الفصل السابع عشر

السير ليلًا إلى أردي

الأحد ٦ مايو

قمنا في الساعة السابعة إلا ربعًا مساء وسرنا ١٢ ساعة قطعنا فيها ٥٤ كيلومترًا، وكان سفرًا متعبًا، وكان هذا أمرًا متوقعًا في أول ليلة نقطعها في السير، ولم يكن الرجال قد تمكنوا من النوم أثناء النهار، بل كانوا أكثر اشتغالًا من العادة بتجهيز أسباب الرحيل، وكان علينا بالرغم من هذا التعب، أن نتعهد الأحمال ونُصلح وضعها من وقت لآخر، وطلع الفجر فدب الكرى إلى أجفان القوم، فأغفوا قليلًا.

وهرب منا أحد الجمال فعدا إلى العوينات، واضطر ملكني أن يترك القافلة عند منتصف الليل وينطلق في أثره، وكانت ليلة مقمرة في هزيعها الأخير، وهب نسيم بليل في الثالثة صباحًا.

ورعت الجمال وهي سائرة ما نجم في تلك الجهة من الحشائش التي يسقيها الماء المنحدر من الجبال، وحططنا الرحال، فوجدنا قربة من أجود قِرَبنا، قد تمزقت وضاع منها نصف الماء الذي تحويه.

وكان ذلك من سوء حظنا؛ لأنه لم يكن معنا ما يفيض عن حاجتنا من الماء في قطع هذه المرحلة التي كان علينا أن نسير فيها عشرة أيام قبل أن نصل إلى أول بئر في الطريق، ولم يظهر ملكني مع الجمل الهارب أثناء النهار.

الاثنين ٧ مايو

كانت السماء ملبدة بالغيوم طول النهار، وهبت ريح قوية من الشمال الشرقي وقرت عند الظهر، أعلى درجة للحرارة ٣٨ ولم أتمكن من معرفة أقل درجة؛ نظرًا لسفرنا بالليل، والجو أبرد ما يكون في الساعة الثانية أو الساعة الثالثة صباحًا، وبدأت السير في منتصف الساعة السابعة مساء، ووقفنا قبل منتصف الليل بنصف ساعة قطعنا ٢٠ كيلومترًا، وكانت الأرض ناعمة الرمل متموجة كثيرة «السبط» الجاف الصالح لرعي الإبل.

figure
تباوي بمعطف من الفرو.

ولحقنا بعد الظهر أحد عبيد التبو على جمل يحمل الحوائج التي كانت على ظهر الجمل الهارب، وأخبرنا أن جمل ملكني رمى بحمله على الأرض وجرى إلى مراعي العوينات، وأن ملكني جادٌّ في طلبه، وحططنا الرحال ننتظر المتخلفين في جهة ناعمة الرمل، متناثرة الصخور والمراعي بالقرب من «جارة شِزُّو»، ولحق بنا ملكني بعد وقوفنا بقليل، ولكني صممت على عدم السير تلك الليلة؛ لأنا كنا في حاجة إلى الراحة.

الثلاثاء ٨ مايو

قمنا في الساعة الخامسة إلا ربعًا مساء في جو مقبض وسحاب كثيف، وأمطرت السماء قليلًا بعد ذلك بساعتين، فهلَّل البدو سرورًا وغنَّوا جمالهم؛ لأن عماد حياتهم الأمطار.

وكانت الأرض متموجة صلبة مغطاة بالحجارة والزلط الكبير، واجتزنا غرودًا صغيرة بعد قيامنا بقليل، ثم انبسطت الأرض بعد ذلك، ونعم رملها. وفي منتصف الساعة الرابعة صباحًا دخلنا جهة تكثر فيها كثبان الرمل العالية، فقطعناها في ساعة ونصف وبعد ذلك، انبسطت الصحراء ودخلنا السريرة، ووجدت في تلك الجهة قطعًا من بيض النعام.

وفي بكرة اليوم أخذ «أرامي» أخو ملكني كيسًا وذهب يلتمس الحطب، واسمه ينم عن قصته؛ لأن قبائل التبو والجرعان تطلق اسم «أرامي» على من قتل آخر، وكان قد أخبرنا أنه سيلحق بنا بعد ذلك، فلم ينشغل بالنا عليه، وزاد طمأنينتنا أنه يعرف الطريق حق المعرفة.

ولكنا بعد أن سرنا ساعتين، وأخذ الظلام يرخي سدوله شغلنا أمره، ووقفنا ننتظره وأطلقنا بنادقنا مرات عديدة ننبهه إلى موضعنا، ونادى الرجال باسمه بصوت عالٍ، فكان كل ذلك بلا جدوى، فالتفت إلى ملكني وسألته ماذا يزمع أن يعمله؟ فقال: «إن أخي مجنون، ولم يكلفه أحد بجمع الحطب، وقد ترك مضرب الخيام بدون أن يتناول فطوره، وربما دعاه الله إلى جواره، وإني إذا طلع القمر تركت أحمال جملي وعدت أبحث عنه، فإن كان حيًّا جئت به، وإن وجدته ميتًا دفنته ثم لحقت بكم.»

وكان يقول ذلك بلهجة طبيعية كأنما يتكلم عن أمر عاديٍّ، ورفعنا أثقال جمله، فوضعناها على ظهر جمل آخر، ورجع يلتمس أخاه.

وكان أرامي قد تخلص من بين براثن الموت مرات عديدة، فأمل الرجال أن يسلم هذه المرة كذلك، ولكن محمدًا كان يشك في سلامته؛ إذ قال: «إن الله رحيم، ولكني أظن أن أرامي قد سعى إلى حتفه.» وأشفقت أن يكون محمد صادقًا في نبوءته؛ لأن أراميًّا كان غريب الأطوار منذ بدء الرحلة، وسمعت أن ماءه نفد في بعض رحلاته من أردي إلى العوينات، فأحس عطشًا قاتلًا، ووصل العوينات نصف ميت، ومثل هذه الحادثة تترك أثرًا في صاحبها لا ينمحي فلا يعود إلى حالته الطبيعية إلا بعد زمن طويل.

وكنت قد لاحظت نظرات أرامي الغريبة الحائرة، فعجبت من أمره، وخفت إن لم يعد أن تكون الصحراء قد تملكتها القسوة، فطالبت بحقها منه.

وقد تطيح رءوس الرجال في السفر الطويل الخالي من الماء، من أثر الكلال، والعطش والتعب والأرق، فيسعون إلى حتفهم كما يقول البدو، ومعنى ذلك، أنه إذا غفل عنهم أصدقاؤهم ولم يسهروا على إبقائهم منضمين إلى القافلة، ضربوا في أحشاء الصحراء، غير آبهين حتى بالغريزة التي تدفع الجمل إلى الالتصاق ببقية جمال القافلة. فإذا عاد الهائم بعد ذلك بغتة إلى رشده، جلس حيث صحا، ولم يتحرك علمًا منه بأن أصحابه إذا التمسوه فلم يجدوه تعقبوا أثر القافلة، ثم أثره وسعوا لإنقاذه. وكنت قد قابلت في الكفرة رجلًا انقطع عن القافلة وهام على وجهه مدة ١٨ ساعة، ثم أنقذ غائب الرشد شديد التألم من العطش، قال لي ذلك الرجل: «إن الله كريم؛ فإني لم أكن من القوة إلا بحيث أديت صلواتي مبتهلًا إليه — جل وعلا — قبل أن يدهمني ما توقعته من الموت المحتوم.» ثم أضاف باسمًا: «ولكن الحياة والموت بإرادة الله.»

الأربعاء ٩ مايو

قمنا الساعة الرابعة وربعًا مساء ووقفنا الساعة العاشرة وربعًا وقطعنا ٢٤ كيلومترًا، أعلى درجة للحرارة ٣٧، سحاب صبير وريح ساخنة قوية من الشمال الشرقي تهب طول النهار، ثم تنقلب عاصفة رمل شديدة في الليل. رذاذ في الساعة السابعة مساء، واستمرت العاصفة من الساعة الثامنة إلى الساعة العاشرة، وكانت الأرض سريرة ناعمة الرمل في بعض المواضع، خالية من الأعلام والحشيش الجاف، ورأينا في بكرة الصباح أكوام رمل بعيدة عن يميننا، سرنا ١٤ ونصف ساعة في الليلة الماضية، ولكنا لم نكن شديدي التعب، ثم أفطرنا وغفونا أربع ساعات، فانتعشت قوانا، وأراد محمد أن نسير مبكرين؛ نظرًا لوجود «غرد» وعرفي سبيلنا لا يمكننا اجتيازه في الظلام، فقمنا الساعة الرابعة وربعًا نسير في سريرة منبسطة ويهب علينا نسيم بليل من الشمال الشرقي.

وشعرت فجأة في الساعة الثامنة بريح تهب في وجهي فذُعِرت؛ لأن الريح لا يتغير اتجاهها في العادة بغتة بهذه الصفة، أضف إلى ذلك أن درجة حرارة الريح لم تتغير، وبالرغم من هبوبها من الجنوب فإنها لم تكن دافئة، وهكذا كان في الأمر شيء من الغرابة، فرفعت بصري إلى النجوم، ولكن السماء كانت متلبدة بالغيوم من جميع نواحيها، فأخرجت بوصلتي وفزعت؛ إذ رأيت أننا نسير صوب الشمال الشرقي بدلًا من الجنوب الغربي، فوضح لي أن محمدًا طاحت رأسه كما يقول العرب، فقادنا في الاتجاه المضاد، وكانت ساعة عصيبة تتطلب حذقًا وحسن تصرف، فإن من الخطر أن تهدم الثقة في نفس الدليل، ونزلت عن جملي ثم امتطيت جوادي وغدوت إلى محمد في طليعة القافلة، وأدركت في طريقي إليه أن رجال القافلة وبينهم الكثيرون ممن اعتادوا المسير في هذا النوع من الصحراء، وألِفوا هذا الضرب من الطقس، كانوا يشعرون بأننا أخطأنا الطريق، ولكن آداب الصحراء تقضي أن لا يتداخل أحد في شأن الدليل بأية حال من الحالات؛ لأن الدليل في الصحراء كربَّان السفينة، مطلق التصرف في اختيار وجهة السير، ويجب استشارته كذلك في تعيين أوقات السير والوقوف.

figure
القافلة تجتاز غرود الرمال بين العوينات وأردي.

وكنت لحسن الحظ قد سألت محمدًا قبل تركنا العوينات عن الاتجاه الذي سنتخذه وضبطت البوصلة على ذلك، وتقدمت إلى الدليل فوجدته مضطربًا تنقصه ابتسامته المألوفة، ولا يبدو عليه ما اعتدنا رؤيته من مظاهر ثقته بنفسه واعتماده عليها، وأريته البوصلة ثم أفضيت إليه بشكي في صحة الاتجاه، فلم يُجبني وذرع السماء بعينين متفرستين يتعرف موقع «الجدي» بلا جدوى؛ لأن السحاب كان يغطيه.

وفي هذه اللحظة أطفأ سراجَه هبوبُ العاصفة الآخذة في الثوران، وكانت القافلة قد لحقت بنا وعرف كل رجل فيها أنَّا ضللنا الطريق، ورُدَّ الرجال والجِمال من بعضهم إلى بعض والعاصفة تُسفِي الرِّمالَ في وجوهنا.

وكانت الريح شديدة، لا يكاد الإنسان معها يسمع صوت نفسه، فما بالك ببقية الأصوات؟! وتلاشت الثقة من نفس محمد وانعدمت انعدامًا تامًّا، ولحظت أثر ذلك من وجوه رجال القافلة، فقد كانوا جميعًا ممن ألِفوا السفر في الصحراء، وعرفوا معنى فَقْدِ الطريق في سريرة منبسطة من الصحراء، خالية من الأعلام، فقال الجميع بصوت واحد: «لا بد أن نحط الرحال حتى تصفو السماء.»

ولكني كنت أعرف خطر هذه السياسة؛ فإن الحائرين في مثل هذه الحال، يقضون الساعات يفكرون في حتفهم ويزدادون ضعفًا ويأسًا، وكان رأيي أن لا نقف، فقد كنت أثق ببوصلتي وتحققت مرات عديدة؛ إذ ضبطتها على الاتجاهات التي أشار إليها محمد.

وسكنت الريح لحظة فقلت بصوت هادئ فيه نبرة اليقين: «إنَّ هذه الريح تهب من الشمال شأنها في الأيام الماضية؛ لأنها لو كانت تهب من الجنوب لوجب أن تكون دافئة، وهذا هو نجم القطب، وهذا طريقنا السوي.» وأشرت إلى الموضع الذي يجب أن يكون فيه الجدي ما لم تكن البوصلة غير صادقة، ثم درت وأشرت إلى الطريق التي يجب اتباعها، فجمع محمد ما تفرق من نفسه، وقال: «جزاك الله خير الجزاء، إن الصدق ما تقول.»

وتقدم إليَّ السنوسي أبو الحسن الذي كان دليلنا إلى الكفرة، وأكد ما قررته بصوت عالٍ قائلًا: «والله إنك لتقول الصدق، وقد فكرت في هذا، ولكني لم أجسر على الجهر به؛ لعدم وجود الدليل على ذلك؛ نظرًا لاحتجاب الجدي خلف السحاب.» واكتفينا بهذا وأضأنا السراج بصعوبة شديدة، وتقدمت القافلة بين محمد وأبي حسن.

وانبعث من الظلام صوت يقول: «في أي اتجاه نسير؟» فأجابه بوكاره وهو يضحك: «دع الريح تلطم قفاك الأسود؛ فإنك لن تحيد عن الطريق السوي.»

وبعد قليل من الساعات، قبض محمد على يدي وصرخ فرحًا وهو يشير إلى تلال الرمل التي واجهتنا، ثم قال: «هاكم «الغرد» الحمد لله، إن الله رءوف رحيم.» وهكذا عاد للرجل طربه وسروره.

وفرَّت العاصفة بعد قليل، وكنا بين تلال الرمل، وصفت السماء إلى حد لم يعد يتمالك معها أشد رجال القافلة تشاؤمًا أن يشغل باله بأي خطر، ولكن ما أصابنا في هذه العاصفة من الحيرة والخوف، أظهر لنا ما يتعرض له قاطع الصحراء من الأخطار، ولم يكن الفضل في نجاتنا من هذا المأزق إلا للبوصلة التي كنت أحملها، ولم يرَ محمد الصلاح في قطعنا هذه التلال في الظلام، فحططنا الرحال حيث وقف بنا المسير.

الخميس ١٠ مايو

قمنا الساعة الرابعة وربع صباحًا ووقفنا الساعة التاسعة إلا ربعًا، ثم استأنفنا المسير في منتصف الساعة الخامسة مساء، ووقفنا الساعة السابعة من صباح ١١ مايو فقطعنا ٧٥ كيلومترًا، الجو صحو معتدل، وهبت ريح باردة قوية في بكرة الصباح ثم ضعف هبوبها بعد ذلك، أعلى درجة للحرارة ٣٨، الأرض ملأى بتلال الرمل الناعم الخطرة في بعض المواقع، ويمتد مسافة كيلومترين ثم تنبسط الصحراء. وفي منتصف الساعة السادسة مساء، دخلنا منطقة تتناثر فوق أرضها ركام الحجارة سوداء وبيضاء شأن الصحراء قبل الكفرة، وفي الساعة الثالثة صباحًا من اليوم الحادي عشر دخلنا منطقة من الحشيش الجاف في أرض منبسطة من الرمل الناعم، وفي منتصف الساعة الخامسة صباحًا اجتزنا جهة تكثر فيها تلال الرمل.

وقد تحققنا حين قطعنا «الغرد» في الصباح من الخطر الذي كنا نستهدف له لو أنا حاولنا قطعها في الظلام، فقد كانت هذه التلال شديدة الانحدار، ناعمة الرمل، وكانت الجِمال تغوص إلى رُكَبها، فيضطر الرجال إلى تخفيف أحمالها ومساعدتها على النهوض، وقضينا في قطعها ثلاثة أرباع الساعة، ثم وقفنا عند الساعة التاسعة صباحًا وقد فتك بنا الجوع؛ لأنا لم نذق شيئًا منذ غداء البارحة، وكانت حاجتنا إلى الطعام أشد من حاجتنا إلى النوم نظرًا للراحة التي نعمنا بها بضع ساعات في الليلة الماضية.

figure
تلال صخرية في الصحراء بين العوينات وأردي.

وكان الطقس حارًّا عندما بدأنا السير في منتصف الساعة الخامسة، ولكن نسيمًا بليلًا كان يهب من الشمال الشرقي فلطف من تلك الحرارة، وسألني هري أن أعطيه بضعة أمتار من القماش الأبيض يتخذ منها عمامة؛ لأن حرارة الشمس آذت رأسه فأعطيته ما أراد، ولا يلبس الثياب البيض في قبائل التبو والجرعان إلا شيوخها.

وشعرت تلك الليلة بالميل إلى المشي، فركبت جملي أقل من العادة، وكنت منذ تركي العوينات أمشي بين ست وسبع ساعات كل ليلة، ولكني مشيت تسع ساعات تلك الليلة، وسرنا سيرًا حثيثًا حتى الساعة الثالثة صباحًا، ثم شعرت فجأة بحفيف عند قدمي، فتحسست ذلك فكان حشيشًا.

وتغيرت معالم الصحراء وكانت الجمال جياعًا؛ لأننا تركنا العوينات ولا نحمل من علفها إلا ما يكفيها يومين آملين وجود المراعي في طريقنا؛ ولذلك تركناها ترعى وهي تسير بدل أن نستحثها في سبيلها، وكان سير تلك الليلة متعبًا للجميع فقد كنا مفتقرين إلى النوم، وملاحظة سير الجمال في أرض ذات مراعٍ عمل لا يُستهان به. وركب محمد وهري معظم الطريق وكان حسن يحمل المصباح، ثم ترجَّل محمد قبل الفجر بقليل فحمله عنه وأراحه، ولم أرَ دلائل التعب على الرجال، كما رأيتها صباح اليوم عند ضمنا الجمال لتأدية صلاة الفجر.

الجمعة ١١ مايو

قمنا عند الساعة الخامسة إلا ربعًا ووقفنا الساعة الثالثة وربعًا صباحًا من اليوم التالي وقطعنا ٤٢ كيلومترًا، الجو صحو، لا ريح فيه، حار في النهار والليل، أعلى درجة للحرارة ٣٩ والأرض رملية مغطاة بحشائش جافة تشبه حقلًا من القمح الناضج. وفي الساعة الواحدة إلا ربعًا صباحًا مررنا بغرد عاديٍّ، وفي الساعة الأولى دخلنا أرضًا منبسطة خالية من الحشائش، وفي الساعة الثالثة وربع وقفنا عند تلال من الخَرسان.

وقضينا اليوم في النوم والأكل، ثم بدأنا السير في الساعة الخامسة إلا ربعًا مساء قاصدين أن نسير طول الليل، ولم تحن الساعة العاشرة حتى كنا جميعًا متعبين ناعسين، ولم يندعنا محمد الذي كان يمتطي جمله، وقد غلبه النعاس بعد ذلك، فكان يغفى في فترات ونال منه التعب، فكان لا يتحقق من طريقه بملاحظة نجم القطب، وهو عماد الدليل، ومن الخطر أن يهمل ملاحظته، وتحققت أنا والسنوسي أبو حسن أن محمدًا لم يكن سائرًا بنا في الطريق السويِّ، ولكنا لم نُرد أن نتداخل معه في الأمر بعد تلك الليلة السابقة، وفي الساعة الثالثة وربع صباحًا وصلنا مرتفعًا من التلال، فوقف محمد بغتة.

وكنت سائرًا حينذاك في مؤخرة القافلة أتحقق من صحة اتجاهنا من وقت لآخر، فلاحظت أنا كنا منذ الساعة العاشرة نميل في السير صوب الجنوب أكثر من ذي قبل، ووقفت القافلة، فتقدمت إلى محمد وسألته عن سبب وقوفنا، فأجاب وهو يشير أمامي: «إني لا أتعرف هذه الطريق بين التلال، ولا أدري كيف تكون الأرض التي تليها.»

وكان في ذلك صريحًا مقرًّا بخطئه، ولم أرد أن أهيج الحيرة في نفوس الرجال، فقلت له: «لنحطَّ الرحال حتى يطلع النهار؛ فإنا متعبون هذه الليلة.»

ولم أكد أفرغ من قولي حتى بركت الجمال، ورُفِعتْ عنها الأثقال، ولم أرَ النوم يستولي على الرجال بالسرعة التي نالهم بها هذه المرة، فقد التحف كل منهم بجردة، واتقى الريح الباردة الهابة من الشمال الشرقي، بقطعة من حوائج السفر ثم نام. واعتلى محمد ذلك المرتفع ليتعرف النواحي، فتبعته وقلت له: «أظنك كنت تبالغ في اتباع نجم القطب.» وإنما أردت بذلك أن أقول: إنه بالغ في المسير صوب الجنوب، ولم أشر إلى نومه فوق جمله؛ لأني لم أُرِد أن أزعزع اعتقاده في نفسه أو أن أُخجله، فأجاب متمتمًا وهو يذرع الأفق بتشوف: «حفظك الله، لا بد أن أكون قد فعلت ذلك، وإلا لما كنا وصلنا هذه الجبال في هذه الساعة المبكرة، فقد قدرت أنَّا نصلها عند الفجر، ومع هذا فعند الصباح يأتينا الفرج من عند الله.»

وتركته وأنا أشعر بالحيرة، فقضيت بضع دقائق في أرق وأنا آمل أن لا نكون قد بعدنا كثيرًا عن الطريق السوي، واستولى عليَّ التعب فلم أفكر طويلًا في ذلك وغشيني النعاس.

السبت ١٢ مايو

علا صوت محمد بالدعوة إلى الصلاة في منتصف الساعة الخامسة، فاستيقظنا جميعًا، ولم تمضِ بنا ساعة حتى كنا على قدم الاستعداد للمسير.

وتقدَّم محمد القافلة وصحبته، وكان لا يزال مضطربًا حتى إذا درنا حول التلال، قال وفي لهجته رنة تشعر بالراحة: «الحمد لله، هذه طريقنا.» ثم أشار إلى الركن الشمالي الغربي لسلسلة التلال، فسرنا إلى حيث أشار، وفي الساعة العاشرة إلا ربعًا صباحًا وصلنا ركن التلال، وضربنا الخيام، وأرسلت الجمال ترعى بين التلال على بعد كيلومتر أو كيلومترين، وكان الرجال والجمال في حالة سيئة وكان الماء قد نزر.

وبعد ظهر ذلك اليوم تقدمنا محمد وهري إلى الجبال يخطان١ السبيل في الرمال بطنب الخيام حتى نقتفي أثرهما. وفي الساعة الخامسة تبعناهما بين أكوام الرمال ثم وصلنا التلال، ولم تكن التلال كثيرة لحسن الحظ، وإن كانت من شدة الانحدار بمكان، غير أن الأرض الجبلية التي كانت تليها، أنهكت قوانا فقد ظللنا نتعثر بين الحجارة في الظلام، ولا يقينا أذى هذه الصدمات ما كان في أقدامنا من الأحذية البدوية، والتعثر بالأحجار مؤلم في تلك الساعة المبكرة من الصباح؛ لأن رجال القافلة يكونون ناعسين ويمشون مغمضي الأعين.
figure
أول شجرة قابلتها القافلة في الصحراء بين العوينات وأردي.

وقد كنت في الليالي السالفة عمدت إلى تجربة موفقة، هي أن أطلق في الجو طلقتين أو ثلاث طلقات؛ لأبعث النشاط في نفوس الرجال، وكانت هذه التجربة ذات نتائج حسنة، فإنهم كانوا يردون بصرخات الفرح ويجدُّون في السير، ولكن النظرية قد خابت هذه الليلة، فقد أرسلت الطلقات العديدة في الساعة الثالثة، وهي أعصب ساعات السفر بالليل، ولم يجبني أي صوت من رجال القافلة.

وكان لي تعزية صغيرة في وسط ذلك الفضاء الساكن، الباعث على التعب والوجوم، فقد طلع الهلال في الصباح الباكر كخيط مُقَوَّس من الفضة، وتلألأ فوقه نجم متألق، فكان من هذين قطعة جميلة من حلي السماء، وتركت عينيَّ تنعمان بهذا المنظر؛ فنسيت ما كان يصيب قدمي من ألم التعثر بالأحجار.

figure
القافلة قرب بئر أردي وقد تبدلت الصحراء إلى أرض مرعى.

ووصلنا بعد ذلك بقليل إلى جهة كثيرة الحشيش الجاف، فتركنا الجمال ترعى قليلًا، ووقفنا نريح أجسامنا المنهوكة، وحططنا الرحال في الفجر؛ لتأدية الصلاة، ولم نكد نفرغ منها حتى التحف أكثر الرجال بجرودهم وتهالكوا على ذلك الرمل الأحمر الجميل كأنهم حجارة بيضاء.

وسارت القافلة بعد ذلك متثاقلة، ثم لحق بنا الذين تخلفوا يخلسون إغفاءة قصيرة، وأرجو أن يكونوا قد انتعشوا قليلًا، أما أنا فإن أعضائي آلمتني هذا الصباح، ولم أتمكن من استعادة قواي، ولم أجد سبيلًا للراحة على ظهر جملي رغم تجربة كل طريقة من طرق ركوبه، وسواء كنت مسرعًا أم متباطئًا وثقلت أجفاني.

وفي الساعة السادسة ساعدنا الحظ فوصلنا جهة كثرت فيها الحشائش الخضراء، ونصبنا الخيام بعد مسير ١٣ ساعة مجهدة، وكانت أعيننا في حمرة الدم، ودب التعب في جميع الأوصال، فلم تمضِ بنا نصف ساعة حتى غشي مضرب خيامنا سكون شامل.

الأحد ١٣ مايو

صحون لتناول الفطور في الساعة العاشرة صباحًا، ثم عاد الرجال فناموا، ولم يُتَح لي النوم، وبدأنا السير الساعة الخامسة وربعًا بعد الظهر، وقد ساءت الأحوال هذا المساء عن ذي قبل، فقد كانت الأرض شديدة التموج، كثيرة الحجارة، وآذت الرجال والجمال كثيرًا. وكانت الجمال تضل بنا في حلكة الظلام، وتتخلف من وقت لآخر عندما كنا نتعرج في سيرنا بين أكوام الرمل وتلال الصخور، ولم تعدم الإبل بعض الحشائش فكانت ترعى، وكان من الصعب علينا أن نميزها في تلك الرمال الحمراء ذات الصخور القاتمة المتناثرة، وسكتت أصوات الرجال عن الغناء تلك الليلة في ساعة مبكرة، وفي هذا دليل واضح على تعب الرجال.

وجاءني السيد الزروالي يقول: إن محمدًا يُفضل لنا حط الرحال مبكرين عن السير الطويل في الليل، وكان السير في الحقيقة مجهدًا اضطرنا كثيرًا إلى تغيير اتجاهنا تفاديًا من المرتفعات وأكوام الصخور، وخِيف علينا في هذا التغيير المستمر أن نضل الطريق، ولكن الزروالي كان يعلم نفوري من التأخر، فقال للدليل: إني أريد السير عامة الليل فسرنا، ولكن الطريق كانت من الوعورة بحيث كنا نترك الجمال وراءنا من وقت لآخر، فلم أرَ فائدة في استمرار السير، ولم أرَ دليلًا على تعب الرجال أنصع من أن حسنًا الواجنجي، وهو من أصبر البدو على السير، كان قد امتطى جمله منذ بدء المساء فلم يتركه بعد ذلك.

وضربنا الخيام في الساعة الحادية عشرة ونصف والتحفت بجردي، وأخبرت الرجال أني لست بحاجة إلى إقامة ما يدفع عني الريح، وأكبر ظني أني لم أغير موضعي الذي أخذته عندما رقدت حتى الساعة الخامسة، واستيقظت موجع الظهر والأقدام، وكان نسيم الصباح وانيًا منعشًا، وكانت رؤيتي الرجال مهتمين متشوفين للسفر سببًا في نسياني آلامي الجسمانية ورغمًا من روح الانشراح التي سببها طلوع الصباح، فإن الأمور لم تكن مشجعة، فقد كانت الأرض وعرة المسالك، وظهر على الرجال تزعزع ثقتهم بمحمد وهري، وكانت حال الجمال سيئة، وكان الماء آخذًا في النقصان بدرجة عظيمة.

الاثنين ١٤ مايو

قمنا الساعة السادسة صباحًا ووقفنا الساعة التاسعة، واستأنفنا السير في منتصف الساعة السادسة مساء، ووقفنا الساعة العاشرة فقطعنا ٣٠ كيلومترًا، وكان الجو معتدلًا صحوًا وهب نسيم بليل من الشمال الشرقي في الساعة السابعة صباحًا وقرَّ عند الظهر، وكان المساء والليل هادئين، أعلى درجة للحرارة ٣٢، وكانت الأرض ناعمة الرمل، مغطاة بالحشائش بين ناضر وجاف، وتغيرت معالم الأرض بعد استئناف المسير بعد الظهر، فأصبحت كثيرة التموج متعددة الأودية ذات المرعى «والنشا» الجاف، وكان ذلك دليلًا على اقترابنا من أردي.

figure
وادي أردي.

وفي منتصف الساعة التاسعة صارت الأرض كثيرة التلال على امتداد أربعة كيلومترات، ثم قطعنا بعد ذلك واديًا كبيرًا تكثر فيه المراعي والأشجار، وكان في عزمي عند البدء في الرحيل أن نسير أربع ساعات أو خمسًا، ولكن الحر اشتد بسرعة فحططنا الرحال في الساعة التاسعة واسترحنا أربع ساعات، فكان لذلك تأثير حسن إذ ظللنا يقظين حتى تناولنا فطور الصباح.

وتقدمنا محمد وهري بعد الظهر لاستكشاف الطريق السوي؛ لأن السبيل كانت وعرة المسالك، وسارت القافلة في منتصف الساعة السادسة، وقل الماء وبدأ يأسنا وظهر على الجمال الضعف والكلال، وكنا في شوق شديد إلى الوصول إلى وادي أردي بأسرع ما يمكن.

ولم نكد نبدأ المسير حتى وجد بوكاره وأرامي — وهو غير ذلك الذي هام في الصحراء واختفى، ولكنه مثله قتل رجلًا آخر — أثر ورن «برص» كبير فتتبعناه إلى جحره، واشتغلنا بالبحث عنه فكان في ذلك تسلية لنا، ولكنا وجدنا الجحر خاليًا من ساكنه، فتتبعنا أثره إلى كوم من الصخور، وظللنا ننبش الأرض عنه عشرين دقيقة حتى أمسكناه.

وتتخذ أبدو والعبيد من دهن الورن دواء للروماتزم، ويزعمون أن من يحمل رأس هذه الزاحفة يأمن شر السحر، وأن جلدها إذا عُلِّق في بيت لم تدخله الثعابين، والورن لا يعض ولا يلدغ، ولكن ذيله الذي يشبه السوط يُؤذي كثيرًا، وقد سلخ أرامي الورن وأعطاني جلده.

وتبعنا الأثر الذي تركه دليلنا، ولكنا فقدناه مرات عديدة في الظلام وأضعنا وقتًا في إيجاده.

ورأيت أخيرًا أن خط ذلك الأثر لم يكن مستقيمًا، فاستدللت من ذلك على أن محمدًا لم يكن واثقًا من صحة الاتجاه الذي اتخذه، فأمرت الرجال أن تحط الرحال وتطلق النار في الفضاء، وبعد ذلك بقليل انضم إلينا محمد وهري وكانا فرحين بتقريري الوقوف.

وأخبرني الدليل أنه لم يكن في مقدوره تعرف الطريق في الظلام، وإنا بالرغم من هذا لم نكن بعيدين عن البئر.

وكانت هذه أول مرة منذ تركنا العوينات نمنا فيها نومًا عميقًا متواصلًا مدة خمس ساعات.

وقد حادثت أرامي قبل أن أنام عن أردي وآبارها، فقال: «إن محمدًا دليل ماهر في النهار، ولكنه مُسِنٌّ لا يرى جيدًا في الليل، زد على ذلك أنه لم يطأ هذه البلاد منذ سنين، وكان يجب أن نصل البئر الأولى هذا المساء، ولكنا أخطأنا موقعها، والله أعلم.»

فطلبت منه أن لا يخبر شيئًا من هذا حتى لا يفزعوا ويلوموا محمدًا.

وجهزت كيس النوم وجلست أفكر فقد كانت هذه اللحظة أكثر لحظات الرحلة بعثًا على اليأس، فقد أضاع الرجال الثقة وقاسوا كثيرًا من اشتداد الحر، وكانت الجمال منهوكة القوى لهذا السبب كذلك، ولم يكن الدليل واثقًا من طريقه، وكان الماء نزرًا آسنًا، وأي ظرف من هذه الظروف كافٍ وحده لانشغال البال، ولكن مجموعها يهد الأعصاب ويفتك بالعزيمة والثبات والجلد أشد فتك.

وبينما أستعرض هذه المصاعب والمخاطر، خطر بفكري أن أرامي المجنون وأخاه ملكني الذي ذهب يلتمسه لم يظهرا بعد، فوجدتني في حيرة وعجب، وخشيت أن تكون الأقدار قد أزمعت أن تحرمني ما كنت قادرًا على عمله، وكانت هذه خير فرصة مناسبة للأقدار، تفتك بي إن كانت من القسوة بحيث تريد هلاكي، فإني لو كنت أخطأت موقعي أركنو والعوينات لما كان فقدي لهما بهذه الشدة عليَّ، أما وقد قطعت أكبر شق من رحلتي ووصلت إلى غاية أبحاثي وحصلت على جل النتائج التي أردتها منها، فقد دبَّ في نفسي الحنين إلى وطني، وتعلقت بأهداب الحياة خشية على تلك النتائج أن تُقبَر معي، ورغبة في العودة بها إلى بلادي، وفكرت طويلًا ثم قلت لنفسي: الله أعلم، وعجبت كيف يغشاني النوم تلك الليلة، ولكن سحر الصحراء بدأ يفعل في نفسي فثقلت أجفاني وَحَلا لي النوم.

الثلاثاء ١٥ مايو

صحونا الساعة الرابعة، فصحبت محمدًا وهري وانطلقنا نتعرف الطريق، على قلة تحققنا السبيل، فأخذ أبصارنا بغتة منظر تلال أردي الحمراء، وتأكدت ذلك بواسطة منظاري، ولم تمضِ بنا ساعة حتى سرنا صوبها، وتناقشنا قبل البدء في السير فيما إذا كان الأوفق لنا أن نضرب الخيام فوق التلال المشرفة على الوادي الذي توجد فيه البئر، أو ننحدر إلى ذلك الوادي فنقيم فيه، وكان الانحدار إلى الوادي متعبًا للجِمال، ومع ذلك فقد قررنا أن نحط الرحال فوق أرضه، فإن ذلك على الأقل يقينا من موارد الماء إذا هاجمنا قطاع الطريق.

figure
بئر أردي.

وأخذنا نتسلق دروبًا وعرة بين الصخور الحمراء، حتى وصلنا قنة صخرة عالية، فبدا لعيوننا وادي أردي البديع ممتدًّا تحت أقدامنا، وهو وادٍ ضيق يبلغ طوله عشرة كيلومترات، وعرضه مائة متر، وتكتنفه صخور من الحجر الأحمر، وكان ذلك الوادي مثلًا طيبًا للواحة الواقعة في الصحراء، فإن أشجاره وحشائشه الخضراء تبعث السرور والطمأنينة، بعد قطع تلك الصحراء العارية، ذات الصخور الوعرة التي قاسينا فيها الأهوال منذ تركنا العوينات.

وبينا كنا نتقدم إلى البئر سبقنا محمد وهري لتعرف الأرض، والعبيد شديدو الاحتراس إذا وصلوا بئرًا، فإنهم لا يُهرَعون إليها دفعة واحدة، بل يرسلون رجلًا أو رجلين للتحقق من وجود أحد بالقرب منها، والتأكد مما إذا كان صديقًا أو عدوًّا؛ ولذلك لم يكن تقدم الدليلين لتعيين الطريق التي يجب اتباعها فحسب، ولكنه فوق ذلك للتحقق مما إذا كنا في حاجة إلى التأهب للدفاع عن أنفسنا عند اقترابنا من البئر.

وانحدرنا بعد جهد شديد في الطرق الوعرة إلى الوادي، ثم ضربنا الخيام في طرفه الشمالي.

وتقع البئر في أقصى الجنوب والطريق سهلة إليها من رءوس التلال إلا التي أخذناها، وتناولنا طعامًا شهيًّا من الأرز والخبز الطازج، فأضاف ذلك إلى بهجة الجهات المجاورة وشعرنا بطرب شديد كأنَّا في حفلة زفاف.

وبانت لي الأفكار السوداء التي تملكتني الليلة الفائتة كأنها كابوس شديد، وإن لم تخلُ من حقائق كثيرة، فإن الحد الفاصل في الصحراء بين النجاة والهلاك كثيرًا ما يكون دقيقًا جدًّا.

وبعد أن احتسينا ثلاثة أكواب من الشاي في بطء واستمتاع ذهب الرجال بالإبل إلى البئر يسقونها ويستجلبون الماء للقافلة، وعادوا بالماء فحلقت ذقني واستحممت، وغيرت ملابسي، فاطمأن بالي وهدأ خاطري وبسم لي وجه الحياة مرة أخرى.

وفي الساعة الخامسة بعد الظهر تسلقت حائط الوادي مصطحبًا التيودليت، وقمت بعمل بعض الملاحظات، وذهب السيد الزروالي مع السنوسي أبي حسن وأرامي لاصطياد الودان، وهو غنم الجبال، ولكنهم عادوا غير موفقين في صيدهم، وقد سألت أرامي عما إذا كانت خيبتهم في عدم إحسان الرماية، فأجابني: «أبدًا، والله لقد أحكمنا الرماية، ولكن الله رأف بالودان.»

وأرخى الليل سدوله على قافلة تضم جمالًا مستريحة، ورجالًا طربين مردِّدي الغناء فشعرت أني لا بد حالم تلك الليلة أحلامًا لذيذة.

١  في الأصل «يخطُّون» «وأثرهم» بصيغة الجمع. «المحرر».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤