الكهنة

كان الكهنة كما هو معروف يؤلفون طائفة منفصلة في المجتمع المصري ونقرأ عنهم كثيرًا في سجلات «زينون»، غير أننا لا نجد مذكورًا فيها إلا الكهنة الذين من الطبقة الدنيا، وذلك باستثناء رئيس الكهنة «بتوزيرس» الذي جاء ذكره في متن واحد،١ والواقع أننا لا نعرف شيئًا عنه إلا رسالة أرسلها له «زينون»، أما عن كهنة الطبقة الدنيا في سجلات زينون فنقرأ مثلًا أن زينون كتب لموظف آخر عن كاهن الآلهة «توريس» صاحبة «فيلادلفيا»، وكان يستحق مرتبًا قدره اثنتي عشرة درخمة في السنة من كاهن «توريس» في مكان آخر لم يُعيَّن،٢ وفي وثيقة أخرى (PSI. 539) نقرأ أن فيمناس Phemennas كاهن الإله «سيرابيس» والإلهة «إزيس» يطلب مساعدة «زينون» ليعفيه من استيلاء ظالم على نبيذه، وكذلك نقرأ في وثيقة أخرى٣ عن موضوع خاص بكاهن الإله هركيل يسمى «تائس» Taes،٤ ثم نجد بعد ذلك جمهرة من الكهنة العاديين خدام المعابد من مربي القطط وصغار الكهنة.٥
ومما هو جدير بالذكر أن المتون الخاصة بالكهنة في سجلات زينون تشير فقط إلى الطبقة الدنيا من الكهنة المصريين، ومن ثم لا يمكننا أن نضع صورة كاملة عن مستوى معيشة الكاهن هنا، والواقع أنه كانت توجد فروق هائلة، ولكن وثائق سجلات زينون لا تحدثنا إلا قليلًا في هذا الصدد، وعلى أية حال نجد فيها نداء لكرم زينون الذي طلب إليه التدخل لصالح معبد الآلهة «عشتارت» ربة «منف»،٦ هذا ونعلم من وثيقة أخرى٧ أن كاهنا يُدعَى «حوروس» قد تسلم من «أبوللونيوس» قطعة أرض مساحتها خمسة أرورات، (P. Hamb. 117) وفي أخرى نقرأ أن «تائس» كاهن «هركيل» تسلم جراية من القمح، ومما يؤسف له أننا لا نجد شيئًا يُذكر عن موضوع الدخل العادي للكهنة في سجلات «زينون»، إلا ما جاء في وثيقة واحدة، (P. Mich. Z. 9) حيث نقرأ أن مواطنًا من بلدة زيفيريون Zephyrion القريبة من «الإسكندرية» ويُدعَى «أسكلبيادس» Asklep Lades قد اشترى وظيفة كاهن (خادم الإله) بمبلغ خمسمائة درخمة في معبد «منيلايس» Menelais، وتُحدثنا بردية٨ عن كاهن كان يبيع خشب الجميز الذي كان يؤتى به إلى المعبد.
والظاهر أن علاقات «زينون» مع الكهنة المصريين وبخاصة كهنة الطبقة الدنيا كانت مريحة له، فنعلم من وثيقة٩ أن البقرات التي كان يملكها«باتيميس» Patymis اسمًا وهي التي كانت ملك «إزيس» و«أوزير» قد استغلها في الواقع «زينون»، ولا غرابة فقد ساعد في مقابل ذلك «باتيميس» فعلًا عندما كان في ضائقة، هذا ونجد في نفس هذه الوثيقة السالفة الذكر أن «باتيميس» قد استعان من جديد «بزينون» طالبًا المساعدة وقد وعده في مقابل ذلك أن يهديه بقرة إن هو لم يتخلَّ عن مساعدته.
وإذا كان «باتيميس» على الرغم من ذلك قد حُبس، فإن «فيمناس» كاهن «سيرابيس» و«إزيس» قد تظلم كما سبق ذكره من مصاعب مالية، وذلك لأن موظفًا غيورًا قد صادر نبيذه، ومع ذلك فإنه لم يسبب له أية مضايقة مع أي إنسان، بل كان في مقدوره أن يقدم القربان في سلام لصحة الملك، هذا وكانت مخالفات موظف آخر موضع شكوى وُجهت إلى «زينون» من كهنة مربي القطط في «بوبسطة»،١٠ فقد شكوا من أنهم يُسخَّرون في الحصاد، وأن الموظف الإغريقي يحمي ضاربي الطوب الإخصائيين وذلك في مقابل منفعة شخصية له، ومن ثم نرى أن حالة صغار الكهنة لم تكن تختلف كثيرًا عن حالة السواد الأعظم من السكان المصريين،١١ وبوجه عام نلحظ أن المصريين الذين نصادفهم في سجلات «زينون» كانوا إما تابعين للإدارة الإغريقية للبلاد أو تابعين لإدارة الضيعة، ولم تكن هذه التبعية تفسَّر فقط رسميًّا بدفع ما يجب دفعه من ضرائب، وسخرة وجمع المأكولات لصالح الملك وموظفيه، وذلك بحجة أن كل المصريين كانوا مزارعين ملكيين ومن دافعي الضرائب ومن الذين تحت سيطرة الدخل الملكي.
ولكن كانت هناك فضلًا عن ذلك تبعية اقتصادية لأولئك الذين كانوا من بينهم من يشتغلون لحسابهم الخاص على ما يظهر، ويكفي أن نذكر هنا على سبيل المثال حالة مربي الخنازير والماعز في «فيلادلفيا»، فالواقع أن الإغريقي هو الذي كان يدفع المرتب والذي يسلف النقود أو الغلال لهؤلاء الإنسان مصريين من أصحاب الملكيات الصغيرة فإنه من المحتمل أنهم كانوا في الوقت نفسه من فلاحي الملك أو كانوا بصورة أخرى تابعين للإدارة الإغريقية، ومن المحتمل أن هذه أميز ظاهرة لهذا المجتمع المصري كما نفهمه من بين سطور سجلات «زينون»، وذلك لأننا لو وجدنا إغريقيًّا في مثل هذا الوضع فإنه يوجد الكثير من بينهم من هم من الوجهة الاقتصادية مستقلون، ويمكن أن نضع موازنة بين أحوال الحياة اليومية التي كان يعيشها الإغريق والتي كان يحياها المصري فنجد بعد الدرس أن العامل الزراعي كان يتقاضى مرتبًا قدره خمس درخمات شهريًّا وإردبًّا واحدًا من القمح، وقد كان هذا هو المعدل العادي، وهذا المرتب يمكن أن يضمن تعيينًا من القمح لستة أشخاص على الأقل وهذا قليل جدًّا، وعلى العكس من ذلك نجد الجندي المرتزق صاحب الإقطاع من الأرض الذي كانت تبلغ مساحة إقطاعه مائة أرورا فقد كان عند تأجير إقطاعه يحصل منه على أربعة أو خمسة أرادب كل عام، وهذا ما يعادل ما بين أربعمائة وخمسمائة درخمة، وهذا ما يكفي لمعيشة ثلاثين شخصًا على الأقل، وبموازنة هاتين الحالتين يمكننا تقدير قوة الإغريق الذين مُنحوا إقطاعات من الأرض كما يمكننا من أن نقيس الفرق الذي يفصل في الأرياف بين المصريين المُعْوزين وبين الإغريق الأغنياء أصحاب الإقطاع،١٢ وهذا الفرق هو الظاهرة الثانية المميزة للمجتمع المصري، وهاتان الظاهرتان اللتان يقسَّم بهما المجتمع المصري الأصيل يمكن أن نفهمهما مما جاء في وثيقة من سجلات زينون محفوظة الآن في مشيجان،١٣ وهي موجهة إلى «زينون» على ما يُظن.
والواقع أنه عند تحليل وثائق سجلات «زينون» نرى من جهة أن السواد الأعظم من الشعب كان فقيرًا ويتألم من شدة الفاقة، والأغلبية منهم كانوا مصريين، ومن جهة أخرى نجد أن الموظفين والجنود المرتزقة ورجال البلاط والأفراد الأحرار أصحاب المشاريع المثابرين كانوا يجمعون الثراء بسرعة، وكلهم على وجه التقريب من الإغريق، وحتى في وسط الطبقة المتوسطة التي نجد فيها خليطًا من القوميات نلحظ أن الإغريق بوجه عام هم الأكثر ثروة والأكثر استقلالًا، وعلى ذلك يمكن أن نوازن بين الإغريقي والمصري لا من حيث القوميات المختلفة وحسب، بل كذلك — وهذا على ما يُحتمل بحق — من حيث الغنى والفقر، بل وأفضل من ذلك من حيث الضعف والقوة، ومع ذلك — وهذا تقييد لا بد أن نضعه نُصب أعيننا — إذا كان الإغريق بوجه عام هم الأكثر ثراء من المصريين، وإذا كانت حالتهم في معظم الأحوال أحسن، فإننا مع ذلك نصادف أحيانًا من منهم في أسفل درك من السلم الاجتماعي؛ وإليك مثال لذلك، ففي وثيقة (P.C.Z. 59477) نقرأ أن «نيكولاوس» رجا «زينون» أن يقرضه أربع عشرة درخمة حتى لا يصبح خاوي الوفاض بادي الإنفاض، وفي وثيقة أخرى،١٤ نقرأ أن «نيكياس» الذي يحتمل أن يكون مواطنًا من نفس بلدة «زينون» قد استحلفه بصحة والده وابنه الصغير «إفارموستوس» Epharmostos أن يمد إليه يد المساعدة، ومتن هذه الوثيقة مهشَّم، غير أن نهايته تعبر تعبيرًا صادقًا عن حالة الرجل؛ إذ يقول سيؤل أمري إلى الدمار لأني أصبحت عاريًا كالهارب، وكذلك نقرأ أن فردًا يُدعَى «بيرون» (PSI. 418) قد تضرع «لزينون» في أن يخلع عليه عباءة قديمة أو إذا كان يرى أن العباءة عالية أكثر من اللازم فليعطه شيئًا آخر أقل قيمة، ولدينا رسالة كتبها «نيكون»١٥ أرسلها إلى «زينون» يطلب فيها مساعدة مالية لأنه أصبح مُعْوِزًا فيقول إذا لم نتسلم شيئًا منك فإننا سنتضور جوعًا، وعلى أية حال قد يكون من الحزم ألا نأخذ ما جاء في هذه الشكاوى حرفيًّا، وذلك لأنه يُشْتَمُّ فيها رائحة المبالغة المفتعلة، ومن ذلك فإن عدد هذه الشكاوى من كل صنف معبِّر بنفسه، ولدينا رسالة من «زويلوس»،١٦ كتبها إلى «زينون» يخبره بمرض فرد يُدعَى «فيليسكوس» Philiskos وبمتاعبه، وقد رجا «زينون» أن يرسل إليه نقودًا، في رسالة أخرى من فرد يُدعَى «مناسيستراتوس» Mnasistratos وكان مريضا وقد كتب يطلب مساعدة «زينون»،١٧ وكتب إليه رسام يُدعَى «تيفيلوس» theaphilos يرجوه في أن يحصل له على عمل وإذا لم يتيسر ذلك فيعطيه شيئًا ليعود إلى الإسكندرية عند أخيه، والظاهر مما سبق أنه يمكننا أن نحكم بأن نغمة التراجي التي كان يكتبها الفقراء الإغريق كانت بوجه عام أقل حطة وتذللًا من التي كان يكتبها المصريون، ومع ذلك نجد في هذه التضرعات كذلك أحيانًا جُمَلًا تدل على منتهى الملق والذلة كما جاء في التظلم الذي أرسله «ديونيسوس» إلى «زينون» إذ نجده يرمي نفسه بين يدي رحمة «زينون» معتبرا إياه بأنه مثيل «أبوللونيوس» وقد أعلن أنه مستعد لقبول حكمه، وذلك بعد أن احتج على القبض عليه بسبب أنه غش في الكيل على ما يُظَنُّ وكانت حرفته كيَّالًا،١٨ ويقول في ذلك حرفيًّا: «إني أرجوك وأتوسل إليك وأستحلفك باسم آلهة وطنك وبصحة «أبوللونيوس» ألا تتغاضى عني وألا تعاملني معاملة سيئة.»
هذا وقد رأينا فيما سبق أن مرتبات المصريين الذين كانوا في خدمة «أبوللونيوس» كانت في معظم الأحيان يؤخر دفعها، وقد كانت هذه هي الحال كذلك مع الموظفين الإغريق، ولدينا شكايات عدة وتظلمات في هذا الصدد، ونقرأ غالبًا رسائل خاصة بمخالفات ارتكبتها الإدارة في حق السكان الإغريق،١٩ وكذلك نجد شكايات ضد رجال الشرطة.٢٠
وكان الجزء الأعظم من الطبقة السفلى من المجتمع المصري مؤلَّفًا من المصريين القُح، أما الإغريق فكانوا نسبيًّا قلة، هذا ونجد كثيرًا من العرب والسوريين واليهود والبدو أيضًا،٢١ والظاهر أننا نجد بوجه عام كانت حالة الرجل الفقير سواء أكان مصريًّا أم إغريقيًّا أم سوريًّا أم عربيًّا أم من أي قومية كانت تقريبًا واحدة، كما لاحظ ذلك «برمانز» بقوله إن الأعمال كانت تحتل الصدارة، وفي معظم الحالات كانت القومية قليلة الأهمية،٢٢ وعلى أية حال فإنه عندما يكون الموضوع خاصًّا بهذه الطبقة من الناس نجد أن الرجال الذين من قوميات مختلفة يمارسون أحيانًا نفس المهنة ويشتغلون سويًّا جنبًا لجنب، ففي وثيقة٢٣ نجد أن كلًّا من «فاريتيس» Phareitis و«ديونيسيوس» يدفع بالاشتراك مع رفيقه إيجار مؤسسة حمام، وفي وثيقة أخرى٢٤ يدور الموضوع حول سائسين لفرد يُدعَى «هجيزيلاوس» Hegesilaos أحدهما يُدعَى «حوروس» والآخر يُدعَى «أبوللونيوس» وهما يعْملان سويًّا، والأول مصري والآخر إغريقي، ولدينا وثيقة٢٥ ذكر فيها خمسة مساعدي محاجر، وكلهم يحملون أسماء إغريقية إلا واحدًا كان يحمل اسمًا مصريًّا وهو «حوروس»، وفي نفس الوثيقة جاء ذكر حوذيين وهما حوريس وأمينتاس، وفي وثيقة أخرى٢٦ نجد أن تيوفيلوس وبنوريس يشتغلان معًا في بستان، وفي بردية بالقاهرة (P.C.Z 59752) نصادف فردًا يُدعَى ديديماركوس يشتغل في كرْم بجانب كل من ميزيس وحوروس، وفي بردية أخرى بالقاهرة كذلك٢٧ نجد صناع فخار يعملون معًا وأسماؤهم هي «بأسيس» و«تفوريتيس» و«هريسوس» و«ليزيماكوس».

والظاهر أنه لأجل أن يرسم الإنسان صورة للمجتمع المصري على حسب ما جاء في سجلات زينون لنصل منها إلى حياته الخاصة وكذلك للوصول إلى مدى تأثره بالإغريق المقدونيين وإدارتهم فكان لا بد أحيانًا من أن يُحسب حساب المتون التي تتحدث عن غير المصريين.

١  Wilchen Grurdzuge, p. 382.
٢  راجع: P.C.Z. 59308.
٣  راجع: P. Hamb. 117.
٤  راجع عن موضوع الآلهة المصريين الذين تسموا بأسماء إغريقية: W. Otto, Priester und Tempel im hellenistischen Aegypten, Vol. II. P. 167 ff; C. Preaux Les Grecs, P. 7 ff U. Wilcken Grundzige, P. 107 ff.
٥  راجع: P.C.Z. 59270.
٦  راجع: P. Col. Zen. 107.
٧  راجع: P. Mich. Z. 31 (1.8).
٨  راجع: P. Rylands. 569.
٩  راجع: P.C.Z. 59270.
١٠  راجع: P.C.Z. 59451.
١١  راجع: W. Otto, Priester und Tempel im hellenischen Aegypten, Vol. I. P. 7 ff;.
١٢  راجع: C. Preaux Les Grecs, P. 64.
١٣  راجع: P. Mich. Zen. 90.
١٤  راجع: P.C.Z. 59474.
١٥  راجع: P.C.Z. 59160.
١٦  راجع: P.C.Z. 59435.
١٧  راجع: P. Col. Z. 10.
١٨  راجع: P.C.Z. 59421.
١٩  راجع: P.C.Z. 59322, 59343; USI. 301, 591.
٢٠  راجع: P. Rylands 570.
٢١  راجع: Peremans V. E. P, 86 ff.
٢٢  راجع: Peremans V. E. P. 158.
٢٣  راجع: P. Col. 2, 57.
٢٤  راجع: PSI. 371 (1.11).
٢٥  راجع: P.C.Z. 59176 II. 114-115.
٢٦  راجع: PSI. 366.
٢٧  راجع: J. Kaerst, Geschichte des Hellenistischen Zeitalters, B. II, 1.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤