الحالة الدولية في العالم عند تولي الإسكندر

(١) مملكة مقدونيا وبلاد الإغريق

على إثر موت «فليب» المقدوني خلفه ابنه الإسكندر على عرش مقدونيا، وكانت تهدده الأخطار من كل النواحي في داخل البلاد وخارجها، وكان أول ما وجه همه إليه هو بلاد اليونان التي قابلت موت والده «فليب» بهتافات الفرح والسرور لأنه سلبها حريتها، ولقد بلغ بأهلها الفرح إلى أنهم أصدروا منشورًا ينص على تعظيم قاتل والدها «فليب الثاني» أخذًا باقتراح الخطيب اليوناني المفوه «دموستين».

ولا غرابة في أن نرى على إثر إعلان موت «فليب» أن المدن اليونانية واحدة بعد أخرى تطرد الحاميات المقدونية من أراضيها وتنفض عن نفسها عبء نير حكم الأسرة المقدونية التي كان على رأسها وقتئذ الإسكندر، غير أن الأخير أخذ يهاجم المدن المنشقة مدينة بعد أخرى حتى أخضعها لسلطانه وأعاد فيها النظام والأمن إلى نصابهما، وبعد أن تم له النصر وهدأت الأحوال انتخبته المدن الإغريقية قائدًا عامًّا عليها ليقود جيوشها لمحاربة بلاد الفرس التي كان والده قد بدأ فعلًا في غزوها، ولقد كان مرمى آمال الإسكندر ومنتهى ما تطمع إليه نفسه عندما قرر الزحف على بلاد الفرس أن يصبح في نهاية أمره على رأس بلاد «هيلاس» بوصفه بطلًا من نسل البطل الإغريقي «أشيل» وأن يصبح خليفته مفضِّلًا ذلك على لقبه «ملك مقدونيا»، ولكن صادفته صعاب كثيرة على الرغم من أن المدن الإغريقية المغلوبة على أمرها قد أمدته بِفِرَق من جنودها كما جعلته قائدها الأعلى، ولكنَّ كثيرًا من هذه المدن لم تكن جادة في ولائها له، وسنرى أن الحلف الذي كونه الإسكندر من مجموع هذه المدن كان في الواقع مقدمة حسنة ساعدت على انتشار الحضارة الهيلانية التي شاءت الأقدار أن يكون انتشارها على يد الإسكندر الأكبر، ومن ثم كانت المدن الإغريقية تعرف به رسميًّا بوصفه الممثل للشعب الإغريقي بكل معنى الكلمة.

(٢) متاعب الإسكندر العائلية

على أن الإسكندر الأكبر كان لديه مشاكل ومتاعب أخرى من جهة أسرته، وكان لا بد من التغلب عليها قبل أن يغادر وطنه لفتح بلاد الفرس، وتنحصر هذه المشاكل في الدسائس والأحقاد التي تنجب عن موت والده «فليب الثاني»، وخلاصة القول في ذلك أن «فليب الثاني» ملك مقدونيا بعد أن وحد سلطانه على بلاد الإغريق ألَّف منها حِلفًا جديدًا وكانت استعدادات هذا الحلف لغزو بلاد الفرس توشك أن تتم، وكان «فليب» قد أرسل فعلًا قوة حربية في المقدمة بقيادة «بارمينو» Parmenio وضباطًا آخرين ليؤمنوا له معبر الدردنيل «هلسبونت» وليضمنوا لجيشه بذلك مواطئ أقدامهم في إقليم «طروادة» وإقليم «بيثينيا» Bithynia، وبعد ذلك كان على سائر الجيش أن يزحف بقيادة «فليب» نفسه لغزو الإمبراطورية الفارسية، غير أن بيت «فليب» كان مملوءًا بالأحقاد والضغائن كان «فليب» غير مخلص لزوجه «أوليمبياس» والدة «الإسكندر»، وكانت هي صاحبة شمم وكبرياء، وقد ضاقت نفسها وثار ثائرها مما كان يرتكبه زوجها من خيانة علنية تجرح شعورها وتحط من كرامتها وكبريائها، على أن مسلكها هي لم تعْلُه الشبهات، وإن كانت قد توصف بأنها امرأة سلسة القياد إلى حد القول بأن «الإسكندر» لم ينحدر من صلب زوجها «فليب».
وتأزمت الأمور بين «فليب» و«أوليمبياس» حتى وصل الخلاف إلى قمته عندما وقع «فليب» في حب فتاة مقدونية من علية القوم في مقدونيا ولم تكن الأحوال تسمح له بأن يتخذها مجرد خليلة، وهذه الفتاة هي «كليوبترا» ابنة أخت القائد «أتالوس» Attalus ولم يكن في مقدور «فليب» أن يكبح جماح شهوته فاستسلم لها، ومن أجل ذلك هجر زوجه «أوليمبياس» والدة «الإسكندر» وأقام حفلًا عظيمًا أعلن فيه رباط الزوجية بينه وبين «كليوبترا» غير أنه في أثناء حفل الزواج طلب القائد «أتالوس» إلى الأشراف أن يدعوا الله مخلصين أن يرزق العروسين ابنًا شرعيًّا ليكون وارث عرش مقدونيا، وعندما سمع «الإسكندر» هذه العبارة هب من مكانه وقذف كأس شرابه في وجه الرجل الذي نال من شرف أمه، وفي الحال انتفض «فليب» من مقعده والخمر تلعب في رأسه وهو يكاد يتميز من الغيظ شاهرًا سيفه ليطعن به ابنه «الإسكندر»، ولكنه من شدة السكر ترنح وسقط على الأرض، وعندئذ صاح الإسكندر هازئًا: «تأملوا الرجل الذي يريد أن يعبر من «أوروبا» إلى «آسيا» وهو يسقط على الأرض عندما أراد أن ينتقل من مقعد إلى مقعد!» وعلى إثر هذا المشهد المَشِين لم تعد بِلَّا Pella عاصمة مقدونيا صالحة لتكون مستقرًّا للإسكندر، فقد صاحَبَ الملكة والدته المطلقة إلى «أبيروس» مقر شقيقتها واعتزل العالم في جبال «لينسيستيس» Lyncistis وظل هناك إلى أن دعاه والده للعودة إلى مقدونيا، غير أن «كليوبترا» زوج والده كانت قد وضعت غلامًا مما جعل خلافة «الإسكندر» لوالده محفوفة بالخطر، وفي هذا الوقت كان أهم ما يحرص عليه «فليب» هو تحاشي قطع العلاقات بينه وبين ملك «أبيروس» القوي شقيق «أوليمبياس» التي حط «فليب» من كرامتها وأسقط هيبتها، ومن أجل تحسين الموقف قدم له ابنته لتكون زوجه.١ وأعد لذلك مهرجانًا فخمًا في «بلَّا» وكان ذلك في مساء اليوم الذي سيسافر فيه «فليب» إلى ساحة القتال في «آسيا» لمحاربة الفرس، ولما كانت «أوليمبياس» المجروحة في كرامتها قد سُوِّيَت من طينة ملؤها الانتقام ولا تتردد في ارتكاب أية جريمة، فإنها قد وُجِدَت الفرصة سانحة للقضاء على «فليب» وكانت لديها الآلة لتنفيذ جريمتها، وذلك أن شخصًا نكرة مغمور الذكر يُدعَى «بوزالياس» وهو لا يمتاز بأية موهبة كان قد أساء إليه «أتالوس» إساءة فاحشة، وكان في الوقت نفسه ثائرًا على «فليب» إلى حد الجنون بسبب أنه لم يقضِ له بحقه من غريم له، أضف إلى ذلك تحريض «أوليمبياس» وإغراء هذا المجرم على ارتكاب فعلته، وعلى حين غفلة ظهر «بوزالياس» هذا في يوم حفل الزواج أمام «فليب» عندما كان داخلًا في موكب مهيب إلى مكان الحفل متقدمًا حرسه بخطوات قليلة، وهجم عليه بخنجر وطعنه طعنة كانت هي القاضية، وعلى إثر ذلك قُبض على الجاني وقُتِل في الحال غير أن الأثيم الحقيقي لم يكن في الواقع سوى «أوليمبياس» والدة الإسكندر.

آل الملك بعد «فليب» إلى ابنه «الإسكندر» وكان أول عمل داخلي قام به بين أفراد أسرته هو أنه تخلص بالاشتراك مع والدته من زوج أبيه «كليوبترا» ومن والدها وابنها، فقد أمر بقتل «أتالوس» في آسيا، ولكن الإسكندر لم يكن المسئول عن قتل «كليوبترا» وابنها الطفل؛ إذ إن ذلك كان من عمل «أوليمبياس» والدته التي كانت تتعطش إلى الانتقام، فأوعزت بذبح الطفل في حجر أمه وأجبرت «كليوبترا» على أن تموت مخنوقة بحزامها.

بعد أن تخلص الإسكندر من متاعبه الأسرية أخذ يتطلع إلى ما حوله من مؤامرات في مقدونيا ومدن الإغريق، ولكنه لم يمضِ طويلُ زمنٍ حتى قضى على كل الثورات والاضطرابات في كل أنحاء مملكته وكذلك أصبحت كل بلاد الإغريق تدين له بالطاعة، غير أنها لم تكن طاعة عن حب وولاء، بل عن خوف ورهبة، ولما استتب له الأمر أخذ يُعِدُّ العدة لغزو بلاد الفرس التي كان والده قد أتم العدة لغزوها، وقد صرف الإسكندر شتاء عام ٣٣٤ق.م في عمل الاستعدادات الحربية وتنظيم أحوال بلاده مدة غيابه الذي كان منتظَرًا أن يطول في ساحة القتال، ومن أجل ذلك كان عليه قبل مغادرته مقدونيا أن يترك فيها جزءًا عظيمًا من جيشه بقيادة وزير والده «أنتيباتر» Antipater ويقال إن الإسكندر قبل مغادرته بلاده إلى ساحة القتال قسم كل ضياعه الملكية وغاباته ودخله بين أصدقائه، وعندما سأله القائد «برديكاس»: ما الذي تركته لنفسك؟ أجابه الإسكندر قائلًا: «الأمل.» وعندئذ لم يَسَعْ «برديكاس» إلا أن يرفض بدوره ما تركه الإسكندر وصاح قائلًا: «ونحن أولئك الذين يخرجون للقتال معك في حاجة إلى أن نشاطرك في أملك.»

زحف «الإسكندر الأكبر» بعد ذلك بجيشه في ربيع عام ٣٣٤ق.م لغزو بلاد الفرس وكان غرضه فتح بلاد الفرس وإنزال عاهلها العظيم عن عرشه ليعتليه هو، وقد كانت مراحل فتحه ثلاثًا؛ الأولى فتح «آسيا الصغرى»، والثانية فتح «سوريا» و«مصر»، وهذان الفتحان كانا مقدمة لفتحه الثالث، وهو الاستيلاء على «بابل» و«سوس»، وسنرى أن أطماعه لم تقف عند هذا الحد.

والواقع أن بداية فتوح «الإسكندر» المنقطعة القرين كانت نهاية عهد قديم وبداية فصل جديد في تاريخ العالم، وذلك أن غزو بلاد الإغريق على يد «أكزركزس» قد فتح مرحلة جديدة في النضال العالمي بين الشرق والغرب في حين أن فتح «الإسكندر الأكبر» للإمبراطورية الفارسية كان فيه القضاء على هذه المرحلة في هذه التمثيلية التاريخية، والواقع أن الجائحة التي نزلت بالإمبراطورية الفارسية على يد الإسكندر الأكبر كان تعمي وتصم، ولا غرابة في ذلك فقد كانت مملكة الفرس كما شرحنا في الجزء الثالث عشر من هذه الموسوعة غاية في الضعف والوهن والانحلال (راجع مصر القديمة الجزء الثالث عشر) وقد زحف الإسكندر على رأس جيش قوامه ثلاثون ألف راجل وخمسة آلاف فارس، بدأ الإسكندر بفتح «آسيا الصغرى» التي كان يدافع عنها الفرس بجيش عظيم يبلغ نحو أربعين ألف مقاتل فاكتسح الإسكندر الجيش الفارسي أمامه واستولى على بلاد «آسيا الصغرى» الواحدة تلو الأخرى، ووضع في أقاليمها النظام، وتُوِّجَت انتصارات الإسكندر بفوزه الساحق في موقعة «أسوس» التي كان من نتائجها أن بدأ «دارا» في مفاوضة الإسكندر في شروط صلح بعد أن أخذ أمه وزوجه أسيرتين، ولكن الإسكندر لم يقبل منه إلا التسليم التام دون قيد أو شرط، ولقد كان في استطاعة الإسكندر أن يتابع زحفه أثر «دارا» إلى قلب بلاد الفرس نفسها ويقضي عليه قبل أن يؤلف جيشًا آخر لمحاربته، ولكن الإسكندر أظهر عظمته في اتباع خطة تنطوي على حسن روية وتدبر وبُعْد نظر، وذلك لأن أسطوله لم يكن قويًّا بدرجة كافية، وثانيًا أنه من بادئ الأمر رأى أن يُخضِع أولًا «آسيا الصغرى» ثم يُتبِع ذلك فتح سوريا ومصر، وها نحن نراه الآن يَعُدُّ من الحنكة وسداد الرأي أَنْ يستولي على سوريا ومصر قبل أن يسعى إلى فتح بلاد «ما بين النهرين» كان أعظم هدف له في سوريا هو الاستيلاء على بلاد فينيقيا، وبخاصة مدن «صور» و«صيدا» و«أرادوس» وقد خضعت «صيدا» للإسكندر دون عناء، ولكن «صور» قاومت جيوش الإسكندر مقاومة عنيفة.

والواقع أن الحصار الذي ضربه الإسكندر على هذه المدينة كان أصعب عمل حربي قاوم عبقرية الإسكندر طوال مدة حروبه، وبسقوط هذه المدينة أصبحت سوريا ومصر، وكذلك السيادة البحرية في شرقي البحر الأبيض المتوسط في متناول الإسكندر، ولا ريب في أنه لم يقابل أية مقاومة في زحفه جنوبًا نحو مصر إلى أن وصل إلى «غزة» التي كانت ترابط فيها حامية قوية ضخمة، وكان حاكم هذه المدينة وقائد حاميتها من قبل «دارا» هو خَصِيٌّ يُدعَى «باتيس» وكان على غير المألوف خَصِيًّا قويًّا عنيدًا، فهاجم الإسكندر غزة من كل جهاتها بالمنجنيق والألغام والمقذوفات فتثلمت الجدران في مواضع عدة ومع ذلك فإن المدافعين عن الحصن كانوا باستمرار يصلحون ما أفسده المهاجمون، وقد حاول الإسكندر مهاجمة هذا الحصن ثلاث مرات متتالية ورُدَّ على أعقابه في كل محاولة منها بما أظهره أهل غزة من بطولة نادرة وشجاعة فائقة، وفي نهاية الأمر بعد أن ثلمت جدران المدينة للمرة الرابعة جدد الإسكندر هجومه على الحصن فقاوم جنوده الشجعان بروح متَّقد وبسالة جبارة حتى آخر قطرة من دمائهم، وخروا صرعى كلهم في أماكن دفاعهم ولم يبقَ منهم من يقع في ذل الأسر إلا واحد وهو أمير البلد الخصي «باتيس» وقد أتى به الإسكندر جريحًا لا تزال تتردد فيه أنفاس الحياة فألقى عليه الإسكندر نظرة ملؤها الحنق والنقمة لما لاقاه منه من عنت وعناء وشدة ومقاومة، والواقع أن الإسكندر قد تشبث في حصار هذه المدينة، وصمم على الاستيلاء عليها ليبرهن للعالم أنه يتغلب على صعاب وأهوال لا قِبَل لغيره بها، ولا نزاع في أن جيش الإسكندر قد تكبد خلال حصار هذه المدينة خسائر فادحة، هذا فضلًا عن أنه أمضى مدة طويلة في حصارها تحمَّل خلالها متاعب كثيرة قبل أن يظفر بالتغلب على حصونها، ولا نزاع في أن إكليل النصر في حصار هذه المدينة التي غُلِبَت في النهاية على أمرها كان لا بد أن يكون من نصيب الأقلية المغلوبة لا من نصيب الحشود العظيمة المنتصرة بكثرتها، يضاف إلى ذلك أن الخذلان المتكرر الذي أصاب جيش الإسكندر في أثناء هجماته كان من غير شك قد وخز الإسكندر في أرق موضع من مشاعره، وبخاصة أنه نفسه قد جُرِح جرحًا بليغًا أثناء الهجوم، هذا فضلًا عن أنه نجا بأعجوبة من خنجر عربي ادعى أنه هارب من معسكر العدو، وكان من جراء كل هذه الأحداث الفاجعة مجتمعة أن اشتد غضب الإسكندر إلى أقصى حد على الخَصِيِّ «باتيس» الأسود الغليظ الجسم عندما مَثُل بين يديه وهو ملطخ بالدماء والأوساخ، وماذا هو فاعل به الآن هو وأهل المدينة العزل؟ شفى الإسكندر غلته بعد سقوط المدينة بقتل الألفين من الجنود الذين بقوا على قيد الحياة في داخل الأسوار، أما بلدة «غزة» نفسها فلم يكن أمامه على قيد الحياة فيها من يصب عليه نار عذابه والتنكيل به إلا «باتيس» فأذاقه من العذاب أشد أنواعه، ومثَّل به أفظع تمثيل، لم يُسمَع بمثله إلا عند ملوك آشور غلاظ القلوب، والواقع أنه كان أشد منهم قسوة، فقد أمر أولًا بحرق قدميه ثم وضع حلقات من النحاس عليها، وبعد ذلك شد جسم هذا الرجل الشجاع الذي كان لا يزال حيًّا بحبال في مؤخرة عربة كان يسوقها الإسكندر بنفسه وانطلق بها بأقصى سرعة بين صيحات الهازئين وهتافات رجال الجيش المنتصرين (راجع: Curtius IV, 6, 25-3 Dionys.Hal. De Comp. Verdor, P. 123–125 Grote, History of Greece. Vol. XII. P. 84).
ولا بد أن نلحظ هنا أن الإسكندر الذي كان يتنافس حتى وهو في طفولته في أعمال بطولة جده الأسطوري «أشيل» قد أخذ يقلد في الوقت نفسه المعاملة الدنيئة القاسية التي وُصِفَت لنا في الإلياذة كما مثلت على جسم «هكتور» بعد موته (راجع: Arrian. VII. 14,7) ولا نزاع في أن هذه الجريمة الشنعاء التي ارتكبها «الإسكندر» في غزة قد فاقت حدود ما وقع في الأزمان القديمة من وحشية وفظاعة وغلظة، أما سائر سلسلة فظائعه التي ارتكبها مع أهالي غزة فقد كانت على حسب العرف الجاري في زمانه، فنجده قد باع زوجات وأولاد أهل غزة عبيدًا، وسمح لسكان جدد من الجهات المجاورة باحتلال المدينة، ثم وضع فيها حامية من أجناده (Arrian. VII. 14,7)، وتدل شواهد الأحوال على أن الحصارين اللذين نصبهما الإسكندر حول «صور» و«غزة» قد استغرقَا مدة تسعة أشهر، وأن الحرب التي دارت رحاها حولهما تعتبر أقسى حروب عرفها الإسكندر طوال مدة حياته.

(٣) الزحف على مصر

ولا نزاع في أن الزحف على مصر المسالِمة بعد خوض حروب طاحنة كحصار صور وغزة لم يكن إلا بمثابة نزهة نصر لجنوده، وعندما بدأ زحفه على مصر حوالي أكتوبر سنة ٣٣٢ق.م كان «مازاكس» شطربة الفرس على مصر لا يملك تحت قيادته إلا عددًا قليلًا من الجنود الفرس هذا بالإضافة إلى أهل مصر الذين كانوا ساخطين على الحكم الفارسي في أواخر أيامهم ومن أجل ذلك لم يكن «مازاكس» مستعدًّا لمقاومة غزو الإسكندر الذي كان على الأبواب، زحف الإسكندر بجيشه من غزة على مصر فوصل إلى الحدود المصرية بعد مسيرة سبعة أيام وعسكر في «بلوز» (الفرما) حيث الحامية المصرية التي تقع على الحدود وتشرف على الفرع الشرقي للنيل، وكان أسطوله قد وصل عند مصبه بقيادة أمير البحر «هفاستيون» Hephaestion ومن المدهش أن الإسكندر عندما وصل إلى مصر لم يجد أبوابها مفتوحة له وحسب بل رأى حشودًا من المصريين قد تجمعوا ليرحبوا بمقدمه (راجع: Arrian.III. 1,3; Curtius. IV, 3,1,2; Diodorus. XVII,49).

وكان أول عمل قام به الإسكندر في أرض الكنانة أنه وضع حامية من جنوده في «بلوز» وأمر أسطوله بالصعود في النيل إلى «منف» وزحف الإسكندر بجيشه البري كذلك إليها، وهناك سلم الشطربة «مازاكس» نفسه كما سلم كل ما في المدينة من كنوز ومتاع، فاستولى الإسكندر على ثمانمائة تالنتا من الذهب وعدد كبير من الأثاث الفاخر، أمضى الإسكندر بعد ذلك بعض الوقت في «منف» حيث تُوِّج ملكًا على مصر في احتفال عظيم قدم في خلاله ضحايا فاخرة للآلهة عامة كما قدم قربانًا للعجل «أبيس» وأقام مباريات رياضية وموسيقية هناك، وأحضر من بلاد الإغريق أشهر المغنين لهذه المباريات بمناسبة عيد تتويجه فرعونًا على مصر، وبذلك أظهر الإسكندر نفسه في دور السياسي الذي يرغب في التقريب بين الشرق والغرب، ولا عجب في أن يقيم احتفال تتويجه في منف؛ فقد كانت منذ أقدم العهود المكان المختار لتتويج فراعنة مصر، وقد ظلت كذلك حتى نهاية العهد الفرعوني، وبعد الاحتفال بتتويجه انحدر الإسكندر من منف في أقصى فروع النيل وهو الفرع الكانوبي حتى مصبه ومن هناك أقلع في اتجاه غربي على الشاطئ ليشاهد كلًّا من جزيرة «فاروس» التي اشتهرت في شعر «هومر» وبحيرة مريوط.

(٤) تأسيس مدينة الإسكندرية

ولقد لفت الإسكندر أثناء مسيره في فرع النيل هذا قرية «راكوتيس» (راقودة)٢ الصغيرة المشهورة وقتئذ بصيد الأسماك، وقد وجد بعض الأثريين في موقع هذه القرية بقايا مباني ميناء قديم على زعمهم، غير أن فريقًا آخر من الأثريين قد دحض هذا الاستنباط، وعلى أية حال فإنه لم يكن في هذه البقعة ما يجذب نظر السائح العاديِّ في خلال القرن الرابع قبل الميلاد عندما فكر الإسكندر في إنشاء ميناء بحري فيها؛ إذ كانت عبارة عن ساحل منخفض عليه جزيرة صغيرة بعيدة عنه أقيم عليها قرية لا أهمية لها يسكن فيها جماعة من صائدي الأسماك.
والواقع أنه لم يكن في منظرها ما يوحي بقيام مدينة عظيمة كالإسكندرية بعد فترة قصيرة من الزمن، ومع ذلك فإن هذا الموقع هو الذي اختاره الإسكندر ليكون البقعة التي عزم على أن يؤسس فيها المدينة الهائلة التي أقامها على ثرى مصر، وقد كان يشعر أنه بعمله هذا كما يقول بعضهم سيقوم برسالة خاصة لبلاده، وهي نشر الثقافة الإغريقية في بلاد الشرق، وقد يكون من السهل أن نستنبط مثل هذا الرأي؛ لأن الإسكندر كان من أعظم عبقريات التاريخ كما كانت الإسكندرية تعد من أعظم مدن العالم القديم وأهمها موقعًا من حيث التجارة البحرية، والواقع أن نجاح إنشاء هذه المدينة يرجع الفضل فيه أولًا وآخرًا إلى ذكاء هذا الرجل الفذ في آرائه وتصميماته، وإنه لمن السهل كذلك على أولئك الذين لا يهنئون إلا إذا عارضوا فكرة أجمعت الآراء على صحتها، وأعني بذلك الذين يجادلون بالقول من السهل عليهم أن يدَّعوا أن أهمية تأسيس الإسكندر لهذه المدينة جاء نتيجة لأسباب لم تخطر على بال الإسكندر قط، ولكن الإسكندر على الرغم من حزمه وشدة اندفاعه كان صاحب حكم صائب هادئ، ونظرة ثاقبة لا يضارعه فيها إلا قليل من رجال السياسة والحكم، ونحن على يقين من أنه قد اختار موقع مدينته الجديدة لأسباب كافية، وأول ما يتبادر للذهن أنه قد تأثر (كما قيل حديثًا) ببعض أوجه الشبه بين موقع الإسكندرية وموقع «صور» من حيث الدور الذي تقوم به هذه المدينة الأخيرة من الوجهتين التجارية والبحرية في البحر الأبيض المتوسط (راجع: B. A. Van. Gorigen, à propos de La foundation d’Alexandrie, in Raccalta de Scritti in Onori di Giacomo, 200–211).
هذا ويقول بعض المؤرخين القدامى إن خيال الإسكندر كان ميالًا للتأثر بكل المؤثرات التي جاءت في أقوال الشاعر الإغريقي «هومر» وكان كذلك يحلم بتأسيس ميناء على البحر الأبيض المتوسط المصري وإن اختياره قد وقع أولًا على جزيرة «فاروس» بوصفها المكان اللائق للمدينة التي أراد إقامتها (راجع: Curtius, IV, 8, 1–4; Plutarch Alexand. 26).
غير أنه رأى بثاقب بصيرته في الحال أن هذه الجزيرة الصغيرة ليست كافية وحدها لإقامة مدينة عظيمة عليها، ومن أجل ذلك أضاف إليها جزءًا كبيرًا من اليابسة المجاورة لها، هذا وقد استشيرت الآلهة في صلاحية هذا الموقع، وكانت إجابتهم مرضية مشجعة له — على زعمهم — وعلى ذلك وضع الإسكندر بنفسه تخطيط المدينة، فوضع محيط دائرة جدرانها واتجاه شوارعها الرئيسية ومواقع المعابد العدة لعبادة الآلهة الإغريقية والمصرية (راجع: Arrian III, I, 8; Curtius IV. 8, 2–6; Diod. XVII, 52, Grote, Vol. 12, P. 82).
غير أن الإسكندرية في موقعها الحالي كان لها فوائد أكثر قيمة مما سبق ذكره، وذلك أن المواني الرائعة ذات الشهرة العظيمة في الأزمان الهيلانية والإغريقية أصبح وجودها ممكنًا بفضل إنشاء المباني الضخمة، ولكن ساحل الإسكندرية والجزيرة القريبة من الشاطئ قد سهَّلَا قيام ميناء لا يحتاج إلى مبانٍ، وذلك لأن بحيرة «مريوط» المتصلة بالنيل والواقعة خلف الموقع المختار للميناء قد هيأت إنشاء ميناء ماؤها عذب ويمكن الوصول إليها من البحر ومن النيل، يضاف إلى ذلك أن التيار في البحر الأبيض المتوسط المتجه نحو الشرق جعل المواني الأخرى الساحلية قابلة لأن تطم بغرين النيل ولا تؤدي الوظيفة التي من أجلها أقيمت، وعلى العكس نجد موقع الإسكندرية خاليًا من هذا العيب، ومن المحتمل أن هذه الحقيقة الهامة كان قد عرفها الإسكندر عن طريق إغريق مدينة نقراش ومن الجائز أنه كان في ذهن الإسكندر سبب سياسي دفعه إلى بناء هذا الميناء، وذلك أن «راقودة» لم تكن لها علاقات خاصة أو امتياز معين لأهلها، ومن ثم رأى «الإسكندر» أن قيام مؤسسة هيلانية في هذا المكان يمكن أن تشب وتترعرع فيه ثقافة هيلانية بعيدة عن التقاليد المصرية المتوارثة، غير أن هذا الرأي يتضارب مع آراء «الإسكندر» التي عُرِفت عنه فيما بعد؛ فقد كانت سياسته عدم التفرقة بين العناصر كما سنرى بعدُ، وعلى أية حال فإن الإسكندر كان يقصد بإقامة مؤسسته الجديدة أن يجعلها تُمَثِّل مكانة ميناء «صور» غير أن جوريجن (راجع: Op. cit. P. 2010 FF) يذهب إلى أن آراء الإسكندر في هذا الموضوع قد تغيرت فيما بعد، وعلى ذلك فمن المحتمل أنه لو عاش لأصلح ميناء «صور» وأعاده إلى حالته القديمة، ومن ثم فإن موت الإسكندر في واقع الأمر هو السبب الوحيد الذي ضمن للإسكندرية بقاءها وشهرتها الفائقة التي وصلت إليها في عهد البطالمة الذين خلفوه على عرش أرض الكنانة، وهذا الرأي قد يكون ممكنًا غير أنه قبل كل شيء فكرة فحسب.

وعلى الرغم من أننا وجدنا الإسكندر الأكبر عام ٣٣١ق.م كان يشعر بضرورة وجود الوحدة بين الشرق والغرب، فإنه كان في قرارة نفسه قبل كل شيء مقدونيًّا لحمًا ودمًا، كما كان في الوقت نفسه القائد الأعلى للشعب الإغريقي وبطل أوروبا المناهض لآسيا، ولكن لما كانت فتوحه قد امتدت بعيدًا في قلب الشرق فإنه على أغلب الظن أخذ يشعر في أعماق قلبه أنه هو خليفة الملك العظيم عاهل الفُرس، وأن بلاد الإغريق ومقدونيا لم تكن إلا جزءًا صغيرًا من ممتلكاته المترامية الأطراف، ومن أجل ذلك فطن إلى أن وجود ميناء على البحر الأبيض المتوسط تربط مباشرة بين أجزاء أملاكه الآسيوية والأوروبية مثل «صور» يمكن أن يكون أكثر فائدة من ميناء آخر بعيد جدًّا مثل الإسكندرية، والواقع أنه عندما لاقى الإسكندر حتفه عام ٣٢٣ق.م كانت الإسكندرية الميناء الذي قدَّر له الحظ أن يكون خلفًا لميناء «صور» من حيث السيادة التجارية في شرقي البحر الأبيض المتوسط، وستسنح لنا الفرص للتحدث عن الإسكندرية في أماكن عدة فيما بعد.

(٥) زيارة الإسكندر الأكبر لِوَاحة سيوة والغرض منها

تعد رحلة الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة لزيارة معبد «آمون» ثاني حدث عظيم وقع في مصر في أثناء مكثه فيها، وتدل شواهد الأحوال على أن الإله «آمون» في واحة سيوة لم يكن له شأن يذكر في العهد المتأخر من تاريخ مصر إلى أن جاء الملك «أوكوريس» وأخذ في إيحاء عبادة هذا الإله، وهذا الملك يعد أول ملك مصري ظهر اسمه في النقوش المصرية على معبد هذه الواحة، فمنذ زمن أعيد بناء معبد «أغورمي» الذي لم يكن في الواقع على الطراز المصري ومنذ عهد «أوكوريس» أصبح ذا طابع مصري (راجع: A. Z. 69, P. 1 FF, P. 7 FF & P. 21 F). ولم يكن زحف «أوكوريس» على الجزء الغربي من بلاده إلا سياسة خارجية؛ إذ لا نزاع في أن واحة «آمون» هذه لم يكن لها معنى وقتئذ لدى مصر والمصريين فقد قال أحد المؤرخين (راجع مصر القديمة الجزء ١٣): إن واحة «آمون» ليس لها على ما يظهر علاقة بآمون المصري ولكن كانت مكانته ثانوية؛ إذ قد حل محله بوساطة الفينيقيين إلههم المسمى «بعل هامون» وهذا الإله قد طُوِيَ في عالم النسيان (أقرن كتابة واحدة «آمون» بتشديد الميم بكتابة «آمون» المصري بميم غير مشددة) والواقع أن واحة «آمون» كانت بالنسبة للمصريين عند قرن إلهها «بآمون» طيبة شيئًا لا يذكر، ولكن من جهة أخرى كانت لها قيمتها عند المصريين من الوجهة السياسية العالمية، وبخاصة أن «آمون» الصحراء الذي كان على الطريق الموصل إلى «كرنيقا» منذ القرنين السادس والخامس، على جانب عظيم من الأهمية البالغة فقد طلب إليه «كروسوس» المشورة قبل هجومه على «كورش» (راجع: Herod. I, 46) وقد وفر على «قمبيز» كما قيل نصرًا يستحق الذكر، هذا وقد أهدى الشاعر الإغريقي «بندر» «آمون» اللوبي أنشودة، (راجع: Frag. 36 Schroeder; Cf. Pind. IX, 89; Pausanias, IX, 16, 1.) وكذلك أرسل «كيمون» الإغريقي قبل ذلك بقليل (٤٥٠-٤٤٩ق.م) إلى «آمون» رسولًا لاستشارته (راجع: Plut. Kimn. 18) كما سعى «ليسندر» لغرض في نفسه ليجعل «آمون» في خدمته (راجع: Diod. XIV, 13, 5.) وقد كان من جراء اهتمام الفرعون «أوكوريس» وحمايته لهذا الإله أن علا نفوذه في كل العالم الإغريقي، ومن ثم نفهم أهمية زيارة الإسكندرية لهذا الإله، فإنه كان قِبلة الملوك والشعراء من الإغريق وغيرهم، كما كان يعد عند المصريين أعظم الآلهة وأرفعها قدرًا فأراد الإسكندر أن يجعله سُلَّمًا يرقى فيه لما تصبو إليه نفسه من مجد وفَخَار، والواقع أن أعماله العظيمة التي أتمها في مدة ثلاث السنوات الأخيرة قد فاقت ما يمكن أن يصل إليه فرد من البشر، ولا شك في أن الآلهة على زعم الأقدمين قد حابته بحسن حظ متلاحق حتى إنه شل قوة أعدائه وقضى على آمالهم لدرجة أنهم نظروا إلى شخصيته على أنه فوق شخصيات البشر، وكان هذا هو التفسير الطبيعي لمثل حياة الإسكندر التي تخطت حدود حياة البشر (راجع: Diod. XVIII, 36.). ومن ثم أخذ الإسكندر يُرجِع بصره للأساطير التي كانت تنطوي على ضروب البطولة وبخاصة سلفيه «برسيوس» Perseus و«هيراكليس» ليجد لنفسه نظيرًا يلائمه في حياة الآلهة، وذلك بعد أن أخذه الغرور بنفسه (راجع: Arrian III, 3, 2) وتدل شواهد الأحوال على أنه صار ابن «زيوس» مثلهما وأنه لا فرق بينه وبينهما إلا أنه خلق من طينة بشرية اسمًا، ومن أجل ذلك وطد العزم على أن يذهب ويؤكد هذه الحقيقة باستشارة وحي «زيوس آمون» وقد أكد لنا المؤرخ «كاليستنيس» الذي كان يرافق الإسكندر ضمن حاشيته وقتئذ أن فكرة استشارة هذين البطلين لوحي «آمون» قبل شروعهما في أعمالهما العظيمة كانت من الأسباب الرئيسية التي حثت الإسكندر على القيام برحلته لواحة «آمون» في سيوة (راجع: Strabo. XVII, 814) وقد كان في الواقع يقصد من هذه الزيارة كما سنرى أن يكون فرعون مصر وإلهها حتى تخضع له مصر كما خضعت للفراعنة الذين سبقوه.
وقد استعرض كل من المؤرخين «أريان» و«إسترابون» بصورة حسنة على حسب ما ذكره المؤرخ «كاليستنيس» الدوافع التي جعلت الإسكندر يصمم على الوقوف أمام وحي «لوبيا» وكان قد مَثُل أمامه من قبلُ كل من «برسيوس» و«هيراكليس» وتقول تقاليد سلالة الإسكندر أنه منحدر من نسليهما في آن واحد، وكلاهما ابن «زيوس» وامرأة من البشر، وكان جده الذي زاره على غرار أجداده أنصاف الآلهة (راجع: Callisthenes, Frag. dans Muller-Diot. Scriptones rerum Alexandrie Magni, P. 26-27; Cf. Strabo, XVI, 1, §. 43, P. 813; & Arrian Anabase III, §. 2).
وقد كانت واحة سيوة يحتلها المصريون خلال العهد الطيبي، وكان مثلها كمثل كل المستعمرات الطيبية يحميها نفس حامي العاصمة أي «آمون» أو «آمون رع» (راجع: A.Z.1877.7.14–17) والواقع أنه لو كانت رغبة الإسكندر في أن يكون ابن الإله «آمون» وحسب لكان في إمكانه أن يحصل على ذلك من كهنة الكرنك بدلًا من قيامه بالرحلة الشاقة التي كانت تكنفها المخاطر في الصحراء وذلك برحلة نيلية ممتعة، ولكن «آمون طيبة» لم يكن معروفًا خارج دائرته إلا من القليل، وعلى ذلك لن يكون لرحلة الإسكندر نفس الصدى الذي يريد أن يحدثه في ذهن العالم الإغريقي وغيره وقتئذ، وذلك لأنه كما ذكرنا سابقًا كان إله الواحة موضع استشارة الإغريق منذ قرون مضت، وقد تغنى بمدائحه شعراؤهم وتمدَّح بمناقبه مؤرخوهم، وإذا كان هذا الإله قد ظل يحمل اسم «آمون» عند المصريين فإنه كان يسمى في الممالك الأخرى التي على ساحل البحر الأبيض المتوسط باسم «زيوس» وذلك لأن الإله «زيوس» الذي أصبح مرادفًا لآمون كان في مقدروه أن يتحدث إلى البلاد الهيلانية وهي من ناحيتها تصغي إليه، ولقد كان من واجب «آمون» أن يرشد «الإسكندر» إلى نفس الطريق التي يصل بها إلى تأليهه كما وصل الفراعنة من قبل ذلك، ونحن نعلم بصورة عامة مما وصل إلينا من كثير من الكُتاب معاصري «الإسكندر» مثل «كاليستنيس» و«بطليموس بن لاجوس» ومن المحتمل كذلك «أرستوبوليس» الذين رافقوه في رحلته.
فقد تحدث كثيرًا «بطليموس الأول» عن حوادث هذه الرحلة إلى واحة سيوة ووصفها لنا، ومن بين القصص الغريبة في ظاهرها أسطورة مقابلة رجال الرحلة الثُّعَبَانَيْنِ اللذين أرشدَا المقدونيين إلى الطريق السوي بعد أن ضلت الرحلة السبيل في مجاهل الصحراء، وكذلك يعزو «كاليستنيس» إرشاد حملة الإسكندر إلى السبيل الصحيحة إلى غُرَابَيْنِ، وقد عزز قوله هذا ما ذكره لنا «أرستوبول» وغيره (راجع: Callisthenes, Frag. 27 in Muller Scriptones rerum Alexandri Magni. P. 26-27).

والواقع أنه لا يوجد كثير من بين القدامى أو الأحداث ممن يفهمون كيف يمكن لإنسان من طراز «بطليموس» أن يصدق مثل هذه الأعجوبة، وقد حاولوا أن يفسروا أمثال هذه الظواهر بوسائل عليا فوق طاقة فهم البشر، وقد كان الأجدر بهم أن يفحصوا عن صحة هذا الحادث وأن الصورة المبالغ فيها وهي التي رواها المؤرخون الذين جاءوا فيما بعد تخفي في طياتها حقيقة بسيطة في الأصل، فقد قص علينا أحد الأوروبيين من القلائل الذين اخترقوا الصحراء في أيامنا قاصدين واحة «آمون» كيف أنه ذات ليلة قد واصل مرشده السير لمدة من الزمن، وبعد ذلك رأى غُرَابَيْنِ يحلِّقان في الفضاء لمدة قصيرة ثم طارا نحو الجنوب الغربي؛ أي في اتجاه واحة «آمون».

وقد أضاف هذا السائح قوله: إذا كنا قد عشنا في عصر الأساطير لكان في مقدورنا أن نرى في ذلك علامة كافية للطريق السوي وتتبعنا هذين المرشدين الخيِّرَيْن، ومن يدري؟ فقد يكونان من الغِرْبان المتناسلة من تلك التي دلت الإسكندر إلى واحة «آمون» وخلصته من أهوال عزلة لا سبيل فيها، والواقع أننا كنا لا نضل الطريق لو اقتفينا أثر الغرابين ولكِنَّا فضلنا ألا نستسلم للخيال وانتظرنا عودة البدوي مرشدنا (راجع: Balyle Saint John, Adventures in Libyan Desert and the Oasis of Jupiter Ammon, P. 69).
هذا وكان على جيش من الفرسان يقطعون الصحراء بطبيعة الحال أن يطلقوا حيوانًا من كل نوع وكانت هذه طريقة على ما يظهر لإرشادهم، وكان يكفي ظهور غرابين أو ثعبانين أو هما معًا لإرشاد الحرس إلى الطريق التي فقدوها ليجعل الإغريق دون انقطاع يرصدون الإشارات الضيئلة التي تكشف لهم عن تدخل الآلهة في أحوال البشر، وهي اعتبار هذه الأشياء بمثابة رسل أرسلها «آمون» إلى ابنه «الإسكندر» أما المصريون واللوبيون الذين كانوا يُقَدِّرون «الإسكندر» ورجاله فإنهم كانوا على معرفة تامة بهذه الأساطير الخاصة بالحيوانات التي تساعد البشر والتي كانت تنقلهم إلى عالم الآخرة، وكان المصريون ينسبون ذلك على الأقل إلى ست من الحشرات أو الطيور (وهي الزنبور والجرادة وفرس النبي والأوزة وبنت البحر والصقر) وكان عليها أن ترشد الأرواح على رمال لوبيا حتى الأقطار التي تسكنها الأموات الأوزيرية (راجع: Lefebure, Etude sur Abydos in Proceedings of the Society of Biblical Archeology, 1892-1893, Vol. X. P. 135–151).
على أنه في أيامنا هذه نجد أن الجَمَل يتجه نحو المكان الذي فيه الماء في الصحراء على مسيرة عشرة أيام، ومن ثم نرى أن دهشة القدامى والأحداث لا مبرر لها؛ إذ الواقع أن زحف الثعابين وطير الطيور أمام الجيش كان أمرًا عاديًّا في حد ذاته، ولا بد أن «بطليموس الأول» كان متعمقًا جدًّا في آراء زمنه لدرجة أنه لم يقبل عن طيب خاطر التدخل الإلهي الذي نُسِب لآمون في هذا الحادث، والواقع أن التفاصيل الغريبة التي نسجها خيال الكُتَّاب حول هذا الحادث قد ظهرت له غير محتملة الوقوع ولم يذكر لنا «بطليموس» إلا عبارة قصيرة عن استقبال الفاتح، وقد أظهر الإسكندر نفسه في صورة الرجل الحازم واقتصر على أن قرر أن الإله قد منحه الجواب الذي يرغب فيه وحسب (راجع: Arrian Anabase. III, IV, §. 5.).٣
وقد ذكر لنا «كاليستنيس» عن هذه الرحلة أكثر مما ذكره «أريان» وإليه يرجع الفضل في أنه أصبح في إمكاننا أن نتصور على وجه التقريب المقابلة التي كانت بين «آمون» والإسكندر، ولا شك في أن الحفل كان غريبًا في نظر الإغريق الذين زاروا المعبد مع «الإسكندر» وذلك لأن تمثال الإله «آمون» الذي نصب في قدس الأقداس كان كتلة من الزمرد وكثير من أنواع الأحجار نصف الكريمة الأخرى، هذا إلى أن الطريقة التي كان يستشار بها وحي «آمون» كانت غريبة، فقد كان يُقعِد التمثال في وسط قارَب كبيرٍ مُذَهَّب يكلَّف بحمله ثمانون كاهنًا على أكتافهم عند مغادرة الإله المحراب، وكان التمثال عند مخاطبته يومئ إلى حامليه بإشارة برأسه على الطريق التي يريد أن يسلكها، وكان يرافقه جمٌّ غفير من النساء والعذارى على طول الطريق منشدين الأناشيد بلغة أمهاتهن، ولم يسمح الكاهن الأعظم إلا للإسكندر وحده بالدخول في المعبد بملابسه العادية أما أتباعه فقد حتم عليهم أن يغيروا ملابسهم ويقفوا خارج المحراب، في حين أن سيدهم قد دخل المحراب ليسمع مصيره، وعندما وقف الإسكندر أمام الباب قابله وَحَيَّاه قائلًا: «يا بني.» وقد قيل له إن هذه التحية جاءته من قبل الإله، وقد أجاب الإسكندر بقوله: «إني أتقبل هذا اللقب يا والدي، ومنذ هذه اللحظة سأدعو نفسي «ابنك»، فهل تمنحني أن أملك الأرض قاطبة؟» ثم دخل الكاهن في المحراب وأدخله فيه معه، أما الرجال الذين كانوا يحملون القارب المقدس فأخذوا يتحركون بإشارة من الإله وبكلمة منه، والظاهر أن «آمون» في معظم الأحيان لم يكن يعبر عن إرادته بالكلام مثل ما يفعل «أبولون دلفي» أو «أبولون براخيدس»، ولكن مثل زيوس «دودوني» Dodone (وهي قرية قديمة في «أبيروس» بالقرب من قرية «دراستي» الحالية، وكان فيها معبد للإله «جوبيتر» بالقرب من غابة بلوط وكان يؤدَّى فيها الوحي).٤  VII Fragm وكان يجيب على الأسئلة التي توضع له بإيماءات برأسه أو بإشارات متفق عليها، ولا نزاع في أن الكاهن (خادم الإله) كان هو الذي يقوم بدور المترجم، ولكن في هذه المرة تكرم الإله بالكلام، وعندما خاطب الكاهن الأكبر التمثال ووضع له السؤال أعلن التمثال بقوة أنه منحه ما يرجوه، فسأل الإسكندر: إذا كان هناك فرد من قتلة والده قد أفلت من العقاب، فصاح الكاهن: لا تسب الدين قط؛ لأنه لا يمكن لبشر أن يأتي شيئًا ضد والدك، وعلى إثر ذلك غيَّر صورة السؤال الذي وضعه أولًا وقال: هل كل قتلة «فليب» قد لاقوا عقابهم؟ فأكد له الإله أنهم كلهم قد لاقوا جزاءهم، ثم أضاف أن النصر سيكون له حليفًا أمينًا في المستقبل، كما كان في الماضي، وكان الإسكندر مرتاح البال راضيًا بكل ما قيل له؛ ومن أجل ذلك أغدق على الإله وكهنته هبات فاخرة (راجع مختصَرًا لهذه القصة في Strabo XVI, 1, §. 43. P. 813).

ولا نزاع في أن هذا المنظر يعبر عن حقيقة أخاذة لأولئك الذين اعتادوا المناظر الدينية المصرية؛ إذ الواقع أن الحفل والخطاب، كلاهما يتفق مع الشعائر المصرية التي كانت تقام في المعابد، ويمكن الإنسان أن يتتبع تطور هذا الموضوع مرحلة مرحلة في المناظر المصرية القديمة وفي النقوش الهيروغليفية أيضًا.

والقليل الذي بقي لنا من خرائب معبد واحة سيوة يعطينا فكرة واضحة جدًّا عن معبد يشبه معبد الواحة الطيبية الكبرى، وهي التي وصل إلينا عنها أوصاف مفصلة كثيرة ومعلومات دقيقة.٥

ولا بد من أن نلحظ هنا أن متن الواحة الخارجة هو المتن الذي يقدم لنا بصفة تامة صورة مفهومة عن عبادة «آمون» في الواحة، ولا بد من أن معابد الواحة كانت قد أُصلِحَت وزِيدَ فيها في العهد الفارسي وما بعده كما ذكرنا آنفًا، ولما كان «آمون» هو نفس الإله الذي كان يعبد هناك في كل بقعة فإن التصميم العام لمعبد «آمون» وترتيب أجزائه هنا كان واحدًا، فقد كان «آمون» يعيش في ظلام دامس في آخر حجرة بالمعبد؛ أي في «قدس الأقداس»، وكان قاربه موضوعًا على مذبح، أو بعبارة أخرى على قاعدة من الحجر أو من الخشب مكعبة الشكل في وسط «قدس الأقداس».

وهذا التمثال كان يصنع من الذهب أو على حسب التعبير الكلاسيكي من الخشب المغشَّى بالذهب (راجع: Diod. XVII, 50, § 6) وكان لا بد من أن يكون طوله أقل من طول الحجرة التي تحتويه بمترين أو ثلاثة، ومن أراد أن يرى هذا التمثال مصورًا فما عليه إلا أن يرى صوره في معبد الأقصر أو في معبد الكرنك بكل تفاصيلها ومعها التعابير التي استعملها «كاليستنيس» في وصف التمثال، وقد جاءت غاية في الدقة، فقد قال إنه كتلة من الزمرد والأحجار الأخرى الثمينة، ومن ثم يجب أن نتصوره كما نتصور أحد تلك الأصنام المركبة التي أتى ذكرها في متون دندرة مثلًا فكان جسمه يحتوي على قطع من مواد مختلفة رُكِّبَت على أصل من الخشب أو البرونز، ولا أدل على ذلك مما جاء في أحد متون «دندرة» من تعداد المواد المعدنية وبخاصة الأربعة عشر جزءًا التي يُصنَع منها جسم أوزير (راجع: Mariette Dendarah, P. 127, & t. IV, Pl. 36, 1. 54, 599, t. III, Pl. 30C. I. 6–73).

والزمرد الذي كان شائع الاستعمال وقتئذ لم يكن على وجه التأكيد الزمرد الحقيقي الحديث بل كان من «الفلدسبات الأخضر» المصري، وقد كانت تماثيل الوحي تُصنَع بطريقة تجعلها تجيب بعدة حركات كهز الرأس وتحريك الذراعين أو اليدين وفي العادة كانت التماثيل تجيب عن الأسئلة برفع الرأس أو بجعله ينحني بثقل مرتين، وكان يراد من التمثال أن يجيب في حالة الإثبات بكلمة «نعم» ولكن عند النفي كان التمثال يبقى دون حركة.

وكان التمثال يتكلم أحيانًا، ولكن ذلك كان نادرًا، وبخاصة عندما كان يخاطبه ملك، وعندئذ كان يسمع صوته يدوِّي في نهاية المحراب، هذا وكان هناك كاهن يشد الحبل الذي يجعل الرأس أو الذراعين تتحركان إشارة إلى ما يريده الوحي، وقد كان كل واحد يعرف تلك الحيل التي يقوم بها الكاهن، ومع ذلك لم يكن هناك من يتهم هذا الكاهن بالغش أو بسوء النية، زعمًا بأنه آلة للإله ولكنه آلة مسيَّرة لا مخيَّرة ولا تعي شيئًا، وكان الكهنة يزعمون أن الروح الأعلى يسكن الكاهن في اللحظة المرغوب فيها الإجابة وعندئذ كان يهز الخيوط أو يحرك شفتيه، ومن ثم فإنه كان يحرك يديه أو يتكلم، ولكنه هو الإله الذي كان يملي عليه هذه الإشارات أو يوحي إليه بالكلمات (راجع: Maspero Etudes de Methol. I. P. 81–91) راجع كذلك مصر القديمة الجزء التاسع حيث تجد كلامًا مفصلًا عن الوحي منذ بدايته، وبعد تقرير كل ما سبق هنا يمكن الإنسان أن يفحص عن كل الحفل على ضوء الأصول المصرية القديمة التي كانت متبعة، فإذا كان الإسكندر فعلًا فرعونًا حقيقيًّا قد تعلَّم منذ نعومة أظفاره واجبات الفرعون وامتيازاته التقليدية في هذه المناسبة فإنه كان عليه أن يذهب مباشرة إلى المعبد ويقوم بشعائر احتفال التتويج كما وردت لنا مثلًا في لوحة بيعنخي، وهاك النص حرفيًّا: «ثم سار (أي الملك) إلى «تل الرمال» في «عين شمس» وهناك قرَّب قرابين عظيمة على تل الرمال في «عين شمس» في حضرة «رع» عند طلوعه وتحتوي (أي القرابين) على ثيران بيضاء ولبن وعطور وبخور وكل خشب ذي رائحة جميلة، وحضر متجهًا إلى بيت «رع»، ودخل المعبد بدعاء عظيم وتضرع الكاهن رئيس المرتلين للإله أن يصد الثوار عن الملك، ثم زار قاعة الصباح لأجل أن يرتدي لباس «سدب» (وهو لباس يتمنطق به الملك)، وطهر بالبخور والماء، وقُدِّمت له أكاليل لأجل بيت لهرم الصغير، وكذلك أُحضرت له الأزهار، وصعد السلم إلى النافذة العظيمة ليشاهد «رع» في بيت «بن بن» (الهرم الصغير)، وقد وقف الملك نفسه منفردًا وكسر المزلاج حين فتح المصراعين وشاهد الوالد «رع» في بيت «بن بن» الفاخر وسفينة الصباح الفاخرة ﺑ «رع» وسفينة المساء الخاصة ﺑ «أتوم»، ثم أوصد المصراعين ووضع عليهما الطين وختمهما بخاتم الملك نفسه وكلف الكهنة المصريين قائلًا لقد فحصت الخاتم ولن يُسمَح لأي فرد آخر أن يدخله … إلخ.» (راجع مصر القديمة الجزء الحادي عشر).

ولكن الإسكندر لم يكن يعرف شيئًا من كل ذلك وقد فطن الكهنة إلى ذلك ورأَوا أنه من غير الضروري أن يقوم بهذه الشعائر الطويلة الدقيقة بل عاملوه معاملة حاجٍّ عاديٍّ، وفضلًا عن ذلك لم يطالبوه بشعيرة الطهور المعتادة التي كان يقوم بها الأفراد العاديون، ولكنهم فرضوها على رفاقه، وزيادة على ذلك طبقوا عليهم قاعدة تحريم الاقتراب من حجرات المحراب، وهي التي كانت محرمة على الإغريق والأجانب، وعلى ذلك دخل الإسكندر وحده مع قائده المقدس (الكاهن)، وعند أسكفَّة المعبد ألقى الكاهن الخطبة القصيرة التي يلقيها الإله على كل الملوك، وهي: تعال يا بني من صلبي الذي أحبه حتى أمنحك أبدية «رع» وملك «حور». أو كانت تلقى صيغة أخرى تبتدئ بنفس الألفاظ السابقة، ومثل هذه الصيغ نجد رواياتها المختلفة على جدران المعابد، ومن المحتمل أن هذه الصيغة كانت قد أُلقيت بالمصرية ثم تُرجمت للإسكندر باللغة اليونانية على ما يُظَنُّ، وذلك لأن العلاقات بين الواحة ولوبيا والبلاد الهيلانية قد جعلت هذه اللغة متداولة عند أهل هذه الجهة.

ومهما تكن طريقة التعبير فإن الصيغة كانت مصرية ولا تشمل إلا التعبيرات العادية الخاصة بالعقيدة والتي كانت تسمي كل ملك في زمنه «الابن المحبوب من كل الآلهة»، وبعد إلقاء شعيرة السلام كان الكاهن يقدم ضيفه أمام الإله، هذا ولم يكن الإله ينتظر الزيارة في المحراب بل كان يخرج أمام الملك وذلك على حسب العادة المتبعة عندما كان يُستشار في مسألة دقيقة خاصة بالسياسة أو القضاء.

هذا ويُلحظ أن الرقم الثمانين الذي أورده «كاليستنيس» دالًّا على عدد حاملي القارب المقدس، مبالغٌ فيه، وذلك أن قوارب المعابد الطيبية كان يحملها اثنا عشر أو عشرون أو ستة وعشرون أو أربعون (راجع: L. D. III, 14, 143, 189 a; Descrip. de l’Egypte, A. T. III, Pls. 2-3).
وإذا كان عدد الكهنة الذين حملوا قارب الإله في معبد الواحة صحيحًا فلا بد أنهم لم يكونوا كلهم يحملون القارب في وقت واحد بل كانوا يتناوبون حمل القارب، وبخاصة عندما تكون المسافة طويلة، هذا ويجب أن نتصور أن القارب كان يقف عند نقطة معينة في المعبد أمام الملك المنتظر ثم يسأل الملك التمثال الذي في الناووس، وقد كان مثل هذا الحفل يُعمَل في الكرنك على رقعة أرض في المعبد تدعى «رقعة الفضة»، ومن المحتمل أنه كان يوجد في كل المحاريب الأخرى ما يشبه «رقعة الفضة» هذه بما في ذلك معبد آمون بسيوة، هذا ولدينا نقش تاريخي يرجع عهده للأسرة الواحدة والعشرين في حكم «بينوزم الثاني» قد اتُّهِمَ فيه موظف كبير بالاختلاس وقد طُلِبَ أمام الإله آمون في قاربه وقد سُئِل الإله فيما إذا كان الموظف مذنبا أو غير مذنب، وقد أصدر الإله حكمه بإشارة برأسه (راجع مصر القديمة الجزء الثامن حيث يوجد هذا الحادث الهامُّ مفصلًا)، والواقع أن نفس الطريقة التي أجريت لاختيار الإسكندر فرعونًا قد تمت بهذه الطريقة، فقد أوقفه الكاهن أمام قارب آمون وسأله أن يضع بنفسه السؤال، ولكن الإله أجاب بصوت جهْوَري لا بالإشارة، وقد كان التأثر الذي سببته الإشارة إلى قاتل «فليب» والد الإسكندر يُفهَم منها — إذا ظن الإنسان الملك هو ابن الإله — أن والده قد قُتِل فإن ذلك يذكرنا بالجريمة الكبرى التي عكرت فيما مضى صفو السماء المصرية وأعني بذلك قتل «ست» أخاه أوزير، أما من حيث وعد الإله «الإسكندر» بالنصر فإننا نجد هذه التعبيرات مذكورة مرات لا عدد لها في خطابات الآلهة مثل:

إني أعطيتك الشجاعة، إني أمنحك السيطرة على كل البلاد وكل الأقطار الأجنبية تحت نعليك … إلخ.

وهكذا فإن كل شيء كان يتفق مع الحفل المصري، وعلى ذلك فإن كل الأمور تظهر أنها حقيقية مما وصل إلينا من المناظر التي نشاهدها رأي العين في المعابد والوثائق المصرية القديمة، وقد أصبح «الإسكندر» بحقِّ الفتحِ فرعونًا، وقد استقبله الإله «آمون رع» بنفس الطريقة التي كان يستقبل بها الفراعنة الشرعيين، وعامله الإله بوصفه ابنه واعترف بأنه والده كما اعترف لذلك لكل الفراعنة الذين سبقوه، ولكن يتساءل المرء هل فهم المقدونيون والإسكندر قيمة هذه الأحفال التي نفذت أمامهم، والواقع أنه من المحتمل أن هؤلاء لم يكلفوا أنفسهم مئونة التعمق في فهم ذلك، بل اقتصروا على تدوين النتيجة وهي الاعتراف بالأبوية الإلهية التي أتوا يبحثون عنها، وقد ترجموها على حسب الآراء الجارية بالنسبة لهذا الموضوع في العالم الإغريقي، ومن المحتمل جدًّا أنهم اعتقدوا أن الرغبة في تملُّق السيد الجديد قد ألهم كهنة الواحة، وهذه العاطفة لها قيمتها في السهولة التي استقبل بها الإسكندر بوصفه «ابن الإله»، ولكن التَّحمس الديني كان له الجزء الأعظم في سلوكه في هذا الموضوع، ويظهر لنا أن هذا الإجراء مهزلة سياسية، ولكنه من المعتقدات اللاهوتية الطيبية المسلَّم بها بل إنه أمر مفروض أن يعمله كل فرعون.

فقد كان الإله «آمون» منذ قرون في طيبة وفي المستعمرات المصرية الإله الأعلى وكذلك الجد الذي يجب أن ينحدر منه كل فرعون حتى يصبح الملك الحقيقي لمصر، ومن البديهي أن هذا الامتياز الذي خُصَّ به «آمون» لم يكن وقفًا عليه في الأصل بل اغتصبه من إله الشمس «رع» إله الدولة الأصلي، ولا نزاع في أن هذا الحفل كان يعقد في الأصل في «هليوبوليس» عند تولية كل فرعون من الأسرة الخامسة فصاعدًا إلى أن ظهرت «طيبة» على «هليوبوليس»، وأصبح إلهها «آمون» إله الدولة، وأطلق عليه اسم «آمون رع» وبذلك أصبح يشارك «رع» في هذا الاحتفال، غير أننا لا نعرف على وجه التأكيد في أي تاريخ حدث ذلك.

وقد كان كل الملوك بوصفهم أولاد «رع» يجري في عروقهم دم «رع» أو إذا كانوا طيبيين فإن دم «آمون رع» كان يجري في عروقهم، وكان على الذين ارتقوا عرش الملك من عامة الشعب أن يعوضوا ضَعة أصولهم بأن يخترعوا لأنفسهم أنسابًا خارقة لحد المألوف تربطهم بالدوحة الشمسية أو كان يتبعون طريقة أحسن من ذلك وهي أن الطامع في العرش كان يتزوج من إحدى الأميرات التي يجري في عروقها دم «رع» من اللائي يُنسبن إلى الملك مباشرة، وهؤلاء النسوة عندما كنَّ يصبحن أمهات كان أطفالهن يأخذون عنهن الدم الإلهي الذي كان ينقص آباءهم، وبذلك كانوا يربطون من جديد سلسلة الأنساب التي انقطعت لمدة، ويظهر أن من تولى من غير الأسرة المالكة عرش مصر كان يعد بداية أسرة جديدة، وكان هذا المؤسس الجديد يعمل على تثبيت ملكه بزواجه كما قلنا من إحدى قريبات الملك السابق أي من الدم الملكي الحقيقي، وقد كانت التقاليد أو القانون المتبع يقضي بأن تكون الأحقية في الملك على حسب النظام التالي:
  • (١)

    أن يكون الوارث للعرش ابن ملك وُلد من زواج ملك بأخته، وكلاهما من الدم الملكي الخالص.

  • (٢)

    أن يكون الوارث ابن ملك وُلد من زواج ملك ليس من الدم الملكي الخالص بابنة ملك من الدم الملكي الخالص.

  • (٣)

    أن يكون الوارث للعرش رجلًا قويًّا تزوج من ابنة ملك من دم ملكي خالص.

ومما سبق نفهم أن تولية العرش في مصر لم تكن من الأمور الهينة (راجع مصر القديمة الجزء الأول)، وعندما يتزوج رجل قوي من امرأة من الدم الملكي كان لا يقوم بمهام الملك إلا بوصفه زوج الملكة، ومن ثَمَّ يصبح فرعونًا، غير أن أطفالهما لم يكونوا في نظر الشعب من دم ملكي خالص، ولكن الكهنة بما لديهم من حيل رأَوا حلًّا لهذا المشكل وهو أن يتدخل الإله شخصيًّا، وعملوا على أن يكون الطفل الذي سيئول إليه الملك من هذا الزواج ابن الإله «آمون رع» مباشرة، ومن أجل ذلك كان الإله «آمون رع» يتفضل بالنزول على الأرض ويأخذ صورة الملك ويجتمع بالملكة فعلًا، وعلى ذلك فإن الطفل الذي ينتج من هذا الاتصال المباشر الخارق لحد المألوفة يكون الغسل الطاهر من الإله «آمون» أو من الإله «رع»، والآثار الباقية تقدم لنا أمثلة من هذا النوع من الزواج، نذكر منها صور الدير البحري وولادة «حتشبسوت» (راجع مصر القديمة الجزء الرابع) وولادة الملك «منحوتب الثالث» (راجع مصر القديمة الجزء الخامس).

ولدينا مثال آخر كان مصوَّرًا إلى عهد قريب على جدران معبد «أرمنت» قبل أن تستعمل أحجاره في إقامة معمل السكر في بلدة «أرمنت»،٦ وهذا المنظر يمثل ولادة «قيصرون» بن «كليوبترا» و«يوليوس» قيصر، ونحن نعلم كيف أن «كليوبترا» قد تزوجت من يوليوس قيصر وأنجبت منه قيصرون، ولأجل ألا ينكر أحد أبوة «قيصرون» هذا مثَّلت «كليوبترا» منظر اجتماع «آمون» بها، والغريب أن هذا العمل الجريء لم يشمئز منه أهل الإسكندرية من الإغريق، ولقد كان أمرًا ضروريًّا على ما يظهر أن يقدَّم الأمير الجديد إلى رعاياه المصريين الأصليين بطريقة تتفق مع عاداتهم وشعائرهم المصرية، والواقع أن البطالمة قد تعودوا طوال مدة حكمهم أن يمثلوا الأسر الفرعونية القديمة فأصبحوا يُدعَون أولاد «رع» أو أولاد «آمون» كما كانوا منذ عهد «بطليموس الثاني» يحافظون على الزواج من أخواتهم على حسب القواعد المصرية، وهذا أكبر دليل على اهتمامهم بحفظ الدم الإلهي ظاهرًا على حسب القانون الفرعوني.
ويُلحَظ أنه عندما أتى «يوليوس قيصر» الروماني وطعم النسل البطلمي بدم غريب كانت النتيجة أن كهنة «أرمنت» قد أعلنوا أن الإله في هذه الفرصة كان مخلصًا أيضًا، وأنه وحد بقيصر في الليلة الحاسمة التي حملت فيها «كليوبترا» في «قيصرون»، وأن الأخير كان بعيدًا عن أن يكون دخيلًا، بل كان على العكس يمثل نسل «رع» المباشر، وبهذه الكيفية حل الكهنة بسهولة هذه المسألة العويصة التي حولت ابن إغريقية وابن روماني إلى نسل حقيقي منحدر من صلب الآلهة والفراعنة الذين كانوا يحكمون مصر.٧

هذا وقد كان كهنة واحة «سيوة» المتفقهون في كل العقائد الدينية وفي كل شعائر «آمون طيبة» مجبرين بحكم تقاليدهم على أن يعترفوا بأن الإسكندر كان ابن إلههم، وأنه ابنه الذي وُلِدَ من اختلاط جنسي حدث مع والدة هذا الفاتح، على أن الأمثلة على ذلك لم تكن قاصرة على ما حدث في أمر ولادة «حتشبسوت» والملك «أمنحوتب الثالث» بل هناك أمثلة أخرى.

وإذا كان الكهنة قد طبقوا هذه الحالات على حالة الإسكندر فإن سلوكهم في ذلك لم يكن عليه غبار فيما يخص ادِّعاء كادِّعاء هذا الفاتح، والواقع أن المسألة قد مُثِّلت أمامهم بمثابة قضية منطقية غاية في البساطة، وذلك أنه كان لا يمكن أن يكون في مصر ملوك شرعيون إلا إذا كانوا من أسرة «رع» أو أولاد «آمون» مباشرين أو غير مباشرين، والواقع أن الإسكندر هو الملك الشرعي لمصر، وذلك لأن الآلهة قد سمحوا له أن يستولي عليها بعد أن قهر الفُرس بأعجوبة، ومن ثم فإن «الإسكندر» بطريقة أو بأخرى كان ينتسب إلى أسرة «رع»، وإنه ابن آمون رع، ولا يقِلُّ في ذلك عن الملوك الذين سبقوه، وقد يقال بلا شك إنه في كل الأمثلة التي اقتُبِسَت كان الآباء الأرضيون للملك الذي يدعون أبوة «آمون رع» هم من أعضاء الأسرة الحاكمة، وإنه لا فرق بينهم إلا في نسبة الدم الإلهي، في حين أن والد الإسكندر وأمه كانا أجنبيين عن أيَّة أسرة من الأسر الملكية المصرية، وحتى عن مصر نفسها، ولكن فطنة الكهنة الطيبيين التي كانت قادرة على حل المشاكل قد توقعت حدوث مثل هذه النظرية التي يكون فيها الملك المؤسس للأسرة الجديدة وزوجه ليس لهما أية صلة بالملوك السابقين، وعلى ذلك أجابوا بنجاح على الاعتراضات التي تقف في وجه هذه النظرية، وذلك أن تاريخ مصر الحقيقي لا يقدم لنا حتى الآن أية حالة من هذا النوع، غير أن هناك أسطورة تحدثنا بصورة واضحة عما سكتت عنه الآثار، ولا أدل على ذلك مما قيل عن أصل ملوك الأسرة الخامسة، فقد قيل عنهم إنهم لا يتصلون بأية حال من الأحوال بملوك الأسرة الرابعة كما جاء في أسطورة ورقة فستكار، وإن كانت الكشوف الحديثة الصلة بينهما، وعلى أية حال قيل عن ملوك الأسرة الرابعة إنهم من والد وأم من البشر، ولكن «رع» قد أتى إلى الأم واجتمع بها، وبذلك أصبح أولادها الذين أنجبتهم من نسل «رع» (راجع كتاب الأدب المصري القديم الجزء الأول ص٧٤)، والواقع أن هذه القصة كان الغرض من كتابتها أن تعبر في هذا الموقف كما هي الحال في أي زمان عن الأفكار المتداولة في الزمن الذي كتبت فيه فتظهر بوضوح أن الإله كان في قدرته أن يحدد سلالته بوساطة امرأة من عامة الشعب، وليس لها علاقة بإحدى الأسر المالكة، هذا وكان الإسكندر الأكبر مثله كمثل الملوك الثلاثة الذين وردوا في الأسطورة السالفة فلم تكن أمه أميرة يجري في عروقها الدم الملكي على أن ذلك لم يمنعه مثلهم أن يكون والده هو الإله الذي يجب أن يكون كل ملوك مصر من صلبه، وعلى ذلك يكون له الحق في أن يصبح الفرعون الشرعي.

ومن ثم فإن أصل «أوليمبياس» الهيلاني لم يكن عقبة في أن يجتمع «آمون» بها، على أن مجرد كون الإسكندر يتربع على عرش «حور الأحياء» هو برهان كافٍ لدى الكهنة يؤكد وقوع هذا الاجتماع، وأن ابن «فليب» الذي ليس من صلبه كان في الحقيقة ابن «أوليمبياس» و«آمون».

فهل يا تُرى كان هؤلاء الكهنة قد علموا بالشائعات الغريبة التي كانت منتشرة عن ولادة هذا البطل وأفادوا منها ليحاولوا تفسير التفاصيل العدة التي بقيت غامضة في هذه القصة؟ والواقع أن الشعب المصري الذي اعتاد فكرة هذا الزواج الإلهي قد قبل دون تردد حكم كهنة «آمون»، وعلى ذلك أخذ الأصل الخارق للحد المألوف للإسكندر ليكون موضوع قصة حُشرت في الرواية التي وُضعت على لسان «كاليستنيس» حوالي القرن الثالث بعد الميلاد، وتدل شواهد الأحوال على أن القصة لم تكن في أغلب الظن في الأصل إلا صورة من المناظر التقليدية التي مُثِّلت على جدران معبد الأقصر مثلًا، وقد اقتصرت على أن تظهر لنا كيف أن الإله «آمون» عندما أراد أن يخلص بلاده كلها من الفرس الأجانب الذين ساموها الظلم والخسف، قد أتى ليلًا واجتمع بأوليمبياس، وقد بقي هذا المبدأ سليمًا لمن أراد أن يكون الملك من سلالة إلهية، وقد عزى النعرة الوطنية في هزيمتها أن توهمت أن مصر هي التي فازت بهذا الوضع، وذلك لأن مصريًّا هو الذي أخضعها ثم فتح بعد ذلك العالم (راجع: Pseudo Callisthenes, II 27 ed. Muller-Diclot, P. 24).

ومما يطيب ذكره هنا هو أن سكان الإسكندرية كانوا خليطًا من الوطنيين والإغريق وكانوا أقل تعودًا على تلك الأفكار الصبيانية في نظرهم بالنسبة للَّاهوت الطيبي، ومن أجل ذلك أخذوا يشككون في هذا الإله الذي قام في وسطهم في رابعة نهار التاريخ وسمح لنفسه أن يغري أصحاب العقول الساذجة كما كانت الحال في زمان «هومر».

وقد كانت عقيدة إفهيمير Evhemere التي تقول بأنه من الممكن أن الفرد العادي يصبح إلهًا قد دب دبيبها في نفوس القوم، فبدلًا من التسليم بأن «آمون» قد نزل إلى مخدع ملكة، وهو قول لا يحتمل التصديق، يمكن أن تحل فكرة أخرى محل ذلك وهي أن رجلًا عالمًا كان يتمثل بما أوتي من مهارة في علم السحر في صورة «آمون» لمدة، ولما كان من الضروري أن تصبح الخرافة مقبولة فإن هذا الرجل كان لا بد أن يكون مصريًّا ومن سلالة فرعونية، ولذلك فكر في أن يكون هذا الرجل هو آخر الفراعنة الوطنيين الذين حكموا مصر وهو الملك «نقطانب الثاني» الذي كان صاحب شهرة في فن السحر، وقد كان من المعلوم أنه هرب إلى خارج بلاده٨ بعد هزيمته على يد الفرس واستيلائهم على مصر، وتؤكد المصادر التاريخية أنه كان قد فر إلى بلاد «كوش» واحتمى بها، غير أن التاريخ قد أخطأ في هذه المسألة كما أخطأ في كثير غيرها على زعمهم فقد أرسل الملك المخلوع إلى «مقدونيا» لأجل أن يصير فيما بعدُ والد الإسكندر، وقد كانت الشائعة عن علمه بالغيب قد وصلت إلى أذن «أوليمبياس»، وقد استشارته وقد وقع في غرامها عندما رأى مُحيَّاها الفتان، وقد أخبرها أن القدر قد جعل من نصيبها شرف الاجتماع بإله لتنجب منه ابنًا، ثم أضاف قائلًا إن هذا الإله هو «آمون لوبيا» صاحب الشَّعر واللحية الذهبيين وذو القرن الذهبي: «أَعِدِّي نفسك لاستقباله يا أيتها الملكة؛ لأنك سترين هذا اليوم نفسه هذا الإله يأتي إليه في حلم»، وقد أرسله لها حقًّا بالطرق السحرية التي كانت في متناوله في منام رأت فيه الإله بين ذارعيها، وقد أعلنها هذا الإله بولادة ابن يفوق البشر، ولما كانت الملكة قد اقتنعت بهذه الرؤيا الكاذبة رضيت بأن تستعد للزواج الإلهي، ولكنها سألت عن العلامات التي تتعرف بها على حضور العاشق السماوي، فقال لها عندما ترين ثعبانًا يدخل في حجرتك ويصل زاحفًا نحوك مُرِي بأن يخرج كل مساعديك، ثم اضطجعي على سريرك الملكي وانظري إذا كنت تتعرفين على الوجه الذي رأيته في حلمك، ثم حصل «نقطانب» على جزة كبش له قرون مذهبة وعلى صولجان من الأبنوس وعلى جلباب أبيض وبما أوتيه من مهارة في علم السحر ظهر بمظهر ثعبان هائل، وعندما جاء الليل دخل حجرة النوم التي كانت «أوليمبياس» تنتظره فيها مبرقعة ممتدة على سريرها، وعندما لمحته في ضوء المصباح لم تَخَفْه قط بل لاحظته بدهشة من طرف عينيها، ثم وضع الخيال صولجانه واتخذ له مكانًا وأتم الزواج بها، وبعد ذلك ضغط بيديه على يد الملكة قائلًا: «افرحي أيتها المرأة؛ لأنك حملت مني في ذكر سينتقم لك وسيكون ملكًا سيدًا على العالم.» (راجع: Pseu do Callisthenes, IV-XXII. ed Muller Didot, p. 4–12).

وبعد ذلك أخذ صولجانه واختفى، ولكنه عاد في الليالي التالية كلما رغبت في لقائه، وليس من المهم أن نذكر هنا المعجزات التي ساعد بها «نقطانب» الملكة «أوليمبياس» على أن تجعل «فليب» يقبل حقيقة هذا الزواج الإلهي وبراءته، وقد كان الساحر يوم الوضع بجوار الملكة يفحص السماء، وقد أجبرها مرتين متتاليتين على أن تؤخر الوضع إلى أن يرى لحظة يكون فيها تقابل النجوم يؤكد للطفل ملك العالم قاطبة.

ومما سبق نفهم أن البداية كانت قصة سحر وُضعت لتفسر اختلاس «نقطانب» وكل ما فيها يتفق مع الآراء والشعائر المصرية الخاصة بالعصر، فنجد فيها الفرعون يمارس عملية السحر الخاصة بالحب على حسب الصيغة الأكثر فاعلية فكان يصنع تمثالًا صغيرًا لمرأة من الشمع ثم يكتب عليه اسم الملكة ويجعله ينام على نموذج سرير صُنع خاصة لهذا الغرض، وبعد ذلك يشعل بالقرب منه المصابيح السحرية، ثم يصب على عيني التمثال الصغير عصارة نباتات مختلفة قوية المفعول نشأت عنها أحلام، وبعد ذلك يتلو تعويذة جبارة تجعل الملكة تنام وتخضع في منامها لكل الأعمال التي دوَّنها على تمثاله الصغير (راجع: Ibid. V ed. Muller-Didot. P. 5-6).

ونفس هذه الطريقة كانت مستعملة منذ أزمان بعيدة عند قدماء المصريين، ولا أدل على ذلك مما حدث في عهد الفرعون رعمسيس الثالث (راجع مصر القديمة الجزء السابع) هذا وهناك تعاويذ سحرية أخرى خاصة بالحب.

أما الثعبان الذي تقمصه «نقطانب» فلم يكن شكله معروفًا في العهود الفرعونية، ولكنه كان عاديًّا جدًّا عند أهالي الإسكندرية (راجع: Pseudo-Callisthenes I, XII, ed. Muller-Didot, P. 34).
حيث نجد التقاليد الخاصة بالثُّعبانَيْنِ Agathodemon d’Alexandri في عصر كانت عبادة الثعبان «أجاتوديمون» قد أصبحت مسيطرة على كل وادي النيل، وحيث نجد الآلهة المحليين كان يصاحبها ثعبان رأسه رأس الحيوان المقدس لكل من هذه الآلهة.
هذا وقد فكر من نقل عن «كاليستنيس» هنا أن الثعبان «أجاتوديمون» هو الإله «آمون» أي ثعبان برأس كبش يلبس نوعًا من العباءات أبيض اللون، وحاملًا على جسمه صولجانًا برأس كوكوفا Koukoupha كما نشاهده ممثَّلًا على كثير من الآثار، وهذه الفكرة كان وحيها بطبيعة الحال مستمَدًّا من الشائعات الخفية التي كانت منتشرة منذ البداية عن «أوليمبياس» وعن الألفة التي أظهرتها للثعابين، وتدل شواهد الأحوال على أن منظر الزواج الإلهي قد نُقل حرفيًّا عن أصل مصري، والواقع أننا إذا فحصنا مناظر الأقصر لوجدنا فيها «آمون رع» سيد الكرنك يأتي مسلَّحًا بصولجانه ومُحلًّى بشارات إلهيته لينضم إلى الملكة «موت أم ويا» أم «أمنحوتب الثالث» وبعد ذلك بلحظة نجد الإله والملكة على السرير وقد التفت الساق على الساق، والأقدام تسندها كل من الإلهتين «نيت» و«سلكت» وهما الإلهتان اللتان تشرفان على الزواج.
ويقول أحد النقوش التي تتبع الصورتين إن آمون قد تقمص صورة تحتمس الرابع زوج الملكة وإنه قد وجدها نائمة في قصرها وقد استيقظت على عطور الإله وأنها أعجبت بجلالته، وقد جاء ليجد متعته معها، وإنه قد ظهر لها في صورته الإلهية وعندما وقف أمامها بهره جمالها وذلك لأن حب الإله قد استولى على كل أعضائها وعبير الإله وكذلك أنفاسه كانت معطرة ببخور «بنت» وعندما عادت إلى رشدها قالت الزوجة الملكية «موت أم ويا» لجلالة هذا الإله «آمون رع» رب الكرنك فلتَصِرْ أرواحك عظيمة في جلالتي ولتكن تصميماتك التي أنفذتها كاملة، وليكن اجتماعك معي جميلًا، ولتكن نطفتك الإلهية في كل أعضائي بوصفك أمير طيبة وبعد أن أتم الإله كل ما رغب فيه قال لها: إن أمنحوتب أمير سيكون اسم الابن الذي سيخرج من فرجك، وهي نفس الجملة التي خرجت من فيك وإنه سيحكم هذه المملكة الخيِّرة على الأرض قاطبة، وذلك لأن روحي هي له وكذلك تاجي، لأجل أن يحكم على الأرضين مثل «رع» أبديًّا (راجع: Gayet, Le Temple de Luxer, dans les memoires de la Mission Francaise, t. XV Pl. Ixxi (Ixxiii); Rec. Trav. t. IX, P. 84-85).

وهذه الكلمات هي نفس كلام «نقطانب»، وإذا تأملنا معنى هذه النقوش رأينا أن الملك لأسباب نجهلها قد مَثُلَ على حين غفلة أمام الملكة وقد لبس لهذه المناسبة صورة «آمون» حتى يبقى أمينا لأسطورة الزواج الإلهي: فقد كان الزوج السماوي هو الذي أتم الزواج في صورة الزوج الأرضي، فلم يكن كما نرى تنكر «نقطانب» في صورة «زيوس-آمون» إلا تحقيقًا ماديًّا لما جاء في الشعائر الخاصة بالزواج الإلهي الفرعوني.

وعلى ذلك فإن القصة التي وردت نقلًا عن «كاليستنيس» ليست إلا تطورًا طبيعيًّا للفكرة القائلة إن «الإسكندر الأكبر ملك مصر يجب أن يكون ابن الإله الذي تناسل منه كل الملوك، فإذا اعترف بمبدأ هذا الأصل الشمس، فإن الخيال الشعبي قد حققه بالطرق التي كانت في متناوله، وإنه قد كرر للإسكندر و«أوليمبياس» ما جاء في اللاهوت المصري القديم عن الملوك الذين يجب أن يكون تدخل الإله الأعلى في إنجابهم مباشرًا لأجل أن يُمنحوا طهارة الدم الشمسي.»

وخلاصة القول أَنَّ «الإسكندر» قد أصبح إلهًا في مصر بطبيعة الحال وبدون مجهود، وذلك بالسير على حسب الأنظمة المصرية وبفضل المعتقدات الخاصة بالبلاد وحدها، ومجرد دخول الإسكندر وادي النيل والاعتراف به فيه فرعونًا لم يجعل في مقدوره أن يتخلص من ضرورة الحصول على أب إلهي، وأن يعلن أنه ابن «آمون» وابن «رع» وابن أولئك الآلهة كبارهم أو صغارهم ممن سيخاطبهم، ولم تخلصه صفته الهيلانية من هذا المصير؛ إذ الواقع أن مصر كان لها كثير من الحكام الأجانب وكان عليها أن تطبق نظريتها الخاصة بالملكية الشمسية تحقيقًا لتاريخها، ولذلك فإن الطرق التي استخدمها الفراعنة الذين من أصل مصري قد استعملها منذ زمن بعيد الفراعنة الذين هم من سلالة أجنبية، فهل كان الإسكندر يعلم كل ذلك عندما خاطب الوحي؟ والشيء الأكيد الذي نعلمه هو أن الإسكندر قد دخل أفريقيا مجرد إنسان من البشر بوصفه ابن «فليب»، وخرج منها بوصفه الإله الكامل ابن «آمون» راضيًا أو كارهًا، وهذه الموازنة التي أوردناها فيما سبق بين أقوال المؤرخين من الإغريق وبين ما جاء في النقوش المصرية القديمة دليل على أن «كاليستنيس» الإغريقي كانت له دراية بسير الأمور في مصر أو أنه قد قرأ كثيرًا عن مصر ومعتقداتها، ويرجع الفضل في ذلك إلى «مسبرو» في الموازنة، ولكن التعصب الفكري الأوروبي لا يقبل كثيرًا مما أوردناه هنا على الرغم من البراهين القاطعة التي تعززه (راجع: Maspero, Comment Alexander Devint Dieu En Egypte, Etudes De Mythol. & D’Archeol. Egypt. VI. P. 263 FF).

وقد كان الإسكندر الأكبر يرتاح كثيرًا عندما ينادى بابن «زيوس» (آمون) وإن لم يكن يجبر الناس على ندائه بهذا اللقب، غير أنه مع ذلك كان يغضب من المتشككين والهازئين الذين ينكرون عليه وحي «آمون».

هذا وقد ارتأى المؤرخ «بلوتارخ» غير هذا الزعم فذهب إلى أن هذا المظهر الديني من جانب الإسكندر لم يكن إلا تدبيرًا سياسيًّا يراد منه إدخال الرهبة في قلوب السكان غير الهيلانيين الذين كان بمعونتهم يمكن أن يوسع أطراف إمبراطوريته (راجع: Plutarch Alexander P. 28) وكذلك يميل المؤرخ «أريان» إلى هذا الرأي بعينه (راجع: Arrian, VIII, 29, 6) ولكن تدل شواهد الأحوال على أن هذا الإيمان من جانب الإسكندر بأنه ابن الإله كان إيمانًا خالصًا مصدره المبالغة في غروره المفرط الذي سيطر على نفسه منذ البداية، ولا نزاع في أن ادِّعاءه بأنه ابن لإله كان يعد إهانة موجهة بصورة خاصة إلى ذكرى والده فليب، وقد كان هذا الموضوع الذي يتحدث عنه الإغريق دائمًا في أوقات غضبهم عن الإسكندر، ومن الأمور التي أحفظت نفوس قواده بدرجة عظيمة أمثال «بارمينو» و«فيلوتاس» Philotas و«كليتوس» Kleitus، وغيرهم من عظماء القواد وقاحة الإسكندر بإنكاره أبوَّةَ فليب، ووضْع نفسه فوق مستوى البشر، وعلى أية حال فإن الخوف من الإسكندر وإعجاب المقدونيين والإغريق به قد أجبرهم على قبول الواقع والرضا به.

والآن يتساءل المرء: لماذا اختار الإسكندر أن يسمي نفسه ابن الإله وبالذات ابن الإله «آمون»؟ والجواب عن ذلك يرجع إلى سببين رئيسين أساسهما أرض الكنانة نفسها ومكانتها في العالم القديم وتأثيرها على ما كان يحيط بها من أمم مختلفة من حيث الدين والعلوم وبسطة السلطان، ولأجل أن نفهم ذلك لا بد لنا من أن نرجع إلى الوراء بعيدًا قبل فتح الإسكندر لمصر لنرى ما كان لمصر من فضل ومكانة بين الأمم، وبخاصة بلاد الإغريق وما أخذته الأخيرة عن مصر منذ فجر التاريخ.

(٦) أثر الحضارة المصرية القديمة في الحضارة الإغريقية

من الظواهر الطبيعية العجيبة في الخلق الإنساني أنه عندما ترسخ فكرة في الأذهان البشرية بصورة قوية سواء أكانت هذه الفكرة عقلية أم خُلقية أم أدبية وتكون نشأتها ناتجة عن تقليد قديم خاص بأحوال العالم الدنيوي فإن الإنسان لا يبحث بعد السير على مقتضاها أجيالًا طويلة فيما إذا كانت هذه الفكرة منطقية أو غير منطقية، وبخاصة عندما تصبح هذه الفكرة ضمن دائرة الأفكار والآراء المرعية المسلَّم بها، ومن ثم يفرضها الإنسان على نفسه بأنه عقيدة لا محل لمناقشتها أو الشك فيها.

ولا أدل على ذلك من أن كثيرًا من رجال الفكر وأساطين العلم والفلسفة وكبار الكتَّاب المفكرين قد أعلنوا آراءً وأفكارًا عن أصول المدنية الهيلانية لا تقبل الشك أو الجدل حتى إن أخطاءهم فيها قد أدهشت عقول الذين أخذوا في درس الحضارة الإغريقية ولم يكونوا على علم بتلك الآراء الخاطئة التي وقع فيها من سبقهم ممن درسوا تلك الحضارة على ضوء الكشوف الحديثة.

ومن أفدح الأخطاء الشائعة في عصرنا هذا ما رُوِيَ عن الحضارة الإغريقية من أنها أم الحضارات الغربية وأنها لم تكن في حاجة إلى غيرها من المدنيات التي سبقتها، وأنها على ذلك لم تخضع في أصولها وفي أزمان تطورها فيما بعد على وجه التقريب لأي تأثير وفد عليها من خارج تربتها، والقول السائد الذي يردده حتى الآن السواد الأعظم من رجال العلم أن بلاد الإغريق هي تربة الشعب الذي استقى منه كل العالم جميع عجائب ما أنتجه الفن والأدب والعلم والفلسفة، ولذلك فإنها كانت تُعَدُّ نسيجَ وَحْدِها، وما نرمي إليه الآن في هذا الفصل هو أن نبرهن بصورة مختصرة على أن هذه الفكرة خاطئة من أساسها وأن بلاد الإغريق كغيرها من كثير من البلاد الأخرى كانت من حيث أصول الفلسفة بوجه خاص مدينة لمصر بدرجة عظيمة، حقًّا ستكون براهيننا على صحة هذا الرأي ناقصةً بعضَ الشيء، فلا تبلغ حد الكمال الذي كنا نأمل أن نصل إليه، ومن ثم هذا الموضوع لا يمكن حله بأكمله في هذه العجالة وقد يكون من الخير أن نوضح هنا المقدمات التي لا تعد إلا حجرًا واحدًا في البناء الذي سيقيمه عاليًا أولئك الذين سيتناولون هذا الموضوع عندما تكشف أرض مصر عما في جوفها، وبذلك يتقدم علم الآثار التقدم المأمول فيه نحو هذا الاتجاه من حيث الكشوف.

ومما لا نزاع فيه أن الشعوب التي أسهمت في تقدم المدنية البشرية منذ نشأتها هي الشعب المصري والشعب الكلداني ثم الشعب الهيلاني المبكر، وليس من شك في أن الثقافة الإغريقية الحقيقية مرتبطة بثقافة الشعبين المصري والكلداني ارتباطًا وثيقًا لا لبس فيه ولا إبهام، والواقع أن مصر قد لعبت دورًا هامًّا عظيمًا في الثقافة الهيلانية القديمة وبخاصة في ثقافة القوم الذين كانوا قبل الشعب الهيلاني، وهم الذين ورث عنهم الإغريق حضارتهم وأعني بذلك إغريق الجزر اليونانية وبلاد الإغريق الكلاسيكية، وتؤكد أعمال الحفر المثمرة التي عُمِلَت في جزيرة «كريت» وفي «البليبونيز» وفي آسيا الصغرى في موقع إقليم «طروادة» على وجود مدنيات رفيعة ترجع إلى عهد سحيق في القِدَم أي إلى الألف الثالثة والألف الثانية قبل المسيح، وهذه المدنيات المكشوفة تبرهن على تأثير بارز جاء عن البلاد المجاورة وبخاصة مصر.

وتدل شواهد الأحوال على أنه كانت هناك اتصالات غاية في النشاط بين المصريين والعالم الإيجي قبل أن يظهر الشعب الإغريقي بصورة واضحة على مسرح التاريخ، فقد كانت متصلة بمصر اتصالًا وثيقًا قد يسفر عن اشتراك في الدم، فقد وُجدت أشياء مصرية في قصور «كريت» كما وُجدت أشياء كريتية في مقابر مصرية (راجع: C. A. H. Vol. of Plates, I, 104-5.) وعلى أية حال فإنه في العصر الذي جاء بعد خلاص مصر من يد «الهكسوس» الغاشمين أي بحلول الأسرة الثامنة عشرة قد أصبحت العلاقات بين البلدين وطيدة جدًّا، وحوالي نهاية القرن الخامس عشر قبل الميلاد حلَّت بكريت كارثة طاحنة قبل أن تصل الجزيرة إلى العهد المنوي المتأخر الثاني، وقد كانت مصر و«كريت» قبل هذه الكارثة على اتصال تام، ومن الواضح أن بداية العلاقات بين مصر وبلاد الإغريق نفسها وجزرها يتفق مع سقوط الحكومة المنواتية في كريت والقضاء على أهميتها السياسية والتجارية (راجع مصر القديمة الجزء الخامس).

وقد كان المصريون يسمون سكان بحر إيجه وسكان بلاد الإغريق نفسها «أقوام الجزر التي في وسط البحر» وذلك لأنهم كانوا لا يعرفون إلا القليل عن أرض الإغريق الرئيسية وقد ظنوا أن كل الأقوام المجاورة قد أتوا من بعض الجزر وكانوا خاضعين لكريت.

وقد عُزِيَت الكارثة التي حلَّت بجزيرة «كريت» على وجه عام إلى رجال بلاد الإغريق أنفسهم وهم الذين خربوا مدنها وأحرقوها في غارة قاموا بها ويعزو السير «أرثر إيفانز» سقوط «كنوسوس» على الأقل إلى زلزال (راجع: Evans Palace of Minos, Vol. II, I, P. 320) (راجع مصر القديمة الجزء الثاني عشر).
ويقول «بندلبري» إن هذه الكارثة كان سببها مجهودًا منظمًا لأنه في هذا الوقت لم يكن تبدو على كريت علامات ضعف (راجع: J. E. A. Vol. XVI, P. 90).

أما أهل البحار الذين تحدثنا عنهم كثيرًا في غير هذا المكان (راجع مصر القديمة الجزء السابع) وهم الذين كانوا يسكنون بعيدًا عن «كريت» فلم يكن المصريون يعرفون عنهم شيئًا؛ فقد أتوا إلى مصر مباشرة مع أمتعتهم وكأن كريت لم تكن موجودة، وقد بقيت العلاقات بينهما في سلام لمدة قرن ونصف قرن من الزمان، ولكن في عهد الملك «مرنبتاح» هددت مصر بلاد لوبيا كما هددها حِلف من أقوام البحار (راجع مصر القديمة الجزء السابع)، وقد قضت مصر على هذه الغزوات وبقيت بعد ذلك هادئة، قد تركت هذه الغزوات أثرًا في الشعور المصري وحالته من ناحية الأجانب بدرجة لا يمكن تقديرها، وكانت من عوامل عزلتهم التي تحدث عنها الكُتاب القدامى.

حقًّا لقد ظل أقوام البحار مع مصر في سلام ورعاية لحق الجوار مدة تقرب من قرنين، ومن ثم فإن العداوة التي أظهرها أقوام «إيجه» لا يمكن تفسيرها، وكانت وبالًا عليها إلى أقصى حد؛ لأن معظم كسبهم كان من التجارة.

وبعد أن أفلتت مصر من هذا الخطر الخفي انكمشت في عقر دارها ولم تعد هناك مبادلات تجارية، وقد أغلقت مصر نتيجة لذلك موانيها لدرجة أن ظهور الأشرعة في الأفق كان نذيرًا بحملة حربية (راجع: J. E. A. XVI. 92) وتعتبر هذه الغارات نهاية عهد في تاريخ البحر الأبيض المتوسط، ولكن على الرغم من أن مصر قد نجت من خطر الفتح، فإن القوة الحربية التي كان يمتاز بها الجنود المصريون الوطنيون قد اضمحلت وأصبح كل جنودها المحاربين من الجنود المرتزقة بوجه عام، ومن ثم أخذت قوة مصر تنحط بسرعة وتتابَعَ عليها الغزو الأثيوبي فالآشوري، إلى أن جاءت «الأسرة الساوية» وأجلَتْ الأثيوبيين عن مصر ثم قضت على سلطان الآشوريين جملة وطردتهم من وادي النيل، وفي خلال العهد الساوي تمتعت مصر باستقلالها لمدة قرن ونصف قرن من الزمان، وفي خلال حكم «بسمتيك الأول» مؤسس هذه الأسرة أخذت مصر تتصل من جديد بالعالم الغربي وبخاصة بلادُ الإغريق.
ويمكن تلخيص تغيير موقف المصريين بالنسبة للإغريق حتى عهد «هردوت» في المراحل التالية:
  • أولًا: العداء لكل الأجانب (راجع: Strabo, 17, 1, 6, P. 792) وتجنب العادات الأجنبية (راجع: Herod. II, 41, 7, 91, 1).
  • ثانيًا: حاجة مصر للمساعدة في عهد الملوك الساويين؛ أي في خلال الأسرة السادسة والعشرين وقد أدى ذلك إلى السعي في التأثير على الإغريق بما للثقافة المصرية من مكانة رفيعة في العالم.
  • ثالثًا: ظهر اتحاد سياسي بين المصريين والإغريق كان سببه عداوتهما المشتركة للفرس.
  • رابعًا: السعي للبرهنة على وجود علاقات قديمة بين بلاد الإغريق ومصر أو بعبارة أخرى ما أخذه الإغريق عن مصر في ميادين العلم، وسنتحدث هنا عن هذه المراحل.
    ما أخذه الإغريق عن المصريين في العصر الساوي:
    • (١) أما عن المرحلة الأولى فقد تحدث عنها «هردوت» في كتابه عن مصر عندما تحدث عن العادات المصرية ومناقضتها للعادات الإغريقية (راجع: Herod. VI, 35, 25 eq).

      ولكن مما يجدر ملاحظته هنا أن «هردوت» قد بالغ في مواضع كثيرة عند قرنه العادات المصرية بالعادات الإغريقية؛ لأنه ارتكن أحيانًا على قول الأدِلَّاء وأقاصيصهم.

    • (٢) كانت مصر في العهد الساوي في حاجة إلى مساعدة الإغريق، حقًّا كانت مصر مغلقة في وجه الزائرين الإغريق عدة قرون، وذلك منذ أن كانت مصر مهددة بغزو أقوام البحار لها، ولكن كانت أرض الدلتا على الأقل معروفة للعالم الإغريقي، فقد ذُكر فنار إسكندرية المستقبل في أودسي هومر (راجع: Od. IV, 355) فقد كان هناك «أمام مصر» حيث ربط «منيلاوس» Menelaos، سفينته وأجبر «بروتيوس» المصري على أن يعلن له طريقه إلى وطنه، وكذلك نجد ذكر طيبة وبوابات معبدها التي بلغت المائة، في «الإلياذة» وفي «الأوديسى» (راجع: Illiad IX, 381, Od. IV, 126) وكان يسكن هناك الفرعون «بوليبوس» Polybos، عندما غُمِرت «ألكاندرا» Alkandra زوجة «منيلاوس» بالهدايا.

      وفي الأزمان التاريخية الأكثر وضوحًا نجد الميليزين الإغريق على الرغم مما بينهم وبين المصريين من خِلافات في طرق الحياة وكرههم للأجانب، فإنهم قد أفلحوا في خلال النصف الثاني من القرن السابع؛ أي في عهد الفرعون «بسمتيك الأول» في الحصول على مواطئ قدم في مصر، وهناك أسسوا محطة تجارية وهي التي تدعى «الجدار الميليزي»، ولم يمضِ طويل زمن حتى أوغلوا بسفنهم في المقاطعة «الساوية» وأسسوا هناك «نقراتيس» (نقراش) الواقعة على أحد فروع النيل الغربية (راجع مصر القديمة الجزء ١٢) وقد قضت الأحوال وبخاصة وجود الآشورين في مصر بأن يؤتي بجنود مرتزقة إلى مصر من بلاد الإغريق (راجع مصر القديمة الجزء ١٢) ومن هذا الوقت أخذت العلاقات التجارية والحربية تزداد زيادة كبيرة في عهد ملوك الأسرة السادسة والعشرين، وبخاصة في عهد الملك «أحمس الثاني» كما فصلنا القول في ذلك في مصر القديمة (راجع مصر القديمة جزء ١٢).

    • (٣) وفي أثناء اختلاط الإغريق بالمصريين اختلاطًا مُحَسًّا في عهد الأسرة السادسة والعشرين بدأ الإغريق الذين وفدوا على مصر يحسون مكانتها العلمية بالنسبة لهم وقد كانت «نقراش» و«دفنة» هما المَركزان اللذان وصل منهما تأثير الثقافة المصرية إلى بلاد الإغريق، وقد كان وجود هذين البلدين يعني أن مصر كانت معروفة لا للسياح، بل كانتا سكنًا لجماعة من الإغريق من مدن مختلفة، ففي عهد الملك «أمسيس» كان كثير من الإغريق ينتقلون ذَهابًا وإيابًا بين «نقراش» ومدنهم في بلاد الإغريق، ولا بد أن تأثير هذا الاتصال كان عظيمًا، فمن ذلك ما نجده من قبل عهد الفتح الفارسي آثار مصوَّرة على أكروبول أثينا (راجع: G. Dickins, Catalgue of the Acropolis Museum, I, 167, on Nos. 144, 146).

      منها صورتا كاتبين يلبسان ملابس إغريقية مقلَّدة عن اللباس المصري، وهناك نواة للحقيقة القائلة بأن الإغريق قد أخذوا فلسفتهم عن المصريين وسنتحدث عن ذلك فيما يلي.

      هذا ونعلم أن «برياندر» المواطن الكورنثي قد سمى ابن أخيه وخليفته «بسمتيك» حبًّا في «بسمتيك الأول» مؤسس الأسرة السادسة والعشرين، وتدل شواهد الأحوال على أن الإغريق قد وصل إليهم عن طريق «نقراش» هدايا ثمينة وبخاصة البردي الذي قُدِّم لهم مادة خفيفة رخيصة لكتابة مؤلفاتهم.

      ولا يفوتنا أن نذكر أن رجال الحكمة والفلسفة في بلاد اليونان مثل «بيتاجوراس» (فيثاغور) و«صولون» قد زاروا مصر وأخذوا عن علمائها، ونرى مما كتبه «هردوت» وما تركه لنا سلفه «هيكاته» (٥٥٠ق.م) نتيجة لسياحتهما في مصر قبل الثورة الأيونية، مقدار الأثر الذي تركه المصريون في نفوس الإغريق عندما علموا مقدار إيغال تاريخ مصر في القِدَم بالنسبة لبلادهم (راجع هيكاته: Early Ionian Historians, Oxford, PP. 25 Sq. & PP. 81, on Egypt).
      ولقد كان من جراء الحروب الفارسية أنها قضت على كل الاتصالات السلمية بين بلاد الإغريق وأرض الفراعنة القديمة لمدة من الزمن، وعلى إثر انتهاء هذه الحروب بالقضاء على ثورة الأمراء المصريين المحليين أخذت البلاد المصرية من جديد تفتح أبوابها للزائرين من الإغريق، فقد زار الفيلسوف «أناكزاجوراس» Anaxagoras القُطْر المصري وفحص فيضان النيل وهبوطه.
      وتدل شواهد الأحوال على أن هلانيكوس Hellanikos المؤرخ الإغريقي وهو معاصر لهردوت قد زار مصر قبله على ما يظهر، (راجع: Ibid. P. 152, and Especially P. 199) ولكن يرجع الفضل الأكبر فيما كتبه المؤرخ «هردوت» (حوالي ٤٥٠ق.م) إلى معرفة مجهودات المصريين وتأثيرها في الإغريق مما جعله يثبت أن الثقافة المصرية كانت أعلى من ثقافتهم، ولكنه على الرغم من رغبته في قبول تقدير المصريين لثقافتهم هم إلا أنه بقي إغريقيًّا قُحًّا في تفسيره لمصر بعبارات تدل على العقلية الإغريقية، وعلى الرغم من أنه كان مستعدًّا لأن يعترف بأسبقية ثقافات أخرى وباعتبار الأنظمة الإغريقية مأخوذة عن المصرية، فإنه أراد أن يفسر كل ما هو أجنبي بالروح الإغريقية التي كان يعدها معيارًا للبشرية عامة في التعبير.
      والواقع أن مصرِيِّي عهد «هردوت» كانوا يُظْهِرون بحق نحو الروح الإغريقية شعور التفوق على الإغريق بل الاحتقار لهم، ولا غرابة في أن يكون هذا موقفهم؛ لأن مدينتهم كانت تضرب بأعراقها إلى الماضي البعيد بالنسبة لمدنية الإغريق الحديثة التي لم تكن قد وقفت على قدميها بعد في العلوم والمعرفة، وقد كان المصريون في تلك الفترة يحلمون بماضيهم القديم الذي لم يطرأ عليه أي تغيير من حيث حاصلات البلاد أو موارد نهر النيل (Herod. II, 177)، وقد كان «هردوت» عليمًا بهذا الكبرياء المصري بالنسبة لمجد أجدادهم كما أوضح لنا ذلك خلال محادثته مع كهنة «آمون» طيبة في معبد الكرنك (Herod. Ibid. 143) فقد حدثنا كيف أنه عندما تتبع «هيكاته» الميليزي الإغريقي الذي زار مصر قبل «هردوت» نسب أجداده إلى أن وصل إلى آلِهِ في الجيل السادس عشر، قاده الكهنة إلى داخل المعبد وأطلعوه على ثلاثمائة وأربعة وأربعين تمثالًا منصوبة هناك لأفراد، وكان كل واحد منها ابنًا لما يليه في سلسلة متصلة حتى آخر واحد منها دون أن يصلوا في النهاية إلى آله، وعلى الرغم من الثلاثمائة والخمسة وأربعين جيلًا فإن الرجل الأول كان يريد أن يدلل على أنه رجل نبيل المولد وحسب، وقد عرف «هردوت» طرفًا من تفاخر المصري بماضيه وزهوه بتفوق سلالته على باقي سلالات العالم، هذا ولدينا مثال آخر في المحادثة الشهيرة التي جرت بين «صولون» وكاهن مصري مُسِنٍّ (راجع: Plato. tim. 226, Cf. Joseph, Cont. Ap. I, 7) فتحدث عن الإغريق بأنهم أطفال؛ لأنه ليس لهم ماضٍ سحيق في القِدَم، وقال: «إنكم ستظلون أطفالًا إلى الا بد؛ إذ ليس في بلاد الإغريق رجل مُسن.»
    • (٤) والمرحلة التالية في العلاقات الإغريقية المصرية تُظْهِر تغيُّرًا ثابتًا لما هو حسن، فقد قام بين الأمتين تعاون سياسي بسبب العداوة التي كانت بينهما وبين الفُرس، وهذا التعاون يفسر الترحاب الذي أظهره المصريون للإسكندر عند دخوله مصر فاتحًا.

      والواقع أن الأسرة السادسة والعشرين لم تكن إلا الأولى من عدد من الفواصل من سلسلة ملوك أجانب بدءوا منذ عام ٧٠٠ق.م يسيطرون على مصر حتى جاءت الثورة الحالية التي أعادت للبلاد مجدها القديم، وقد كان عهد هذه الأسرة بمثابة ولادة جديدة، وذلك عندما قامت المدنية المصرية القديمة من رقادها الطويل وأعادت لمصر تقاليدها القديمة التي كانت تفخر بها على كل العالم، وأهم شخصية بارزة في ملوك هذه الأسرة بالنسبة لعلاقته مع الإغريق هو «أحمس الثاني» الذي اشتهر بحبه للإغريق وتوثيق روابط الألفة معهم.

      وقد ظهر ذلك في منحه إياهم «نقراش»، وتكوين حرسه من «الأيونيين» و«الكاريين»، وزواجه من سيدة إغريقية من «سيرني»، وكذلك عقد معاهدة صداقة مع «بوليكراتيس» حاكم «ساموس» (راجع: Herod. II, 39-40) يضاف إلى ذلك أن قوة «أحمس» البحرية كانت هي الأساس للقوة البحرية التي جعلت مصر فيما بعد في عهد البطالمة المسيطرة على البحر الأبيض المتوسط، هذا، وقد قُطعت العلاقات بين مصر وبلاد الإغريق فجأة لفتح «الفرس» لمصر، وقد قيل إن «الفرس» أهانوا المعبودات المصرية في أثناء سيطرتهم على البلاد، ولكن هذا الزعم باطل كما سيظهر ذلك فيما بعد، وحتى إذا كان ذلك قد حدث في آخر عهدهم فإنه لم يحدث كما قال «هردوت» في أول أمرهم؛ ويطيب أن نذكر هنا أن الأخطاء الماسَّة بالدِّين لم يرتكب مثلها الإغريق؛ لأن الإغريق كانوا يظهرون دائمًا كما أكد ذلك «هردوت» أنهم يرون آلهتهم في الآلهة المصرية لما بين آلهة البلدين من تشابه كبير، وذلك ما فسر لنا فيما بعد النجاح العظيم الذي أحرزه الإغريق في معاملتهم مع المصريين، وقد نالت مصر استقلالها المرة الأخيرة بمساعدة الإغريق لها عندما طُرِد الفرس من مصر عام ٤٠٤ق.م غير أن مصر على الرغم من قيامها بنهضة جبارة في خلال الأسرتين التاسعة والعشرين والثلاثين بمساعدة الإغريق لها فإنه في النهاية فقدت استقلالها عام ٣٤٢ق.م، ومنذ ذلك العهد لم نعرف عنها شيئًا مؤكدًا إلى أن دخلها الإسكندر الأكبر عام ٣٣٢ق.م، وذلك لقلة المصادر الأكيدة.
  • خامسا: نجد أن بلاد الإغريق قد أخذت كثيرًا عن مصر وبخاصة العهد الساوي.
    فقد ذكر لنا «هردوت» أن المصريين كانوا قومًا يحسبون زمنهم بالسنين التي تحتوي كل منها على اثني عشر شهرًا، أما في المحيط الديني فنجد أن المصريين هم أول قوم استعملوا تسميات الاثني عشر إلهًا، وهذه التسمية (اقتبسها الإغريق عنهم فيما بعد)، وكذلك عُزِيَ إلى المصريين أنهم هم أول قوم خصوا لآلهتهم العديدين مذابحهم وصورهم ومعابدهم، وأول من حفر الأشكال على الحجر (راجع: Herod. II, 4) ويقول «هردوت» إن اسم «هيراكليس» قد أتى من مصر إلى بلاد «هيلاس» وذلك لأنه كان إلهًا قديمًا في مصر وقد اعتبر واحدًا من بين الاثني عشر إلهًا وذلك منذ سبعة عشر ألف سنة قبل حكم «أحمس» (راجع: Herod. II, 43) وهذا قول مبالغ فيه.
    يضاف إلى ذلك أن تعاليم ديانة «ديونيسوس» Dionysos قد أتت بطريق غير مباشرة من مصر (راجع: Herod. II, 49) والواقع أن كل أسماء الآلهة تقريبًا قد أتت إلى «هيلاس» من مصر إلا أسماء الآلهة «بوزيدون» Poseidon٩ و«ديوسكوري Dioscuri»،١٠ و«هيرا» Hera١١ و«هستيا» Hestia١٢ و«تميس» Themis١٣ و«الجريس» Graces١٤ و«النريدس» Nerides١٥ (راجع: Ibid. 50).
    هذا ولم يتعلم الإغريق عملية التنبؤ من الحيوانات المضحاة من مصر وحسب، بل كذلك أقاموا جمعيات مقدسة ومواكب وصلوات، والبرهان على ذلك هو أن الأحفال المصرية قديمة جدًّا في حين أن الأحفال الإغريقية من عهد غير بعيد (Ibid. 58) وفضلًا عن ذلك فإن العقيدة القائلة بأن الروح الإنسانية خالدة وأن تقمص الأرواح جاءت من صنع المصريين ثم نُقِلَت بوساطة بعض الإغريق في وقت مبكر أو متأخر إلى بلاد اليونان (Ibid. 123) وقد تعلم «بيتاجوراس» في مصر ضمن ما تعلمه تقمص الروح في كل مخلوق.
    وتعلم الإغريق علم مسح الأرض من المصريين، ومنها تطور علم الهندسة الذي برع فيه الإغريق (راجع: J. E. A. Vol. XII, 1926, P. 242 f).
    وقد أخذ «صولون» الأثيني قانون «أحمس» الذي يقول فيه إنه يجب على كل مصري أن يعلن سنويًّا موارده التي يعيش منها لحاكم مديريته، وإذا عجز عن ذلك أو عجز عن أن يبرهن على أنه يعيش عيشة شريفة عوقب بالموت، وقد قال «هردوت» إن هذا قانون لا غبار عليه (في هذا مغالطة تاريخية لأن «أحمس» كان ملكًا على مصر حوالي عام ٥٦٩ق.م في حين أن «صولون» كان حاكمًا على ما يُظَنُّ في أثينا حوالي عام ٥٩٤-٥٩٣ق.م) هذا ونعلم مما كتبه «ديودور» أن «صولون» قد أخذ بعض القوانين عن مصر (راجع: Diod, Lix, Ixxvii, xcvi, xcvii) على أن ما نسبه «هردوت» من علوم أخذ عنها الإغريق يعد في نظر العلماء الأحداث مغالاة من جانبه، وأنه كان يحقر الإغريق ويميل عليهم ميلة شديدة في نقده.
    ولكن العلم المصري كان عظيم الانتشار في كل البلاد، هذا فضلًا عن طبقة الكهنة الذين احتكروا العلوم والأدب، ولا أدل على ذلك من أنه كان هناك عدد عظيم من الكُتاب يعملون موظفين في الدولة ويمثلون العنصر المثقف من الشعب، وقد كان في كل مدينة عظيمة مدرسة أو أكثر تابعة للمعبد، وكانت تؤلف كليات لاهوتية، وقد كان أعظم علماء الإغريق وفلاسفتهم يفدون إلى هذه المدن الشهيرة كما تُحَدِّثنا بذلك التقاليد، وأهم هذه المدن هي «سايس» و«بوبسطة» و«تانيس» و«هليوبوليس» و«منف» و«الأشمونين» و«أبيدوس» العرابة المدفونة» و«طيبة»، والواقع أنه كان لكلية عين شمس اللاهوتية شهرة عالمية، وأشهر كبار الهيلانيين الذين أتوا لينهلوا بعض علومها قد دلوا «إسترابون» كما يقول شمبيلون «فيجاك» على الكلية التي تعلم فيها كل من «إيدوكس» Eudoxe و«أفلاطون» في «هليوبوليس».
    ويقول نفس المؤلف إن «فيثاغور» قد تعلم في مصر كل ما أمكنه تعلُّمُه في أثناء مكثه فيها، فقد عاش على ما يقال في أرض الكنانة حوالي عشرين عامًا، وكذلك تعلم كل من «صولون» و«تاليس» المليزي في مصر ونقلا كل ما تعلماه إلى بلاد الإغريق، وكذلك نعرف المعلمين المصريين الذين تلقى عليهم «أفلاطون» المقدس (راجع: Champollion-Figeac, L’Egypte Ancienne, P. 120-121).
    هذا وقد ذكر لنا «شمبليون فيجاك» أسماء معلمين كثيرين من المصريين نقلًا عن بروكلوس PrOclus، والواقع أنه في عهد الأسرة السادسة والعشرين كان في مقدور الإغريق أن يزوروا وادي النيل ويقيموا فيه في أحسن حال، وحتى فيما بعد في عهد الفرس لم يكن هناك عائق يمنع السائحين والمؤرخين ورجال السياسة من أن يجوسوا خلال الديار المصرية بطمأنينة ويتعلموا عاداتهم وفنونهم ومعتقداتهم الدينية، وأكبر برهان على ذلك المؤرخ «هردوت»، والواقع أن كل الإغريق الذين أوتوا حظًّا عظيمًا من الذكاء كانوا على استعداد لأن يذهبوا إلى منبع الحكمة المصرية، وقد كان من الطبيعي أنهم أُغْرُوا على ذلك بما كان للمدنية المصرية من شهرة طبقت الآفاق.
    وبعد أن أظهرنا حقيقة العلاقات العقلية بين المصريين والإغريق بقي علينا أن نحدد طبيعة هذه العلاقات، فمن المفهوم تمامًا أن ما بحثناه هنا لا شأن له إطلاقًا بوضع صلة مباشرة بين أفكار مصرية معلومة وبين تصورات الفلاسفة الإغريق الأُول؛ إذ الواقع أنه لا يمكن بأية حال من الأحوال أن نفكر في ذلك في الحالة الراهنة للمسألة بل نريد أن نبرهن على أن الفكر المصري لا بد قد ترك بعض التأثير في الفكر الإغريقي، وعندما نقول العلم المصري والمعرفة المصرية يجب أن نفهم أن هذه التعابير لا يقصد منها إلا معنى عام جدًّا وألا نرى فيها قط ما يُقصد به من معنى لهذه التعابير في أيامنا، فلا نفهم من عبارة العلم المصري المعلومات الفنية والعلمية والرياضية والفلكية وحسب، بل كذلك مجموع آراء دينية وفلسفية مضافة إلى عقائد وتجارب سحرية، والواقع أن هؤلاء العلماء الذين حضروا إلى مصر وتعلموا فيها ترك كل منهم أثره في علوم الإغريق وعقائدهم بدرجة مُحَسَّة، فمثلًا قد استعمل الإغريق بدون شك عقائد مصرية مسلَّمًا بها خاصة بمصير الإنسان في عالم الآخرة، ويجب أن يتتبعها في حياته الدنيوية وفي موضوع نهاية العالم الذي يعيش فيه نجد الإغريق كالمصريين كانوا يعتقدون في وجود الروح المجنحة وخلودها فنشاهد على الآثار المصرية وفي المقابر أن الروح مُثِّلَت في صورة طائر برأس إنسان، وكذلك نجد الإغريق قد أخذوا فكرة حقول الإليزية (الجنة) الخاصة بالمصريين في مملكة الأموات التي كان يتربع على عرشها أوزير، والكلمة الإغريقية نفسها «إيليزة» تذكرنا بصورة غريبة بالكلمة المصرية «يالو» أو «أيلو» (حقول الجنة)، وكذلك نجد أن النيل والقنوات التي وضعها الخيال في عالم الآخرة إن هي إلا تقليد للنيل الحقيقي، والقنوات الدنيوية قد استخدمت نماذج للأنهُر النارية التي ذكرها الإغريق في أساطيرهم، والأصل المصري للكلمة الإغريقية «رادا منت» تُقابِلُ التعبير المصري «رع أم أمنت» أي الإله رع في الغرب (وكلمة أمنتي معناها الغرب أو عالم الآخرة)، وكذلك الكلمة الإغريقية «كارون» التي تعني «نواتي» الجحيم مشتقة من الكلمة المصرية «كارو» التي تعني القارب أو المرشد في اللغة المصرية، هذا إلى أن محاكمة الأموات أمام محكمة أوزير، وكذلك تمثيل المحاكمة في عالم الآخرة، قد نُقِل إلى العقائد الإغريقية المماثلة، وكذلك وزن الروح الذي كان له قيمة كبيرة في شعر «هومر» مأخوذ برمته عن العقائد المصرية (راجع: Eliade Chant VIII, vers 68–74).
    ونرى مما سبق أن الإغريق قد أخذوا كثيرًا عن قدماء المصريين ثم هذبوه على طريقتهم ووضعوه في قالب جديد علمي عقلي، وقد قام بذلك سلسلة فلاسفة وعلماء جاءوا إلى مصر قبل عهد سقراط، وهؤلاء يُرتَّبون ترتيبًا تاريخيًّا ما بين القرن السابع ونهاية القرن الخامس قبل الميلاد تقريبًا، والواقع أن تاريخ الفلسفة اليونانية يحتوي على ثلاثة عهود رئيسية وهي عهد التكوين وعهد النضج ثم عهد الشيخوخة، وينقسم عهد التكوين بدوره إلى عهدين أولهما يمتد من أول الفيلسوف «تاليس» Thles حتى عهد السفسطائيين وسقراط وهذا هو عهد الفلاسفة الذي أتوا قبل سقراط، وهو العصر الذي كان فيه العلم والفلسفة موحَّدينِ تمامًا ويشغل حوالي قرنين من الزمان، والعصر الثاني شغل جميعه تعاليم «سقراط» والسفسطائيين، ويعنينا من هذين القسمين الثانويين القسم الأول فقط، وذلك لأنه يشمل طلائع الفلاسفة الذين قبل «سقراط» وهم الذين زاروا مصر للدرس والتعلم.
    وفلاسفة هذه الفترة قد كونوا مدارس فلسفية وهي مدرسة «أيوني» ومدرسة «إيطاليا» ومدرسة «إلي» Elee ومدرسة «أبديري» Abdiri، ويضاف إلى هذه المدارس أولئك المفكرون الذين يُعَدُّون شبه منعزلين مثل الفيلسوف «أناجزاجوراس»، وكذلك أصحاب الأذهان ذوو النزعات المصلحة والمكونة مثل «أمبيدوكليز» الذي سعى في أن يصب في نظام واحد أصل المذاهب «الأيونية» و«الهيراكلية» و«الأيلية» و«البيثاجورية»، وفلاسفة هذه المدارس وغيرهم ممن جاء قبل سقراط قد زاروا مصر وتأثروا بتعاليم مدارسها وكهانتها ونقلوا كل ما تعلموه إلى بلاد الإغريق فتأثرت بذلك العلوم الإغريقية أيَّما تأثير، وقد أصبح من المؤكد أن فلسفة اليونان وعلومهم في عهودهم الأولى ترجع إلى أصل مصري بحت، وسنحاول هنا أن نذكر كلمة عابرة عن كلٍّ من نظريات هؤلاء الفلاسفة ومقدار تأثرهم بالعلم المصري والفلسفة المصرية، وقصدنا من ذلك إظهار الرابطة المتصلة الحلقات التي كانت بين مصر وبلاد اليونان حتى عهد الإسكندر والبطالمة.

تاليس Thales

يعد «تاليس»١٦ مؤسس مدرسة «ميليتيس»، وهي أول مدرسة أُسست في بلاد اليونان للفلسفة.
ولد «تاليس» في ميليتس عام ٤٦٠ق.م ويعتبر أقدم ممثل للعلم الإغريقي وكذلك مؤسس العلم المبني على البراهين العقلية، وفي زمنه كان العلم هو الفلسفة، والفلسفة هي العلم، وكان هو أول من فرق بين الاثنين، وقد طاف في «كلديا» وفي مصر،١٧ وتعلم منها عناصر العلم، وقد عاش في مصر زمنًا طويلًا وقد تعلم عن الكهنة المصريين كل ما أمكنه وعاد إلى بلاده يحمل أفكار المصريين عن الرياضة والحساب والهندسة، وكان تأثير المصريين فيه ظاهرًا في مجال الفلسفة، والظاهر أنه أول من شغل نفسه بموضوع المادة التي يتكون منها العالم، فكان يعتقد أن كل الأشياء مصنوعة من الماء الذي يدخل في تركيب كل شيء، وهذا الرأي مأخوذ مباشرة من فكرة أصل تكوين العالم عند مدرسة هيلوبوليس الدينية، وهي التي تقول إنه في البداية كان «رع» إله الشمس قد خرج من الماء الأزلي «نون» الذي سكن فيه بلا حراك أبديًّا، والمهم هنا أن نضع في ذاكرتنا أن «رع» إله الشمس قد خرج من الماء الأزلي «نون» وقد دلت البحوث الدقيقة أن «نون» المصري يقابل بالضبط عند الإغريق «كايوس» التي تعني الماء الذي لا قرار له، ومن ثم نرى أن التأثير المصري واضح تمامًا في «تاليس» وأنه نقل الفكرة عن مصر.١٨

أنا كزيماندر Anaximinder

كان «أناكزيماندر» تلميذ «تاليس»، ولد في «ميليتيس» حوالي عام ٦١٠ق.م وقد عُزِيَ إليه اختراع الساعة الشمسية، وكان يعتقد أن المادة الأولية هي اللانهائية١٩ وأن أصول الأشياء كانت اللانهائية، وأن اللانهائية تنتعش بحركة أبدية وتخلق كل الأشياء، وكان يعتقد أن اللانهائية آلهة ولا تفنى، ومنها تأخذ كل المخلوقات مادتها وخواصها، ويلعب الماء في النظام الذي اعتنقه «أناكزيماندر» دورًا ثانويًّا، ومع ذلك فإن الدور الذي يقوم به الماء هام جدًّا، وذلك لأن الماء هو عنصر من العناصر التي تتكون منها الأجسام.
وعلى أية حال فإنه يجب ألا يغيب عن الذهن هنا أن «أناكزيماندر» ومن قبله «تاليس» لا بد أن كانا قد تأثرا بالفكرة المصرية التي كوناها عن الأرض والآلهة وبخاصة الفكرة الخاصة بطريقة توالد الحيوان، وذلك بسبب أن الحيوانات التي تعيش في الطينة السوداء الراسبة من فيضان النيل عند انحساره قد لفتت نظر المصريين وقد ظهر منها سلسلة بحوث وتفسيرات ويكفي أن نعطي مثالًا واحدًا هنا هو الإلهة «ساتيس» التي كانت زوج الإله «خنوم» إله الشلال، وقد كانت تمثل في صورة ضفدعة وقد ظن المصريون أنها تولد من نفسها من غرين النيل الذي تخلف من فيضان النيل دون تلقيح آخر (راجع: Sayce, The Religion of the Ancient Egypt) وهذه هي نفس نظرية «أناكزيماندر».

أنا كزيمين Anaximene٢٠ المليزي و«ديوجنيس» الأبوليني Diogones

وهذان الفيلسوفان فكَّرا في أن أصل الأشياء هو الهواء بدلًا من الماء ومن اللانهائية عند «تاليس» و«أناكزيماندر» على التوالي، وتدل شواهد الأحوال على أن هذه الفكرة مأخوذة عن فكرة المصري في أن أصل الحياة هو النفَس الذي يعبر عنه المصري «بنفَس الحياة» وبدونه لا توجد حياة، وقد كان نفس الحياة منتهى أمنية يلتمسها المصري من الفرعون ومن الإله.

بيثوجوراس «فيثاغور Pythogoras»

ولد «بيثوجوراس» في أوائل القرن السادس قبل الميلاد والمحتمل جدًّا التي كانت تسمى باسمه في بلاد اليونان، ولا نزاع في أن سياحة أنه زار مصر ومكث فيها حوالي عشرين عامًا وأخذ علومه هناك عن الكهنة «بيثاجوراس» وإقامته في مصر كان لها فائدة عظيمة؛ إذ الواقع أن أوجه الشبه التي توجد بين بعض العقائد المصرية وتعاليم «بيثاجوراس» عن انتقال الأرواح من مخلوق لآخر لم تكن عفو الخاطر، وقد أورد «هردوت» البراهين على أن هذه الفكرة مأخوذة عن المصريين، هذا ولدينا في كتاب الموتى الأمثلة العدة الدالة على تقمص الأرواح، والنتيجة التي وصلت إليها البحوث الدقيقة المقارنة في أن انتقال الأرواح من مخلوق لآخر قد أخذت عن المصرية وأنها قد تكونت شيئًا فشيئًا في مصر ثم انتهت بأن أصبحت تدرس في مدارس اللاهوت الإغريقية نقلًا عن مصر.

هيراكليتوس Heraclitus

تتحدث فلسفة «هيراكليتوس» كذلك عن مسائل الروح والعلم والله؛ وُلِدَ الفيلسوفُ في «أفيسوس» حوالي منتصف القرن السادس، وفلسفته مبنية على أن النار هي أصل كل شيء، وهذه النار تبرز نفسها في كل الظواهر المادية وفي كل الأشكال التي تقع تحت الحس «أمام النار تغير كل الأشياء نفسها وأمام كل شيء النار، كما تتغير الثروات أمام الذهب والذهب أمام الثروات» ويقول كذلك: «إن تغيرات النار هي أولًا البحر وتغيرات البحر هي نصف أرض، وإلى نصف مادة نارية.»

ومن ثم نرى أن أهم خواص صِفات فلسفة «هيراكليتوس» هي اتحاد المتناقضات، ومن ثم يقول إن المكروه نافع، ولهذا يتألف من المتناقضات أجمل الانسجام، والكل يكون نفسه بالخصام، وكلمة العدل لا تعرف إلا إذا كان هناك ظلم، وهذه الأمثلة كانت ضرورية لأجل أن تقدم عناصر الموازنة بين أفكار «هيراكليتوس» الخاصة والفكرة المصرية، فمما لا نزاع فيه أولًا أنه من المستحيل عدم التعرف على التأثير المصري في الدور الذي نسبه «هيراكليتوس» للنار، والواقع أن شمس هيراكليتوس لم تفسَّر بأنها أحسن مظهر مادي وظاهر للنار وحسب، بل كذلك تفسَّر بأنها النار الخفية المفكرة، وبصورة ما تفسَّر بالنار الروحية التي تعتبر النار المادية صورة منها، فيقول في ذلك «إن الشمس ليست جديدة كل يوم فقط، بل في الواقع إنها دائمًا جديدة دون انقطاع وفي ذلك ما يكفي ليذكرنا بأسطورة الشمس المصرية التي تشرق، أو بعبارة أخرى تولد كل يوم في شرقي أفق السماء باسم «حور أختي» وتغيب أو تموت كل ليلة في الغرب باسم «أتوم» غير أن هذا الموت ليس إلا أمرًا ظاهرًا وحسب.»

أكزنوفون الكلوفني Xenophon Of Colophon

يعد «أكزنوفون» مؤسس مدرسة إلي Elee الفلسفية، ولد في المدة التي تقع ما بين سنة ٦٢٠ و٦٠٠ق.م، وكان معاصرًا للفيلسوفين «أناكزيماندر» و«بيتاجوراس»، ويمكن أن نتعرف في أفكاره على بعض الآراء التي توجد في العقائد التي كانت متبعة في وادي النيل، غير الأفكار الظاهرة التي ننقدها، فنجد مثلًا أنه يحارب ويرفض فكرة تعدد الآلهة، وذلك أن «أكزنوفون» كان يعتقد بوجود إله واحد، والتوحيد عنده هو عبارة عن وجود الإله في كل شيء، ويقابل ذلك عند المصريين الإله «رع» الذي هو عبارة عن مظهر للشمس أو «لآمون رع»، والواقع أن الإله المصري له كل الصفات وبخاصة الصفات الخلقية التي تعرَّف المفكرون الإغريق عليها في كينونته السامية، ومن ثم فإن فكرة «أكزنوفون» مأخوذة عن مصر مباشرة.

أمبيدوكليز Empydocles

وُلد الفيلسوف «أمبيدوكليز» في «أجريجنت» حوالي عام ٤٨٤ق.م وكان طبيبًا وكاهنًا وخطيبًا وشاعرًا وفيلسوفًا وساحرًا، وأساس عبقريته تنحصر في أنه كان أول من وضع نظرية تكوين العالم من العناصر الأربعة الأرض والماء والهواء والنار، وهذه العناصر في نظره موحدة وأبدية، وفي رأيه أن العناصر تتجمع سويًّا وتنفصل بعضها عن بعض، وذلك بسبب قوتين خارجيتين عنها، وهاتان القوتان هما الأساسان المتضادان اللتان يسميهما «أمبيدوكليز» الحب والبغض، وهذان العنصران لا يُحسَّان ولا يُرَيَان، وهذه الفكرة تتفق مع فكرة الثنائية عند المصريين وقد كانت في بدايتها مادية غير أنها أصبحت فيما بعد خلقية، وأسطورة «أوزير» تقدم لنا مثالًا ممتازًا، فقد كانت في أول الأمر ظاهرة طبيعية أي الحرب بين «حور» و«ست» ثم تدرجت إلى أن أصبحت الحرب بين الطيب والخبيث، وبين النور الذي يضيء أي الروح والظلام الذي يجعلها مظلمة، ومصر كانت أول أمة استعملت الثنائية الخلقية، وعنها أخذ اليونان على يد «أمبيدوكليز» هذه الفكرة.

أناجزاجوارس

ولد هذا الفيلسوف في «كلازومنيس» حوالي عام ٥٠٠ق.م ومات حوالي عام ٤٢٨ق.م وقد جاء فيما كتبه مؤلفو الإغريق أنه ذهب هو وأفلاطون إلى مصر وتعلم فيها علوم اللاهوت والعلوم الطبيعية، ويعتقد «أناجزاجوارس» في أبدية المادة، ولكنه بدلًا من فكرة تكوين العالم من العناصر الأربعة التي نادى بها «أمبيدوكليز» رأى أن كل شيء يحتوي على ذرات صغيرة لا حصر لها، وهي موحدة في طبيعتها بالأشياء التي تكونها وكل واحدة تشابه الأخرى، وعناصر كل شيء تتدخل في تكوين الجسم.

ويقول هذا الفيلسوف إنه في البداية كانت العناصر ممتزجة وكانت الأشياء في حالة فوضى، ثم خرج فجأة العقل أي الروح، وقد قسم العقل العناصر وأدخل الحركة في العالم ووضع فيه الجمال والتناسق (أي إن العقل قد وضع النظام في كل شيء، وبالاختصار قام العقل بدور خالق نظم العالم).

والواقع أنه عندما نفحص نظرية علم نظام العالم وقوانينه عند قدماء المصريين بصورة عامة نجد فيها ما يشابه نظرية «أناجزاجوارس» فمما لا شك فيه أن «نون» (الماء الأزلي) لا بد كان يحتوي في نفسه على قوة خفية دفعته لخلق الكائن «أتوم-رع» بواسطة خبر رع (إله الوجود) الذي يمكن أن يدل عن هذه القوة نفسها وهي تعمل، وعلى ذلك يكون لدينا في علم ما وراء الطبيعية المصري ما يمكن قرنه بالفعل عند «أناجزاجوارس»، والقلب عند قدماء المصريين هو الفهم أو العقل.

«لوسيبي Loucippe» و«ديموكريتوس»

يعتبر «لوسيبي» المؤسس لمدرسة «أبديري» التي تبحث في الذرة، والواقع أنه في مدرسة أبديري يُلحظ أن تجميع العناصر وانفصالها ليس نتيجة لتأثيرين أساسيين مضادين هما الحب والبغض كما صرح بذلك «أمبيدوكليز» أو عقل متحرك كما تصور «أناجزاجوارس» ولكنها نتيجة لحركة الذرة الأبدية، والمهم هنا أن نجد أية صلة بين هذه الفكرة وبين العقيدة المصرية، ومهما يكن الدور الذي لعبه «لوسيبي» فإن أعظم ممثل لنظرية الذرة هو «ديموكريتوس» الذي خلفه.

عاش هذا الفيلسوف مدة طويلة في الخارج وزار خلالها مصر وكلديا، وقد حدثنا أنه غادر بلاده إلى مصر ليكون على مقربة من الكهنة ليتعلم الهندسة، والواقع أنه أمضى عدة سنين تعلم في خلالها شعائر هؤلاء القوم، وقد كان بحرًا فيَّاضًا في معلوماته؛ فقد حوى في صدره كل المعلومات الإنسانية في عهده، ويعد هو و«بيتاجوارس» و«أفلاطون» و«أرسطوطل» من أعظم العبقريات العالمية، فقد تعلم التاريخ الطبيعي والطبيعة والفلك والرياضيات، وكلها بنجاح متعادل، والواقع أنه مدين بجزء من علمه لمصر والشرق، ولا بد أن نشير هنا أن «ديموكريتوس» كان تلميذ المصريين في علم الكيمياء المصرية، وذلك لأن مصر كانت موطن علم «الكيمياء» وعلى ذلك يمكننا أن نؤكد أن «ديموكريتوس» من حيث العلم كان قد تأثر بالأفكار المصرية والعلم المصري، وليس بغريب أن تكون فكرة الذرة جاءت من تعلمه الكيمياء هناك وهذا ما يتفق مع الآراء الحديثة بعض الشيء، فتحويل المعادن الذي كان يجري وراءه المصريون بوساطة الكيمياء يعد من أهم ما تكشف عنه البحوث الذرية في عصرنا.

والخلاصة من الاستعراض الذي سبق يمكن القول صراحة إن مصر قد أثرت في العلوم اليونانية تأثيرًا أساسيًّا، ويمكن تلخيص هذا التأثير فيما يأتي: يمكن أن يتساءل الإنسان أولًا: هل من الممكن ألا تترك حضارة لامعة كالحضارة المصرية التي ظلت مزدهرة عدة قرون أيَّ تأثير على قوم مثل الإغريق الذين كانوا، بفضل موقعهم البحري، لديهم كل التسهيلات للإقلاع في عرض البحار للبحث في البلاد النائية — وبخاصة مصر — عن غذائهم المادي والذهني، وكذلك مواردهم المادية؟ وسنضطر أن نجيب على هذا السؤال الذي فرض علينا فرضًا، لقد ذكرنا فيما سبق لعدم كفاية البراهين القاطعة اقتراحات هي في نظرنا كافية لتخلق في نفس القارئ تأكيدًا أدبيًّا، وعلى أية حال فإن الفكرة القائلة إن بلاد اليونان قد تطورت بذاتها وحدها ولا تدين بشيء للحضارات التي سبقتها لا بد أن تُمحَى كلية.

ولقد كانت مهمتنا في كشف النقاب عما أخذته بلاد اليونان عن مصر تعتمد بقدر الإمكان على الأمثلة التي برهنت على أن مصر تركت تأثيراتها العلمية والفلسفية في بلاد الإغريق كما وضحنا، وكذلك كيف أن أول نظرات للهيلانيين ألقتها على العالم فيما يخص الله والروح والمادة والفهم كانت تحمل في طياتها الطابع المصري دون أن ننتقص من عظمة ذكاء الإغريق وعبقريتهم، وفي الوقت نفسه فإننا على النقيض من رأي معترف به بوجه عام؛ لأنه خاطئ من أساسه، وذلك أنه يوجد فاصل كبير بين الروح المصرية في البحث وهي روح تجريبي وبَدَهي، وبين الروح الإغريقية التي تنطوي على التعقل والمنطق، وعلى ذلك فإن الأولى أمكنها أن تؤثر على الثانية، حقًّا إن الأعمال التي أتت بها العبقرية الإغريقية والتي خطَّت للفكر العالمي العام اتجاهًا جديدًا أسفر عما نسميه بحق المعجزة الإغريقية، تبرز نجاحًا عظيمًا بالنسبة إلى ما أوضحه لنا المفكر الشرقي، ولكن على الرغم من ذلك فإنه من الممكن باتخاذ مصر مثالًا يحتذى به في أن المدنية الشرقية قد احتوت على العناصر التي استعملها الإغريق في بناء نظامهم عن أصل العالم وتنظيمه ونهايته، وكذلك عن طبيعة الإنسان ومصيره.

وعلى أية حال فإنه على الرغم من أن العلم الشرقي يوصف بأنه وصفي وحسب فإنه قد بُذِلَت مجهودات في ترتيب المخلوقات إلى أنواع وفصائل كما يبرهن على ذلك ما كُشف من بحوث في مكتبة «آشور بنيبال» تثبت ذلك.

ومن جهة أخرى فإن الفلسفة الشرقية على الرغم من أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمعتقدات الدينية والأساطير الخاصة بتناسل الآلهة وعلى الرغم من أنه ليس لها علاقة بالعلم، وعلى ذلك فإنها ليست بالفلسفة بالمعنى الأوروبي، فإنها بصرف النظر عن كل ذلك تتجه نحو تفسير صحيح للأشياء، وبذلك تستحق اسم «ما قبل الفلسفة»، وعلى ذلك فإن النتائج من كل ما سبق هي أن العلوم الشرقية والفلسفة الشرقية وبخاصة العلم والفلسفة المصريين يعتبران الموُجِدَين الأولين للعلوم العالمية، وليس هناك من يعارض في أن المدنية المصرية قد لعبت دورا عظيمًا في أصول الفكر الإغريقي، في عهد كانت مصر وبلاد الإغريق لهما علاقات سياسية وتجارية معا، ومن ثم فإن «الإسكندر» عندما دخل مصر كان يعلم أن علوم الإغريق يرجع نبعها الأصلي إلى مصر، وبهذا كانت مصر تعد مهد العلوم والحكمة والدين في كل العالم، وبخاصة العالم الإغريقي الأول ولا غرابة فإن «أفلاطون» الذي علم «أرسطو» معلم «الإسكندر» كان قد حضر إلى مصر وأخذ من علمائها ما أفاد بلاد الإغريق والحضارة الإغريقية، تلك الحضارة التي عادت ثانية لتبني لنفسها مجدًا جديدًا في عصر البطالمة في أرض النيل التي أخذت عنها في بادئ نشأتها مبادئ علومها ودينها وفلسفتها.

ومن جهة أخرى نجد أن المصريين قد تأثروا بالمدنية الإغريقية وبخاصة ديانتها (راجع: Alan Row, Discovery of the Famous Temple Enclosure of Serapis at Alexandria. P. 45).

(٧) عودة الإسكندر من واحة سيوة

بعد أن عاد الإسكندر الأكبر من واحة «سيوة» وهو يحمل لقب فرعون بكل معاني الكلمة أمضى الشهر الأخير من إقامته في مصر في مدينة «منف»، وقد كانت أول مهمة قام بها هي تنظيم أحوال البلاد وتعيين موظفين مختلفين ليقوموا بإدارة الحكومة، وفي هذه الفترة زاره رئيس أسطوله المسمى «هجلوكس» Hegelochus، وكان معه أسرى «أريستونيكوس» مبتمنا Aristonikus of Mythymna، وغيره من مختلف ملوك مدن الإغريق، فأمر الإسكندر أن يسلموا هؤلاء إلى مدنهم وأن يعاملهم السكان كما شاءوا باستثناء «شيان أبوللونيدس» Chian Apollonides الذي أُرسل إلى الفنتين ليُسجن هناك، والظاهر أن هؤلاء المستبدين قد ارتكبوا فظائع كبيرة في معظم المدن لدرجة أنهم لما سُلموا إلى بلادهم عُذبوا حتى الموت (راجع: Cartius, IV, 10, 3; Arrian III, 261; Curtius VI, 18, 8).
ويُلحَظ أن الإسكندر منذ اللحظة التي تُوِّج فيها ملكًا على مصر أصبح يُدعَى ابن الإله ووارثه ملك القطرين، وبعبارة أخرى كان يُعَدُّ في نظر المصريين إلهًا، ولكن الإغريق في مصر لم يكونوا ينظرون إلى هذا الحدث كما كان ينظر إليه المصريون، بل كانوا ينظرون إليه بأنه إجراء سياسي ولم يأخذوه بصورة رسمية، وذلك في العالم الإغريقي الذي ألَّهه بهذه الصورة، وقد كانت رغبة الإسكندر في تأليهه عند الإغريق ليثبت قدمه في المدن الإغريقية وينشر سلطانه عليها، وقد اعتقد بعض الإغريق في إلهية الإسكندر وعبادته في مدة حياته، وذلك عندما بدأت المدن تتعبد لأخلافه، وذلك لأن هؤلاء رحبوا بالفائدة السياسية التي ستعود عليهم كما عادت عليه، فقد عُبِد كل من «أنتيجونوس الأول» و«ديمتريوس الأول» و«ليزيماكوس» و«سيلوكوس» و«بطليموس الأول» وكلهم من قواده، وكذلك عُبدت «كاسندر» في مدن مختلفة، غير أنه لم يصبح واحد منهم إلهًا رسميًّا مدة حياته، وقد نجا ثلاثة من الإغريق في مصر من الخطر لأنهم عظموا «بطليموس الأول» وزوجته «برنيكي» بوصفه الإله المخلص، (راجع: Archiv V, 156, No. 1) غير أن ذلك لم يكن تأليهًا رسميًّا، وعلى أية حال عُبد «الإسكندر» في الإسكندرية بوصفه مؤسس المدينة، (راجع: Plaumann Archiv VI. 77) كما كان يعبد مؤسسو مدن أخرى في الغالب، وبعد وفاته عُبد «إيمنيس» وجيشه المقدوني، ومن المحتمل أنه كانت هناك عبادة رسمية «للإسكندر» كما توحي بذلك النقود في مملكة «ليزيماكوس».

ولكن العبادة التي كانت تعد حقًّا مفاجأة للعالم كانت العبادة الرسمية للملك وهي التي أسسها «بطليموس الثاني» كما سنتحدث عن ذلك بعد، ويحتمل أن ذلك قد حدث بعد أن تُوِّج ملكًا على مصر، وبعد ذلك أسس «بطليموس» الثاني عام ٢٨٠ق.م في الإسكندرية عيدًا عظيمًا لوالده «بطليموس» الأول وقد حذا حذوه «أنتيوكوس» فإله «سيلوكوس» بوصفه «زيوس نيكاتور»، وبعد ذلك أصبح كل ملك على هذا المبدأ يُؤلَّه رسميًّا بعد موته مثل الإسكندر.

ومن المحتمل أن «بطليموس الثاني» هو الذي اتخذ الخطوة الحاسمة في هذا الصدد، وذلك أن أخته «أرسنوي الثانية» قد أُلِّهَت رسميًّا قبل موتها بوصفها الإلهة «فيلادلفس» ومعها «بطليموس الثاني» (الذي لم يدع قط فيلادلفس) الذي أصبح كذلك إلهًا في مدة حياته؛ إذ كان يُعبد معها أو بمفرده، وبعد ذلك أصبح كل ملك يحكم مصر يُدعَى إلهًا بطبيعة الحال، ويأخذ مكانته في العبادة الرسمية، وقد كان على رأس هذه العبادة «الإسكندر الأكبر» الذي يقوم بالكهانة له أعظم من في مصر (راجع: Bibligraphy: C. A. H. Vol. VI, 598, add-L.R. Taylor J. H. S, (1927) 5; Tarn J. H. S. (1928), P. 206).
هذا ما كان من أمر الإغريق بالنسبة للإسكندر، أما المصريون أهل البلاد فكان «الإسكندر» في نظرهم ابن «آمون»، وإله يُعبد بوصفه فرعون مصر، وقد كانت القاعدة المتبعة أن يحمل كل فرعون خمسة أسماء كبار يختارها لنفسه وتكون خاصة به وتُنقش على الآثار، وقد كانت هذه هي العادة المتبعة منذ الدولة القديمة، وهذه الأسماء هي:
  • (١)

    «الاسم الحوري» أو اسم «القرين»: ويمثل الملك بوصفه المثيل الأرضى للإله القديم الذي كان يمثل في صورة الصقر «حور» الذي أصبح في الأزمان القديمة جدًّا إله مصر الأسرى وبهذه الصفة وحد بإله الشمس «رع» نفسه، وهذا الاسم كان يكتب عادة في إطار مستطيل وفي أسفله رسم باب وهمي كما نشاهد ذلك في مقابر الدولة القديمة المصرية، وعلى قمة هذا المستطيل يشاهد الصقر الذي يمثل حور، والظاهر أن هذا المستطيل والباب الوهمي الذي في أسفله يمثل القصر الملكي.

  • (٢)

    الاسم الثاني هو «نبتي»: ومعناه السيدتان، ويظهر الملك بوصفه موحدًا في شخصه الإلهتين الرئيسيتين للبلاد في العهد الذي سبق الأسرة الأولى مباشرة عندما كانت مصر لا تزال مقسمة مملكتين، وهاتان الإلهتان هما العقاب «نخبت» إلهة الوجه القبلي في مدينة الكاب، والإلهة و«اجبت» (أجو) وتمثل في صورة حية للوجه البحري ومقرها مدينة «دب» وهاتان المدينتان كانتا تجاوران مباشرة العاصمتين «نخن» (هيراكليو بوليس) و«ب» على التوالي، وهذا السبب في شهرة هاتين الإلهتين.

  • (٣)

    الاسم «حور الذهبي»: ومعناه في أول الأمر «حور المصنوع من الذهب» ثم قُصد به في العصر المتأخر حور المنتصر على «ست»، وبعد ذكر نعت حور الذهبي يأتي الاسم الذي كان يصف هذا النعت.

  • (٤)

    لقب الملك: وهو الذي يسبق اللقب «نسوت بيتي» (أي الخاص بنبات البردي أو الحلفا والنحلة، وذلك أن النبات «سوت» كان يمثل الوجه القبلي والنحلة تمثل الوجه البحري، ومعنى اللقب (نسوت بيتي) ملك الوجه القبلي والبحري ويُكتب اللقب الذي يأتي بعد ذلك في طغراء).

  • (٥)

    اسم الملك: ويقدَّم بالنعت «ابن رع» أي ابن «إله الشمس» «رع» والاسم الذي يكون في طغراء بعد عبارة «ابن رع» هو الاسم الذي كان ينادى به الملك مثل الإسكندر أو بطليموس أو «تحتمس» … إلخ.

ومما يؤسف له جد الأسف أنه لم يصلنا من الأسماء الكبيرة الخمسة للإسكندر إلا ثلاثة أسماء نذكر منها اسمه المصنوع من الذهب أو «حور القاهر ست»: وهو الأمير الشجاع الذي استولى على البلاد الأجنبية وحامي مصر، وفي هذا اللقب ما يشعر بما كانت تطمح إليه نفس الإسكندر الأكبر.

١  راجع J. B. Bury, History of Greece, P. 374 ff.
٢  وكانت «راقودة» هذه أكبر القرى الصغيرة التي حولها، عددها ست عشرة قرية.
٣  فيلسوف ومؤرخ إغريقي عاش في القرن الثاني الميلادي ولد في «نيكومديا» من أعمال «بثينيا» كتب تاريخ الإسكندر الأكبر وسماه «أناباس» Anabase وقد أصبح قنصلًا وقد كتب كذلك كتاب Les Entretiens et le manuel d’Epictete.
٤  راجع: Strabo, L, VII, Frogm. 8, 1.
٥  راجع: Cailiaud, Voyage à L’Oasis de Thebes, 1822–1860, Hoskins, A visit to the Great Oasis of the Libyan Desert; Brugsch, Reise nach der Grossen Oase, El Kharga, 1878.
٦  راجع: The Bucheum, by Sir Robert Mond, Vol. I, P. 25.
٧  راجع: Champollion, Monuments de l’Egypte et de la Nubie, Pl. CXLIV-CXL III; & t. I, P. 293-4; Rosellini, Monuments de […] Culto, Pl. LIII & p. 293–301; L. D. IV 60-61.
٨  راجع مصر القديمة الجزء الثالث عشر.
٩  إله البحر الأبيض المتوسط أو إله العنصر السائل.
١٠  أولاد «زيوس».
١١  زوج «زيوس» أو أكبر أولاد «كرونوس» و«ريا».
١٢  آلهة الموقد أو النار التي في الموقد.
١٣  ابنة «أورانوس» Uranus تزوجت من «زيوس» (موحدة بالنظام وحاكمة جماعات الناس).
١٤  أخوات الإله وهن تعتبرن مانحات الجمال والرشاقة وقد مُثِّلن بصور غاية في الإبداع وهن ثلاث من حيث العدد.
١٥  «تيريوس» تعتبرن جنيات البحر الأبيض المتوسط.
١٦  راجع: Diels, Die Vorsokratiker: I, A1-1, A2-1, A3.
١٧  راجع: Diels, Ibid. I, A II.
١٨  راجع: Diels Ibid. 1, A3, I A II.
١٩  راجع: Diels Ibid, 2, A I A9, 7, A9 2-2, A 10. 2. A II-2, A 13–2 A 15, 34, 37,-2, A 17.
٢٠  راجع: J. Albert Faure, L’Egypte et les Présocratiques, P. 13 f.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١