذه البلايا وآثارها السود في تشتيت الأواصر وتمزيق الصلات، فما كانت الفتن تأخذ وقودها كله من الترك والديلم، وإنما كانت تمد ضريمها فتنتهب ما تشاء من سواد الناس في أرجاء العراق، وكانوا فريقين: فريقًا يشايع الديلم وفريقًا يناصر الأتراك.

وفي سنة ٣٣٦ قامت الحرب بين بختيار وعضد الدولة، وكانت لهذه الحرب نتائج دميمة في تمزيق البصرة، فقد انضمت مضر إلى عضد الدولة وانضمت ربيعة إلى بختيار، ولم يكن يهم ربيعة أن ينتصر بختيار، وإنما فعلت ذلك طوعًا للأحقاد الموروثة بينها وبين مضر، وكذلك استفحلت الثورة فأحرقت المحال، وانتهبت البضائع، وانتهكت الحرمات.

وفي تلك الأزمنة العصيبة نرى اسم أبي أحمد الموسوي بين الأسماء، ولكن في أي صف؟ في صف بختيار لا صف عضد الدولة، بختيار الذي عزله عن نقابة الأشراف منذ سنين، وما تقول: إن أبا أحمد الموسوي امتشق الحسام في سبيل بختيار، وإنما قبل: أن يكون رسول بختيار إلى عضد الدولة في مطلب لم يكن يراه عضد الدولة لائقًا بالملوك: فقد كان صورة دميمة من صور الشهوات.

ثم دارت الدائرة على بختيار وانتهى أمره بالقتل، وخلع الخليفة المطيع وتولى ابنه الطائع، ونال عضد الدولة من الهيبة والقوة ما فرض على الخليفة الجديد أن يمنحه خصائص لم يظفر بمثلها أحد من قبل.

وكان الظن أن يستوحش عضد الدولة من أبي أحمد الموسوي لسابقة اتصاله بعدوه الغادر بختيار، ولكن رأينه يعتمد عليه في بعض شؤونه حين جدت الحرب بينه وبين المسيطرين على الأٌطار الشامية، فنفهم أن عضد الدولة يرى في أبي أحمد قوة أدبية يحسب لها حساب، وتغفر لصاحبها بعض الذنوب.

فما الذي جد من الأمور حتى نفض عضد الدولة يده من أبي أحمد وقضى على أملاكه بالمصادرة، وعلى شخصه وشخص أخيه بالقبض والاعتقال؟

هناك أسباب كثيرة لم تفصلها كتب التاريخ، وإنما فهمناها من ملامح الحروف ونحن نستخبر ما سطر المؤرخون عن ذلك العهد، ويكفي أن نشير إلى كلمة عضد الدولة وهو يقول لمن سأله العفو عن أبي الصابي: «أما العفو عنه فقد شفعناك له عن ذنب لم نعف عما دونه لأهلينا — يعني الديلم — ولا لأولاد نبينا يعني: أبا الحسن محمد بن عمر وأبا أحمد الموسوي وأخاه — ولكنا وهبنا إساءته لخدمته».

ومن هذه الكلمة نفهم أن عضد الدولة كان نقم على أبي أحمد الموسوي أشياء دعته إلى المبادرة باعتقاله، ومصادرة أملاكه ليكون عبرة لغير من الرؤساء.

وهنا تبدأ أعوام البؤس في حياة الشريف الرضي، ذلك الطفل الذكي النبيل الذي يواجه مكاره الحياة وهو ابن عشر سنين.

وما ظنكم بطفل يتوقد غيرة وحماسة، ويقبل على الدرس إقبال الرجال فيصل النهار بالليل في درس العلوم العقلية والنقلية، ويأوي إلى بيت عامر بالكرم والجود تعج أرجاؤه بأصوات الخدم والحاشية، ويرى أباه في الصباح والمساء وهو عماد المكروبين، وغياث الملهوفين، ويرى أساتذته يبالغون في إكرامه؛ لأنه ابن النقيب، ما ظنكم بطفل هذه أحواله يمسي بعافية ثم يصبح فيرى البيت اللب، ذاهل العقل، أن أباه جرد من الحول والطول، وألقى به في غياهب الاعتقال.

دعوا جانبًا ما حدثتكم به في المحاضرة الماضية من أن شهرة المتنبي هي التي أطعمت هذا الفتى في الشعر، وأنطقته به وسنه فوق العشر بقليل، فأصدق الرأي أيها السادة، أن هذه النكبة هي التي خلقت ذلك الشاعر في يوم واحد رجلًا ينظر إلى الدنيا بعين الكهول وهو في سن الأطفال.

إن من العسير أن تتصوروا النبوغ الشعري في طفل عرير؛ لأنكم تعيشون في أزمان لا تعرف الشقاء، أزمان يكون فيها من النبوغ أن يحفظ الطفل قصيدة وهو ابن عشر سنين، ولكن يسهل عليكم تخيل ذلك حين تتذكرون كيف كان حال الشريف الرضي حين نقل أبوه منفيًّا إلى فارس، حين تتصورون كيف أمسى ذلك الطفل فقيرًا ذليلًا بعد الغنى والعزة، حتى صح لبعض أساتذته أن يهبه دارًا يسكنها.

وما أظلم الأيام التي تحوج طفلًا مثل الشريف إلى قبول هذه الهدية بعد تمنع وإباء. تصوروا حال الشريف وهو يحاور أستاذه فيقول: بر أبي فكيف أقبل برك؟! فيجيب الأستاذ وهو يتوسل إليه: إن حقي عليك أعظم من حق أبيك!

إي والله! إن حق الأستاذ أعظم من حق الوالد، ولكن القسوة هي في تلك الحال، حال الطفل الذي تروضه الأيام على أن يلقي أساتذته وهو غني الرأس، فقير الجيب!

كانت هذه الحادثة مشئومة على الشريف الرضي، وإن أحسنت في إيقاظ ما غفا من مشاعر ذلك الطفل النبيل.

كانت مشئومة؛ لأنها سدت عليه منافذ القول في هجاء عضد الدولة وحرمته اللذة الطبيعية، لذة التشفي بالهجاء والسباب؛ لأن عضد الدولة أخرسه وأخرس جميع أهل العراق، وسكت الطالبيون أنفسهم فلم يرتفع لهم صوت في وجه ذلك «المستبد»، الذي أودع نقيبهم غيابات السجن والاعتقال!

فإن سألتم: وكيف صح ذلك؟ فإنا نجيبكم بأن عضد الدولة شغل الناس جميعًا بشواغل شريفة كان لها أحسن الوقع في أنفس الأعداء قبل الأصدقاء، فقد أمر بعمارة ما هدمته الثورات من مرافق بغداد، فأعيدت المنازل والمساجد والاسواق، وأدرت الأرزاق على القوام والأئمة والمؤذنين والقراء، وأقيمت الجرايات لمن يأوي إلى المساجد من الغرباء والضعفاء، وألزم أرباب العقارات التي احترقت في أيام الفتنة بإعادتها إلى أحسن أحوالها من العمارة والزينة، فمن قصرت يده عن ذلك اقترض من بيت المال ليرتجع منه عند الميصرة، ومن لم يوثق منه بذلك أو كان غائبًا أقيم عنه وكيل وأطلق له ما يحتاج إليه، فأصبحت بغداد بعد مدة يسيرة وهي أحسن مما كانت عليه من قبل.

ثم مضى عضد الدولة في تجميل شواطئ دجلة مما يساير بغداد، فقضى بأن تقوم عليها عمارات المنازل ونضيرات البساتين.

وتلفت فرأى بغداد كانت ترويها أنهار كثيرة، ثم قضت عليها الثورات — أنهار تنقل ماء دجلة إلى سكان بغداد، تشبه القنوات التي كانت تنقل ماء النيل إلى سكان الفسطاط — تلفت عضد الدولة فرأى أهل بغداد يشربون مياه الآبار وهي ثقيلة، أو يتكلفون حمل الماء من دجلة من مسافات طويلة، فأمر بحفر الأنهار القديمة، وأقام عليها القناطر ليجتاز عليها النساء والأطفال والضعفاء.

ونظر فرأى جسر بغداد قد ضعف بحيث لا يجتاز عليه إلا المخاطر بنفسه، لا سيما الراكب لشدة ضيقه وضعفه وتزاحم الناس عليه، فاختار له السفن الكبار المتقنة وعرضه حتى صار كالشوارع الفسيحة وحصنه بالدرابزينات، ووكل به الحفظة والحراس.

وامتدت نظراته الإصلاحية فشغل نفسه بالفلاحين، وأقام لهم قناطر الأنهار وساعدهم على استنبات الأرض وإقامة البساتين: فشعر العراقيون بأنهم خلقوا من جديد.

ولم يكفه كل ذلك بل مضى فأنشأ المستشفيات لمداواة المرضى من الفقراء ورفع الجباية عن قوافل الحجيج، وأمن الطريق إلى الحج وأقام فيه المناهل وأفاض الينابيع، وحمل الكسوة إلى الكعبة، وأطلق الصلات لأهل الشرف والمقيمين بالمدينة وغيرهم من ذوي الفاقة. وهدته السياسة الرشيدة إلى إصلاح المشهدين بالغري والحائر وإصلاح مقابر قريش، فاشتركت الناس في الزيارات والمصليات، وكادوا ينسون ما توارثوه من العداوات. وهدته السياسة أيضًا إلى بسط الرسوم للفقراء وللفقهاء والمفسرين والمتكلمين والمحدثين والنسابين والشعراء والنحويين والعروضيين والأطباء والمنجمين والمهندسين.

•••

تلكم أيها السادة خلاصة ما صنع عضد الدولة في مدينة بغداد وأرجاء العراق.

فماذا يصنع الشريف لو فكر في هجاء رجل مثل هذا الداهية؟!

ماذا يصنع وقد تطوع أهل بغداد أنفسهم لخلق الأساطير والأقاصيص في الإشادة بأعمال هذا المصلح العظيم؟

ماذا يصنع والألسنة كلها تلهج بالثناء على عضد الدولة، وتراه أشرف من شهدت بغداد بعد عصور المصلحين من الخلفاء.

ماذا يصنع في هجاء ملك «حمى البلاد من كل مفسد، وحفظ الطرق من كل عائث، وهابه الحواضر والبوادي».٢

لقد نسي الناس أبا أحمد الموسوي ونسوا أخاه، فليظلا في غياهب الاعتقال، وليشرب الشريف الرضي كؤوس الصاب والعلقم — إن شاء.

ولكن عضد الدولة سيموت كسائر الأحياء، وقد مات في الثامن من شوال سنة ٣٧٢، فماذا يصنع الشريف الرضي وقد وصل إليه هذا النبأ «السعيد»؟

كان في ذلك العهد شابًّا مراهقًا يجاوز الثلاث عشرة بقليل، ولكنه كان يفهم أن موت عضد الدولة لن يكون باب الفرج لأبيه؛ لأنه كان يرى الظروف السياسية لا تزال حالكة السواد، وكان يدرك أن أبناء عضد الدولة سيجرون على سنة أبيهم في معاملة من كان يعادي أو يصادق من الرجال.

فلم يبق إلا أن يخاطب أباه بهذه الأبيات:

أبلغا عني الحسين ألوكا٣
إن ذا الطود بعد عهدك ساخا٤
والشهاب الذي اصطليت لظاه
عكست ضوءه الخطوب فباخا٥
والفنيق الذي تدرع طول الأر
ض خوى به الردى فأناخا٦
إن ترد مورد القذى وهو راض
فبما يكْرَعُ الزلال النقاخا٧
والعُقاب الشَّغواء اهبطها النيـ
ـق وقد أرعت النجوم سماخا٨
أعجلتها المنون عنَّا ولكن
خلفت في ديارنا أفراخا
وعلى ذلك الزمانُ بهم عا
دَ غلامًا من بعدها كان شاخا

هذا كل ما استطاع الشريف أن يقوله يوم مات عضد الدولة، فهو يراه فنيقًا هلك، وشهابًا هوى، وجبلًا ساخ، ولكنه يتخوف العواقب: لأن تلك العُقاب تركت أفراخًا من الجوارح عاد بها الزمان غلامًا بعد أن كان اكتهل وشاب.

والواقع أن الشريف الرضي عجز عن إعلان الشماتة بالقصائد الطوال؛ لأن موت عضد الدولة أحاطت به قوتان: قوة الرأي العام، وقوة ابنه صمصام الدولة.

أما قوة الرأي العام فتمثِّلها الكلمات التي قالها أقطاب البيان في ذلك الحين، وقد سجَّلها التوحيدي فقال: لما صحَّت وفاة عضد الدولة كنا عند أبي سليمان السجستاني، وكان القومسي حاضرًا والنوشجاني وأبو القاسم غلام زحل وابن المقداد والعروضي والأندلسي والصيمري فتذاكروا الكلمات العشر المشهورة التي قالها الحكماء العشرة عند وفاة الإسكندر. فقال الأندلسي: لو تفوَّه مجلسكم هذا بمثل هذه الكلمات لكان يؤثر عنكم.

فقال أبو سليمان: ما أحسن ما بعثت عليه. أما أنا فأقول: لقد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها، وأعطاها فوق قيمتها، وحسبك أنه طلب الربح فيها فخسر روحه.

وقال الصيمري: من استيقظ للدنيا فهذا نومه، ومن حلم بها فهذا انتباهه.

وقال النوشجاني: ما رأيت غافلًا في غفلته ولا عاقلًا في عقله مثله، لقد كان ينقض جانبًا وهو يظن أنه مبرم، ويغرم وهو يظن أنه غانم.

وقال العروضي: أما إنه لو كان معتبرًا في حياته، لما صار عبرة في مماته، وقال الأندلسي: الصاعد في درجاتها إلى سفال، والنازل من درجاتها إلى معال.

وقال القومسي: من جد للدنيا هزلت به، ومن هزل راغبًا عنها جدت له، انظر إلى هذا كيف انتهى أمره، وإلى أي حضيض وقع شأنه، وإني لا أظن أن الرجل الزاهد الذي مات بالشونيزية أخف ظهرًا وأعز ظهيرًا من هذا الذي ترك الدنيا شاغرة، ورحل عنها بلا زاد ولا راحة.

وقال غلام زحل: ما ترك هذا الشخص استظهارًا بحسن نظره وقوته، ولكن غلبه ما منه كان، وبمعونته بان.

وقال ابن المقداد: إن ماء أطفأ هذه النار لعظيم، وإن ريحًا زعزعت هذا الركن لعصوف.٩

وهذه الكلمات — وإن كان ظاهرها الشماتة — تمثل قوة الرأي العام أصدق تمثيل، فهم كانوا يرون عضد الدولة شبيهًا بالإسكندر الذي دوخ ممالك الأرض، وطئت حوافر خيله أمنع البقاع في أرباض الشرق.

ومع أن عضد الدولة لم يملك العراق غير خمس سنين ونصف، فقد استطاع أن يملك قلوب العراقيين، وأن يشغلهم بالعلم والحضارة، وأن ينسيهم ما صنعت عواصف السنين بالأنفس والأموال.

أما القوة الثانية التي صدمت الشريف الرضي وحرمته لذة التشفي بموت عضد الدولة، فهي قوة صمصام الدولة. وكان هذا الملك الجديد على جانب من صحة الرأي في بداية أمره، فقد أخفى على الناس موت أبيه عضد الدولة إلى أن تستقيم له الأمور، فلما تم له من ذلك ما أراد أعلن موت أبيه وأعلن في الوقت نفسه إلغاء الضرائب التي كان فرضها أبوه، وهي ضرائب كان يضج منها الناس في السر، ويتهيبون التضجر منها في العلانية.

وكذلك رأى الشريف الرضي أن الدنيا بالنسبة إليه انتقلت من قبح إلى قبح، وأن سجن أبيه سيطول، فأخفى ضغائن قلبه، وأقبل على شؤونه العادية وهو كاسف البال حزين.

ولكن وقع بعد ذلك ما لم يكن في الحسبان: فقد كان لعضد الدولة ابن آخر هو شرف الدولة، وكان لهذا الابن رجل من الخواص يقيم في بغداد، فلما وصلت إليه الأخبار السرية بأن عضد الدولة مات وأن صمصام الدولة يخفي موته بادر ذلك الرجل وكتب إلى شرف الدولة بموت أبيه. وكان شرف الدولة يقيم بكرمان، فكتم أمره وسار إلى فارس، ثم أعلن موت أبيه وجلس للعزاء وأخذ البيعة على أوليائه وأطلق لهم ما جرت به العادة من العطاء.

وعلى هذه الصورة ظهرت في دنيا السياسة لذلك العهد قوتان: قوة شرف الدولة في فارس وقوة صمصام الدولة في العراق.

أما صمصام الدولة فقد اصطنع مذاهب أبيه فكان في الأغلب يعادي من عادى ويصادق من صادق، وأما شرف الدولة فقد نظر إلى أعمال أبيه بعين المتبصر الرشيد، وكان في بواكير ما صنع الإفراج عن أبي أحمد الموسوي وأخيه أبي عبد الله وجماعة من الأشراف (بعد أن طال بهم الاعتقال، وضعفت في خلاصهم الآمال، وكما تطرق النوائب من حيث لا يحتسب، فقد يأتي الفرج من حيث لا يرتقب).١٠

وهنا تحدثكم خواطركم بأن الشريف الرضي اندفع يهدر بالشعر فرحًا بنجاة أبيه من غياهب الاعتقال، ثم تأخذ منكم الدهشة كل مأخذ حين تعلمون بأنه طوى فرحه في صدره وسكت عن هذه القضية زمنًا غير قليل.

فما سبب ذلك السكوت البليغ؟

سبب ذلك، أيها السادة، أن صمصام الدولة كان ينقم من أخيه شرف الدولة كل شيء، فكان يرى الإفراج عن أبي أحمد الموسوي ضربًا من العقوق لعضد الدولة الذي اعتقله وصادر أملاكه، وكان عضد الدولة أساس الميراث للأخوين المسيطرين في فارس والعراق، ولا بد أن يكون الشريف الرضي قد خشي أن يكون عطف شرف الدولة على أبيه سببًا من أسباب الوحشة بين أسرته وبين صمصام الدولة القابض على العراق، وكذلك كتم سروره بنجاة أبيه وأخفى عواطفه نحو شرف الدولة إلى أن يزول العبوس من وجه الزمان.

وفي خلال تلك السنين كانت الجفوة متصلة بين شرف الدولة وصمصام الدولة، ثم بلغ الشر أشده في سنة ٣٧٦ فأغار شرف الدولة على أطايب ما يملك صمصام الدولة، وهاجت بينهما الحرب، فانتصر شرف الدولة وقبض على أخيه ودخل بغداد دخول الفاتحين.

وباندحار صمصام الدولة صار من حق أبي أحمد الموسوي أن يعود إلى بغداد، ويرى ابنه المحبوب الذي نظم من القصائد في التوجع لأبيه ما لا ينظم مثله إلا أبر الأبناء في أكرم الآباء.

أيها السادة

أتروني أضجرتكم بهذه الصفحات الدامية من التاريخ؟

لقد أقذيت عيني تحت المصباح ليالي كثيرة لاراجع حوادث تلك السنين وأستخلص منها هذه الصفحات، وما أظنني ظلمت التاريخ حين وجهته على غير ما ينتظر المؤرخون، فقد دونوا ما دونوا وفهمت ما فهمت، ولكل باحث أسلوب.

ولا يعنيني إلا أن أصل بكم إلى تعرف نفسية الشريف التي صبغتها أعوام البؤس بالدم النجيع، لا يعنيني إلا أن تعرفوا كيف صح لذلك الرجل أن ينظم عشرات القصائد في مدح أبيه. وتلك خصلة لا نجدها بهذا الوضوح عند غيره من الشعراء.

إن الأدب، أيها السادة، لا يستطيع أن يستقل عن التاريخ، وكيف وهو من صور التاريخ؟

وقد استطعنا بهذه الجولة السريعة أن نعرف ألوان الأيام التي تفتحت فيها عبقرية الشريف الرضي، وفهمنا كيف كان يرى الدنيا بأعين الكهول وهو في نضرة الشباب. فلنسجل مع ذلك أن الشريف أفاد من أعوام البؤس نعمة باقية، فقد أحب أباه حبًّا لم يسمع بمثله الناس، وصار يتلهف عليه تلهفًا موجعًا، وينظم فيه أشعارًا لها رنين الأسجاع، إسجاع الحمائم الباكية في إثر الأليف المفقود.

وما كان اعتقال والد الشريف إلا نكبة حلت بذلك البيت:

فقد ذهبت دنيا أولئك الناس مرة واحدة، إذ سجن سيد البيت، ثم صودرت الأملاك، وتتابعت الرزايا على صورة تنبت الشجي في أقسى القلوب.

وزاد في تلك المأساة أنها صادفت فتى رقيق الحس، مرهف القلب، شاعر الروح، فصيرته وترًا حنانًا يجيد تصوير الأسى وترجيع الأنين.

وضاعف من نكد تلك البلية أن ذلك الفتى كان يرى الكفر أهون من المكسب الخسيس: فساقه التصون إلى الضنك، ولم يبق أمامه وأمام أخيه غير التصرف فيما كانت تملك أمهما الرؤوم، وقد قسا الدهر وعنف فاضطر تلك السيدة إلى بيع أملاكها وحليها؛ لتضمن لولديها العزيزين عيش الكفاف إلى أن يمن الله على زوجها بالخلاص.

أيها السادة

لم أرد أن أطبع القلم وأنا أكتب هذه المحاضرة فأغزو قلوبكم بالحزن على رجل صار في ذمة التاريخ، ويكفي أن تعرفوا أن صاحبنا لم يقل الشعر الجيد، وهو ابن عشر سنين؛ إلا لأن الزمن رماه في طفولته بما يمنح الأطفال عقول الكهول، وسترون في الليالي المقبلة أنه بدأ يشكو الشيب، وهو في سن العشرين «وشيب الرأس من شيب الفؤاد».

•••

والآن نواجه أشعار الشريف في مدح أبيه فنقول:

إن الشريف مدح أباه بأكثر من أربعين قصيدة. وأشعاره في مدح أبيه تنقسم إلى ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: في التوجع لأبيه وهو سجين، والطائفة الثانية: في تهنئة أبيه بالخلاص ورد أملاكه إليه، والطائفة الثالثة: في تهنئته بالأعياد بعد أن لان الزمان. ولكل طائفة من هذه الأشعار خصائص: فالطائفة الأولى: تصور الحزن والجزع والتفجع، والثانية: يغلب عليها الابتسام ولكنها تفيض بالسم الزعاف في الثورة على الناس، والثالثة: تخلع على أبيه رداء الملوك: فهو يدخل عليه في كل عيد بقصيدة كما يصنع الشعراء في تحية الخلفاء والملوك.

وقبل أن ندخل في تحليل هذه القصائد نوجه أنظاركم إلى شرح الظاهرة الأدبية التي تجدونها في ديوان الشريف الرضي، فأنتم تذكرون أن جامع الديوان يسمى قصائده القديمة «قواذف»، ويذكر في أغلب الأحيان أن الشريف حذف من تلك «القواذف» أشياء.

وتعليل هذه الظاهرة لا يصعب على من يتذكر الظروف السياسية التي فصلناها في صدر هذه المحاضرة، فتلك «القواذف» كانت بالتأكيد تمس بني بويه، ثم هذبت طلبًا للسلامة من شر أولئك الملوك.

وينبغي أيضًا أن ننص على خصائص الأشعار التي نظمها الشريف بين ٣٦٩ و٣٧٦، فهذه القصائد كان يغلب عليها التبرم والضجر والاكتئاب، وقد حولته الحوادث إلى رجل ودود يعطف على مصائب الناس، لا سيما المنكوبين بقسوة الملوك.

ومن شواهد ذلك قصيدته الهمزية إلى صديق حلت به نكبة، ولم يذكر جامع الديوان ما هي تلك النكبة، ولكننا نفهم أنها نكبة سياسية، إذ نراه يقول:

خطوب لا يقاومها البقاء
وأحوال يدب لها الضراء١١
ودهر لا يصح به سقيم
وكيف يصح والأيام داء
وأملاك يرون القتل غنمًا
وفي الأموال لو قنعوا فداء١٢
هم استولوا على النجباء منا
كما استولى على العود اللحاء١٣
مقام لا يجاذبه رحيل
وليل لا يجاوره ضياء
سيقطعك١٤ المثقف ما تمنى١٥
ويعطيك المهند ما تشاء
بلونا ما تجيء به الليالي
فلا صبح يدوم ولا مساء

وهي قصيدة كثيرة الفنون، نقف منها عند قوله في تعزية ذلك المنكوب.

وما حبستك منقصة ولكن
كريم الزاد يحرزه الوعاء
فلا تحزن على الأيام فينا
إذا غدرت وشيمتنا الوفاء
فإن السيف يحبسه نجاد
ويطلقه على القيمم المضاء

وهو بهذه الأبيات يمدح السجن، أو يتكلف مدح السجن؛ لأن أباه مسجون.

وفي تلك المدة تدلنا أشعار الشريف على أن ناسًا كانوا اجترأوا على شتمه وتجريحه، فكان يتجمل ويتحلم صونًا لنفسه عن التسلح بالسباب، كأن يقول:

ما يطلب الدهر والأيام من رجل
يعود بالحمد إشفاقًا على النعم
إذا اقتضته الأماني بعض موعده
غطى بستر العطايا عورة العدم١٦
من مد معصمه مستعصيًا بيدي
عصمته بإخاء غير منجذم
ومن أشعه يا من من لوائمه
ولو رموه بجراح من الكلم
ولو هتكت حجاب الغيب لافتضحت
أجفان كل مريب اللحظ متهم
كفى الذي سبني أني صبرت له
فاستنصر العذر واستحيا من الجرم
بردي عفيف إذا غيري لفجرته
كانت مناسح برديه على التهم
إذا العدو عصاني خاف حد يدي
وعرضه آمن من هاجرات فمي١٧
جعلت سمعي على قول الخنا حرمًا
فأي فاحشة تدنو إلى حرم

وما نحب أن نطيل في سرد الشواهد، فهي كثيرة في الديوان، ويكفي أن ندل على ملامحها بهذه التوجيهات، وإن كان الشريف أفصح عنها أبلغ إفصاح وهو يقول في مخاطبة الصاحب إسماعيل بن عباد:

فتى سنه عن خمس عشرة حجة
تربي له فضلًا ومجدًّا ومحتدا
فتي الصبا كهل الفضائل …
إلى العمر إلا احتل في الفضل مقعدا
تفرد لا يفشي إلى غير نفسه
حديثًا ولا يدعو من الناس منجدا
ولا طالبًا من دهره فوق قوته
كفاني من الغدران ما نقع الصدى
سأحمد عيشًا صان وجهي بمائه
وإن كان ما أعطى قليلًا مصردا
وقالوا: لقاء الناس أنس وراحة
ولو كنت أرضي الناس ما كنت مفردا

ونعود فنذكر أن أول قصيدة قالها الشريف في التوجع لأبيه هي الدالية:

نصافي المعالي والزمان معاند
وننهض بالآمال والجد قاعد

وقد نظمها وسنه فوق العشر بقليل، نظمها وهو في لفح العبارة القاسية التي فاه بها المطهر بن المطهر بن عبد الله وزير عضد الدولة حين اعتقل والد الشريف، فقد قال: إلى كم تدل علينا بالعظام النخرة!

وكان المنتظر أن تكون هذه القصيدة ضعيفة؛ لأنها من نسج شاعر طفل ولكن قسوة الحوادث أمدت الطفل بعقل الكهول، وأضافته إلى فحول الشعراء.

تقع هذه القصيدة في ثمانية وسبعين بيتًا، فهو فيها طويل النفس، وقد عرض فيها بالخليفة العباسي ولوح له بعظمة الفاطميين في مصر، وكان ذلك يومئذ من المحظورات، وانظروا كيف يقول:

وطاغ يعير البغي غرب لسانه
وليس له عن جانب الحق ذائد
شننت عليه الحق حتى رددته
صموتًا وفي أنيابه القول راقد
يدل بغير الله عضدًا وناصرًا
وناصرك الرحمن والمجد عاضدا
يعير رب الخير بالي عظامه
ألا نزهت تلك العظام البوائد
ولكن رأى سب النبي غنيمة
وما حوله إلا مريب وجاحد
ولو كان بين الفاطميين رفرت
عليه العوالي والظبا والسواعد

وفي هذه القصيدة تحدث الشريف عن سجن أبيه وعمه حديث الحكماء.

وهناك قصائد بلا تاريخ، منها قصيدة:

رأيت المنى نهزة الثائر
وسهم العلا في يد القامر

وقصيدة:

أما ذعرت بنا بقر الخدور
وغزلان المنازل والقصور

وقصيدة:

بلاء القلب ناظره
وأنجى الناس كاسره

وقصيدة:

شيمي لحاظك عنا ظبية الخمر١٨
ليس الصبا اليوم من شأني ولا وطري

وقصيدة:

لا ترقدن على الأذى
واعزم كما عزم ابن موسى

وقصيدة:

وفى بمواعيد الخليط وأخلفوا
وكم وعدوا القلب المعنَّى ولم يفوا

وقصيدة:

بيني وبين الصوارم الهمم
لا ساعد في الوغى ولا قدم

وقصيدة:

بمجال عزمي يملا الملوان
وتضل فيه بوائق الأزمان

وقصيدة:

من لي برعبلة من البزل
ترمي إليك معاقد الرحل١٩

فهذه القصائد التسع بلا تاريخ، ولكن الذي يتذكر ما شرحناه آنفًا يستطيع أن يعرف تواريخها بلا عناء، فليجعلها تلاميذنا في دار المعلمين العالية مجالًا للدرس والتحقيق.

ثم ننظر فنراه نظم ثلاث قصائد سنة ٣٧٤، الأولى قصيدة:

إذا احتبى بالعشب الوادي
وانحل فيه الواكف الغادي

والثانية قصيدة:

بغير شفيع نال عفو المقادر
أخو المجدلا مستنصرًا بالمعادر

والثالثة نظمها بعد أن سنحت الفرصة بالاجتماع مع أبيه عند قدومه من بلاد تدمر، كذلك يقول جامع الديوان، ولا نعرف ما هو قدوم الشريف من بلاد تدمر، ذلك القدوم الذي يسمح له بالاجتماع مع أبيه في بلاد فارس؟

ولكن لا بأس من الموافقة على أنه استطاع أن يرى أباه في ذلك العهد، فنحن في سنة ٣٧٤ وكان صمصام الدولة بدأ يشهد ضعف سلطانه في العراق. وفي هذه القصيدة يظهر شيء من البشاشة، فنرى الشريف يتغزل فيقول:

وماءٍ تشيه الريحُ كلَّ عشية
كما رقم البُردَ الصبيغ يماني
مررتُ بغزلان على جنباته
فأطلقن دمعي واحتبلْنَ جناني٢٠
وعاجلني لوم٢١ الرفيقين في الهوى
عشيةَ ما لي بالفراق يدان
يقولان أحيانًا بقلبك نشوة
وما علما أن الفراق سقاني
وكم غادر البين المفرِّق من فتًى
يمسِّح قلبًا دائم الخفقان
وما الحب إلا فرقة بعد ألفة
وإلا حذارٌ بعد طول أمان

وفي هذه القصيدة يعرض الشريف بمن خذلوه من الأقارب، ويذكر بعض ما لاقى من الخطوب، ثم يمضي إلى مدح أبيه فيقول:

وأبيض من عُيليا مَعَدٍّ كأنما
تلاقى على عِرنينه القمران٢٢
إذا رمت طعنًا٢٣ بالقريض حميته
وإن رمت طعنًا بالرماح حماني
يجود إذا ضن الجبان بنفسه
ويمضي إذا ما زلَّتِ القدمان
بصير بتصريف الأعنة إن سرى
ليوم نزال أو ليوم رهان
ترامى به الأيام وهو مصمم
كما يرتمي بالماتح الرجوان٢٤
إذا ما احتبى يوم الخصام كأنَّمَا
يحدثنا عن يذبُلٍ وأبان٢٥
أبا أحمد أنت الشجاع وإنما
نجرُّ العوالي عرضةً لطعان
ولما غوى الغاوون فيك وفُرِّجَتْ
ضلوعٌ على الغل القديم حواني
نجوت من الغماء وهي قريبة
نجاء الثريا من يد الدبران
وغيرك غض الذل من نجواته
وطامن للأيام شخص مهان
وحال الأذى بين المراد وبينه
كما حيل بين العير والنزوان
وكان كفحل البيت يطمح رأسه
فألقى على حكم الردى يجران٢٦

وهذا تعريض جارح برجال كان يعرفهم الشريف، ورجال اضطهدهم عضد الدولة فلم يثبتوا على البأساء، وقهرتهم الحوادث على التنصل من مذاهبهم السياسية وقد حاولنا أن نتعرف إلى بعض كبار العلويين في ذلك العهد، ولكنا خشينا أن نظلم الأموات بلا سبب تسنده البراهين، وأول من فكرنا فيه أبو الحسن العلوي، وكان شخصية هائلة تمتلك جماهير الناس في الكرخ وبغداد أقوى امتلاك، وقد اعتقل مع أبي أحمد الموسوي وصودرت أملاكه فكان في خزائنه من الذهب مليون دينار، وهو أضخم مبلغ للثروة الفردية في ذلك الحين، وهذا الرجل سكت عنه الشريف الرضي حين توجع لأبيه وعمه، فهل يمكن الظن بأنه دخل في مكاتبات سرية مع عضد الدولة لينعم بالخلاص:

ذلك ظن الظنون لا يقوم عليه دليل، ويكفي أن نسجل أن ذلك الرجل كان له في تلك العهود مكان مرموق، وأن من المحتمل أن يكون الشريف قصده بذلك التعريض.٢٧

•••

وفي سنة ٣٧٥ نظم الشريف ثلاث قصائد، الأولى قصيدة:

يا دار ما طربت إليك النوق
إلا وربعك شائق ومشوق

وهي من روائع المدائح.

والثانية قصيدة:

وقف على العبرات هذا الناظر
وكفاه سقمًا أنه بك ساهر

وهي من طلائع الفرح؛ لأنه نظمها وقد توجه أبوه من فارس في صحبة شرف الدولة، وهي قصيدة جرى فيها على مذاهب الشعراء فابتدأها بالتشبيب ثم تخلص إلى مدح أبيه فقال:

أغضيت عن وجه الحبيب تكرمًا
وأريته أن الجفون كواسر
هب لي وحسي نظرة أرنو بها
فمقرها وجه الحسين الزاهر
فلثم أبلج إن أهل جبينه
جمحت إليه خواطر ونواظر
قرب الغمام فعن قريب ينثني
فيبل مربعك العريض الماطر

والثالثة قصيدة:

من الظلم أن نتعاطى الخمارا٢٨
وقد سلبتنا الهموم العقارا

وقد نظمها حين وصل أبوه وعمه إلى شيراز، وفيها يقول في تعزيتهما عن ضياع الأملاك:

إذا سالم الدهر نفسيكما
فلا حارب الدهر إلا اليسارا
أصابتكما نكبة فانجلت
وعاودتما العز إلا الديارا
ودهر يرد علينا العلا
ء أجدر به أن يرد الغفارا٢٩
ألم تريا من رمته الخطوب
يمينًا تنازعه أو يسارا
لئن جلتما في مكر الزمان
فبواكما من مداه العثارا
فما يقرع الدهر إلا الحليم
ولا ينكث الخرق إلا الوقارا
تفرق مالكما في العدا
وشخصكما واحد لا يمارى

وهناك قصيدة غير مؤرخة نظمها الشاعر، وأنفذها إلى أبيه قبل دخوله بغداد بأيام يسيرة على يد بعض أصحابه، فهو كان يعرف معنى التحية تحية الراجع إلى وطنه وهو في الطريق، كما نرسل برقيات التحية في هذه الأيام ليفرح بها القادمون وهم على متون البواخر، وهذه القصيدة ليست من الطوال، ولكنها على قصرها تصور شوقه إلى أبيه، شوق الطفل المضيع إلى الوالد العطوف، فهو يذكر كيف تركه أبوه وهو نبت ضعيف ويشير إلى ما صنعت به الأيام فيقول في آخر القصيدة:

لما ذكرتك عاد قلبي شوقه
فبكين عنه مدامع الأقلام٣٠
خلفتني زرعًا فطلت وإنما
ذاك الغرار نمى إلى الصمصام٣١
أكدت على الأرض من أطرافها
وتدرعت بمدارع الإظلام٣٢
وعهدتها خضراء كيف لقيتها
أبصرت فيها مسرحًا لسوامي
أشكو وأكتم بعض ما أنا واجد
فأعاف أن أشكو من الإعدام٣٣

ثم يطلع البدر بعد طول الاحتجاب، ويرى الفتى أباه في بغداد سنة ٣٧٦ ولكن كيف رآه؟ رآه شاحب اللون، هزيل الجسم، قد نالت منه ظلمات الاعتقال، فيتمثله في حالين: حال البؤس، وحال النعيم، وتزيده أخيلة الماضي المخزن تعلقًا بذلك الشيخ الجليل الذي يعود إلى وطنه عود الجراز المفلول.

ولا يعلم إلا الله كيف خفق قلب ذلك الفتى حين رأى أباه، فقد كان لا يزال طفلًا، وكانت المعاني السود والبيض تلذع قلبه لذعًا عنيفًا، والعواطف العاصفة لا يعرفها غير الأطفال.

ولكن قصيدته في استقبال أبيه تدلنا على بعض ما جاش في صدره من المعاني، ولننظر كيف يقول:

طلوع هداه إلينا المغيب
ويوم تمزق عنه الخطوب
لقيتك في صدره شاحبًا
ومن حلية العربي الشحوب
إليه تمج النفوس الصدور
وفيه تهني العيون القلوب
تعزيت مستأنسًا بالعباد
والليث في كل أرض غريب٣٤
وأحرزت صبرك للنائبات
وللداء يومًا يراد الطبيب
لحا الله يومًا أرانا الديا
ر يندب فيها البعيد القريب
وما كان موتًا ولكنه
فراق تشق عليه الجيوب
لئن كنت لم تسترب بالزمان
فقد كان من فعله ما يريب
رمى بك والأمر ذاوي النبات
فآل وغصن المعالي رطيب
ولما جذبت زمام الزمان
أطاع ولكن عصاك الحبيب
ولما استطال عليك الزمام
وذلل فيك المطي اللغوب
رجوت البعاد على أنه
كفيل طلوع البدور الغروب
رحلت وفي كل جفن دم
عليك وفي كل قلب وجيب
ولا نطق إلا ومن دونه
عزاء يغور ودمع ربيب
وأنت تعللنا بالإياب
والصبر مرتحل لا يؤوب
وسر العدا فيك نقص العقول
وأعلم أن لا يسر اللبيب
أما علم الحاسد المستغر
أن الزمان عليه رقيب
قدمت قدوم رقاق السحاب
تخطر والربع ربع جديب
فما ضحك الدهر إلا إليـ
ـك مذ بان في حاجبيه القطوب

إلى أن يقول:

لحياك مني عند اللقاء
خلق عجيب وخلق أديب٣٥
وخلفتني غرس مستثمر
فطال وأوراق ذاك القضيب
ذخرت لك الغرر السائرات
يعبر عنها الفؤاد الكئيب
تصون مناقبك الشاردات
أن تتخطى إليها العيوب
وإني لأرجوك في النائبات
إذا جاءني الأمل المستثيب

وفي تلك السنة يظهر لون جديد في شعر الشريف: هو مدح بني بويه، وكان من قبل لا يمدح غير الخلفاء. لقد كان ذلك الفتى يبغض بني بويه بغضًا شديدًا. ولكن ذاك البغض هدأ بعد أن رأى شرف الدولة الذي أنقذ أباه من الاعتقال.

وكذلك نراه ينظم قصيدة جيدة في مدح ذلك الملك، ولكنه لا ينسى أن ينص على سبب المدح فيقول:

هذا أبي والذي أرجو النجاح به
أدعوه منك طليق الهم والجذل
لولا ما انفسحت في العيش همته
ولا أقر عيون الخيل والخول
حططته من ذرى صماء شاهقة
مر الزمان عليها غير محتفل
تلعاء عالية الأرداف تحسبها
رشاء عادية مستحصد الطول٣٦
تلقى ذوائبها في الجو ذاهبة
يلفها البرق بالأطواد والقلل٣٧
وأنت طوقته بالمن جامعة٣٨
قامت عليه مقام الحلي والحلل
أوسعته فرأى الآمال واسعة
وكل ساكن ضيق واسع الأمل
جذبت من لهوات الموت مهجته
وكان يطرف في الدنيا على وجل٣٩
وما كان حسامًا أغمدته يد
ثم انتضته اليد الأخرى على عجل
فاقذف به ثغر الأهوال منصلتا
واستنصر الليث إن الخيس للوعل٤٠
ولا تطيعن فيه قول حاسده
إن العليل ليرمي الناس بالعلل
أولى بتكرمة من كان يحمدها
والحمد يقطع بين الجود والبخل
كفاك منظره إيضاح مخبره
في حمرة الخدما يغني عن الخجل
تحمل الشرف العالي وكم شرف
غطى عليه رداء العي والخطل

أيها السادة

لقد زفت سنة ٣٧٦ أعظم بشرى إلى الشريف، إذ سمح له الدهر برؤية أبيه في بغداد، ولكن هناك بشرى ثانية، فما هي تلك البشرى؟ أهي رد الأملاك التي صودرت بعد الاعتقال؟ هيهات، فلن ترد الأملاك إلا بعد سنين، فما هي تلك البشرى إذن؟

هي موت المطهر بن عبد الله وزير عضد الدولة، وقد شمت الشريف في موت ذلك الوزير الذي اعتقل أباه وعبره الإدلال بالعظام النخرات، عظام أهل البيت.

وأعيذكم أن تؤاخذوا الشريف على الشماتة في ميت، فللشريف عذره وهو أنه لا يزال فتى غض تبصره الأيام بمقامات الكلام، وموقفنا في هذه المحاضرات موقف المؤرخ للأفكار الأدبية، فلا بأس من الإشارة إلى هذا الحادث الذي كنا نتمنى أن لا تزل فيه قدم الشريف.

ولكن من الذي يوجب احترام عظام ذلك الميت بعد أن أهان عظام أهل البيت؟ هي غلطة بغلطة، وجزاء سيئة سيئة مثلها، وليس الشريف من المعصومين.

وفي الحق أني أنكرت تلك الشماتة، ولو كنت رأيت الشريف الرضي لرجوته تمزيق هذه القصيدة! ومن يدري فلعلي لو كنت مكانه لوقعت في أقبح مما وقع فيه، وهل للشعراء عقول؟

ابتدأ الشريف تلك القصيدة بمدح أبيه، فلما وصل إلى التعريض بذلك الميت قال:

وجبان لويت عنه فأمسى
وجل العين من قراع الرقاد٤١
مستطيرًا كأن أهداب جفنيـ
ـه على الناظرين شوك القتاد
لا أقال الإله من خانك العهـ
ـد وجازاك بغضة بالوداد
ظن بالعجز أن حبسك ذل
والمواضي تصان بالإغماد
قصر الدهر من ذراه وقد كا
ن بتلك الظبا طويل النجاد
وأذل الزمان بعدك عطفي
ـه وقد كان من أعز العباد
كنت ليثًا وكان ذئبًا ولكن
لا تلذ الأشكال بالأضداد
وتمادى بما جناه على الأيـ
ـام حتى جنى عليه التمادي
سمحت كفه به للمنايا
بعد أن لم يكن من بالأحواد
ظن أن المدى يطول وفي الآ
مال ما لا يعان بالأجداد٤٢
هكذا تدرك النفوس من الأعـ
ـداء برد القلوب والأكباد
كل حبس يهون عند الليالي
بعد حبسي الأرواح في الأجساد
وتداركت ما تمنيت والأحـ
ـشاء مزورة على الأحقاد
نلت بعضًا وسوف تدرك كلًّا
إنما السيل بعد قطر العهاد٤٣

أيها السادة

في هذا البيت الأخير ترون الشريف يصرح بأن أباه لم ينل بعودته من فارس كل شيء، وهذا حق، فقد ضاعت من أبي أحمد الموسوي أشياء، ضاعت منه الأعمال الرسمية وكانت من أعظم مظاهر التشريف، وهي نقابة الطالبيين، وإمارة الحج، والنظر في المظالم، وضاعت منه الموارد الأساسية للرزق، وهي الأملاك التي صودرت وحرم منها أطفاله منذ سنين.

أما الأعمال الرسمية فلم تعد إليه بعودته إلى بغداد، وإنما طاولتها الظروف فلم تعد إلا في سنة ٣٨٠، وكان لرجوع تلك المناصب إلى أبي أحمد الموسوي نشوة طرب رقصت لها أخيلة الشعر في خواطر الشريف الرضي فاندفع يقول:

انظر إلى الأيام كيف تعود
وإلى المعالي الغر كيف تزيد
وإلى الزمان نبا وعاود عطفه
فارتاح ظمآن وأورق عود
نعم طلعن على العدو بغيظه
فتركنه حمر الجنان يميد٤٤
قد عاود الأيام ماء شبابها
فالعيش غض والليالي غيد
إقبال عز كالأسنة مقبل
يمضي وجد في العلاء جديد
وعلا لأبلج من ذؤابة هاشم
يثني عليه السؤدد المعقود
قد فات مطلوبًا وأدرك طالبًا
ومقارعوه على الأمور قعود
خسأت عيونهم وقد طمحت له
عدد عراض في العلا وعديد
ما صال إلا انجاب غي مظلم
واندق من عمد الضلال عمود
يأسو ويجرح فالجراحة عزمة
تصمى وآسيها الندى والجود
سطو وصفح يطرقان عدوه
أبدًا ووعد صادق ووعيد
عن أي باع في العلاء رميتم
ليثًا تقيه مقادر وجدود
طاشت سهامكم وفارق نزعه
سهم إلى قلب العدو سديد
حسدوك لما فات سعيك سعيهم
صعدًا فما نقع الغليل حسود
ورأوا بوائجها تلوح وريحها
تسري وعارضها الغزير يجود٤٥
عجل الزمان بها إليك وحطمت
بين الضلوع ضغائن وحقود
قد كنت أخشى أن يقول: مخبر
كادوا وما أعطوا المراد فكيدوا
أو أن يقال: أقارب نزعت بهم
ظنن فكل بالعقوق بعيد٤٦
سئلوا العود٤٧ فجانبوه فعاودوا
وألان إذ ملك الزمام٤٨ وقيدوا
لولا الألية منك أن لا تنتضي
عضبًا يقوم مقامه التفنيد٤٩
لسننت في الأقوام غير ملوم
ما سن يوم ابن الزبير يزيد
اليوم أصحرت الضغائن وانجلت
تلك الموارن والجاه السود٥٠
وتراجعوا عصبًا إليك وخلفهم
عنف السباق وللقلوب وئيد٥١
فاصفح فسوف ينال صفحك منهم
ما لا ينال العضب وهو حديد٥٢

وهي قصيدة على جانب عظيم من السلاسة والقوة، وقد سكتنا عن رواية الأبيات الخاصة برجوع تلك المناصب، وأثبتنا الأبيات التي تعبر عن الثورة على الأقارب؛ لأن هذه الأبيات ستنفعنا فيما بعد، حين نبحث عن السبب في شراسته وهو يخاطب الأقرباء.

•••

أما الأملاك التي صودرت فسيطول عليها التفجع، ولكن سيرد منها جزء في سنة ٣٨٦ وجزء في سنة ٣٩٦، ومعنى ذلك أن أبا أحمد الموسوي سيظل في انتظار أملاكه المسلوبة إلى أن تضعفه الشيخوخة، ويقضي الزمن على نور عينيه بالذهاب.

وإنما نعبر بهذه العبارة الحزينة لنعلل فرح الشريف برجوع تلك الأملاك، فقد كان يرى أباه شيخًا ضعيفًا لا يعرف السبيل إلى مسالك الرزق، ولا تستر شيخوخته إلا برجوع تلك الأملاك.

وهنا نشير إلى خطأ وقع فيه جامع الديوان، فقد ذكر أن الشريف هنا أباه برد أملاكه إليه بأسرها في سنة ٣٨٦، والصواب أن تقرن هذه العبارة بالقصيدة التي نظمها سنة ٣٩٦.

فعندنا إذن قصيدتان في التهنئة برد تلك الأملاك: الأولى عينيه والثانية دالية.

أما العينية فهي قصيدة جزلة تحدث فيها الشريف عن عزمه الوثاب، وبليته بالأعداء، ثم وجه الخطاب إلى أبية فقال:

ليهنك ما تجدده الليالي
وحسبك من فراق واجتماع
وما رد الزمان عليك حفظًا
من الأملاك والمال المضاع
تماري الناس قبلك وهي غصب
أديوان الضياع أم الضياع٥٣
وعادت في يديك مروضات
وكانت فقع قرقرة بقاع
ظفرت بما اشتهيت وأنت وانٍ
ونال البعض غيرك وهو ساعٍ
يبشر والقلوب مفجَّعات
كأنَّ بشيره في الخلق ناعٍ
وما كل المواهب بالأماني
ولا كل الأحاظي بالقراع٥٤
لكلِّ في بلوغ العز طبعٌ
وبعض الناس مختلف الطباع

وقد ساقه المقام إلى أن يسجل مكرمة شرف الدولة فقال:

أجار أبو الفوارس منك سيفًا
تحامته يمين أبي شجاع
فدًى لك من ينازعك الرزايا
ويُقرِضُك الأذى صاعًا بصاع
يَعَضُّ أنامل الأسد الضواري
عليك بغيظ أنياب الأفاعي
رعاك بلحظ طَرفٍ غير وانٍ
وعاج عليك سمعًا غير واع
فكنت السيف أغمده جبانٌ
فَسُلَّ وقد تصدَّى للمصاع٥٥
ألان٥٦ رِدِ العلاءَ بلا رقيب
وشمِّر في الأمور ولا تراع
ولا يغررك قعقعة الأعادي
فذاك الصخر خَرَّ من اليفاع
ألان٥٧ تراجعت تلك الرعايا
وجهزت الرعية للمراعي
وعاد السرب أمنع من قلوب
تُقَلب بين أضلاع السباع

وأما الرائية فهي قصيدة مرقصة:

نطق اللسان عن الضمير
والبشر عنوان البشير
ألآن أعفيت القلو
ب عن التقلقل والنفور
وانجابت الظلماء عن
وَضَح الصباح المستنير
ما طال يوم ملثمٍ
إلا استراح إلى السفور
خَبَرٌ تشبث بالمسا
مِعِ عن فم الملك الخطير
وأَذَلَّ أعناق العِدَا
ذُلُّ المطية للجرير٥٨
يسمو به قول الخطيـ
ـب وتستطيل يد المشير
وضمائر الأعداء تقـ
ـذف بالحنين على الزفير
وسوابق العبرات تر
كض في السوالف والنحور

وهي طويلة وكلها على هذا النسق المرقص.

أيها السادة

إلى هنا أكتفي بترتيب الحوادث في مسايرة الشريف وهو يمدح أباه، ويكفي أن ننص على أن ما سنغفله من تهنئة أبيه بالأعياد له دلالة سياسية، فهو كان يرى أباه خليقًا بأن يهنأ بالأعياد كما يهنأ الملوك والخلفاء، وأريد التهنئة الدورية التي تصاغ في كل موسم بلا تخلف، وهي بالتأكيد شارة الرياسة وعنوان السلطان.

أترك هذا الجانب من قصائد الشريف في مدح أبيه، وهي مبثوثة في الديوان يرجع إليها منكم من يشاء.

ثم أشير إلى قصائد لها قيمة في بيان المنزلة الاجتماعية لأبي أحمد الموسوي.

ويشهد ديوان الشريف بأن الموسوي تلافى الفتنة بين السنة والشيعة في سنة ٣٨٠، فهو على ذلك كان من الزعماء المصلحين، ولم يكن من الزعماء المفسدين.

والخلاف بين السنة والشيعة قديم في العراق، وهو خلاف كان مشئومًا من جانب، وميمونًا من جانب؛ كان مشؤومًا لأنه قسم العراق إلى جيشين يقتتلان؛ وكان ميمونًا لأنه علم العراقيين الجدل وجعلهم من أعرف الأمم الإسلامية بأصول المذاهب والآراء، وربما جاز لي أن أصرح بأن هذا الخلاف كان سببًا في حياة اللغة العربية؛ لأنه أمد التصنيف والتأليف بفنون من القوة والحيوية، وعاد على الشعر والنثر بأجزل النفع، وللشر مزايا في بعض الأحيان.

ولكن هذا الخلاف كان في حاجة إلى من يرعاه ويحوله إلى جدل مقبول يشحذ به الذهن والعقل، وقد استطاع أبو أحمد الموسوي أن يقف مرة موقف المصلح فيحقن الدماء، ويغنم السلامة للإخوان المتخاصمين. وتظهر قيمة هذا الموقف النبيل إذا تذكرنا أن الخلاف بين السنة والشيعة كانت تؤرثه دسائس خارجية، وما تقول هذا رجمًا بالظن، وإنما عرفنا هذه الحقيقة بعد التعمق في دراسة الوضع السياسي للنصف الثاني من القرن الرابع، فموقف أبي أحمد الموسوي كان موقف السياسي المحنك الذي يبصر ما وراء الأكمة من المعاطب والحتوف.

وقد سجل ابنه ذلك الموقف الصالح فقال:

وخطب على الزوراء ألقى جرانه
مديد النواحي مدلهم الجوانب
وأضرمها حمراء ينزو شرارها
إلى جنبات الجو نزو الجنادب
سللت عليه الحزم حتى جلوته
كما انجاب غيم العارض المتراكب
وقد علم الأعداء أنك تحته
غلبت وما كان القضاء بغالب
وأقشعت عن بغداد يومًا دويه
إلى الآن باق في الصبا والجنائب٥٩
ولولاك عُلِّي بالجماجم سورها
وخندق فيها بالدماء الذوائب

وأنتم تلاحظون أن هذه الأبيات تمثل عطف الشريف على بغداد: فهو يكره أن تكون مسايل دماء.

والواقع أن الشريف كان قليل الرعاية للعصبية المذهبية، والظاهر أنه كان حر العقل إلى حد بعيد: فقد كان يدرس جميع المذاهب الإسلامية؛ ليمد عقله بالأنوار التي يرسلها اختلاف الفقهاء، واهتمامه بمذهب الشافعي معروف، مع أن مذهب الشافعي في ذلك العهد لم يكن له أنصار أقوياء في العراق، وإنما كان أنصاره من المصريين.

•••

ويشهد الديوان أيضًا بأن أبا أحمد المسوي سافر إلى فارس للإصلاح بين الملكين: بهاء الدولة وصمصام الدولة، والإصلاح بين العسكرين: البغدادي والفارسي.

ومعنى ذلك أن هذا الرجل كان يرجَى لتضميد الجروح، وليس ذلك بالفضل القليل، ولا يعرف قيمة هذا الفضل إلا من يراجع ما دون التاريخ من فواجع ذلك الشقاق.

وفي هذا يقول الشريف من قصيدة نظمها في رمضان سنة ٣٨٧:

سائل عن الطود لم خفَّت قواعده
وكان إن مال مقدار به رجحا٦٠
قد جربوه فما لانت شكيمته
وحملوه فما أعيا ولا رزحا٦١
رموا به الغرض الأقصى فشافهه
مر القطامي جلي بعد ما لمحا
من العراق إلى أجبال خرمة٦٢
يا بعده منبذًا عنا ومطرحا
ليس الملوم الذي شد اليدين به
يضمم على الصفقة العظمى وقد ربحا
إن أغمدوه فلم تغمد فضائله
ولا نأى ذكره الداني وقد نزحا

وفي سنة ٤٠٠ مات أبو أحمد الموسوي وسنه سبع وتسعون سنة، فرثاه ابنه بقصيدة بلغت تسعة وثمانين بيتًا، وهي من الطوال الجياد، نذكر منها قوله في وصفه بقوة الشجاعة ورصانة البيان:

أنعاك للخيل المغيرة شزبًا٦٣
خبط المغار بهن من لم يجزم
كالسرب أوجس نبأة من قانص
فمضى يلف مؤخرًا بمقدم٦٤
واليوم مقذ للعيون بنقعه٦٥
لا يهتدي فيه البنان إلى الفم
ومقاوم عرض الكلام بروده
فيهن بين معضد ومسهم٦٦
أغضى لها المتشدقون وسلموا
لهدير شقشقة الفنيق المقرم٦٧
بالرأي تقبله العقول ضرورة
عند النوائب لا بكيف ولا لم

أيها السادة

حدثنا كم فيما سلف عن الخصومة بين الرضي والمعري، وقد جاءت الفرصة لتصحيح ذلك، والفضل في هذا التصحيح للصديق الكريم سعادة الأستاذ طه الراوي، أعزه الله ورعاه، فقد نبهنا إلى المرثية الماثورة التي بكى بها المعري أبا أحمد الموسوي، وهي تشهد بأن المعري كان على صفاء مع الرضي وأخيه المرتضى إلى سنة ٤٠٠ وهو لم يقم في بغداد بعد ذلك غير قليل، ويقول الأستاذ طه الراوي: إن من المستبعد جدًّا أن ينسى الشريف وأخوه هذه المرثية فيسيئان إلى المعري بسبب عطفه على المتنبي، وبذلك تتبدد الشبهة التي ذكرها مؤرخو الأدب واعتمد عليها سعادة الدكتور طه حسين في كتابه القيم «ذكرى أبي العلاء».٦٨ ومطلع مرثيه المعري:
أودى فليت الحادثات كفاف٦٩
مال المسيف وعنبر المستاف٧٠

وفيها يقول في الثناء على الشريفين:

أبقيت فينا كوكبين سناهما
في الصبح والظلماء ليس بخاف
متأنقين وفي المكارم أرتعا
متألقين بسؤدد وعفاف
قدرين في الإرداء بل مطرين في
الإجداء بل قمرين في الإسداف
رزقا العلاء فأهل نجد كلما
نطقا الفصاحة مثل أهل دياف٧١
ساوى الرضيُّ المرتضى وتقاسما
خطط العلا بتناصف وتصاف

وفي ختامها يقول:

يا لكي سرح القريض أتتكما
مني حمولة مسنتين عجاف٧٢
لا تعرف الورق اللجين وإن تسل
تخبر عن القلام والخذراف٧٣
وأنا الذي أهدي أقل بهارة
حسنًا لا حسن روضة مئناف٧٤
أوضعت في طرق التشرف ساميًا
بكما ولم أسلك طريق العافي٧٥

ويحسن أن نشير إلى أن شوقي عارض هذه القصيدة وهو يرثي إسماعيل صبري — عليهما رحمة الله، وقد بلغ شوقي غاية الحكمة إذ يقول:

ما أنت يا دنيا أرؤيا نائم
أم ليل عرس أم بساط سلاف
نعماؤك الريحان إلا أنه
مست حواشيه نقيع زعاف

والاستطراد على ما فيه من فوائد لا يسمح في هذا الموطن بأن نوازن بين حضرية شوقي وبدوية أبي العلاء، فلنقف عند هذا الحد من الشؤون المتصلة بولد الشريف، وفيما سلف غناء أي غناء.

هوامش

(١) اعترض بعضهم على أن تجري كلمة (أسود) مجرى أفعل التفضيل، ونحن لا نلتفت إلى هذا الاعتراض؛ لأن كثيرًا من الشعراء تحللوا من بعض قيود أفعل التفضيل طلبًا للتخفيف.
(٢) عبارة ابن مسكويه في تجارب الأمم ج٣ ص٣٧.
(٣) الألوك: الرسالة، ومثلها المالكة.
(٤) الطود: الجبل. وساخ: انخسف.
(٥) باخ: برد.
(٦) الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذي لكرامته على أهله ولا يركب. وخوى: سقط به.
(٧) يكرع: يعب. والنقاخ على وزن غراب: الماء البارد العذب الصافي.
(٨) العقاب بالضم طائر من الجوارح. والشغواء: المختلفة نبت الأسنان بالطول والقصر والدخول والخروج، وهي تطلق على العقاب، والنِّيق بالكسر أرفع موضع في الجبل. والسماخ: الارتفاع.
(٩) الكلمات هنا لم تبلغ العشر، وهي كاملة في ابن الأثير ج٩ ص٨ ومنها: «كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى نفذ فيك؟ وهلا اتخذت دونه جنة تقيك؟ إن في ذلك لعبرة للمعتبرين، وإنك لآية للمستبصرين».
ويقول ابن الأثير: إن عضد الدولة كان له شعر حسن، وإنه قال حين أرسل إليه أبو تغلب بن حمدان يعتذر عن مساعدته بختيار ويطلب الأمان:
أأفاق حين وطنت ضيق خناقه
يبغي الأمان وكان يبغي صارما
فلأركبن عزيمة عضدية
ناجية تدع الأفوف رواغما
(١٠) عبارة ابن مسكويه في تجارب الأمم ج٣ ص٨١.
(١١) الضراء بالفتح: الاستخفاء.
(١٢) الأملاك: الملوك.
(١٣) اللحاء: القشر.
(١٤) من الإقطاع وهو الإعطاء. والمثقف: الرمح.
(١٥) تمنى: تتمنى بحذف إحدى التاءين للتخفيف.
(١٦) العدم بضم العين وهو الفقر.
(١٧) المعنى أن العدو يخاف سيفه. ولكنه لا يخاف لسانه؛ لأنه لا يصون لسانه عن الاغتياب.
(١٨) الخمر بالتحريك ما دارك من شجر وغيره.
(١٩) الرعبلة: الناقة الرعناء، ولا تكون كذلك إلا لفرط النشاط. والبزل جمع بازل وهو الذي بلغ تسع سنين.
(٢٠) في الديوان (اختبلن) بالخاء المعجمة وهو تحريف.
(٢١) في الديوان (يوم) والصواب ما أثبتناه.
(٢٢) العرنين بالكسر هو الأنف.
(٢٣) أحب أن أقرأ: «إذا رام طعنًا».
(٢٤) الرجوان: مثنى الرجا وهو ناحية البشر.
(٢٥) يذبل وأبان: جبلان.
(٢٦) الجران بالكسر: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره.
(٢٧) ظهر لنا أن الفرض صحيح، وسنثبت الشاهد الذي يؤيده في ذيل الكتاب.
(٢٨) الخمار بالضم: صداع الخمر.
(٢٩) الغفار بالضم: يراد به المال.
(٣٠) جمع الشريف بين نون النسوة وبين الفاعل، وهذا يقع أحيانًا في شعره ومنه أيضًا قوله:
فما تعني القوادم من جناح
تحامل إن قعدن به الخوافي؟
(٣١) الغرار بكسر الغين حد السيف.
(٣٢) أكدت الأرض غلظت وصلبت.
(٣٣) الإعدام: الفقر.
(٣٤) الشطر الثاني يجر مجرى الأمثال.
(٣٥) الخلق الأول بفتح الخاء والثاني بضمها، يريد أن جسمه نما وعقله اكتمل وكان أبوه تركه طفلًا.
(٣٦) تلعاه: عالية، والرشاء الحبل والمستحصد المتين.
(٣٧) القلل: جمع قلة بالضم وهي القمة.
(٣٨) الجامعة: الطوق.
(٣٩) اللهوات: جمع لهاة وهي اللحمة المشرفة على الحلق.
(٤٠) الثغر: جمع ثغرة بالضم وهي الفتحة، والمتصلت. السيف الصقيل والخيس بالكسر موضع الأسد، والوعل تيس الجبل.
(٤١) القراع بالكسر مصدر قارعه مقارعة إذا قاتله.
(٤٢) الأجداد: جمع جد بالفتح وهو الحظ.
(٤٣) العهاد جمع عهد وهو أول مطر الوسمي.
(٤٤) حمر الجنان: مكوي القلب، من قولهم: حمر الرجل إذا توقد غضبًا.
(٤٥) البوائج جمع بائجة وهي الداهية.
(٤٦) الظنن جمع ظنة بالكسر وهي التهمة.
(٤٧) العواد بالضم يراد به الصلح.
(٤٨) في الديوان (الزمان).
(٤٩) الألية: اليمين. والعضب: السيف.
(٥٠) أصحرت: انكشفت. والموارن جمع مارن وهو الأنف.
(٥١) الوئيد في الأصل هدير البعير، والمراد هنا الصوت العالي الشديد.
(٥٢) حديد: قاطع.
(٥٣) الضياع بفتح الضاد من ضاع يضيع فهو ضائع، والضياع بكسر الضاد جمع ضيعة بالفتح وهي العقار والأرض المغلة.
(٥٤) القراع: بالكسر القتال.
(٥٥) المصاع بالكسر المضاربة.
(٥٦) مخففة من: ألآن.
(٥٧) مخففة من: ألآن.
(٥٨) الجرير: الحبل تخطم به المطية.
(٥٩) الصبا بفتح الصاد، والجنائب جمع جنوب، والمراد ريح الصبا وريح الجنوب.
(٦٠) الطود، الجبل، والقواعد: الأركان.
(٦١) رزح: ضعف وسقط، إعياء، أو هزالًا.
(٦٢) خرمة على وزن سكرة موضع في أرض فارس.
(٦٣) الشزب جمع شازب وهو الضامر.
(٦٤) النبأة: الصوت الخفي، أو صوت الكلاب.
(٦٥) النقع: غبار الحرب وهو العثير أيضًا.
(٦٦) المقاوم جمع مقام. والمعضد ثوب له علم في موضع العضد. والمسهم: البرد المخطط.
(٦٧) الفتيق الفحل يكرم على أهله فلا يركب. والمقرم وصف للفحل.
(٦٨) عرضنا هذا الرأي على الدكتور طه حسين فلم يسترح إليه. وقد أعاد في كتابه «مع أبي العلاء في سجنه» ما أثبته في كتابه «ذكرى أبي العلاء» مع أن رأي الأستاذ طه الراوي واضح كل الوضوح: فالحادثة إن كانت وقعت قبل موت الموسوي، فمن البعيد أن يرثيه أبو العلاء وقد أهين في داره على يد ابنه الكبير، ووقوعها بعد موته غير معقول؛ لأن رثاء أبي العلاء للموسوي يفرض على الشريفين أن يراعيا كرامة أبي العلاء، فلا يلقى الهوان وهو ضيف له عندهما عهد … ويؤيد رأي الأستاذ طه الراوي أن تلك الحادثة لم يتحدث عنها مؤلف قبل ياقوت.
(٦٩) كفاف: اسم معدول مبني على الكسر، جعله الشاعر اسمًا لكف الأذى. أي: ليت الحادثات يكف بعضها بعضًا ويقوم خيرها بشرها «انظر شرح سقط الزند» من ٧٦ ج٢.
(٧٠) المسيف من أساف الرجل إذا ذهب ماله. والمستاف من الاستياف وهو الشم.
(٧١) دياف بكسر الدال موضع نبط لا فصاحة فيه.
(٧٢) المسنتون الذين أصابتهم السنة، أي: الجدب، والعجاف المهازيل.
(٧٣) القلام والخذارف ضربان من الحمض من نبات البادية، واللجين الورق المدقوق المخلوط بالنوى المرضوض وهو من علوفة أهل الأمصار، والمعنى أن القصيدة بدوية لا حضرية.
(٧٤) المئناف والأنف بضمتين الروضة التي لم ترع من قبل.
(٧٥) أوضعت: أسرعت، والعافي: طالب المعروف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١