الأسرة التيمورية ومكانتها في العلم والأدب والمعرفة

قل في النابهين الممتازين من رجالات مصر في عصرها الحديث من اكتمل له — بجانب سجاياه الذاتية الحميدة، وتبريزه في مختلف الميادين العلمية والأدبية والاجتماعية — مثل ما اتفق للعالم الأديب العظيم المغفور له «أحمد تيمور باشا» مؤلف هذا الكتاب؛ من الانتماء إلى أصول عريقة زكية، خالدة بأمجاد الآباء والأجداد، ومن فروع طيبة تنتمي إليه، وكانت خير خلف لخير سلف، وبها وعلى هدى إنتاجها الغزير اتصلت طرائق مجد الأسرة التيمورية، طارفها وتليدها، وامتدت إلى ما شاء الله من غايات ساميات بعد غايات ساميات!

كان أول عهد الأسرة بمصر، وعهد مصر بها، حينما أقبل عميدها الأول «إسماعيل تيمور» فيمن أقبلوا من تركيا إلى مصر مع محمد علي، لرأب ما انصدع من الحكم العثماني في مصر، ووضع حد لمطامع المماليك ومؤامراتهم الدموية المتواصلة للاستئثار بالحكم والسلطان.

ولئن كان «محمد علي» قد استطاع أن يثب بمكانته من جندي في جيش السلطان العثماني إلى منصب «والي مصر» بإرادة شعبها، ثم استهوته شياطين الأَثَرَة والسيطرة وحب الذات فكفر بأنعم الشعب المصري، وأعلن نفسه وأفراد أسرته من بعده ملوكًا جبارين، يسخِّرون الشعب في تثبيت دعائم سلطانهم، ويستأثرون من دونه بخيرات البلاد؛ فقد حرص «إسماعيل تيمور» على أن يختط لنفسه وأسرته خطة أسمى وأنبل، وأبقى أثرًا ونفعًا، فأبى بعد أن بلغ مرتبة القيادة في الجيش أن يجرد سيفه في غير ما يطمئن إليه قلبه وضميره، واكتفى من سلطان الحكم بتولي بعض المناصب الإدارية في الأقاليم، حيث كان مثلًا يُذكر فيشكر للحاكم العادل القدير.

figure
صورة تذكارية من أيام الصبا للعلامة المحقق المغفور له أحمد تيمور باشا وأنجاله إسماعيل ومحمد ومحمود.

وكذلك كان شأنه في منصب رياسة الديوان الخديوي في عهد إسماعيل؛ إذ وقف كل جهده في القصر على التلطف لكبح جوامح الرغبات الخديوية الاستبدادية، ومحاولة وضع حد لمغامرات الخديو المالية، وتبصيره بحاجات الشعب الحقيقية. وفي الوقت ذاته، نأى بجانبه عن دسائس القصر، ومخالطة الأمراء ورجال الحاشية، ومن إليهم من النفعيين والانتهازيين المتزلفين، وآثر على صحبتهم صحبة الكتب التي أُولع باقتنائها، وكانت له في داره نعم الجليس الأنيس.

•••

ولم يكن عجبًا أن ينشأ أحمد تيمور وشقيقته عائشة على مثل هذا الخلق المتأصل في نفس والدهما إسماعيل تيمور، فكان تحصيل العلم والمعرفة والانتفاع والنفع بهما غايتهما الكبرى.

وسجل التاريخ لعائشة التيمورية ما سجل من مآثر ومفاخر، ليس أكبرها أن نثرها وشعرها أول ما عرفت مصر من الأدب النِّسْوي في العصر الحديث.

أما أحمد تيمور فكان له دورٌ أكبر وأخطر، وأجدر بأن يكون مثلًا وقدوةً لكل طموح إلى معالي الأمور عازفٍ عن لغو الحياة وملهياتها المختلفات.

فقد نشأ في بيت والده، وعنه أخذ حب الحق والخير والعلم والأدب، ثم انتقل بعد وفاة والده إلى دار شقيقته، وكان زوجها المرحوم «محمد توفيق بك» من المحبين للعلم والمعرفة، وعنده من الكتب شيء كثير في مختلف العلوم والفنون، فانطبع حب اقتناء الكتب في نفس «أحمد تيمور» منذ ذلك الحين.

ولما بلغ أشده واستوى، وأُسند إليه منصب في الحكومة، ما لبث قليلًا حتى عاف ذلك العمل الرتيب الممل، فتركه غير آسف إلى الإشراف بنفسه على الأرض التي أورثها له أبوه، وإلى استكمال تعليمه، وإتقان اللغة العربية فضلًا عن الفرنسية والتركية.

واختار لنفسه أساتذته فأحسن الاختيار، وحسبك أن من بينهم: الشيخ رضوان المخللاتي، والشيخ حسن الطويل، والشيخ الشنقيطي، والشيخ محمد عبده.

وكانوا له أساتذة وأصدقاء، وكانت داره ناديًا جامعًا نافعًا، يلقون فيه المحاضرات والدروس، ويعقدون مجالس للبحث والمناقشة وتبادل الآراء والأفكار. وفي هذه الدار، ألقى الإمام محمد عبده محاضراته المشهورة عن الإسلام، بدعوة من أحمد تيمور.

وما أكثر الندوات التي عقدت بالدار، وشهدها واشترك فيها مشاهير العلماء والأدباء، أمثال: البارودي، وصبري، والحسيني، والزرقاني، والسمالوطي، والهوريني!

على أن ذلك كله لم يشبع طموح أحمد تيمور ورغبته الدائمة في الاستزادة من العلم، فاتصل بكثيرين من العلماء الأعلام والقادة العظام في خارج مصر واستفاد منهم كثيرًا، ولا شك أنهم استفادوا منه الكثير.

•••

ولما اتسعت مكتبته الخاصة، وكثر ما ضم إليها من نوادر المخطوطات، ونفائس المؤلفات، اتخذ لها دارًا خاصة في الزمالك، ولم يزل يتعهدها بالتنمية حتى صارت بحق المكتبة المصرية الثالثة في مصر، بعد دار الكتب ومكتبة الأزهر.

وقد زودها بكثير من الصور «الفوتوغرافية» التي التقطها وأعدها بنفسه للمشاهد الأثرية والتاريخية التي درست معالمها بعد ذلك، كالقناطر التي كانت على الخليج١ قبل ردمه في القاهرة، وبذلك أدى خدمة جليلة للتاريخ.

وفي المكتبة عدا ذلك مجموعة من صور أساطين الإسلام، أمثال: صلاح الدين الأيوبي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد القادر الجزائري … وغيرهم.

ولئن كان أحمد تيمور لم يخرج في حياته كتابًا لنفسه، فما كان ذلك إلا عن تواضع كريم منه، وإيثار للتريث والتثبت، وللانصراف إلى البحث والدرس والكتابة، حتى لقد ترك من مؤلفاته المخطوطة عشرات من أنفس ما كتب الكاتبون.

وشاء الله إلا أن تظهر هذه الكتب بعد وفاة صاحبها سنة ١٩٤٥، فقيَّض لذلك لجنة نشر المؤلفات التيمورية، وقيَّض للجنة رئيسًا خبيرًا قديرًا، بلغ المكانة القصوى بين رجالات العلم والقلم، هو الأستاذ الكبير خليل ثابت. وقد وفِّقت اللجنة حتى الآن إلى نشر كثير من تلك المخطوطات العلمية والتاريخية واللغوية والأدبية، ولا يزال لديها الكثير مما هي بسبيل نشره منها، كتابًا بعد كتاب.

وكما ورث أحمد تيمور حب العلم والأدب وأهلهما عن والده إسماعيل تيمور، أورث ذلك أولاده الثلاثة: إسماعيل، ومحمد، ومحمود.

وقد بلغ المرحوم إسماعيل تيمور مرتبة كبيرة في وظائف القصر، وكان إلى ذلك عالمًا أديبًا محبًّا ومقدِّرًا للعلماء والأدباء، وبقي كذلك إلى أن اختاره الله إلى جواره.

وكان محمد تيمور أول رائد لفن التمثيل والتأليف له من بين أبناء السَّرَاة المصريين، ولولا المنية عاجلته في ريعان شبابه لكان لذلك الفن على يديه شأو بعيد المنال الآن.

أما محمود تيمور — أصغر أنجال الفقيد — فهو الآن أحد «الخالدين» المختارين لعضوية مجمع اللغة العربية، كما أنه يواصل إنتاجه القصصي والأدبي الغزير، الذي عقد له لواء الزعامة بين كتاب القصة العربية الحديثة، وتُرجم منه الكثير إلى اللغات الأجنبية، غربية وشرقية، فكان ذلك فخرًا باقيًا لكل مصري وكل عربي، وأنه قبل ذلك وبعد لفخر أكبر وأبقى للأسرة التيمورية ذات التاريخ، والفضل على التاريخ.

١  وإن اللجنة تحتفظ بمجموعات كبيرة من هذه الصور والموميات الزجاجية داخل علب متنوعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠