في عالم الذكرى

ثلاث عشرة حجة١

مرت بنا الأيام وثبًا
سلمًا كما شاءت وحربا
لا أحسنت حربًا، ولا
في السلم طاب السلم غبَّا
ضمنت لجيشيها معًا
غصبًا كما اشتهيا وغلبا
فإذا الحوادث أقبلت
أو أدبرت فالخلق نهبى
العام من أعوامنا
يحوي — جزاه الله — حقبا
وثلاث عشرة حجة
قلبت طباق الأرض قلبا
سلها عن الدنيا وما
صنعت به شرقًا وغربا
سلها عن الوادي وما
صنعت به دفعًا وجذبا
لا ضير بالماضي إذا
دار الزمان فطاب عقبى

•••

فألًا من الذكرى وكم
فأل طوى في الغيب حجبا
وهداية منها وقد
تهديك في الظلماء قطبا٢

•••

يا سعد يومك فاستجب
قلبًا لمن يدعوك قلبا
جرد عزيمتك التي
أغنت عن الصمصام غربا٣
وابعث نصيحتك التي
أغنت عن الترياق طبا
وانشر فرائدك التي
أغنت عن العقيان كسبا
هذا نذير الشر هبا
وإلى حمى مصر اشرأبا
وسرت إلى إفريقيا
عدوى الجهالة من أورُبَّا
طمعوا بحوزة أمة
ظنوا لها الغفلات دأبا
إن قيل: لا خطر غفت
عينًا وناهت عنه لبَّا
أو قيل: لا طمع فلا
طمع وقرت مصر سربا
أو قيل: يا أمم انهضي
نهضت وراحت مصر تأبى
تجري المخاوف حولها
وتخاله الأمن استتبا
يا سعد أنت إمامها
فاهتف بها ملأً وشعبا
صدع الشقاق صفوفها
وجمعتها بالأمس حزبَا
فاجمع جوانب رأيها
شعبًا على الحسنى فشعبا
قل أنتمو أعلى يدًا
من عابدي الإنسان رهبى
ذلوا فلما استرسلوا
تاهوا بقيد الذل عجبا
وإذا أتوا عدد الحصى
فرما لكم أوفى وأربى
جدب من الصحراء أغـ
ـلى من جميم الروض تربا
ظمآن يشرب كل من
يغرى بكم أكلًا وشربا

•••

وقل: استعدوا واسلكوا
في مفرق الحدين دربا
لا تصغروا هولًا ولا
تستكبروا الأهوال رعبا
وتبينوا أن الفريـ
ـق الحر فاتخذوه صحبا
دار الذين سَبَتْهُمُ
حرية، هيهات تسبى
ضنوا بمصر على العدى
وعلى الذي يحتال خبا
وحذار دعوى معشر
لم يؤمنوا بالحق ربا
لا رحمة عرفوا ولا
عرفوا لغير الشر حبَّا
القدوة العليا لهم
وحش على العدوان شبَّا
عقدوا على البغي العرى
تبت يد الباغي وتبَّا

•••

يا آل مصر تذكروا
سعدًا ففي التذكار قربى
إني استعرت بيانه
فعليَّ إن قصرت عتبى٤
إلا اللباب فإنني
في الرأي ما أخطأت لبَّا
سعد إذا أمضى مضى
وإذا دعاه الهول لبَّى

تحية زعيم راحل٥

أكبرت في غيب الزعيم محمد
من كان يكبر حاضرًا في المشهد
حجب الردى عنا بشاشته ولم
يحجب بشاشة ذكره المتجدد
هيهات ينتقص الزمان مجادة
للسيد بن السيد بن السيد
فخر الصعيد، وفخر مصر جميعها
بالرأي، والخلق القويم الأيد
من يرسل المثني عليه ثناءه
مسترسلًا في القول غير مقيد
جمع القلوب على المديح وإن مضت
نهجين بين مصوَّب ومصعِّد
لم تُقض في هذي الديار قضية
ومحمد ممَّا قضَوه بمبعد
ملء الندى وإن تطامن دفة
كم دقة شحذت مضاء مهند

•••

في دارة الفلكي قبلة كوكب
يعلو على رصد المنايا الرصد
تطوي المغارب جرمه، وشعاعه
متألق في أوجه لم يخمد
أكبرت مطلعه، ولم يك طالعي
في كل حين عنده بالأسعد
ورأيته أقصى وأقرب رؤية
فإذا البروج لكوكب متوحد
مهما اختلفت حياله لم يختلف
سمت السماء ولا علو المقصد
متحرز مما يعاب كأنه
متقيد المسعى، ولم يتقيد
شفَّت سرائره، فكل سريرة
فيه تضيئك من سراج موقد
فإذا عهدت المحض من عاداته
لم تلقَ يومًا منه ما لم تعهد

•••

عَزِّ الكنانة فيه فهي فجيعة
تبلو الكنانة في الضمير وفي اليد
ما في مروءات الشعوب مروءة
إلا رعته بنظرة المتفقد
البر، والمشهود من آلائه
بين المحافل دون ما لم يشهد
ومعاهد التعليم بين مشجع
للعاملين بها، وبين مزوَّد
وإغاثة الأدب اللهيف، وإن تشأ
ردًّا، فعدِّد ما بدا لك، واسرد
ونزاهة اليد واللسان هداية
للمهتدين، وقدوة للمقتدي
وصراحة الأخلاق ما اشتملت على
مستغلق فيها، ولا متأود
والعزة الشَّمَّاء إلا أنها
كالشاهق المخضر لا كالجلمد
وسياسة الوادي، ولم يك رابحًا
منها سوى الشجن المقيم المقعِد
وعزيمة لا تكره الشورى وإن
كانت لتكره حيرة المتردد
شيم وآلاء إذا ما استفردت
كالقطب، عزَّت في ازدواج الفرقد

•••

عز الكنانة والعزاء ليعرب
ما بين مُتْهِمِ قومه والمُنْجِدِ
كم ذاد عنهم والخطوب بمرصد
والشمل بين مشرَّد ومبدَّد
للحق، لا لخبيئة مطوية
تلقى العداة الرابضين بموعد
ولنصرة الإسلام لا لعصابة
تسعى إلى الإسلام سعي المفسد
سمْح على ما فيه من عصبية
سهل، وإن أعيى قوى المتشدد
لا يستطاع على الخصام عناده
وعليه تعويل الأخ المتودد
من أكسفورد، ولو نماه معشر
للأزهر المعمور لم تستبعد
فيه محافظة، وفيه طرافة
وأراه في الحالين غير مقلد
ورث الحَمِيَّةض كابرًا عن كابر
والأريحية منجدًا عن منجد
غيث الفلاة ونيل مصر كلاهما
سقياه من أصليه أعذب مورد
فإذا بكت مصر فغير ملومة
وإذا الحجاز بكى، فغير مفند

•••

رحم الإله محمدًا وأثابه
في خلده الباقي ثواب مخلد
كان السبيل السرمدي سبيله
فعليه رضوان الإله السرمد

على قبر إبراهيم٦

«… إنا لمحزونون عليك يا إبراهيم، وإن ما أنا قائل لا يسر ما يقال في هذا الموقف الأليم»:

يا قبر إبراهيم ما
لي بالبيان هنا يدان
بل فيك تنطلق العيو
ن وفيك ينعقد اللسان
ما كنت أحسب أنني
ألقاك في هذا المكان
يا من حملت إليه أكـ
ـرم ما يعز، وما يصان
جثمانك العف الطهو
ر وقلبك الجم الحنان
وجبينك السمح الذي
ما هان قط، ولا أهان
وعزيمة لم يثنها
غير الأمانة من عنان
حزني عليك أبا خليـ
ـل ليس يمحوه الزمان
وجميل ذكرك في فمي
وجميل صنعك في الجنان
ماذا أقول ومن يعيـ
ـن على رثائك، أو يعان
أغناك فضلك ناطقًا
بالصدق عن نطق البيان
فعليك سابغ رحمة
ونعيم خلد راضيان
وسلام ربك عاطرًا
وسلام قومك مجمعان

آه من التراب٧

أين في المحفل «مي» يا صحاب؟
عودْتنا ها هنا فصل الخطاب
عرشُها المنبر مرفوع الجناب
مستجيب حين يدعى مستجاب
أين في المحفل «مي» يا صحاب؟

•••

سائلوا النخبة من رهط الندي
أين مي؟ هل علمتم أين مي؟
الحديث الحلو واللحن الشجي
والجبين الحر والوجه السني
أين ولى كوكباه؟ أين غاب؟

•••

أسف الفن على تلك الفنون
حصدتها، وهي خضراء، السنون
كل ما ضمته منهن المنون
غصص ما هان منها لا يهون
وجراحات، ويأس، وعذاب

•••

شيمٌ غرٌّ رضيَّات عِذاب
وحجى ينفذ بالرأي الصواب
وذكاء ألمعي كالشهاب
وجمال قدسي لا يعاب
كل هذا في التراب، آه من هذا التراب

•••

كل هذا خالد في صفحات
عطرات في رباها مثمرات
إن ذوت في الروض أوراق النبات
رفرفت أوراقها مزدهرات
وقطففنا من جناها المستطاب

•••

من جناها كل حسن نشتهيه
متعة الألباب والأرواح فيه
سائغ مُيِّز من كل شبيه
لم يزل يحسبه من يجتنيه
مفرد المنبت معزول السحاب

•••

الأقاليم التي تنميه شتى
كل نبت يانع ينجب نبتا
من لغات طوفت في الأرض حتى
لم تدع في الشرق أو في الغرب سمتا
وحواها كلها اللب العجاب

•••

يا لذاك اللب من ثروة خصب
نير يقبس من حس وقلب
بين مرعى من ذوي الألباب رحب
وغنى فيه وجود مستَحب
كلما جاد ازدهي حسنًا وطاب

•••

طلعه الناضر من شعر ونثر
كرحيق النحل في مطلع فجر
قابل النورَ على شاطئ نهر
فله في العين سحر أي سحر
وصدى في كل نفس وجواب

•••

حي «ميًّا» إن من شيع ميا
منصفًا حيا اللسان العربيا
وجزى حواء حقًّا سرمديا
وجزى ميًّا جزاء أريحيَّا
للذي أسدت إلى أم الكتاب

•••

للذي أسدت إلى الفصحى احتسابا
والذي صاغته طبعًا واكتسابا
والذي خالته في الدنيا سرابا
والذي لاقت مصابًا فمصابا
من خطوب قاسيات وصعاب

•••

أتراها بعد فقد الأبوين
سلمت في الدهر من شجو وبين
وأسى يظلمها ظلم الحسين
ينطوي في الصمت عن سمع وعين
ويذيب القلب كالشمع المذاب

•••

أتراها بعد صمت وإباء
سلمت من حسد أو من غباء
ووداد كل ما فيه رياء
وعداء كل ما فيه افتراء
وسكون كل ما فيه اضطراب

•••

رحمة الله على «مي» خصالا
رحمة الله على «مي» فعالا
رحمة الله على «مي» جمالا
رحمة الله على «مي» سجالا
كلما سجل في الطرس كتاب

•••

تلكُم الطلعة ما زلت أراها
غضة تنشر ألوان حلاها
بين آراء أضاءت في سناها
وفروع تتهادى في دحاها
ثم شاب الفرع والأصل، وغاب

•••

غاب والزهرة تؤتي الثمرات
ثمرات من تجاريب الحياة
خير ما يؤتي حصاد السنوات
بعثرتهن الرياح العاصفات
ورمتهن ترابًا في خراب

•••

رد ما عندك يا هذا التراب
كل لب عبقري أو شباب
في طواياك اغتصاب وانتهاب
خُلقا للشمس أو شم القباب
خلقا لا لانزواء واحتجاب

•••

ويك! ما أنت برادٍّ ما لديك
أضيع الآمال ما ضاع عليك
مجد «مي» غير موكول إليك
مجد «مي» خالص من قبضتيك
ولها من فضلها ألف ثواب

عام محمد٨

جدد العهد بعد عام محمد
تلك ذكرى على المدى تتجدد
خلق لا يزال قدوة جيل
بعد جيل، أخلق به أن يخلد
بل طراز من المكارم باق
كلما عده الكرام تعدد
ومعان غراء هيهات تُحصى
كثمار الفردوس هيهات تنفد
إنما يُذهب الزمان فقيدًا
إن تقضَّى الزمان لم يُتفقَّد
ليس يُفني الزمان من كلما عسـ
ـعس ليل سمعت: أين محمد؟
أين من كان رحمةً وهو بأس
أين من كان أمة وهو مفرد
أين من كان للمساكين عونًا
وله في ذؤابة المجد مسند
أين من كان منية المتمني
في مغيب من الوداد ومشهد
أين من عُود الإباء صبيًّا
ولكل من دهره ما تعوَّد
أين من كلما تقلد أمرًا
صان في جيده عرى ما تقلد
أين من كان مرجع القوم فيما
صدع العزم أيديا فتبدد
أين من كان قولهم فيه شتى
والطوايا في وصفه تتوحد
أين من كان قائدًا وهو فيما
نتقيه جندي مصر المجند
سألوا أين أين؟ وهو قريب
منهم في جواره غير مبعد
هو في كل معهد يتراءى
هو في كل مسمع يتردد
هو فيهم وقد تغيب عامًا
لا يُرى قاصدًا، وإن كان يُقصد
رب دانٍ مجسد لا نراه
وبعيد نراه غير مجسد

•••

مصر يا أمة الخلود المشيَّد
والوفاء الذي رسا وتوطد
أنت في نعمة وخير عميم
ما تعهدت خير ما يُتعهد
لك في الذكريات كنز رجاء
أبد الدهر بابه ليس يوصد
فاذكري الغابرين وادخريهم
لغرار ينضى وعزم يشدد
إنهم مهدوا الطريق ولولا
خطوهم فيه لم يكن بالممهد
اذكري كلما بلغت زهيدًا
من أمانيك أنه كان أزهد
واذكري كلما بلغت عظيمًا
أن جهد المصري في المجد أجهد
إن ما ضاء كان بالأمس ظلما
ء وما ابيضَّ كان بالأمس أسود
والذي في يديك كان سرابا
زمنًا ثم صار يجنى ويحصد
وارقبي العالم المُطِل علينا
من غدٍ، إنه جنين سيولد
الحروب التي تضج وغاها
هي نجوى مخاضة تتصعد
إننا في يديه لعبة لاه
إن جحدناه أو حسبناه يُجحد
ما مضى من زماننا أو سيأتي
في يدي ذلك الجنين سيحشد
الجنين الموعود لا تجهلوه
يا بني مصر فهو للجهل مُرصد
هو حي، إن لم يكن قد تَسمَّى
باسمه في قرابه فكأن قد
فاجمعوا عدة من الأمس ترضى
واجمعوا عدة من الغد تحمد
أنتم في كنانة الله أهل
إن تصدوا السهام وهي تسدد
ولكم من صيانة الله شروى
ما تصونون من فخار وسؤدد
كل حق لكم فغير مضاع
ما رعيتم حقًّا لمثل محمد

الشهيد معاوية

احتفل أدباء السودان بتأبين الأديب السوداني النابغ معاوية محمد نور، وقد لقي نصبًا من سقامه، وعوجل — رحمه الله — في ريعان صباه دون الثلاثين، بعد أن بشر العالم العربي بأمل كبير لم تنجزه المقادير.

وقد أرسل صاحب الديوان هذه القصيدة لتُلقى في يوم تأبينه، عوض الله الأدب فيه خير العوض، وعزى الأدباء أحسن العزاء:

أجل هذه ذكرى الشهيد معاويةْ
فيا لكِ من ذكرى على النفس قاسيةْ
أجل هذه ذكراه لا يوم عرسه
ولا يوم تكريم، ودنياه باقيةْ
فما أقصر الدنيا التي طوَّل الضنى
أصائله فيها، وأشقى لياليه
وما أضيع الآمال آمال من رأوا
مطالعه في مشرق النور عاليةْ
ومن أيقنوا أن الهلال الذي بدا
على الأفق أحرى أن يعمَّ نواحيه
بكائي عليه من فؤاد مفجَّع
ومن مقلة ما شوهدت قطُّ باكيةْ
بكائي على ذاك الشباب الذي ذوى
وأغصانه تختال في الروض ناميةْ
بكائي على ما أثمرت وهي غضة
وما وعدتنا، وهي في الغيب ماضيةْ
فضائل منها نخبة أزهرت لنا
لمامًا، وأخرى لم تزل فيه خافيةْ

•••

تبينت فيه الخلد يوم رأيته
وما بان لي أن المنية آتيةْ
وما بان لي أني أطالع سيرة
خواتيمها من بدئها جد دانيةْ
وأن اسمه الموعود في كل مِقول
سيسمعه الناعون من فم ناعيةْ
أجل هذه ذكراه يا نفس فاذكري
فجيعتنا فيه، وما أنت ناسيةْ
أجل هذه ذكراه يا عين فاذرفي
عليه شآبيب٩ المدامع داميةْ
إذا قصرت أيام من نرتجيهمُ
فيا طول حزن النفس والنفس راجيةْ
ويا طول حزن النفس وهو منيبة
إلى اليأس من عجز بها، وهي آبيةْ
فيا يوم ذكراه سنلقاك كلما
رجعت إلينا، والضمائر صاغيةْ
ويا عارفيه لا تضنوا بذكره
ففي الذكر رجعى من يد الموت ناجيةْ
أعيروه بالتذكار ما ضنَّ دهره
به عيشة في مقبل العمر راضيةْ
وزيدوا النفيس النزر من ثمراته
بتكرارها في القلب أولى وثانيةْ
فإن لم تكن في العد كثرًا فباركوا
معانيها حبًّا، ووفُّوا معانيه
عليه سلام لا يزال يعيده
ويبديه شادٍ في الديار وشاديةْ

عبد القادر

جل المصاب بفقد عبد القادر١٠
ويح البيان على المبين الساحر
الباحث المنطيق في تاريخه،
الملبس الماضي لباس الحاضر
الناقد الأنباء نقد صيارف،
الوازن الآراء وزن جواهر
المستعين على السياسة بالحجى
والعلم، والقلم القويِّ القاهر
والحجة العليا ما طأطأت
يومًا لمنتقم ولا لمناظر
الدارس الأيام درس مجرب
يلقاه باطن سرها كالظاهر
الصابر المزجي الخطوب بصبره
حتى يزلن، ونعم أجر الصابر
الباذل الدنيا على علم بها
في اليسر والإعسار، بذل مسافر
المستعز بوحدة الأسد الذي
يأبى التجمع في القطيع النافر
الراسخ الجم الوقار، بغير ما
عَنَتٍ يصيب ملالة من زائر
الصامت النزر الكلام بغير ما
حصر يعيب، ولا كلالة خاطر
الوداع السهل الطباع بغير ما
سلس لباغ، أو مهابة آمر
الصاحب المبقي على أصحابه
ما بين وافٍ منهم أو غادر
الوالد البر الرفيق بولده
وبآله رفق العليم الشاعر
الثائر الوطني في ميدانه
عجبي له من مستقر ثائر
الصارم الماضي السلاح وعنده
بعد ارتداد السيف عتبى عاذر
عرف الحقائق فاستراح جنانه
من سرعة الشاكي وبطء الشاكر
ووعي عواقبها فلم يَعِ صدره
بغضًا لمعتقد ولا لمكابر

•••

علمي به علم المطالع زاده
علم على بعد، وعلم معاشر
كم مرَّ من يوم ضحوك بيننا
أو مرَّ من يوم عبوس كاشر
خضنا الحياة معًا على علاتها
متلاحقين مع الشباب الباكر
وجرى يراعانا معًا في حلبة
عَزَّتْ على غير الطمر الضامر
ذكراه والأيام عابرة بنا
نعم العتاد لذاكر ولعابر
ذكرى القشيب من الشباب تزينها
ذكرى المُشيب من الجهاد الظافر
عهدان من عمْرين لو نُسجا معًا
لم تدر أيهما مكان الآخر

•••

يا يوم منعاه سبقت بمنذر
في الصدر من وحي الهواجس صادر
يوم لمست النحس قبل صباحه
وطويت فيه على الهموم ضمائري
ومشى النهار إليَّ منقبض الضحى
كالليل، مِشية مستكين عاثر
حُيرت فيه، فحين زالت حيرتي
زالت بأفدح من ظنون الحائر
بذهاب نابغة ومصرع غالب
وختام عهد بالعظائم عامر
وفجيعة لا كالفجائع في أخ
وزميل أقلام وصنو منابر
تمضي السنون وفي الصحائف صفحة
تبيضُّ فخرًا، وافتقاد محابر
ما كان خط مداده في طرسها
إلا بياض جبينها المتباشر
أسفي عليها وهي لابسة له
ثوب الحداد من البياض الشاغر
وعزيزة للنابغين نظائر
في الشرق تتلى بعدهم بنظائر
فإذا بكى الباكي عليه فإنما
يذري الدموع على عزيز نادر
وإذا جزيناه الوفا فبعض ما
وفَّى الحقوق لحاضر ولغابر
إن الذي حفظ العصور بذكره
حقٌّ له ذكرى الثناء العاطر
وتراث عبد القادر الباقي لنا
فيه «البلاغ» لقارئ ولذاكر

هوامش

(١) ألقيت من محطة الإذاعة المصرية في ذكرى وفاة «سعد» سنة ١٩٤٠.
(٢) إشارة إلى نجم القطب الذي يهدي في الظلام.
(٣) حدا.
(٤) معنى البيتين إني استعرت بيان سعد، فإن قصرت في هذه الاستعارة فالعتب عليَّ. أما لُباب المعنى فلا تقصير فيه؛ لأنني لم أخطئه.
(٥) ألقيت بقاعة الاحتفالات بجامعة فؤاد الأول يوم الأربعين لوفاة المغفور له محمد محمود باشا.
(٦) ألقيت على قبر السري الكبير إبراهيم عامر باشا يوم وفاته، وكان — رحمه الله — مثلًا لعلو الهمة ومكارم الأخلاق.
(٧) رثاء كاتبة العربية الفضلى الآنسة مي زيادة، ألقي بدار الاتحاد النسائي بالقاهرة.
(٨) ألقيت في الذكرى الثانية بعد انقضاء عام لوفاة المغفور له محمد محمود باشا رحمه الله.
(٩) جمع شؤبوب وهو دفعة المطر.
(١٠) هو فقيد الكتابة والصحافة المرحوم عبد القادر حمزة باشا صاحب «البلاغ».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١