الفصل الخامس

خليفة كوبرنيكوس

أخيرًا انتهت الحرب العالمية الأولى بعد أن عطلت أعمال أينشتاين وأشاعت الفوضى في حياته، فظل يترقب بشغف النتائج التي سيخرج بها تحليل الكسوف الشمسي المنتظر حدوثه في ٢٩ من مايو/أيار عام ١٩١٩، وكان الفلكي البريطاني آرثر إدنجتون Arthur Eddington قد أبدى استعداده لإجراء التجربة التي سيتحقق بمقتضاها من نظريته؛ شغل إدنجتون في ذلك الوقت منصب سكرتير الجمعية الفلكية الملكية بإنجلترا، وكان خبيرًا باستخدام التلسكوب في الأرصاد الفلكية، وعلى دراية كبيرة بالحقائق الرياضية التي تقوم عليها النسبية العامة، وبخلاف هذا كان لديه دافع أقوى للاضطلاع بهذه المهمة؛ فلم يكن يريد تأدية الخدمة العسكرية والقتال مع الجيش البريطاني في الحرب العالمية الأولى لأن عقيدة الكويكرز التي ينتمي إليها تمنعه من هذا، بل إنه كان مستعدًّا لأن يسجن في مقابل ألا يخالف تعاليم عقيدته المسالمة، لكن مسئولي جامعة كامبريدج خشوا الفضيحة إذا سُجن أحد نجومهم الصاعدة في سماء العلم لأنه تمسك بمبادئه، فتفاوضوا مع الحكومة حول تأجيل خدمته العسكرية شرط أن يقوم بواجب مدني بقيادته للبعثة التي ستراقب الكسوف الشمسي لعام ١٩١٩ وتختبر نظرية أينشتاين، وهكذا صار اختبار النسبية العامة واجبًا وطنيًّا عليه.
أقام آرثر إدنجتون معسكره في جزيرة برنسيبي الواقعة بخليج غينيا على مقربة من ساحل أفريقيا الشرقي، وفي الوقت نفسه أبحر فريق آخر بقيادة أندرو كروملين Andrew Crommelin إلى سوبرال بشمال البرازيل، كادت التجربة أن تفسد بفعل سوء الأحوال الجوية واحتجاب الشمس وراء الغيوم الماطرة، لكن المعجزة حدثت وانقشعت الغيوم لفترة وجيزة كانت كافية لالتقاط صور للنجوم في الواحدة والنصف ظهرًا.

لم يعد الفريقان إلى إنجلترا ويبدءا في تحليل البيانات إلا بعد عدة أشهر، لكن إدنجتون بعد أن انتهى من مقارنة الصور التي التقطها بصور أخرى كان قد التقطها تلسكوبيًّا في إنجلترا قبل عدة أشهر وجد بالفعل انحرافًا يبلغ متوسطه ١٫٦١ ثانية قوسية، في حين قدر فريق سوبرال الانحراف ﺑ ١٫٩٨ ثانية قوسية، وبحساب متوسط النتيجتين معًا قدروه ﺑ ١٫٧٩ ثانية قوسية وهو ما أكد نتيجة أينشتاين ١٫٤٧ حيث الفارق بينهما يقبل في إطار الخطأ التجريبي، ومنذ ذلك اليوم ظل إدنجتون يعتبر لحظة تأكيده لصحة النسبية العامة أعظم لحظة في حياته.

وفي ٢٢ سبتمبر/أيلول من عام ١٩١٩ تلقى أينشتاين برقية من هندريك لورنتز يبلغه بتلك الأخبار العظيمة، فما كان من أينشتاين إلا أن كتب خطابًا لأمه يقول فيه بحماس: «أمي العزيزة، تلقيت اليوم أخبارًا سارة، فقد أبرق لي هندريك لورنتز يبلغني أن البعثة الإنجليزية قد أثبتت بالفعل انحراف أشعة الضوء بفعل الشمس.»١ وفي ليلة وصول الخبر ظل ماكس بلانك ساهرًا طوال الليل يراجع بيانات الكسوف الشمسي كي يتأكد من أنها تثبت بالفعل صحة النسبية العامة، وقد تندر أينشتاين من هذا الموقف بأن قال: «لو كان يفهم النسبية العامة حقًّا لغط في النوم كما فعلت أنا.»٢
ومع أن أخبار نظرية الجاذبية الجديدة التي وضعها أينشتاين كانت في ذلك الوقت موضوع الحديث الرئيسي لكل المنتمين إلى المجتمع العلمي فإن الموضوع لم ينتشر بين العامة إلا بعد الاجتماع المشترك الذي ضم الجمعية الملكية والجمعية الفلكية الملكية بلندن والذي جرى في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني من عام ١٩١٩، وهو الاجتماع الذي جعل أينشتاين يتحول فجأة من أستاذ فيزياء ذي مكانة كبيرة في برلين إلى شخصية عالمية ووريث عن استحقاق لمكانة إسحق نيوتن العلمية، وقد علق الفيلسوف ألفريد وايتهيد Alfred Whitehead على هذا المؤتمر قائلًا: «كان يخيم عليه جو من الترقب المحموم جدير بالدراما الإغريقية.»٣ كان السير فرانك دايسون Sir Frank Dyson هو أول المتحدثين في المؤتمر فقال: «بعد الدراسة المدققة لنتائج التجارب التي قدمت إليّ فإنني مستعد للجزم بأنها تؤكد نظرية أينشتاين؛ فقد خرجت التجارب بدليل أكيد على أن الضوء ينحرف بالطريقة نفسها التي نص عليها قانون أينشتاين للجاذبية.»٤ ثم تحدث جيه جيه تومسون J. J. Thomson رئيس الجمعية الملكية والحاصل على جائزة نوبل قائلًا: «إن هذا لواحد من أعظم الإنجازات في تاريخ الفكر الإنساني، وهو ليس كاكتشاف جزيرة معزولة بل هو يماثل اكتشاف قارة جديدة من الأفكار العلمية. إنه الاكتشاف الأعظم في مجال الجاذبية منذ أن خرج نيوتن بقوانينه.»٥
وهناك قصة غير مؤكدة تقول إنه بينما كان إدنجتون يهم بمغادرة الاجتماع استوقفه عالم آخر وقال له: «هناك شائعة تقول إنه ليس في العالم بأسره إلا ثلاثة أشخاص يفهمون نظرية أينشتاين، ولا بد أنك أحدهم.»٦ ولما ظل إدنجتون واقفًا دون أن يتكلم قال له العالم: «لا تتواضع يا إدنجتون»٧ فهز إدنجتون كتفيه وقال: «لا إطلاقًا، إنني فقط لا أدرى من هو الشخص الثالث.»
وفي اليوم التالي خرجت صحيفة التايمز اللندنية بعنوان كبير على هذا النحو: «ثورة علمية – نظرية جديدة للكون – سقوط نظرية نيوتن – كشف عظيم – الفضاء منحن»٨ (وقتها كتب إدنجتون لأينشتاين يقول له: «إن كل من في إنجلترا يتحدث عن نظريتك … وهو الأمر الذي يعزز العلاقات العلمية بين إنجلترا وألمانيا.»٩ وأثنت الصحف اللندنية على أينشتاين لأنه لم يوقع على ذلك البيان الشائن الذي وقع عليه العلماء الألمان الثلاثة والتسعون وهو البيان ذاته الذي أثار سخط علماء إنجلترا).
لعب إدنجتون دورًا كبيرًا في الترويج لأينشتاين والدفاع عن نظرية النسبية ضد كل من يعارضونها في العالم الناطق بالإنجليزية، وهو في فعله هذا كان مثل توماس هاكسلي Thomas Huxley الذي عاش في القرن التاسع عشر وكان المدافع الرئيسي عن نظرية النشوء والارتقاء لداروين Darwin في المجتمع الفيكتوري المتدين الذي رآها نوعًا من الهرطقة، وقد استغل إدنجتون كل ما في جعبته من سمعة علمية طيبة ومهارة بفنون الإقناع في هذا المسعى، وكان هذا التحالف الغريب بين اثنين من دعاة السلام، أحدهما من الكويكرز والآخر من اليهود، هو ما عرف الناطقين بالإنجليزية بالنظرية النسبية.
كان هذا الاكتشاف مفاجئًا لوسائل الإعلام حتى إن كثيرًا من الصحف أخذت تفتش في صفوف أطقمها عمّن يكون على دراية بالفيزياء دون جدوى، فاضطرت جريدة نيويورك تايمز أن ترسل هنري كراوتش Henry Crouch الخبير في لعبة الجولف كي يغطي ذلك الخبر الذي طرأ فجأة على الساحة العالمية، وهي المهمة التي لم يؤدها دون الوقوع في أخطاء متعددة، وأرسلت صحيفة مانشستر جارديان Manchester Guardian ناقدها الموسيقي لتغطية ذات القصة. وفي وقت لاحق طلبت صحيفة التايمز اللندنية من أينشتاين أن يشرح النسبية في مقال مفصل؛ فكتب يقول: «إنني اليوم أُعرف في ألمانيا بأنني عالم ألماني، وأعرف في إنجلترا بأنني يهودي سويسري، لكن إذا حدث في يوم من الأيام أن صرت شخصًا مكروهًا فستنعكس الأوصاف وسأصبح يهوديًّا سويسريًّا في ألمانيا وعالمًا ألمانيًّا في إنجلترا».١٠

وسرعان ما هرعت مئات الصحف تتسابق لنيل حوار صحفي حصري مع ذلك العالم المشهود له بالعبقرية من الجميع الذي يعتبر خليفة لكوبرنيكوس ونيوتن، فوجد أينشتاين نفسه محاصرًا بالمراسلين الصحفيين الذين يرغبون في نيل حوار منه قبل انتهاء المهلة التي حددتها صحفهم، وبدا كما لو كانت كل جريدة في العالم جعلت من هذا الخبر عنوانها الرئيسي، ولعل السبب في هذا أن الناس الذين أعيتهم أخبار المذابح والهمجية التي سادت الحرب العالمية الأولى كانوا مستعدين لتقبل شخصية أسطورية تداعب أحلامهم وخيالاتهم الجامحة عن السماوات ونجومها، لكن السبب الأكثر أهمية هو أن أينشتاين قدّم صورة جديدة للعباقرة؛ فلم يكن باردًا كما هو المعتاد فيهم بل له هيئة بتهوفن بشعره الثائر وملابسه المهلهلة ولباقته مع الصحفيين ودعاباته الذكية.

كتب أينشتاين يقول لرفاقه: «لقد صارت النسبية موضوع جدال عند جميع الناس حتى الحوذيين منهم والنُّدُل وانقسموا بين مؤيد ومعارض، وصارت آراء كل منهم عن النظرية تتوقف على انتمائهم السياسي.»١١ لكن بعد أن مر وقت على النظرية ولم تعد بالجديدة بدأ يدرك الجانب السلبي لما حققه من شهرة وعن هذا كتب: «منذ أن كتبت جميع الصحف عن النظرية صارت تنهال عليّ الأسئلة والدعوات والآراء المعارضة لها، حتى بت أحلم بأنني أصطلي في الجحيم وساعي البريد هو الشيطان نفسه، لا يزال يصيح بي ويلقي على رأسي بأكوام من الخطابات لأنني لم أجب على الأكوام القديمة.»١٢ «لقد غدا هذا العالم أشبه بمصحة تمتلئ بمجانين فضوليين، وصرت أنا مركز سيرك النسبية.»١٣ «أشعر كما تشعر العاهرة التي يريد الجميع أن يعرف ماذا تفعل.»١٤ وبالفعل كان الفضوليون والمهاويس وحتى أصحاب السيرك يتسابقون لاقتباس شيء من شهرة ألبرت أينشتاين، فقد كتبت صحيفة «برلينر إلستريت زيتونج» Berliner Illustrite Zeitung خبرًا عن المشكلات التي تعرض لها العالم محدث الشهرة حينما رفض عرضًا كريمًا من أحد مسئولي سيرك لندن بأن يخصص له فقرة من فقرات السيرك يؤدي فيها عرضًا مع الكوميديانات والبهلونات وآكلي النيران. ولم يكن أينشتاين قادرًا على إيقاف هذا الجنون، فصحيح أنه قادر على رفض أي عروض غير مناسبة، لكنه لم يكن قادرًا على منع تسمية الأطفال باسمه أو إطلاقه على ماركات السيجار.
لكن كما كان متوقعًا واجه اكتشاف أينشتاين المذهل جيشًا من المعارضين العازفين على نغمة الشك، وكانت جريدة نيويورك تايمز هي من تولى قيادة هؤلاء المتشككين بعد أن أفاقت من الضربة التي لقيتها من الصحافة البريطانية التي نالت السبق الصحفي لكونها أول من نشر أخبار هذه النظرية، فما كان منها إلا أن سخرت من سذاجة البريطانيين الذين تقبلوا نظرية أينشتاين دون تدقيق؛ فكتبت: «إن الشعب البريطاني بعد أن سمع عن وجود أدلة بصرية على صحة نظرية أينشتاين بدا كما لو أنه أصيب بلوثة جماعية … لكن هذا الشعب بدأ يسترد سلامه العقلي تدريجيًّا بعد أن أدرك أن هذه النظرية لم تغير الكون ولا تزال الشمس تطلع من المشرق كما هو واضح.»١٥ غير أن أكثر ما كان يضايق محرري نيويورك تايمز ويريبهم في هذه النظرية هو أن عددًا قليلًا من الناس في العالم بأسره هم فقط من يدركون منطقها، ولهذا فقد أخذوا يتذمرون قائلين إن هذا ينافي الديمقراطية والفكر الأمريكي، وتساءلوا عما إذا كان العالم قد وقع ضحية خدعة كبرى.
وفي الحقل الأكاديمي كذلك تكونت جبهة معارضة قادها أستاذ متخصص في ميكانيكا الأجرام السماوية بجامعة كولومبيا يدعى تشارلز لاين بور Charles Lane Poor. اعتقد بور خطأ أن «تلك الأدلة التي يفترض بها إثبات صحة نظرية أينشتاين المزعومة لا وجود لها من الأساس.»١٦ بل إنه شبه واضع النسبية بالكاتب لويس كارول Lewis Carroll (مؤلف قصة أليس في بلاد العجائب) حين قال: «لقد قرأت مقالات كثيرة عن البعد الرابع ونسبية أينشتاين وعن تخمينات سيكولوجية أخرى للقوانين التي تحكم الكون، وبعد قراءتها وجدتني أشعر كما شعر السيناتور برانديجي Brandegee بعد حضوره حفل العشاء في واشنطن، أشعر كما لو كنت أتجول مع أليس في بلاد العجائب وأتناول الشاي مع صانع القبعات المجنون Mad Hatter١٧ وانضم إليه المهندس جورج فرانسيس جيليت George Francis Gillette الذي عارض النسبية بحدة وقال عنها: «إنها نظرية فيزيائية مختلة … وضرب من الجنون … وما هي إلا نتاج فكر مختل لطفل يعاني مرضًا عقليًّا … ومحض هراء … ومن قبيل الشعوذة. ولن يأتي عام ١٩٤٠ إلا وتكون نكتة النسبية قد صارت من الماضي، أما عن أينشتاين فقد انضم بالفعل إلى زمرة كتاب قصص الأطفال الخيالية مثل أندرسون Anderson والأخوين جريم Grimm بل إنه صار أقرب إلى صانع القبعات المجنون.»١٨ والمفارقة أن تلك المعارضات الباطلة للنسبية هي ما أوردت أسماء هؤلاء الأشخاص في سجل التاريخ ولولاها لما عرفهم أحد. غير أن السمة المميزة للنظريات العلمية أن صحتها لا تتوقف على شعبيتها أو على محرري نيويورك تايمز بل على التجارب الدقيقة، وكما قال ماكس بلانك عندما تعرضت نظرية الكم التي وضعها لنقد شديد: «إن الحقائق العلمية الجديدة لا تقر كقاعدة عامة لأن بعض الناس يقبلونها أو يرفضونها، بل لأن معارضيها يختفون بمر الزمن ويظهر جيل جديد يربى عليها منذ منشئه.»١٩ وحتى أينشتاين نفسه علق على هذا الموضوع قائلًا: «لطالما واجهت الأفكار الجديدة معارضة عنيفة من أصحاب عقول متوسطة الذكاء.»٢٠
ولسوء الحظ كان من شأن ما حققه أينشتاين من شهرة وما ناله من مديح إعلامي أن خلق له جيشًا من الحاقدين والناقمين والمتعصبين، وكان أشهر هؤلاء رجل عرف بأنه أكثر من يمقتون اليهود في مجال الفيزياء وهو فيليب لينارد Philipp Lenard الفيزيائي الحاصل على جائزة نوبل، الذي حدّد الاعتماد الأساسي للتأثير الكهروضوئي وهي ذات النتيجة التي فسرتها نظرية أينشتاين للكم الضوئي «الفوتون»، وكانت ميليفا من بين من حضروا المحاضرة التي ألقاها هذا الرجل في هايدلبرج، وفي مؤلفاته استخدم لهجة شديدة في الهجوم على أينشتاين حتى إنه وصفه باﻟ «اليهودي المحتال» وقال أيضًا: «إن النسبية لو كانت حقيقية لاكتشفت منذ زمن بعيد ولم يكن العالم لينتظر ذلك اليهودي ليكتشفها.»٢١ ولم يكتف لينارد بهذا بل انضم إلى اتحاد يسمى باتحاد مناهضي النسبية وصار من أبرز أعضائه، وأخذ هذا الاتحاد على عاتقه مهمة تنقية الفيزياء الآرية والألمانية من «النظريات الفيزيائية اليهودية»، وانضم لهذا الاتحاد أيضًا عديد من العلماء الألمان ومنهم يوهانز شتارك Johannes Stark الحاصل على جائزة نوبل، وهانز جايجر Hans Geiger (مخترع عداد جايجر).
وفي أغسطس/آب من عام ١٩٢٠ عقد هؤلاء المناوئون الخبثاء مؤتمرًا في قاعة الجمعية الموسيقية الضخمة ببرلين بهدف التنديد بالنظرية النسبية. العجيب أن أينشتاين كان من بين الحضور في هذا المؤتمر ووقف مواجهًا بشجاعة مجموعة من المتحدثين الغاضبين تعاقبوا عليه متهمين إياه بأنه ليس إلا ساعيًا للشهرة ولصًّا من لصوص العلم ومشعوذًا. وفي الشهر الذي أعقب هذا الاجتماع حدثت مواجهة أخرى بينه وبين معارضيه، ولكن هذه المرة في اجتماع للجمعية الألمانية للعلماء ببلدة بادنوهايم، وهناك تمركزت قوات مسلحة من الشرطة في مدخل قاعة الاجتماع لتحرسه وتخمد أي تظاهرات أو أعمال عنف قد تحدث، وفي هذا الاجتماع لقي أينشتاين سخرية من الحاضرين وتعالى صياحهم المستهزئ به حينما حاول أن يرد على اتهامات لينارد اللاهبة. وفي هذا الوقت بدأت أخبار هذا السجال الضاري تتناهى إلى مسامع محرري الصحف في لندن، وتحفز البريطانيون بفعل شائعات انتشرت تقول إن أعظم علماء ألمانيا يتعرض لمضايقات تهدف إلى إخراجه منها، غير أن ممثل الخارجية الألماني في لندن حاول أن يحتوي تلك الشائعات على الفور بأن قال إن كارثة ستحل بالحركة العلمية في ألمانيا لو رحل أينشتاين عنها وإنه «من واجبنا ألا نبعد هذا الرجل عنا … لأنه من الممكن أن يكون أداة فاعلة في الترويج لثقافتنا.»٢٢
وفي أبريل/نيسان من عام ١٩٢١ كان قرار أينشتاين بأن يستغل ما حققه من شهرة دولية وما انهال عليه من دعوات أتت من جميع أرجاء الأرض في الترويج للنظرية النسبية وكذلك لقضايا أخرى من بينها السلام وقضية الصهيونية، في تلك الفترة كان أينشتاين قد أعاد اكتشاف جذوره اليهودية بفعل حوارات مطولة جرت بينه وبين صديقه كيرت بلومنفيلد Kurt Blumenfeld ومن خلالها بدأ يدرك المعاناة الشديدة التي لقيها اليهود على مر العصور،٢٣ وعن هذا كتب: «كان بلومنفيلد هو من جعلني ألتقي بروحي اليهودية.»٢٤ وخطط حاييم فايتسمان Chaim Weizmann القيادي الصهيوني البارز في ذاك الوقت لاستخدام أينشتاين في جمع تبرعات للجامعة العبرية بالقدس فرتب له جولة في ربوع أمريكا.
وما إن رست سفينة أينشتاين في ميناء نيويورك حتى هرع الصحفيون إليه متزاحمين وكل منهم يحاول أن ينال نصيبه منه، واصطفت حشود الناس على جانبي شوارع نيويورك ليستطلعوا موكبه وأخذوا يهللون فرحًا عندما لوح لهم بيده من سيارته الليموزين مكشوفة السقف، بل إن أحدهم ألقى بباقة ورد على إلسا مما جعلها تقول: «أشعر كأنني في سيرك بارنوم.»٢٥ وقال أينشتاين: «في كل عام تتخذ النساء في نيويورك صيحة جديدة من صيحات الموضة، وصيحة هذا العام هي النسبية. إنني لا أنفك أسأل نفسي هل أشبه المشعوذين أو من يقومون بالتنويم المغناطيسي حتى ينجذب الناس إليّ كما ينجذبون إلى مهرجي السيرك؟»٢٦
وكما كان متوقعًا جذب أينشتاين اهتمامًا جماهيريًّا عريضًا للقضية الصهيونية، وأقبل الآملون والفضوليون ومناصرو اليهود على حضور جميع المحاضرات التي ألقاها، حتى إنه في إحدى المحاضرات التي أقيمت في مستودع الأسلحة التاسع والستين بمانهاتن تزاحم جمهور قوامه ثمانية آلاف في القاعة واضطر ثلاثة آلاف آخرون للرجوع لعدم وجود أمكنة مع أنهم كانوا في توق لرؤية ذاك العبقري.٢٧ وكان استقبال أينشتاين في سيتي كوليدج بنيويورك الحدث الأهم في تلك الرحلة، وفي المحاضرة التي ألقاها هناك دوَّن إيزيدور أيزاك رابي Isidor Isaac Rabi، الذي حصل بعد ذلك على جائزة نوبل، ملاحظات غزيرة من كلامه، وقال إن أينشتاين على خلاف غيره من الفيزيائيين يمتلك جاذبية وقدرة على إمتاع الجماهير بحديثه (وحتى يومنا هذا لا تزال صورة طلبة سيتي كوليدج بنيويورك وهم متحلقون حول أينشتاين معلقة في مكتب رئيس الكلية.)
وبعد نيويورك طاف أينشتاين بالولايات المتحدة متوقفًا في عدد من المدن الكبرى، وعندما ذهب إلى كليفلاند تجمع حوله ثلاثة آلاف من الناس وأطبقوا عليه حتى كادوا أن يصيبوه بإصابات خطيرة، ولم ينقذه منهم إلا فرقة من قدامى المحاربين اليهود صدوا عنه الجماهير التي تزاحمت لرؤيته.٢٨ وفي واشنطن التقى بالرئيس الأمريكي وارن جي هاردينج Warren G. Harding، لكن لسوء الحظ لم يتمكن من التحاور معه لأنه لم يكن يتحدث الإنجليزية، وكذلك لم يكن الرئيس الأمريكي يجيد الألمانية أو الفرنسية. (جمع أينشتاين من هذه الجولة ما يقرب من مليون دولار كان منها مائتان وخمسون ألف دولار حصل عليها من محاضرة ألقاها على ثمانمائة طبيب يهودي تناول معهم العشاء في فندق والدورف أستوريا.)
لم يقتصر دور رحلة أينشتاين إلى أمريكا على تفسير خبايا الزمان والمكان للملايين من أبناء الشعب الأمريكي بل إنها ساهمت أيضًا في تعميق التزامه بالقضية اليهودية؛ فلأنه نشأ في كنف أسرة أوروبية من الطبقة المتوسطة وفرت له ظروف معيشة مريحة، لم يكن له أي اتصال مباشر بيهود العالم الفقراء ولم يكن يلم بما يعيشون فيه من معاناة، وقد كتب عن هذا: «كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها جمعًا غفيرًا من اليهود،»٢٩ «إنني لم أكتشف الشعب اليهودي إلا بعد زيارتي لأمريكا.»٣٠ «ومع أنني رأيت يهودًا كثيرين في حياتي فإنني لم أقابل في برلين ولا في ألمانيا كلها يهودًا كهؤلاء الذين قدموا إلى أمريكا من روسيا وبولندا ومن بقية دول أوروبا الشرقية.»
وبعد الولايات المتحدة سافر أينشتاين إلى إنجلترا وهناك التقى بأسقف كانتربري الذي اطمأن وارتاح باله عندما أكد أينشتاين له أن النظرية النسبية لن تبعد الناس عن الدين والإيمان. ولبى دعوة للغداء في بيت آل روثشايلد Rothschild والتقى بالفيزيائي العظيم اللورد ريليه Lord Rayleigh الذي قال له: «لو كانت نظرياتك صحيحة فإنني أفهم من هذا أن … الغزو النورماندي لم يحدث بعد.»٣١ وعندما قُدم للورد هالدان Lord Haldane وكانت بصحبته ابنته لم تتمالك نفسها وأُغشي عليها عندما رأته، بعد ذلك عبّر أينشتاين عن شديد إجلاله لإسحق نيوتن بالوقوف على قبره الذي يقع في كنيسة ويستمنستر أقدس بقاع إنجلترا، ووضع إكليلًا من الزهور عليه. وفي مارس/آذار عام ١٩٢٢ تلقى دعوة للمحاضرة في الكلية الفرنسية (كوليج دى فرانس) وهناك تكالب عليه الصحفيون الباريسيون ومعهم جماهير من شتى أطياف الشعب، وعلق أحد الصحفيين على هذا قائلًا: «لقد غدا أينشتاين صيحة في المجتمع، وصار الأكاديميون ورجال السياسة والفنانون ورجال الشرطة وسائقو سيارات الأجرة والنشالون يعرفون مواعيد محاضراته جيدًا، وصارت باريس كلها تتحدث عنه وتدلي بدلوها فيما تعرف وما لا تعرف.»٣٢ لكن جدلًا أثير حول هذه الزيارة سببه مقاطعة بعض العلماء لمحاضرات أينشتاين، حيث كانوا لا يزالون يلعقون جراح الحرب العالمية الأولى، لكن السبب الذي أبدوه هو أن ألمانيا ليست عضوًا بعصبة الأمم. (كان رد الصحافة الباريسية على هؤلاء في تساؤل مستهزئ يقول: «ماذا سيفعل هؤلاء العلماء الثلاثون إذا اكتشف ألماني علاجًا للسرطان أو للسل؟ هل سيمتنعون عنه حتى تنضم ألمانيا إلى عصبة الأمم؟»)٣٣
بعدها عاد أينشتاين إلى ألمانيا لكن عودته كانت في ظل اضطرابات سياسية كبيرة تمر بها البلاد، حتى إن تلك الفترة عرفت بموسم الاغتيالات السياسية؛ فعام ١٩١٩ اغتيل روسا لوكمبورج Rosa Luxemburg وكارل ليبكنشت Karl Liebknecht القياديين الاشتراكيين البارزين، وفي أبريل/نيسان عام ١٩٢٢ اغتيل فالتر راثينو Walter Rathenau عالم الفيزياء اليهودي الذي كان زميلًا لأينشتاين ثم تقلد بعد ذلك منصب وزير الخارجية في الحكومة الألمانية، وكان قد أطلق عليه الرصاص من مدفع نصف آلي وهو في سيارته، وبعدها بأيام قليلة أصيب ماكسميليان هاردن Maximilian Harden القيادي اليهودي البارز بجراح خطيرة في محاولة فاشلة لاغتياله.
أُعْلِن يوم حداد وطني تكريمًا لراثينو وأغلقت المسارح والمدارس والجامعات، ووقف مليون مواطن صامتين بجوار مقر البرلمان حيث أقيمت مراسم التأبين، لكن فيليب لينارد رفض أن يلغي محاضرته في معهد الفيزياء بهايدلبرج. (وكان لينارد قد أعلن قبل هذا تأييده لقتل راثينو،٣٤ وفي يوم الحداد الوطني حاول مجموعة من العمال إقناعه بإلغاء محاضرته لكنه ألقى عليهم ماء من شرفة الطابق الثاني للمعهد، فما كان منهم إلا أن اقتحموا المبنى وجروه قسرًا إلى الخارج وحاولوا إلقاءه في النهر لكن الشرطة تدخلت ومنعتهم.)
وفي العام نفسه أدين الشاب الألماني رودولف ليبوس Rudolf Leibus في برلين بتهمة رصد مكافأة لمن يقتل أينشتاين وبعض العلماء الآخرين حيث قال: «إنه لمن قبيل الواجب الوطني قتل دعاة السلام هؤلاء.»٣٥ لكن المحكمة التي أدانته اكتفت بتغريمه ستة عشر دولارًا. (كان أينشتاين يأخذ تلك التهديدات على محمل الجد سواء جاءته من معادي السامية أو من أناس مضطربين عقليًّا، وحدث ذات مرة أن قامت إحدى المهاجرات الروسيات وتدعى يوجينيا ديكسون Eugenia Dickson، وكانت غير مستقرة عقليًّا، بكتابة عدد من خطابات التهديد الجنونية لأينشتاين تصفه فيها بأنه زائف ومنتحل لشخصية أينشتاين الحقيقية،٣٦ ولم تكتف بهذا بل اقتحمت منزله محاولة قتله، لكن إلسا أدركت تلك المرأة المجنونة وصارعتها لدى باب المنزل حتى استطاعت السيطرة عليها ثم استدعت الشرطة.)
ولما رأى أينشتاين موجة العداء للسامية تلك تكاد تغمره انتهز فرصة دعوة وجهت إليه وقام برحلة جديدة لكنه في هذه المرة توجه صوب الشرق؛ كان الفيلسوف والرياضي الكبير برتراند رسل Bertrand Russell في رحلة إلى اليابان بهدف إلقاء مجموعة من المحاضرات فيها، فطلب منه مضيفوه أن يرشح لهم بعض الشخصيات المشهورة في العالم كي يدعوهم للتحدث في اليابان، فرشح لهم لينين Lenin وأينشتاين، لكن لأن قدوم لينين لم يكن متاحًا، بطبيعة الأمر، فقد ذهبت الدعوة إلى أينشتاين، فلباها وبدأ رحلته الأسطورية في يناير/كانون الثاني من عام ١٩٢٣ وكتب عن هذا: «إن الحياة أشبه بركوب الدراجة، لكي يستطيع المرء المحافظة على توازنه لا بد أن يستمر في الحركة.»٣٧

وبينما هو في طريقه إلى اليابان والصين تلقى أينشتاين برقية من ستوكهولم تحمل الرسالة التي رآها كثير من الناس قد أتت متأخرة جدًّا، أكدت البرقية فوزه بجائزة نوبل في الفيزياء، لكن ليس عن النظرية النسبية التي هي إنجازه الأهم بل عن أبحاثه في التأثير الكهروضوئي، لكن أينشتاين عندما ألقى خطاب الجائزة بعد ذلك بعام صدم الجمهور كعادته فتحدث عن النسبية فقط ولم يتحدث عن التأثير الكهروضوئي.

السؤال هنا: ما الذي أخر فوز أينشتاين بجائزة نوبل كل هذا الوقت وهو الذي كان أشهر علماء الفيزياء وأعلاهم مكانة؟! المفارقة أن لجنة نوبل رفضت منحه الجائزة ثمان مرات في الفترة ما بين عامي ١٩١٠ و١٩٢١، مع أنه خلال تلك الفترة أُجريت تجارب عديدة أكدت صحة النسبية، فيما بعد اعترف سفين هيدين Sven Hedin الذي كان أحد أعضاء اللجنة المرشحة للجائزة أن سبب التأخير هو لينارد الذي كان له نفوذ كبير لدى أعضاء لجنة التحكيم جميعًا بما فيهم هيدين نفسه، ويروي الفيزيائي روبرت ميليكان Robert Millikan الحاصل على جائزة نوبل أن اللجنة انقسمت على نفسها ما بين مؤيد للنسبية ومعارض لها حتى انتهت أخيرًا إلى إيكال مهمة تقييم النظرية لأحد أعضائها، «ففرغ هذا الرجل نفسه كلية لدراسة النسبية لكنه لم يتمكن من فهمها، فلم تخاطر اللجنة بمنح الجائزة لأينشتاين خشية أن يتبين بعد ذلك عدم صحتها.»٣٨

بر أينشتاين بوعده وأرسل قيمة الجائزة لميليفا وهو الأمر الذي كان ضمن اتفاق الطلاق (كانت قيمة هذه الجائزة عام ١٩٢٣ اثنين وثلاثين ألف دولار أمريكي)، وبهذه الأموال اشترت ميليفا بعد ذلك ثلاث شقق في زيوريخ.

خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين برز أينشتاين على الساحة العالمية كشخصية بارزة،٣٩ حيث تسابق محررو الصحف للفوز بحوارات صحفية معه وصار وجهه الباسم لا يفتأ يطل على الناس من معظم الإصدارات الصحفية، وانهالت عليه الدعوات المتوسلة لإلقاء محاضرات، واهتم الصحفيون بكل مهم وتافه في حياته، حتى إنه علق على هذا متهكمًا أنه صار كالملك ميداس غير أن أي شيء يلمسه لا يتحول إلى ذهب بل إلى عنوان صحفي عريض. وبلغ الأمر إلى حد أنه حينما كُلف طلبة دفعة عام ١٩٣٠ في جامعة نيويورك بأن يختاروا أكثر شخصيات العالم شعبية جاء أينشتاين في المرتبة الثانية بعد تشارلز لندبيرج Charles Lindberg متفوقًا على جميع نجوم هوليوود. وأينما يذهب أينشتاين تجتمع الجماهير حوله، بل إن أي شيء يتصل به كان يشد اهتمام الناس، فعلى سبيل المثال تجمع ذات مرة حشد من الناس بلغ أربعة آلاف وكادوا يحدثون شغبًا عندما حاولوا اقتحام متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك لحضور فيلم يشرح النظرية النسبية. وموّل مجموعة من رجال الصناعة بناء برج أينشتاين في بوتسدام بألمانيا، وهو مرصد شمسي متطور يحوي تلسكوبًا يبلغ ارتفاعه ٥٤ قدمًا (١٦٫٥ مترًا) وتم الانتهاء منه عام ١٩٢٤. وتهافت الرسامون والمصورون الفوتوغرافيون عليه يريدون تصوير وجه ذلك العبقري لدرجة أنه صار يعتبر الجلوس أمام هؤلاء الفنانين من مهام وظيفته.
لكنه هذه المرة لم يرتكب الخطأ الذي ارتكبه سابقًا مع ميليفا، فهو لم يهمل إلسا ويتركها أثناء جولاته في بلاد العالم بل اصطحبها معه وقدمها للمشاهير والعوائل الملكية والشخصيات المؤثرة في العالم، وهي بدورها كانت تعشق زوجها وتحترم عالم الشهرة الذي يعيشه، وكانت «طيبة دافئة ذات حنان أمومي بخلاف أنها كانت سيدة برجوازية عتيدة تحرص على العناية بزوجها وتدليله.»٤٠
وعام ١٩٣٠ قام أينشتاين برحلته المظفرة الثانية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وحينما زار مدينة سان دييجو علق الفنان الكوميدي ويل روجرز Will Rogers على شخصيته قائلًا: «كان هذا الرجل يأكل ويتحدث مع أي أحد، ولم يرفض طلبًا لتصويره أبدًا، ولم يرد دعوة لغداء أو لعشاء، وحضر افتتاح جميع الأفلام الجديدة وحضر كل عرس جرى في المدينة وثلثي حالات الطلاق بها. في الواقع كان شخصًا ودودًا لدرجة إن أحدًا لم يجرؤ أن يسأله عن نظريته.»٤١ وزار معهد التكنولوجيا بكاليفورنيا ومرصد جبل ويلسون والتقى إدوين هابل الذي كان قد أثبت من خلال التجارب صحة بعض نظريات أينشتاين عن الكون، وزار أيضًا هوليوود واستقبل فيها استقبالًا حافلًا جديرًا بنجم سينمائي، وعام ١٩٣١ حضر هو وإلسا العرض الافتتاحي العالمي لفيلم «أضواء المدينة» City Lights لتشارلي تشابلن Charlie Chaplin وهناك تجمهر الناس محاولين اختلاس نظرة على أشهر علماء العالم وهو محاط بكبار نجوم هوليوود. وأثناء الافتتاح وبينما كان الجمهور يصيح بجنون محييًا تشابلن وأينشتاين علق تشابلن: «إن الناس يصفقون لي لأنهم جميعًا يفهمونني ويصفقون لك لأنه لا يفهمك أحد.»٤٢ وقد تعجب أينشتاين أشد العجب من الهياج الذي يحدث للناس من مرأى المشاهير والنجوم فسأل تشابلن عما يعنيه هذا الهياج فأجابه الممثل الحكيم: «لا شيء». (عندما زار أينشتاين كنيسة ريفرسايد المشهورة رأى صورته مرسومة على زجاج ملون يغطي إحدى نوافذها مع عظام الفلاسفة والقادة والعلماء في العالم فقال متفكهًا: «كنت سأصدق لو جعلوا مني قديسًا يهوديًّا لكنني لم أتخيل أبدًا أن أصير قديسًا بروتستانتيًّا».)٤٣
واهتم الناس بآراء أينشتاين الفلسفية والدينية؛ فقد اهتمت الصحافة كثيرًا بلقائه مع الشاعر الهندي رابندراناث طاغور Rabindranath Tagore الحائز هو الآخر جائزة نوبل، وكانا معًا زوجًا متناغمًا؛ أينشتاين بشعره الأشيب الثائر وطاغور بلحيته البيضاء الطويلة، وعلق أحد الصحفيين على هذا اللقاء قائلًا: «كانت رؤيتهما معًا أمرًا مثيرًا للاهتمام؛ فطاغور شاعر بعقل مفكر، وأينشتاين مفكر بعقل شاعر، والناظر إليهما يرى كوكبين يتحدثان معًا.»٤٤
كان لفلسفة كانت التي قرأها أينشتاين في صباه تأثير كبير على فكره الذي صار يتشكك في الفلسفة التقليدية ويراها تافهة مظهرها جميل وجوهرها هراء، وعن هذا كتب: «إن تلك الفلسفة تبدو كما لو كتبت بمداد من العسل حتى إن حديث العهد بها يراها جميلة لكنه بعد حين يدرك خواءها وتفاهتها.»٤٥ اختلف أينشتاين مع طاغور حول مسألة وجود الكون واستقلاله عن الوجود الإنساني؛ فقد كان طاغور يعتنق الرأي الروحاني الذي يقول إن الوجود الإنساني من أسس الواقع المادي، لكن أينشتاين رد عليه قائلًا: «إن الكون، وهو الذي يتكون من عناصر مادية، يوجد مستقلًّا عن الإدراك الإنساني.»٤٦ لكنهما برغم خلافهما حول هذه النقطة اتفقا حول مسألة الدين والفضيلة؛ فقد كان أينشتاين يعتقد أن الإنسان هو من يحدد الأخلاق وليس الرب وهو ما يفهم من قوله: «إن الفضيلة شيء في غاية الأهمية فقط لنا لا للرب. وإنني أعتقد أن الإنسان كائن أخلاقي، وإنني أؤمن أن الأخلاق لا تنبع إلا منه ولا تتحكم فيها أي سلطات أخرى تفوقه قوة.»٤٧
لكن برغم تشكك أينشتاين في الفلسفة التقليدية كان يكن احترامًا كبيرًا للغيبيات التي ينطوي عليها الدين وخاصة مسألة طبيعة الوجود؛ فقد كتب: «إن العلم بغير الدين يصير كسيحًا، والدين بغير العلم يصير أعمى.»٤٨ بل إنه اعتبر غيبيات الدين مصدر كل العلوم حين قال: «إن جميع النظريات العلمية تقوم على حس ديني عميق؛ فإن أجمل التجارب والخبرات التي يمر بها الإنسان وأعمقها هي حسه بالغيب، وهو الحس الذي يشترك فيه الدين مع العلم والفن.»٤٩ «وإذا كان هناك جزء مني يعتبر متدينًا فهو إعجابي اللامحدود ببنية الكون بالشكل الذي يفسره العلم.»٥٠ غير أن أروع كتابته عن الدين وأكثرها صراحة كانت عام ١٩٢٩ حين قال: «إنني لست ملحدًا ولا أظنني ممن يعتقدون في وحدة الوجود. إننا كبشر نشبه الطفل الذي دخل مكتبة ضخمة مليئة بكتب مكتوبة بلغات عدة، إنه يدرك أن أحدًا ما كتب هذه الكتب لكنه لا يعرف كيف ولا يفهم أيًّا من اللغات المكتوبة بها، إن الطفل في هذه الحالة يعتقد في وجود نظام غيبي يحكم ترتيب هذه الكتب لكنه لا يعلم ماهيته. وفي ظني أن هذه هي الطريقة التي يرى بها أكثر الناس ذكاء ربهم، فالبشر يرون الكون منظمًا بشكل مذهل ويخضع لقوانين محددة لكنهم لا يفهمون من هذه القوانين إلا القليل. فعقولنا المحدودة لا تستطيع إدراك القوى الغامضة التي تحكم حركة المجموعات النجمية. إنني مبهور بمبدأ وحدة الوجود الذي وضعه سبينوزا Spinoza لكنني معجب أكثر بإسهاماته في الفكر الحديث لأنه أول فيلسوف يتعامل مع الروح والجسد ككل واحد لا عنصرين منفصلين.»٥١

كان أينشتاين عادة يفرق بين نوعين من الأرباب لكن الناس يخلطون بينهما حين يناقشون الأديان؛ النوع الأول هو: الرب الشخصي الذي يجيب الدعاء ويفلق صفحة اليم ويأتي بالمعجزات، ذاك هو الرب التوراتي، الرب الذي يتدخل لتسيير الأمور. أما النوع الثاني فهو: الرب الذي يؤمن أينشتاين به، رب سبينوزا الذي خلق مجموعة من القوانين التي تحكم الكون.

وحتى في خضم ذلك السيرك الإعلامي الذي نصب حوله، لم يتشتت تركيز أينشتاين ويتلهى عن المهمة التي نذر نفسه لها وهي سبر أغوار تلك القوانين الكونية؛ فهو حين يكون على متن السفن التي تعبر الأطلنطي أو في رحلات طويلة بالقطار يبتعد عن جميع الملهيات ويركز على عمله؛ فلم يكن يهمه في تلك الفترة إلا أن تستطيع معادلاته تفسير بنية الكون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢