العبيد

ولم تكن تجارة الرقيق بالمعنى الحقيقي موجودة في مصر على ما يظهر عند دخول الإغريق مصر بصورة مُحَسَّة، ولكن باستيطان المقدونيين والإغريق الديار المصرية كانت تعد تجارة الرقيق مورد دخل لملوك البطالمة، والواقع أن الوثائق الديموطيقية التي يرجع تاريخها إلى القرن الأخير قبل الفتح الإسكندري يُفهم منها أنه إذا كان الفلاحون وأصحاب الحِرَف في الوجه القبلي لا يزالون مرتبطين بصورة ما بالأرض أو بِحِرَفهم فإنهم لم يكونوا في الوقت نفسه عبيدًا أرقَّاء.

وعلى الرغم من الإجراءات التي أصدرها الملك «بوكوريس» خلال حكمه١ فإن أمر بيع الفردِ نَفْسَهُ ليكون عبدًا لمن يشتريه، وبعبارة أخرى تأجير نفسه طوال مدة حياته كما ورد ذكر ذلك في العقود المصرية القديمة في العهد الفارسي،٢ لدليلٌ على بقاء نظام اقتصادي في كثير من العقود؛ حيث كان النقد نادرًا والثروة قليلة النشاط، غير أنه ليس لدينا دليل على وجود رءوس مالية زراعية أو صناعية تشبه التي كانت سائدة في «أتيكا» خلال القرن الرابع ق.م، وهي التي كانت تستعمل اليد العامة المستعبدة، ومن ثم يتجلى أمامنا السؤال التالي: هل جلب الإغريق معهم طرازهم الخاص من اليد العاملة في الصناعة إلى مصر؟ وهل النشاط الذي أحدثوه في الحياة الاقتصادية في مصر قد تطور إلى استخدام الرقيق كما كانت الحال في بلادهم؟ والواقع أن هذا السؤال قد اختلف الباحثون في الإجابة عليه، فيقول المؤرخ «فلكن»:٣ إن الرق في مصر كان محدودًا لدرجة أنه كان أمرًا شاذًّا تقريبًا في الاستغلال المحلي، وعلى العكس من ذلك يقول المؤرخ «روستوفتزف» إن الإغريق قد أسسوا مصانع كبيرة في مصر حتى في القرى؛ حيث كان يعمل فيها عبيد.٤
ولكن نجد «فسترمان» من جهة أخرى يقول: إن المتن الذي يرتكز عليه «روستوفتزف» في استنباطه لا يؤدي إلى هذه النتيجة.٥
والواقع أن هذا السؤال هام، وذلك لأن إدخال الرق في الإنتاج الصناعي والزراعي يكون معناه صورة تدل على تأثر مصر بالحضارة الهيلانستيكية، والظاهر أنه للإجابة على هذا السؤال لا بد أن نحذف أولًا من حسابنا بالنسبة للإسكندرية التي كانت مرتبطة اقتصاديًّا بمصر، ولكنها مع ذلك كانت تختلف عنها؛ وذلك لأنه من البدهي أن في هذا البلد الجديد الإغريقي النزعة كانت توجد معامل حيث كان يشتغل فيها العبيد على غرار ما كان يحدث في المدن الإغريقية، أما في القرى فتدل شواهد الأحوال على أنه لم يوجد في معامل الزيت ولا في معامل النسيج ولا في المناجم والمحاجر والمزارع الملكية أي فرد رقيق، ومع ذلك كان في مصر أرقَّاء، وعلى أية حال لا بد أن نميز بين العبيد المصريين والعبيد الإغريق؛ فالنوع الأول كان نتيجة لبعض نوع من الاسترقاق وليس لدينا عنه إلا معلومات ضئيلة جدًّا٦ في عهد البطالمة، أما النوع الثاني فقد جُلب إلى مصر من بلاد الإغريق، وأحسن مصدر لدينا عن الاسترقاق المصري هو ما نجد نماذجه في المعابد المصرية، ولا نزاع في أنه كان الأساس الاقتصادي لنشاطهم، وبلا شك كان حائلًا دون جلب الرقيق من الخارج، كما منع توغل الرق الإغريقي من اقتحام هذه المعابد، وعلى أية حال يجب أن نفهم أن الرق لم يكن له أي مجال يُذكر بأية حال من الأحوال في حياة الشعب المصري، وذلك لأن الفلاح الملكي أو العامل في أي من أنواع الاحتكارات الملكية لم يكن لديه من الثروة بحيث يصبح له عبد مملوك سواء أكان ذلك العبد مصريًّا أو أجنبيًّا جُلب من خارج البلاد؛ إذ الواقع أن كلًّا من الفلاح الملكي والعامل المصري كان من الفقر بدرجة لا تمكنه من أن يشتري مما يكسبه من عمله الرخيص من يخدمه، ومن أجل ذلك نجد أن ازدياد عدد الأرقاء في أي من الصنفين السابقين على نطاق واسع يكاد يكون معدومًا.

وكانت الطائفة الوحيدة الثرية من السكان الذين كان في استطاعتهم أن يملكوا عبيدًا من الوطنيين أو من الأجانب هي الطائفة الجديدة التي حكمت البلاد وأصبحت مسيطرة على أرزاقها، وأعني بذلك الملك وبلاطه وحاشيته وكبار الموظفين والضباط وجنود الجيش الذين كثيرًا ما نشاهد منقوشًا على صَفائح قبورهم أسماؤهم وأسماء عبيدهم، وكذلك بالمثل أعضاء الجالية الإغريقية الذين كانوا في ازدياد مستمر، يضاف إلى ذلك أفراد الطبقة المتوسطة من الهيلانستيكيين، كل أولئك كانوا قد اعتادوا استخدام العبيد في أعمالهم، والواقع أن الكثير منهم لم يكن في استطاعتهم الاستغناء عن العبيد، وقد أخذ العبيد يظهرون في مصر بوجه خاص أثناء الحرب العظمى التي شنها «سوتر الأول» و«بطليموس الثاني» و«بطليموس الثالث» و«أيرجيتيس»، وكذلك بعد هذه الحروب وُجِدَت العبيد، ومن ثم كانت سوق العبيد تزخر بمادة إنسانية كبيرة للبيع، وقدعرف هؤلاء الأغنياء كيف يمكنهم أن يحولوا بعض الأهالي إلى عبيد من الذين كان لهم عليهم سلطان في العمل، وكانوا يستعملون عبيدهم بوجه خاص في الأعمال المنزلية، ولكنهم على وجه التأكيد كانوا يستعملونهم في الأعمال الحقيرة من الصناعة والتجارة وبخاصة في الإسكندرية، وعلى أية حال لا ينبغي علينا أن نبالغ في تقدير عدد العبيد الذين كانوا يعملون في بيوت أسياد مصر وحكامها، وذلك لأن موضوع السيادة لم يكن يلقى قبولًا أو تشجيعًا من قبل الملوك الذين فرضوا لها الغرض قيودًا عدة على نشر نوع الاسترقاق الإغريقي، وذلك بمصادرة بيع الرقيق المصري وبتحديد عدد العبيد المُصدَّر والمستورد منهم، وبضرب ضرائب فادحة على الاتِّجار في العبيد في داخل البلاد، وبالاختصار لم تكن تجارة الرقيق من السلع الهامة في مصر، كانت في الممالك الهيلانستيكية الأخرى.

ومما يطيب ذكره هنا أنه كان للآلهة عبيد خاصون بهم، فلم يكونوا تابعين لأية طبقة من الكهنة بل كانوا يكدحون في فلاحة الأرض المقدسة التي كان يملكها الآلهة، وكذلك كانوا يعملون في مصانعهم ويحرسون قطعان معابدهم ويقومون بالأعمال اليدوية (رجالًا وإناثًا) المتعلقة بإدارة المباني والمعبد والشعائر الدينية المنوعة، ولا نزاع في أن اعتبار هذه الطائفة الكادحة عبيدًا في نظر الإغريق يُعَدُّ أمرًا مضلِّلًا، ونحن في الواقع في حاجة إلى إيضاحات أكثر في هذا الصدد، وهذا ما ننتظره من الوثائق الديموطيقية التي لم تُنشر بعدُ، ويتساءل الإنسان: هل كان مزارعو المعابد فئة من الفلاحين الملكيين؟ وهل كان أصحاب الحرف والصناعات الذين يعملون في المعبد يُحسبون مع العمال المتصلين بالدخل الملكي؟ والجواب على هذين السؤالين لا يمكن الإدلاء به الآن،٧ وكل ما يمكن قوله هو أن هؤلاء كما يقول المؤرخ «ريخ»٨ الذي اقتبس بيانات وافية من المصادر الديموطيقية والإغريقية عن حِرَف هؤلاء العبيد، أنهم كانوا فلاحين ورعاة وسماكين وملاحظي أشغال على الترع، أما عن مركزهم المدني فيقول إنهم كانوا يملكون عقارًا ويبيعون ويشترون ويَقْرِضون ويقترضون.٩

ومما سبق نجد أن المواطنين المصريين باستثناء موظفي الحكومة وقلة من ملاك الأراضي، ومن المحتمل الكهنة وبعض أصحاب الحرف كان لديهم فرصة صغيرة في أن يصبحوا أغنياء عن طريق الاقتصاد والنشاط والقدرة والمهارة الحِرفية، ولكن من جهة أخرى نجد أن طائفة أخرى مميزة، وأعني بذلك الأجانب المهاجرين الذين استوطنوا مصر وأصبحوا رعايا البطالمة المفضلين، قد أصابهم حظ أسعد من حظ أهل البلاد الأصليين.

وقد تحدثنا فيما سبق عن الحالة السياسية والقانونية فيما يخص الأجانب في العهد البطلمي المبكر، وذلك على الرغم مما فيها من أقوال متباينة، وعلى أية حال ليس لدينا أي شك في أنه يمكننا أن نتحدث عن الأجانب الذين تدفقوا على البلاد بالآلاف من مختلف الرتب والطبقات المتباينة والوظائف المختلفة في خلال القرن الثالث ق.م بوصفهم جزءًا منفصلًا عن السكان، وقد انعزل هؤلاء الوافدون عن عامة الشعب انعزالًا بيِّنًا وانقسموا فيما بينهم طوائف مختلفة وبخاصة من الوجهة القومية، هذا وكان انتقال فرد من جماعة الأهالي إلى الأجانب أو بالعكس، أو انتقال فرد من قسم صغير من الأجانب إلى آخر دون أمر الملك يُعَدُّ من الأمور المحرمة، وعلى الرغم من أن الأجانب كانوا يؤلفون طائفة منفصلة فإنهم مع ذلك كانوا يعدون من وجهة نظر الملوك والحكومات من رعايا الملك قانونًا، كما كانت الحال مع المصريين، مع الفارق أنهم كانوا يتمتعون بميزات خاصة مُنحت لهم بإرادة الملك وقرار منه، وأولئك الذين من بينهم لم يكونوا زوَّارًا مؤقتين أو عابري سبيل — وهذه كانت حالة معظم السكان الأجانب في مصر في العهد الأول من الحكم البطلمي — ولكن كانوا مستوطنين دائمًا في البلاد وكانوا معرَّضين مثل الأهالي لدفع الضرائب التي كانت مفروضة عليهم، ولم يكونوا مُعْفَوْنَ من الاحتكارات، وكان عليهم أن يتحملوا نصيبهم من الأعباء المالية الخارقة حد المألوف المفروضة على الأهالي، كما كان يُنتظر منهم أن يؤدوا أي عمل تكلفهم به الحكومة، وعلى أية حال فإنهم مع ذلك كانت لهم بعض خاصيات تبرزهم في نظام حياتهم وفي حقيقة موقفهم بصورة واضحة عن المواطنين المصريين، ويمكن أن نُعد هذه الخاصيات بأنها امتيازات، وكانت أكبر جماعة بينهم وأحسنها نظامًا هي الجيش البطلمي فقد كان يعيش عيشته الخاصة بما له من امتيازات، ويسير على حسب تقاليد ثابتة الأصول وعلى حسب لوائح وضعها الملك لضباطه ورجاله، ويأتي بعد الجيش من بين هذه الجماعات الأجنبية في الأهمية السكان الإغريق القدامى الذين آوتهم البلاد قبل فتح الإسكندر لمصر وهؤلاء هم الإغريق الذين كانت تتألف منهم بلدة نقراش القديمة (كوم جعيف الحالية)، وكذلك سكان مدينة «باراتونيوم» (مرسى مطروح) والإسكندرية ثم مدينة بطليمايس (المنشاة الحالية القريبة من جرجا)، وسكان هذه المدن كان لهم بعض حقوق دستورية من حيث الحكم الذاتي، وكان نظامًا من هذه الوجهة الدستورية لا يختلف كثيرًا عن نظام الحكم في المدن الإغريقية الحرة بوجه عام، وقد تحدثنا عن هذه المدن فيما سبق.

وتدل المصادر التي في أيدينا على أن معظم السكان الإغريق الذين كانوا يقطنون قرى مصر لم يكونوا يتمتعون كما هو ظاهر بحكم ذاتي معترف به من قِبَل الحكومة، ولكن لهم مؤسسات تعليمية خاصة بهم تُدعى الجمنازيا، وهذه المؤسسات كانت تتمتع ببعض الامتيازات مثل حق ملكية أطيان وتسلم دخلها، وهؤلاء الإغريق كانوا يؤلفون جمعيات ذات صبغة دينية أو قومية أو اجتماعية، وأكبر هذه الجمعيات فائدة وأهمها على الرغم من أنها غير معروفة إلى حد بعيد هي الجمعيات الوطنية التي تُدعى «بوليتيماتا» Politeumata ومعظمها متصلة بالجيش، وكان من الممكن أن كل بوليتيماتا تُمنح بعض حقوق وامتيازات، ولدينا مثال حي في بوليتيماتا اليهود بالإسكندرية؛ فقد كان لها بيتها الخاص للعبادة، ومن المحتمل كذلك نظامها القانوني الخاص بها، وسنتحدث عن ذلك فيما بعد، ويأتي بعد «البوليتيماتا» في الأهمية جمعيات «ألومني» Alumni، وهي التي كان على ما يُظَنُّ تتصل بها، وكانت جمعيات «ألومني» الخاصة بالجمنازيا، وهي التي كانت تعيش بمساعدتها، وتدار بهذه المؤسسات التي كانت تعتمد عليها الحياة الإغريقية في مصر.

وهذه الجمعيات كانت مرتبطة تمام الارتباط بالجيش البطلمي أيضًا، هذا وكانت توجد محاكم خاصة منظمة للأجانب، ولا نزاع في أن الملك كان يعترف بصلاحية القانون المدني الإغريقي كما وضع في تشريع القانون الإسكندري، ويحتمل كذلك لمدن إغريقية في مصر ولبعض الجمعيات الوطنية، ومع ذلك فلا بد أن نؤكد هنا أنه كان لزامًا على القضاة الإغريق الرجوع إلى هذا القانون كما كان ذلك من واجب موظفي الملك الذين كانوا يقومون أحيانًا بدور القضاة، وكان ذلك ينحصر فقط في القضايا المعروفة في القوانين أو في الأوامر الملكية المنوعة، ولكن لا بد أن يُلحظ هنا أن المواطنين المصريين كان موقفهم هنا مشابهًا لموقف الإغريق، فقد أبقوا على محاكمهم الأهلية الخاصة (يحكم فيها قضاة مصريون).

وكانت أحكامها على حسب القانون المدني المصري، وذلك عند عدم وجود منشورات أو تعليمات خاصة تنافي ذلك، وأخيرًا كان بعض رعايا الملك من غير المصريين كالمهاجرين أو من تَنَاسَلَ منهم مُعفَون من السُّخرة، يضاف إلى ذلك بعض طوائف من بينهم، وكذلك أفراد كانت لهم ميزات خاصة فيما يخص الضرائب، وكانت كل هذه الامتيازات والتميزات في معاملة الأجانب هي بالضبط ما تعنيه كلمة «امتياز» وهي في الواقع مِنَح أو هبات من الملك لأفراد أو جماعات، وهذه الهبات كان لا يمكن استردادها، والواقع أنها ليست حقوقًا معترفًا بها من قِبَل الملك بوصفها حقوقًا، ولا يغيب عن بالنا أن جزءًا كبيرًا من سكان مصر الأجانب كانوا بطريقة أو بأخرى في خدمة الملك، وقد تحدثنا فيما سبق عن الجيش، وفيه نجد أن العلاقات كانت علاقات غير عادية، ولكن لا بد أن نؤكد هنا مرة أخرى أن الجيش كان ملك الملك، ولم يكن عليه مسئولية أمام البلاد لأنه لم يكن جيش مصر بل جيش بطليموس وحسب، أما من حيث الأجانب المدنيين فإن الجزء الأعظم منهم أو على الأقل الذين نعرف عنهم شيئًا كانوا تابعين لبيت الملك الخاص فكانوا خدمه الخصوصيين، وكان لكل منهم بيته الخاص الذي كان بدوره فيه جماعة من أتباعه، فكان «أبوللونيوس» وزير بطليموس الثاني مثلًا يملك تحت تصرفه رجاله الخاصون، وكان مدير ضيعته في «فيلادلفيا» المسمى «زينون» له بدوره بيته الخاص Oikos، ومن ثم كان له أتباعه، والواقع أنه من الصعب إذا استثنينا المدن الإغريقية وجود أجانب في غير المدن؛ أي في القرى، لم يكونوا تابعين لبيت من البيوتات بل كانوا دائمًا وتحت حماية رؤسائهم الذين يشتغلون لحسابهم، أما أولئك الذين لم يكونوا كذلك فكانوا ينساقون إلى نفس دائرة البيوتات بالدور الذي كان محفوظًا لهم في النظام الاقتصادي البطلمي، وسنتحدث عنهم، والواقع أن مراسلات «زينون» تعد منجمًا من المعلومات عن هذه النقطة، والحديث عن المسألة الهامة الخاصة بالعلاقات بين الذين يضعون أنفسهم تحت حماية عظيم أو حامي «حُماتهم» في العهد البطلمي الأول ليس هنا موضع التحدث عنه بالتفصيل بل سنتناوله فيما بعد في فصل خاص، ولا نزاع في أن هؤلاء المحميين كانوا من إرث التراث القديم،١٠ ومع ذلك يمكن أن نقتبس هنا وثيقة من وثائق «زينون»،١١ حيث نجد أن عظيمًا يُدعى «كريتون» Criton قد حمى شخصًا يُدعى «ديموكراتيس» أمام آخر يُدعَى «موشيون» Moschion، ويحتمل أن الأخير كان موظفًا ذا مكانة عالية، ولدينا حالات عدة تشير معظمها إلى علاقات بين إغريق من طبقة عالية وآخرين من طبقة دنيا، ويطيب لنا أن نذكر وجهًا آخر من أوجه الرعاية، مما نشاهده من الحماية التي كان يمنحها موظفون مختلفون من حيث المكانة لرجال كانوا يشتغلون لهم أو كانوا مرتبطين بهم بصورة أخرى؛ مثال ذلك الخطاب الشهير المنسوب إلى «أبوللونيوس»١٢ وفيه يحمي مزارعيه من مُحصِّلي الضرائب على الملح، أو شكوى «مطعمو القطط»، وهم عبيد مقدسون في مدينة «بوباسطة»،١٣ وقد احتجوا في هذا الخطاب على أعمال السُّخرة التي فُرضت عليهم، بسبب أن أولئك الذين كان عليهم تأديتها كانوا في حماية موظف١٤ وفضلًا عن ذلك نجد أن حقيقة موقف الأجانب اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا كان مختلفًا تمامًا عن موقف المواطنين المصريين؛ فقد كان حال الأجانب أحسن بكثير إلى درجة عظيمة.
فكان كل الموظفين المدنيين أصحاب المراتب العليا من الأجانب ومن بينهم ضباط الجيش وجنوده، أضف إلى ذلك أن مواطني الإسكندرية وسكانها الأجانب كانوا يتمتعون بمكانة سياسية استثنائية كما كانت لديهم فرص عدة لتنمية ثروتهم، وكان لدى الأجانب في الزارعة فرصة أحسن مما لدى الأهالي؛ إذ كان في مقدورهم أن يُصبحوا أصحاب أملاك تنتج لهم دخلًا كبيرًا من الزراعة،١٥ وفي الصناعة كان الأجانب هم المتعهدين، لا رجال الطبقة العاملة، وفي إدارة الضرائب كانوا هم المشرفين والكفلاء والوكلاء، ولم يكونوا قط من صغار العمال، وكانت معظم المصارف الملكية والأهلية يديرها إغريق، وقصارى القول كان الأجانب على الرغم من أنهم بحكم القانون من رعايا الملك مثل المواطنين المصريين، في الواقع شركاءه ومساعديه الذين يقتسمون معه حكمه للشعب المصري، ويذكرنا نظام الحكم البطلمي الأول من هذه الوجهة إلى حد ما بما هو جارٍ في المستعمرات الأوروبية وبخاصة في العصر المبكر للتطور الاستعماري؛ فقد كانت العلاقات بين الأوروبيين والأهالي في تلك الفترة علاقة التسلط لا علاقة الاشتراك في أحوال البلاد، فكان كل ما يرمي إليه المستعمر في واقع الأمر هو استغلال القُطر المُستعمَر لفائدته الشخصية، وهكذا كانت حال البطالمة وعُملائهم في مصر لحد كبير مع المصريين.

على أنه يجب علينا ألا نبالغ في قوة الأجانب مهما كانت حالهم، حقًّا كان كبار الموظفين بطبيعة الحال أصحاب نفوذ عظيم في شئون البلاد، غير أنهم كانوا تابعين للملك كلية أو لرؤسائهم الذين يحمونهم، وكانت مسئوليتهم من الوجهة المادية أو الشخصية عظيمة، فقد كان الرجل الذي يعد نصف إله في ذلك العهد يمكن أن يغضب عليه الملك ويسجنه ثم ينفذ فيه حكم الإعدام في الغد، كذلك كان يصادر الملك كل ما جمعه من ثروة ومال، وحتى ما لدينا من سجلات ضئيلة يحتوي على أمثلة كثيرة من أصحاب المكانة الذين طوح بهم الملك من عليائهم وقضى عليهم قضاء نهائيًّا، ومثل هذا المصير كان من الممكن أن يصيب موظفين من الطبقة الثانية، كما نجد ذلك مذكورًا كثيرًا في مراسلات «زينون» فقد كان هؤلاء الرجال من وكلاء الملك، فإذا برهنوا على أنهم خونة أو غير أكفاء، فإن الملك لم يتردد قط في أن ينتقم منهم بمصادرة أملاكهم.

١  راجع: Diod. 179.
٢  راجع مصر القديمة الجزء ١٢ والجزء ١٣.
٣  راجع: Wilcken, Griechische Ostrka I, 681–707; Grundzuge. PP. 27 & 260.
٤  راجع: Rost. A Large Estate. PP. 116, 135.
٥  راجع: Westermann Upon Slavery. PP. 54–57.
٦  راجع: Slavery in Ancient Egypt (Bakir).
٧  راجع: Rost. Social & Econ. Hist. III. (P. 1383 note 90).
٨  راجع: J. Reich Mizriam II (1936). P. 36.
٩  راجع: Sethe. Dem. Urk. Z. Ag. Burgschaft. P. 36, 830; U. Wilcken, U. P. Z, I. PP. 46, 571, Notes 3 & 5.
١٠  راجع: H. Kees Aegypten, P. 124.
١١  راجع: P. Cairo-Zen. 59322.
١٢  راجع: P. Cairo-Zen. 59130.
١٣  راجع: P. Cairo-Zen. 59451.
١٤  راجع: P. Cairo-Zen. 59307; P. Hib. 35.8 & 95.9.
١٥  راجع: A. Segré and C. Preaux, L’Ec. Lag. PP. 133 ff.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١