موقف المصريين من الإدارة الإغريقية

والآن يتساءل المرء: ما هو موقف المصريين إزاء الإدارة الإغريقية؟ ولحسن الحظ نجد أن سجلات زينون مليئة بالمعلومات عن هذا الموضوع، وهذه على أية حال نتيجة حتمية مما ينطوي عليه المضمون العام لهذه السجلات، فمما تجدر الإشارة إليه أولًا أن «أبوللونيوس» كان يحتل في نظر المصريين مكانة فريدة تشبه مكانة الملك؛ فقد كان المصريون لا يعرفونه إلا بالاسم، ومن ثم لم يُكِنُّوا له أية ضغينة، وإذا كان هناك ظلم يقع عليهم فإنه كان من جانب أتباعه الذين كانوا يظلمون الناس أو يقسون عليهم ولم يكونوا في الوقت نفسه أكْفَاء في عملهم، وعلى ذلك فإنهم إذا دعوا «أبوللونيوس» فإنهم كانوا على يقين بأن كل ما حاق بهم من ظلم أو جور سيقُضى عليه إذا أمكنهم رؤيته شخصيًّا وبَثُّ شكواهم إليه.١
والواقع أن «أبوللونيوس» من ناحيته كان يجيبهم بكل رزانة وبشاشة على رسائلهم وكان يعتذر إليهم حتى من أن يفحص بنفسه شكواهم كما نجد ذلك في وثيقة القاهرة،٢ ففي هذه الوثيقة وهي رسالة من «أبوللونيوس» إلى «زينون»، نجد أن «أبوللونيوس» يقول إنه قد أرسل صورة من هذه الرسالة التي كتبها للفلاحين المصريين في «هفايستياس» Hephaistias يأمرهم فيها بالحضور إلى «فيلادلفيا» عند طلوع النهار وألا يتأخر «بتون» المحصل للثروة، ومع هذه النسخة رسالة جاء فيها أنه يخبر الفلاحين أنه مُثقَل بالأعمال فلا يمكنه أن يسمع القضية بنفسه، ولكنه أرسل «بتون» بدلًا عنه إلخ.

وعلى أية حال فإن العلاقات التي كان يرجو السكان أن تكون بينهم وبين «أبوللونيوس» لم تكن إلا علاقات خيالية ولم تكن توجد إلا على البردي وحسب.

ومن جهة أخرى نجد أن علاقات المصريين تجاه الموظفين الإغريق الذين في مرتبة أقل من مرتبة «أبوللونيوس» كانت شيئًا آخر بالمرة، فلا شك أننا نسمع دائمًا عن وقوع مخالفات ومظالم، والواقع أن المصري كان حذرًا يسيء الظن وتملؤه الشكوك، ولم يكن ذلك دون أسباب فالتجديدات التي أدخلها الإغريق على حياة الفلاح الهادئة لم تكن بطبيعة الحال موجهة لغير صالحه، وذلك على الرغم من أنه قد فهمها في أغلب الأحيان بهذه الصورة، ومع ذلك فإنه مما لا شك فيه أن الموظفين الإغريق لم يكن لهم هَمٌّ إلا دخْل الحكومة وفائدتهم الشخصية، ولم تكن أحوال معيشة المصري تهمه قط ما دام يدفع الأخير ما عليه من ضرائب ويؤدي كل ما عليه من التزامات أخرى، ومن ثم كان المصريون يشعرون أحيانًا بأنهم محتقَرون وفي أغلب المواقف مهمَلون، وليس لهم ثقة بهؤلاء الأجانب الذين أتوا من بلاد نائية ثم أخذوا يغيرون نظام حياة بلادهم العريقة في القِدَم مدخلين طرقًا جديدة في الزراعة، ولم يفكروا إلا في جمع الثروة لأنفسهم ويظهرون بأنهم أكثر منهم علمًا وأعز جاهًا،٣ هذا ونجد في المتون الشهيرة المحفوظة بالمتحف البريطاني٤ شكاوى فلاحين أتوا إلى «فيلادلفيا» من مقاطعة «هليوبوليس»، وهذه الشكاوى المرسلة إلى «زويلوس» Zoelos وإلى «أبوللونيوس» كانت موجهة بصورة خاصة ضد حاكم المقاطعة «داميس»، وذلك لأن أحد وكلاء «أبوللونيوس» لم يسمح لهم بالسكنى في المدينة، وفضلًا عن ذلك سجن «داميس» رجالهم وأجبرهم على أن يتخلوا عن الأرض التي كانوا قد وُعدوا بها، على ما يظهر بمقتضى عقد سابق، وفي وثيقة بلندن٥ نجد أن الفلاحين قد كتبوا للمرة الثالثة إلى «زويلوس» وقالوا إن داميس يهملنا ولا يعتبرنا ويمنعنا أن نشتغل في الخشب على هذه الأرض، وهو الخشب الذي يجب أن ننهي به العمل، والآن فإن هناك خطرًا في أن تبقى الأرض دون بذور، وقد ختموا شكايتهم بطلب مثولهم أمام «أبوللونيوس» وذلك لأنهم كانوا يريدون أن يعرضوا عليه شيئًا مفيدًا، وفي وثيقة أخرى٦ نقرأ فيها نقدًا موجهًا من الفلاحين المصريين لإدارة ضيعة «أبوللونيوس» فاستمع إليه: «إنه توجد عدة أخطاء في عشرة الآلاف أرورا (أي ضيعة أبوللونيوس) وذلك لأنه لا يوجد رجل مجرب في الزراعة.»
ومن ثم نلحظ على ما يُظَنُّ عدم ثقة الفلاح المحافظ في الإصلاحات الجديدة التي أدخلها الإغريق، ولكن إذا نسب الإنسان — وذلك بحق — هذا المتن إلى العهد الذي كان يدير فيه «باناكستر» الضيعة فإنه يتضح لنا أن «أبوللونيوس» كان متفقًا في الرأي مع الفلاحين المصريين، وبوجه عام يشعر الإنسان أن المصريين لم يكونوا يثقون إلا قليلًا في علوم هؤلاء الأجانب وتجاربهم، وهذا ما لم يكن منتظرًا تمامًا إذا فكر الإنسان في أن «أبوللونيوس» قد عمل عن قصد على إحضار إخصائيين إغريق وبخاصة لحدائقه وكرومه، ولكن كل إغريقي كان يعتقد أنه بلا شك واحد من هؤلاء الإخصائيين دون أن تكون عنده المواهب التي تؤهله لذلك، ومن المحتمل أن هذا هو المعنى الذي ورد في متن من متون زينون المحفوظة بالقاهرة٧ حيث نقرأ:
وعندما وصل «ديونيسودوروس» وأراد أن يقطع الأشجار فإن «باسيس» Pasis بن «بايس» منعه من قطع الكرْم (منعه عندما رأى أنه عديم الخبرة)، وقال له إنه أعطى أندرونيكوس لأجل ألا يقطع الكرْم أربع درخمات، وكذلك لأجل ألا يأخذ الورد، وأعطاه أربع درخمات، ووعده بثماني درخمات عندما رأى أنه سيُحدث تلفًا في الكرم وأنه ليس بصاحب خبرة.
ومع ذلك نجد في متن «لندن» أن الفلاحين لم يكتفوا بنقد الإدارة الإغريقية بل اتهموا كذلك حاكم المقاطعة «داميس» بسوء النية، وحتى على ما يظهر بالخيانة، يضاف إلى ذلك أن شكوى سكان بلدة «هفايستيايس» الذين كانوا يتظلمون من فرد يُدعَى «سوباتروس»، وهو أحد مرءوسي «داميس»، لا بد كانت من نوع مماثل؛ ففي متن في القاهرة٨ نجد أن «أبوللونيوس» بعد أن أوضح أنه ليس لديه الوقت لسماع شكواهم بعث إليهم أنه أرسل «بتون» القاضي إلى «فيلادلفيا» وهو الذي كان عليه أن ينظر في شكواهم.
وينطوي عدم ثقة المصريين بالإغريق كذلك على الخوف ممن هو أقوى منهم بأسًا، وهذه الظاهرة كانت على الأرجح أبرز شيء في متن هام لدينا،٩ وهو عبارة عن رسالة طويلة أرسلها «هرمياس» إلى «زينون» حارس قطيع ماعز ضيعة «أبوللونيوس» (وهو عربي) وذلك أن «هرمياس» كان يشكو من «مترودوروس» Metrodoros الذي كان قد فقد أوامر «زينون» وكان عليه أن يحضرها له، ويضيف: وحتى اللحظة التي كان ينتظر وصولها، ولكن كان له المكانة الأولى وذلك لأنه كان هناك الخوف من أنه يحضر شيئًا معه أكثر خطرًا ١١ ٢-٤، ولكن الموقف يتغير في الحال عندما ذهب عنه الخوف، وذلك عندما وصل وعلم أنه لم يحمل شيئًا، وقد هاجمنا الشعب وضربوا الرعاة ومنعوهم من الرعي في الأحراش، وتدل شواهد الأحوال على أن الهجوم اليائس الذي قام به السكان كان ذا أثر فعال وبخاصة إذا حللت الكلمات الأخيرة من رسالة «هرمياس»، والواقع أن المسألة هنا ليست مسألة عصيان مصريين وقيامهم على الإغريق بل الواقع كان المهاجمون دون شك كذلك مصريين أو أعرابًا، لكن كراهية القوم كانت موجهة ضدهم لأنهم كانوا يمثلون في هذه الحالة مصالح عِلية القوم والأجانب الغزاة.
وفي وثيقة أخرى١٠ نفهم من مغزاها أن السكان المصريين عندما شعروا بأنهم نُهبوا على يد إدارة ضيعة «أبوللونيوس» أظهروا شعورهم بالظلم بصورة «مُحَسَّة تمامًا» وهناك رعاة آخرون قد اختاروا طريقًا أكثر مهادنة؛ فقد شكوا حالتهم إلى «زينون» من مرءوسه الذي لم يَرْعَ شروط عقودهم بأن أعطاهم مراعي رديئة غير التي في العقود، وقد جاوب الموظف المتهم «زينون» برسالة١١ جاء فيها أنه راعى مواد العقود وأن احتجاجات الرعاة خاطئة بل على العكس أعطاهم أكثر مما يستحقون، وليس في مقدورنا الآن أن نستخلص الحقيقة ونعرف من الذي على حق، ومع ذلك فإنه إذا كان عدم ثقة الرعاة لم تكن في موضعها في هذه الحالة الخاصة، فإنها كانت دون أي شك صحيحة في حالات أخرى عدة، وبوجه عام يُلحَظ أن المصريين كانوا دائمًا على حذر منتبهين إلى الميول الجديدة للإدارة الإغريقية التي كانت على أية حال عالمة بما تنطوي عليه نوايا الأهلين في مثل هذا الموقف، هذا ونقرأ في وثيقة أخرى١٢ أن «زينون» طلب إلى «سوستراتوس» أن يرسل رجلًا ليختار له رجالًا من أهل حرفته، وكذلك يرسل إليه «ضاربي طوب»، ولكن لفت نظره أن يكون حذرًا، وذلك لأن أصحاب المهن المعنيين يمكن أن يُوَلُّوا الأدبار إذا عرفوا مقاصده، والمحتمل أن «زينون» كان ينتظر مقاومة من جانب هؤلاء الصناع، وذلك لأنه أضاف في نهاية خطابه أن يرسل كذلك أعرابيًّا «شرطيًّا»، والظاهر أن الموضوع المقصود كان سخرة، هذا ويجدر بنا أن نؤكد هنا كذلك مرة أخرى وجود الجو المليء بعدم الثقة والحذر اللذين يميزان موقف السكان المصريين تجاه الإدارة الإغريقية، وهذا يقرؤه المرء بين السطور بوضوح في المتن الذي نحن بصدده.
وعلى أية حال فإن هذا الجو القاتم المليء بالمخاوف يسود معظم الوثائق التي من هذا الصنف في سجلات «زينون»؛ فنجد مثلًا أن «ميوس» Meieus،١٣ قد أرسل خطابًا إلى زينون يطلب إليه أن تُنظر قضيته مع «ستاخيس» Stachys في البلدة التي يسكن فيها، وقد أخبره «زينون» أنها تُنظر في البلد الذي يسكن فيها الأخير، والظاهر أنها كانت الفيوم، وقد عارضه «ميوس» في ذلك وطلب أنه يجب أن تُنظر في بلدة يكون فيها الفريقان غريبين عنها مثل «منفيس» أو أهناسيا المدينة، وذلك لأجل أن يحاكم بمثابة غريب عنها مثلنا وقد أضاف أن «باسيس» عندما سمع أن القضية المرفوعة عليه من ستاخيس ستُنظر في الفيوم احتمى خوفًا في مذبح الملك (المعبد).
هذا ولدينا وثيقة أخرى هامة (PSI. 422) نقرأ فيها أن مُزارعًا يُدعَى «بزنتائس» Psentaes بث شكواه إلى زينون من «كركيون» الذي لم يعطِه أولًا إلا أربعة أزواج من الثيران لحرث الأرض في حين أن «أونوفريس» قد ورد ثمانية أزواج إلى «بزنوباستيس» (ولا يفوتنا أن ننتبه هنا إلى أن «كركيون» و«أونوفريس» هما وكيلان زراعيان لزينون)، وعندما ألح «بزنتائس» أعطاه «كركيون» زوجًا خامسًا، ثم زوجًا سادسًا، ولكنه انتخب له أهزل الحيوانات، ومع ذلك فإن أرض «بزنتائس» كان من الصعب حرثها، ولكن كان يمكن بذرها كلها؛ لأنها كانت مغرقة بالمياه تمامًا، ومن المحتمل أنه ليس من باب الصدفة أن يكون الوكيل المتهم بالإهمال أو حتى سوء النية من قبل المزارع المصري كان يحمل الاسم الإغريقي «كركيون»، وبخاصة إذا لاحظ الإنسان أن الذي كان يقرن نفسه به في شكوى «بزنتائس» كان مصريًّا.١٤
وموضوع حراس خنازير «فيلادلفيا» يستحق التفاتًا خاصًّا هنا، وقد أشرنا إليه فيما سبق عندما ناقشنا نظامهم ومكانتهم الاقتصادية، والشخص الذي نال أشد السخط من بين حراس الخنازير هو على ما يظهر «هيراكليديس» مديرهم، وقد رأينا من قبل أنه لا بد كان من دم مختلط، إغريقي مصري، وذلك لأنه كان له أخ يُدعَى «با أبيس» Paapis، وربما كان ذلك من الأسباب التي دعت لحقد مرءوسيه المصريين عليه، وقد كتب في ٣٠ يونيو ٢٤٨ق.م «بمناس» وهو مربي خنازير معروف تمامًا،١٥ إلى «زينون» أن «هراكليدس» قد تفاهم مع «توتيس» على حساب مربي خنازير آخرين، وأنه يحفظ كل العقود عنده ولم يسمح له بمراجعة الحساب، وفي رسالة أخرى بنفس التاريخ واليوم١٦ نقرأ أن «بمناس» Pemenas يوبِّخ «هراكليدس» بسبب أنه لم يطلعه على الحسابات، ومن المحتمل أنه اتهمه أكثر مما ينبغي، ومن جهة أخرى نجد أن «توتيس» Thoteus لما اتُّهم بالاشتراك في الجريمة مع «هراكليدس» كتب كتابًا «لزينون» مؤرَّخًا ١١ يونيو سنة ٢٤٨، ومتن هذا الخطاب (P.C.Z. 59830) وُجد ممزقًا جدًّا، ولكن نفهم مما بقي أن «توتيس» قد هوجم من رعاة خنازير آخرين، وقد وُجد اسم «هراكليدس» مذكورًا بينهم، وأخيرًا نجد في متن آخر١٧ مذكَّرة مرسلة إلى «زينون» كالعادة، وفي هذا المتن نراه يشكو فيه من أنه قد اضطهده رعاة الخنازير فيقول: «إني مضطهد من حراس الخنازير هناك.» ويُلحَظ أن بداية المذكرة يحيطها بعض الغموض والظاهر أنها مُنْصَبَّة على «توتيس» شريكه المزعوم في الجريمة.

أما عن الاعتراف الذي أعطيته عن خنازير توتيوس، فإنك تحسن لو أرسلت معي شخصًا لأجل أن أعطيه إياه قبل أن يبيعه.

ومن القصص الشيقة قصة «بائيس» وإن كان يحيطها بعض الغموض، وقد سماه «بتوزريس» المزارع المحرض على العصيان،١٨ والمتن عبارة عن مسودة مذكرة كتبها «بتوزيرس» إلى «زينون»، والظاهر أن «بائيس» كان يسكن على أرض من أملاك الملك، وذلك على الرغم من أنه كان لزامًا عليه أن يبني لنفسه بيتًا، وقد أقرضه «زينون» المال لبناء البيت ولكن «بائيس» باع البيت كما باع معه قطعة أرض من أرض الملك أيضًا، وقد جاء ذكر هذه القصة مرة أخرى في نفس البردية السابقة؛ أي في مسودة الرسالة التي بعث بها «بتوزوريس» إلى «كليون» غير أن المتن هنا غامض المعنى.
وأحيانًا نجد كذلك شكاوى من إغريق ضد المصريين، بعضها يقدم لنا صورًا رائعة عن حياة الريف المصري التي يصحبها هذا الجو المليء بالحذر والبغضاء المتبادِلَيْن اللذين لا بد كانا سائدين وقتئذ، فمن ذلك١٩ أن «كريتون» شكا إلى «زينون» ضارب الطوب الذي كان عليه أن يشتغل عنده مدة عشرين يومًا، ولكنه حتى نهاية المدة لم يقم بضرب طوبة واحدة، ومع ذلك فإن هذا ليس كل ما حدث فاستمع لكلماته: وعندما كنت نائمًا في الحقل أثناء الليل طارد خنزيرة حاملًا من فناء البيت كانت تضع حملها ثم نادى على زوجي وأخبرها أنه سيقتلها ثم نادى عليَّ كذلك ظنًّا منه أنني كنت موجودًا في البيت، وعندما عدت من الحقل أخبرتني زوجي بكل ما حدث ولكني لم أبلغ أحدًا بالحادث منتظرًا إلى أن ينتهي الوقت المحدد للعمل الذي يقوم به، وفي الوقت نفسه أبقى كريتون الخنزير خارج الردهة، وبعد ذلك شكا إلى زينون مستحلفًا إياه باسم الإلهين الأخوين والملك أن يفصل في موضوعه وألا يجعله يهان مرة أخرى، وقد أقسم باسم روح الملك و«برنيكي» أنه لم يتسلم منه حتى طوبة واحدة، وعلى أية حال إذا لم تكن هذه القصة واضحة كل الوضوح فإنها تظهر مع ذلك غريبة؛٢٠ حيث نجد إغريقيًّا يهاجمه مصري.
ولا نزاع في أن عدم رضا الأهلين وعدم ثقتهم بالأجانب سيئول فيما بعد إلى الاضطرابات والثورات،٢١ ولكن لا نجد في سجلات «زينون» إلا اضطرابات عابرة سببها عدم الصبر والمشاحنات.
وعلى أية حال فإنه عندما كانت الحال تشتد بالمصري فإنه لم يكن يفكر بعدُ في القيام بمقاومة شديدة بل كان كل ما في استطاعته هو اللجوء إلى الهرب.٢٢ ولدينا أمثلة على ذلك من سجلات زينون، والواقع أن الهرب لم يكن فقط من جانب المصريين بل كان يتعداهم إلى غيرهم، وقد كان في الحقيقة آخر وسيلة لكل رجل سواء أكان مصريًّا أم عربيًّا أم إغريقيًّا؛ لأن القومية هنا لم تلعب دورًا أصيلًا عندما تشتد وطأة الإدارة عليه، وعندما يتخلى عنه أصدقاؤه أو يخونونه، وعندما كان يهدده خطر داهم من أي صنف، ففي بردية٢٣ نقرأ أن راعي خنازير لطبيب يُدعَى «أرتميدوروس» قد هرب لعدم استطاعته الوفاء بما عليه من مسئوليات، والواقع أنه وجد عددًا من الخنازير قد اختفى من قطيعه، ومن ثم نجد أن «أرتميدوروس» يرجو «زينون» أن يأمر بالبحث عن الهارب حتى لا تضيع علينا كل الخنازير، وفي وثيقة أخرى٢٤ نقرأ أن «باتايكيون» أحد وكلاء «زينون» كتب له أنه علم أن بعض رعاة الماعز قد هربوا وأن أحدهم وهو «ليمنايوس» Limnaios قد هرب فعلًا، وأن «ديمتريون» قد عزم على الهرب، وهذان الراعيان من العرب،٢٥ وكذلك نقرأ في وثيقة محفوظة بلندن٢٦ أن راعيَيْنِ آخرين وهما «أسكلبيادس» Asklepiades و«أبوللونيوس» كانا يهددان بالهرب إن هما لم يتسلما مرتبهم، وفي وثيقة بالقاهرة٢٧ نجد الحديث فيها عن هرب فرد يُدعَى «أتفيس» Atpheus، وذلك تخلصًا من دفع ضريبة أو غرامة خاصة بقطعة أرض مزروعة خُضَرًا، وفي رسالة كتبها «نكتوزيريس» Nektosiris صانع حبال السفن إلى «زينون» يطلب إليه فيها أن يكتب لكل من «هرمولاوس» Hermolaos و«بتوزيرس» كاتب الملك في «أطفيح» لإحضار شريكيه لأنهما مدينان له بأجر عمل، وذلك لأنهما على إثر رحيل «زينون» هربَا، وتدل شواهد الأحوال على أنهما كانا قد أُجبرا على هذا العمل، هذا ونجد مرة في متون القاهرة٢٨ أن الحديث كان عن مصري قد هرب تفاديًا من انخراطه في سلك صفوف الجنود الوطنيين، وذلك أن مصريًّا يُدعَى «باريس» كان قدِ اخْتِير لتأدية الخدمة العسكرية، وكان الذي اختاره هو«أكزابيس» Axapis الكاتب الملكي لمقاطعة «البهنسا»، ولكنه هرب من الجندية، وقد طلب إلى «زينون» أن يكتب في هذا الصدد لإعادة الجندي الهارب.
وفي بردية أخرى٢٩ نقرأ أن خادمة Pedishi قد طلبت مساعدة «زينون» وذلك لأنها لم يعد عندها القوة على العمل، ومع ذلك لم تُرِدِ الهربَ كما يفعل الآخرون، هذا ونجد في خطاب غاية في الأهمية، ولكنه بكل أسف ممزق٣٠ أن «أيولاس» وهو نسَّاج يشكو إلى «زينون» من أَمَةٍ تعمل في النسيج تدعى «بيا» كانت تعربد مع كل الناس٣١ وقد عزمت على الهرب عند «زينون» ولكن «زنودوروس» حجزها حتى لا يتعطل العمل.
ومن أسباب الهرب كذلك العلاقات السيئة مع الزملاء أو انعدام التضامن فيما بينهم، فمن ذلك قضية «نختميس» Nechtembis صانع السجاجيد،٣٢ وذلك أن «بايس» ناسج السجاد كان قد أرسل فعلًا شكوى ضد زميله في العمل المسمى «نختميس»، وهو الآن يضع أمامه بعض البراهين الدالة على احتياله وغشه، فيقول إن السجادة التي وُزنت البارحة قد غُمست في الماء لتصبح أثقل وزنًا من وزنها الحقيقي، وقد عرف أنها أقل من الوزن الحقيقي، يضاف إلى ذلك أنه انتقص من طول السجاجيد وعرضها حتى أصبحت لا تصلح لفرش الأرائك بسبب قصرها، وعند وزنها وُضعت بعض مواد إضافية في كفة الميزان، ومن أجل كل ذلك فإنه يستحق على ذلك قطع يديه، وفضلًا عن ذلك فإنه أتلف أخلاق النساجين الآخرين، وإذا سمح زينون بعمل تجربة فإن «بايس» كان مستعدًّا أن يعمل بنفس المادة ست عشرة سجادة بدلًا من الأربع عشرة التي نسجوها، وعندما سمع «نختميس» بهذا الاتهام حاول الهرب، ولكن «بايس» قبض عليه وأرسله إلى السجن، وقد كشف «لزينون» عن هذه الحقائق حتى لا يغش ثانية.
وفي حالة أخرى نجد أن الهرب كان سببه نظر قضية في أحوال غير ملائمة، وذلك أن «بايس»٣٣ قد احتمى في مذبح الملك عندما سمع أن قضية خصامه مع «ستاخيس» ستُنظر في محكمة مدينة الفيوم، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
ومع ذلك فإن أهم حوادث الهرب ليست هي التي يكون فيها الهارب شخصًا أو شخصين بل عندما يكون الهرب جماعيًّا، والأسباب التي تدعو إلى ذلك مماثلة للتي ذكرناها فيما سبق، وهي طلبات الإدارة الزائدة عن حد المعتاد، أو التأخر في دفع المرتبات إلخ، وفي معظم الحالات يكون الهرب محاولة يائسة فيهرب المظلوم إلى أي مكان، وقد يكون غرضه البحث في مكان آخر عن عيشة أفضل، ولا نزاع في أن هرب العمال كان يشل حركة العمل، ومن ثم نجد أن الهرب كان يعتبر تهديدًا مستمرًّا للإدارة الإغريقية؛ مثال ذلك أن «زينون»٣٤ كان يخاف أن يهرب ضاربو الطوب إن هم فهموا أن المقصود هو إجبارهم على العمل، وكانت الطبقة الدنيا تعلم تمامًا أن الهرب يمكن أن يكون سلاحًا في أيديهم لمحاربة الإدارة، وكانوا يستعملونه كسلاح مشهور؛ مثال ذلك ما قام به حراس الجسور من مناورة؛ فقد هددوا «زينون» بالهرب إذا لم يتسلموا مرتباتهم وجراياتهم من القمح،٣٥ ولكن نعرف كذلك حالات كان ينقلب فيها الهرب إلى مقاومة سلبية، ويكون المقصود منها معروفًا وهو الحصول على امتيازات من الإدارة الإغريقية، وأشهر وثيقة يجب اقتباسها هنا هي (PSI. 502)، وقد تناول الكثيرون فحصها.٣٦ وعلى ذلك لن نتحدث عنها هنا طويلًا، بل سنظهر هنا بعض نقاطها الأساسية وهي؛ أولًا: أن الفلاحين كانوا لا يريدون أن يقبلوا شروط الإيجار التي عرضها عليهم «باناكستر» وكيل «أبوللونيوس». ثانيًا: أنهم حبسوا أنفسهم في معبد وهددوا بترك حقولهم. ثالثًا: نجد أن «باناكستر» بعد أن استنفد كل ما في جعبته من طرق لإقناعهم اضطُر في نهاية الأمر أن يقبل شروطهم. وهاك ما جاء في المتن: «عندما عدنا إلى فيلادلفيا بعد ثلاثة أيام قررنا — بما أنه لم يُسمح بعمل التقدير كما هو موجود في المذكرة، وكذلك بما أننا لم نجنِ أي تقدم في مفاوضاتنا — بأن نطلب إليهم أن يعطونا تقديراتهم كما يرى كل واحد أنه في صالحه.» وفي متن آخر مماثل للسابق٣٧ نقرأ أن «كوللوتيس» كتب إلى «زينون» يخبره أن الفلاحين الذين يزرعون أرض الجنود المرتزقة قد هربوا واحتموا في معبد «أزيون منف»، وعلى ذلك كتب لحاكم المقاطعة المسمى «مايماخوس» Maimachos الذي كان عليه أن يضطر الفلاحين إلى مغادرة المعبد، ويلوح أن سبب هذا الهرب هو إعطاء الأرض للجنود المرتزقين وأن الفلاحين لم يكونوا مرتاحين من تغير أحوالهم هذه في عملهم، ولكن مما يؤسف له أن هذا الموضوع لم يصل إلينا حله.
وقد وجدنا فيما سبق أن كل حالات الهرب الجماعية كان العامل فيها هم أفراد الطبقة الدنيا؛ إذ كانوا يؤلفون كتلة مُتراصَّة متضامنة، وهذا التضامن وهو كما يلوح لنا من الوثائق أبرز ظاهرة في الهرب الذي من هذا الطراز، فنجده في أحوال المقاومة التي كان لها هدف مُبَيَّت كما نشاهد ذلك في الوثيقة (PSI. 502) ولكن نجده كذلك حتى في الهرب الأعمى الذي كان يقوم به أصحاب الحرف المضطهدون،٣٨ وليس بمدهش كذلك أن يكون هذا الهرب الذي يقوم به الفلاحون هو الذي يتخذ في أغلب الأحيان صورة المقاومة المدبرة العارفة بقصدها، وفيه نجد أن التضامن قد أصبح من أقوى ما يكون، ومن المستطاع أن يتطرق الإنسان إلى القول بأن هذا التضامن كان أساسه نظامًا قديمًا يرجع في أصوله على ما يُظَنُّ إلى العهود الفرعونية، وأمثلة الهرب كثيرة في مصر القديمة في عهد الإمبراطورية، وهذا التضامن يظهر لنا بدرجة واضحة في صورة أخرى غير الهرب؛ ففي موضوع حاكم المقاطعة «داميس» الذي استعرضناه فيما سبق، وما حدث له مع فلاحي «هليوبوليس» وكذلك قضية «سوباتروس» مع سكان قرية «هفاياستياس» Hephaistias نجد أن رجال الطبقة الدنيا كانوا متضامنين سويًّا على الإدارة الإغريقية.
ويتضح هذا التضامن هنا بصورة أعنف، وذلك لأنه يظهر أن كل قرية كانت تهاجم رعاة الماعز التعساء أتباع أبوللونيوس كما أشرنا إلى ذلك من قبل، هذا وقد اتخذت قرية بأكملها كذلك٣٩ لأجل أن تحمي مُواطنًا من أهلها قد اتُّهم بسرقة بقرات.
ومع ذلك نجد من جهة أخرى في سجلات «زينون» حالات قد حل فيها فرد عقدة هذا التضامن، وذلك بإعلان عدم كفاية زملائه للإدارة الإغريقية، ثم حاول بعد ذلك أن يخدعهم لأجل أن ينال الحظوة ويتقرب من رئيسه الإغريقي، وإنه لمن المهم جدًّا أن نلحظ هنا أمرًا يستحق الإبانة فيه وهو أننا لا نقصد قط أن نتحدث عن فلاحين مزارعين من المصريين قد أقدموا على حل عقدة ما كان بينهم من تضامن بل إن أولئك الذين كانوا يرتكبون مثل هذا الجرم هم أصحاب الحِرَف والصناعات، فمن بين هؤلاء ضاربو الطوب وقاطعو الأحجار، وفي حالة واحدة نَفَرٌ من النحاتين، ولكن المتون الأكثر تمييزًا في هذا الصدد قد كتبها لنا صناع فخار وصانع سجاد، وفي بعض حالات يكون سبب عدم التضامن خاصًّا بموظف أو رئيس لم يكن قد عمل إلا ما يفرضه عليه واجبه نحو رئيسه الإغريقي، وفي حالات أخرى نجد أن المُبَلِّغ الخائن لإخوانه يكون قد اضطرته لذلك الإدارة الإغريقية؛ مثال ذلك الخطاب الذي أرسله «زينون» إلى «سوستراتوس» وفيه يسأل «زينون» صديقه وشريكه «سوستراتوس» أن يرسل إليه أحد بنَّائيه ليختار له ضاربي الطوب والبنَّائين الآخرين معه ولكنه يطلب إليه أن يُحَذر هذا البنَّاء بألا يكشف عن مهمته أمامهم مخافة أن يفروا جميعًا، وتدل شواهد الأحوال على أن هؤلاء المحترفين كانوا يخشون أن يؤدوا هذه الأعمال بصفة سُخرة ويكون مثلهم في ذلك كمثل غيرهم الذين شكوا من أنهم قد اضطُروا إلى ضرب طوب في حين أن ضاربي الطوب الحقيقيين لم يكلَّفوا بذلك،٤٠ ومع ذلك نقرأ في وثيقة أخرى ما يترك في نفوسنا تأثيرًا آخر،٤١ وذلك أن مدير حانوت جعة قد حُبس بأمر من «زينون» لأنه قد اتهم بصورة خطيرة «أمنوس» تاجر الجعة، والظاهر أن التهمة كانت ذات صبغة سياسية أكثر منها مادية، وذلك لأن «أبوللونيوس» قد أضاف في آخر رسالته أن أمنوس سيُشنق إذا كان قد قال حقًّا ما اتهمه به المدير.
ويلوح أن هذا الرجل لم يتهم زميله دون سبب، ومن المحتمل أنه كان يأمل بهذه الخدعة أن ينال حظوة «أبوللونيوس»، وكذلك اتهم النحَّال «فاراتيس» Pharates أمام «زينون» من زميله لسبب خلاف بينهما،٤٢ فقد كتب شكوى إلى «زينون» محتجًّا فيها بأنه بريء، ويتضرع إلى «زينون» أن يرد إليه حريته، وذلك بقوله: «إن بيني وبينه خصومة، وقد سبقني باتهامه لي أمامك.» يضاف إلى ذلك أننا نصادف في وثيقة أخرى٤٣ قاطع أحجار يخون زملاءه فقد قيد لحسابه العمل الذي أنجزه غيره بل قبل أن يُسجن زميل له بسبب دسائسه هو، ولدينا وثيقة أخرى لها نفس الصبغة،٤٤ ولكن نقرأ فيها شكوى الطرف المهاجم، وذلك أن «نكتوزيريس» Nektosiris صانع الحبال شكا إلى «زينون» من شركائه الذين هربوا وهم مدينون له بأجور عمل، ونقرأ كذلك في وثيقة (P.C.Z. 59451) أن طاعمين للقطط المقدسة في خدمة معبد «بوبسطة» في قرية «سوفتيس» ذكر أن الملك وكذلك «أبوللونيوس» قد أمرا أن يُعفَى الأفراد الذين من مهنتهم من الأعمال الإجبارية في كل البلاد ولكن «ليونتسكوس» Leontiskos رئيس الشرطة قد أرسلهما للعمل في الحصاد، وقد فَعَلَا ما أُمِرَا به لأنهما لم يرغبا في مضايقة «زينون» وقد أرسلهما ثانية ليضربا طوبًا في حين أنه ترك ضاربي الطوب المحترفين دون تكليفهم بذلك لحاجة في نفسه، وهذا المتن كذلك لم نعثر فيه على أي أثر للتضامن القومي بين المصريين.
والظاهر أنه في حالات عدة تنتصر المصلحة الشخصية على الشعور بالتضامن، وتغري الأفراد إلى اتهام زملائهم وإلى تهالكهم على إرضاء الإدارة الإغريقية، ومن جهة أخرى نجد أن الإدارة كانت تشجع الواشين بمنحهم أحيانًا مكافآت مالية على خدماتهم،٤٥ والواقع أننا نقرأ في وثيقة بمتحف القاهرة في هذا الصدد (P.C.Z. 59484) مذكرة غاية في الأهمية قدمها بايس Pais صانع السجاد إلى «زينون» وقد اتهم فيها «بايس» زميله «نختميس» بالخيانة والغش وأنه يستحق قطع يديه، وذلك أنه لم يقتصر على عمل سجاجيد قصيرة جدًّا وخفيفة، ولكنه فضلًا عن ذلك يفسد أخلاق رفاقه الآخرين، وعندما علم «نختميس» أنه أراد أن يوشي به إلى زينون حاول الهرب ولكن بايس قبض عليه وسجن، ونهاية هذه المذكرة غريبة في بابها: لقد أخبرتك بهذه الأشياء لأجل ألا يضرك إنسان ولأجل أن أحصل على الحظوة عندك.
وفي وثيقة أخرى بالقاهرة٤٦ نقرأ أن «بائيسيس» صانع الفخار قد وشى إلى «زينون» أمر إهمال زملائه الذين يعملون في تزفيت جدران أواني الفخار، ولأجل أن يظهر إسرافهم اقترح أن يوكل إليه هو هذا العمل كله، وإلى ثلاثة آخرين من صناع الفخار يسمى أحدهم «ليزيماكس»، وبعد ذلك شكا من بعض زملائه بأنهم يحملون له ضغنًا، ويقولون إنه يكتب دائمًا ضدهم إلى «زينون»، وهنا نجد المتن شيقًا، وهاك ما جاء فيه: «يجب عليك أن تعرف أني أغتاب بين صناع الفخار، وذلك لأنهم يقولون إني أكتب إليك دائمًا أشياء سيئة عنهم، وهذا لا يهمني قط، ذلك لأني أجتهد دائمًا أن أعرف بعض أشياء مفيدة.» ولكنه لم يُعِرْهم التفاتةً وصمم على أن يبلغ كل شيء ينبغي أن يعرفه «زينون»، وقد ورَّدَ أخيرًا إلى «أنوسيس» Anosis ألفي غطاء جرة في حين أن صناع الفخار الآخرين لم يوردوا شيئًا، ومن أجل ذلك فإنهم ينظرون إليه بعين الحسد، ومن ثم نرى أنه لم تكن هذه المرة هي الأولى التي أساء فيها «بايس» إلى زملائه وأنه صمم على أن يكيل لهم بنفس الكيل في المستقبل، ولدينا متن آخر كتبه صانع فخار يشكو فيه من زملائه.٤٧ وكذلك نلحظ في الموضوع رعاة الخنازير الذين سبق ذكرهم أنه لا يوجد تضامن بينهم، وذلك عندما نرى أن «توتيس» قد أصبح شريكًا في الجريمة مع هراكليس للإضرار بزملائه المصريين مثله.
ولأجل أن نلخص مسألة التضامن في المجتمع المصري كما تظهر لنا في سجلات زينون، لا بد أن نضع سؤالًا: كيف يجب علينا أن نتناول هذه الوشايات والاتِّهامات؟ والجواب على ذلك نجد بعضه في المقال الذي كتبه المؤرخ «برمانز» عن «بطليموس الثاني» «فيلادلف» والسكان المصريين،٤٨ وذلك لأنه لم يناقشها إلا من وجهة نظر الإدارة الإغريقية، والواقع أنه من الممكن بل من المحتمل أن «نختميس» صانع السجاد قد خان روءساءه وأن زملاء «بايس» كانوا مهملين في أعمالهم، ولكن يجب ألا يغيب عن بالنا الموقف الحرج الذي كان يحتله الصانع المصري الذي كان مضطرًّا أن يغش الإدارة التي كانت تبالغ في طلباتها، وذلك لأجل أن يكسب عيشه، فهل يمكننا أن نفرض أن «نختميس» لم يكن يفكر إلا في أن يسرق؟ أما الجزء الثاني من الاتهام — وهو الذي يتحدث عن إفساده لأخلاق زملائه — فيظهر أن المقصود منه هو فائدته الشخصية، وكذلك يفهم أن «بايس» لم يعامله بوصفه لصًّا منحطًّا وذلك لأنه يسميه محرضًا على الثورة أو العصيان، وعلى ذلك فإن الدور الذي لعبه الواشي لم يكن دور رجل شريف غضب للحق، ووصف زملاءه بعدم الاستقامة، وهذا هو التأثير الذي يمكن أن يستخلصه الناقد من قراءة رسالته، وبذلك نجده قد فك عرى التضامن مع قومه وطبقته وانحاز إلى الأجانب أسياده سواء كان ذلك قد حدث منه بقصد أو جاء عفو الخاطر وأنه لمن المهم أن نلحظ ما قد أشرنا إليه فيما سبق وهو أننا لم نصادف مثل هذه الحالة بين طبقة الفلاحين المصريين، وذلك لأن شعورهم بالتضامن الذي كان على أية حال مؤسَّسًا على نظام قديم كان غاية في القوة، ولا نزاع في أنه في مصانع أصحاب الحرف حيث كان يسود — كما ذكرنا من قبل — جو التسابق والحسد، نجد أن تفكير الإنسان في التضامن كان يقل عن تفكيره في الربح العاجل وفي اكتساب حظوة أصحاب السلطان والجاه من الإغريق.
١  راجع: P. Lond. Inv. 2090 & 2094.
٢  راجع: P.C.Z. 59203.
٣  راجع عن موقف الفلاحين بالنسبة للإدارة الإغريقية: Rostov, L.E. P. 85.
٤  راجع: P. Lond. Inv. 2094, 2090, 160.
٥  راجع: P. Lond. 2094.
٦  راجع: Inv. 2090. P. Lond.
٧  راجع: P.C.Z. 59736, 1.15 etc.
٨  راجع: P.C.Z. 59203 1.7 ff.
٩  راجع: P.SI 380.
١٠  راجع: PSI 380.
١١  راجع: P.C.Z. 59362.
١٢  راجع: P.C.Z. 59230.
١٣  راجع: P.C.Z. 59466.
١٤  راجع: PSI. 603, P.C.Z. 59270; P. Col. Zen. 44.
١٥  راجع: P.C.Z. 59330.
١٦  راجع: P.C.Z. 59331.
١٧  راجع: P.C.Z. 59439.
١٨  راجع: P.C.Z. 59499.
١٩  راجع: P.C.Z. 59462.
٢٠  راجع: PSI. 542.
٢١  راجع: W. Peremans, Revue Belge de la Philologie et d’Histoire XII. P. 1022; Preaux Chron. D’Egypt. XI. P. 522.
٢٢  راجع: Preaux E.R. P. 500 ff.; Rostov. H.W. P. 1548.
٢٣  راجع: P.C.Z. 59310.
٢٤  راجع: S. B. 7984.
٢٥  راجع: P.C.Z. 59340.
٢٦  راجع: P. Lond. Inv. 2095 176.
٢٧  راجع: P.C.Z. 59329.
٢٨  راجع: P.C.Z. 5990 177.
٢٩  راجع: PSI. 667.
٣٠  راجع: P.C.Z. 59080.
٣١  راجع: P. Mich. Z. 16 & 19.
٣٢  راجع: P.C.Z. 59484.
٣٣  راجع: P.C.Z. 59466.
٣٤  راجع: P.C.Z. 59230.
٣٥  راجع: PSI. 421.
٣٦  راجع بصفة خاصة: Restov, L.E. P. 78; C. Preaux, E.R. P. 442, etc.
٣٧  راجع: P.C.Z. 59245.
٣٨  راجع: PSI. 498 P.C.Z. 59230.
٣٩  راجع: P. Mich. Z, 98.
٤٠  راجع: USI. 440.
٤١  راجع: P.C.Z. 59202.
٤٢  راجع: P.C.Z. 59520.
٤٣  راجع: P.C.Z. 59499. 11. 26–43.
٤٤  راجع: P.C.Z. 59472.
٤٥  راجع: P.C.Z. 59489.
٤٦  راجع: P.C.Z. 59481.
٤٧  راجع: PSI. 420.
٤٨  راجع: Revue Belge de Philologie et Histoire XII. P. 1005 ff.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١