الفصل العاشر

المقعد الخاوي

كانت آيريس سعيدة للغاية لغياب الآنسة فروي؛ فقد أربكتها قيلولتها بدلًا من أن تُعينها على استعادة حيويتها، وشعرت أنها لن تُطيق حلقة أخرى من مسلسل تاريخ الأسرة. كانت تريد أن تحظى بالسكينة. وبينما كان من المستحيل أن تنعم بالهدوء وسط هدير القطار وزئيره، كانت ترى أنها تستحق أن تحظى على الأقل بالخصوصية.

نظرت إلى الركاب الآخرين، فرأت أنها في مأمن من خطر أن يُحاول أحدهم التواصل معها، فلم يُعِرها أي منهم انتباهًا. كانت البارونة نائمة في مقعدها، بينما جلس الركاب الآخرون في صمت دون حراك. داخل المقصورة، كانت الأجواء دافئة ومكتومة.

لقد سكَّنت تلك الأجواء آيريس وجعلتها في حالة من النعاس الهادئ. شعرت بتبلُّد في المشاعر والفكر، وكأنما دخلت في شبه غشية فصارت عاجزة عن تحريك أناملها، أو نطق كلمتين متتابعتين. رفرفت رُقَع من مناظر طبيعية خضراء بجوار النافذة، كسِربٍ من الطيور ذات اللون الزمردي. كانت أنفاس البارونة الثقيلة تعلو وتنخفض بانتظام مثل المد والجزر.

خشيت آيريس نوعًا ما عودة الآنسة فروي، التي ستكسر حتمًا تعويذة السُّبات تلك. كانت تترقب في أي لحظة سماع وقع خطواتها السريعة في الممر. على الأرجح ذهبت كي تغسل وجهها، وبسبب الازدحام، اضطرَّت لأن تتنظر حتى يحين دورها.

آملةً خيرًا، أغلقت آيريس عينيها مجددًا. في البداية كانت تتوجس خيفة عندما تسمع أي شخص يمرُّ بجوار نافذة المقصورة، لكن مع كل إنذار خاطئ كان شعورها بالأمان يزداد. لم تعُد الآنسة فروي تُمثل لها تهديدًا، وصارت مجرد اسم، وعاد أبواها الثمانينيان إلى مكانهما الصحيح داخل ألبوم صور فوتوغرافية قديم، حتى سقراط — الكلب الهجين الغبي كثيف الشعر، الذي كانت آيريس قد بدأت تحبه — صار مجرد ذكرى محبَّبة.

كلاكنكتي-كلانكتي-كلانك. تعالى صوت الأنفاس حتى صار كصوت بحر هائج ترتطم أمواجه بالصخور. كان صوت هدير القطار يطغى عليه، لكنه كان يعلو مُتماشيًا مع إيقاع ضجيج المحرك. كلاكنكتي-كلانكتي-كلانك.

فجأة، علا صوت غطيط البارونة حتى صار كنهيم الفيل، فاستيقظت آيريس مُجفِلة. اعتدلت في مقعدها، يسيطر عليها واجس من الخوف وقد تيقَّظت جميع حواسها. أيقظت الصدمة حاسة سابعة جعلتها تتنبأ بكارثة عندما نقلت بصرها بسرعة إلى مقعد الآنسة فروي.

كان لا يزال خاويًا.

اندهشت من غصة الإحباط التي شعرت بها؛ فمنذ وقت ليس بطويل، كانت تأمل أن تتأخر عودة الآنسة فروي، لكنها الآن بدأت تشعر بالوحدة وتتوق للترحيب بها.

أقرَّت في نفسها: «أتوقع أنني سألعن وجودها قريبًا جدًّا، لكن على كل حال هي بشر.»

نظرت إلى الشقراء الحسناء التي كانت قد بدأت تُذكرها بتمثال من الشمع في واجهة محل. لم تكن ثَمة خصلةٌ واحدة من شعرها المموَّج المبسوط ذي اللون الذهبي كالشهد شاردةً، حتى عيناها كان لهما شفافية الشمع الأزرق.

أصابها التباين بينها وبين حيوية العانس ضئيلة الجسد بالقشعريرة، فنظرت إلى ساعتها. كان الوقت متأخرًا فعلمت أنها غفت لوقتٍ أطول مما توقَّعت، وشعرت أيضًا بالقلق تجاه غياب الآنسة فروي الطويل.

قالت في نفسها: «لقد غابت لوقتٍ يكفي للاستحمام. آمل … آمل ألا يكون قد أصابها مكروه.»

كانت تلك الفكرة مزعجة لدرجة اضطرَّتها لأن تبذل كل ذرة من المنطق كي تطردها من ذهنها.

قالت في نفسها: «تلك فكرةٌ سخيفة، فما الذي يمكن أن يحدث لها؟ الليل لم يحلَّ بعدُ لأظن أنها فتحت بابًا على سبيل الخطأ فسقطت من القطار في جنح الظلام، كما أنها مسافرة محنَّكة — لا حمقاء عاجزة مثلي — وتُتقن لغات عدة.»

تراقصت ابتسامة على شفتَيها وهي تتذكر إحدى مواطن الثقة بالنفس لدى العانس ضئيلة الجسد.

«تمنحني اللغات إحساسًا بالقوة. إن حدثت أزمةٌ ما في مقصورة قطار، ولم يكن ثمة مترجمون فوريون، فبمقدوري أن أتقدم لأسدَّ تلك الثغرة، وأغيِّر مسار العالم.»

كانت تلك الذكرى بمثابة أحد التفسيرات المحتملة لمقعد الآنسة فروي الخاوي. هي على الأرجح تُشبع غريزتها الاجتماعية بالحديث مع الغرباء الودودين؛ فهي لا يفصلها عنهم حاجز اللغة، كما أنها كانت مُفعَمة بروح الإجازة، وكانت تريد أن تُخبر الجميع أنها عائدة إلى الوطن.

قالت آيريس مقرِّرةً: «سأمنحها نصف ساعة أخرى. هي حتمًا لن تغيب أكثر من ذلك.»

عندما نظرت من النافذة، ملأت السماء الملبَّدة بالغيوم قُبَيل الغروب نفسها بالكآبة. كان القطار ينزل تدريجيًّا من فوق أراضٍ مرتفعة، وكان الآن يقطع واديًا أخضر مشجرًا. كانت أزهار الزعفران البنفسجية تبرز لأعلى وسط المراعي الكثيفة التي غمَّقت الرطوبة لونها. كان المشهد خريفيًّا بحق، فجعلها تدرك أن الصيف ولَّى.

مر الوقت بسرعة شديدة؛ لأنها كانت تخشى انقضاء المهلة التي حدَّدتها. إن لم تعُد الآنسة فروي فستضطرُّ لاتخاذ قرار ما، وهي لا تدري ما الذي يجب عليها أن تفعله. ذكَّرت نفسها أن الأمر لا يعنيها على الإطلاق بالطبع، لكن قلقها ظل يتزايد مع كل خمس دقائق تنقضي من مهلتها التي تمرُّ سريعًا.

في تلك الأثناء، كان هناك حركة بين الركاب الآخرين. بدأت الفتاة الصغيرة تتذمر على نحو مُثير للأعصاب، بينما كان الأب يحاول أن يتفاهم معها بالمنطق. خمَّنت آيريس أنها تشكو قلة النوم، وأنه نجح في إقناعها بأن تغفو قليلًا، عندما رأت تحضيرات الأم كي تحافظ على مظهرها المهندم أثناء ذلك.

بعد أن نزعت حزامها الأسود اللامع، وياقتها المصنوعة من قماش الأورغاندي، أخرجت شبكة ووضعتها بعناية فوق شعرها المموج. ظهر على الشقراء الحسناء بوادر الحياة لأول مرة وهي تُراقب تلك العملية، لكن اهتمامها ما لبث أن خبا عندما نزعت الأم حذاء ابنتها ذا الإبزيم وألبستها خفًّا منزليًّا رثًّا.

وأخيرًا، أشارت إلى مقعد الآنسة فروي الخاوي.

شعرت آيريس بفورة غضب لا تتناسب مع الموقف عندما رأت الفتاة الصغيرة تجلس في مقعد العانس. تمنَّت لو أنها استطاعت أن تعترض بالإشارات، لكنها كانت تخشى على صورتها أمام الناس فلم تشأ أن تجعل من نفسها أضحوكة.

قالت في نفسها: «عندما تعود الآنسة فروي، ستطردها على الفور من مقعدها.»

لكن عندما أمعنت التفكير، صارت غير واثقة من أنها ستتصرف بذلك الحزم؛ فعندما تذكَّرت روح الود التي كانت تُقابل بها الآنسة فروي الجميع، شعرت أنها لا بد أن تكون قد بنت بالفعل علاقة متفهمة ودودة مع باقي الركاب.

كانت الفتاة الصغيرة ناعسة لدرجة أنها أغمضت عينيها فور أن تكوَّمت في المقعد. نظر والداها أحدهما إلى الآخر وابتسما. جذبا انتباه الشقراء الحسناء، فحيَّتهما برأسها في استحسان متأدب. وحدها آيريس ظلَّت خارج الدائرة.

لما كانت هي الدخيلة الفعلية بينهم، كانت تعلم أنهم منحازون ضدها بإجحاف، لكنها كرهت أن تراهم يحتلون مقعد الآنسة فروي بذلك الهدوء. بدا لها أن الركاب الآخرين يستغلون فرصة غيابها؛ إذ لن تستطيع أن تحمل طفلة نائمة على ترك المقعد.

أو ربما حتى كانوا يتصرفون بناءً على معلومة سرية وردتهم.

إذ كانوا يتصرفون كأنما يعلمون يقينًا أنها لن تعود. هلعت آيريس عندما نظرت إلى ساعتها فوجدت أن نصف الساعة قد انقضى.

كان مرورها يبدو جليًّا خارج النافذة؛ إذ أظلمت السماء الملبَّدة بالغيوم أكثر، وبدأت بوادر رقع السديم تتجمع في أرجاء الحقول الخضراء الزاهية. وبدلًا من أزهار الزعفران، رأت نوعًا من الكمأة أو الفطر الشاحب المنبثق من الأرض.

تسلَّلت إليها كآبة ضوء الغسق، فبدأت تشتاق إلى الرفقة. كانت تريد أن تسمع أصواتًا وضحكات وترى أضواءً مبهجة؛ لكن مع أنها كانت تشعر بشيء من الحنين لزمرتها، فإنها كانت تشتاق أكثر لرؤية وجه الآنسة فروي الصغير الذي تملؤه الخطوط وسماع صوتها العالي المندفع.

والآن وقد رحلت، بدت لها مبهمة كحلم. لم تستطع آيريس أن تستحضر في ذهنها صورة واضحة لها، ولم تفهم لمَ تركت ذلك الفراغ.

تساءلت: «تُرى كيف كانت؟»

صادف أن نظرت في تلك اللحظة إلى رف الحقائب. لدهشتها، رأت أن حقيبة الآنسة فروي لم تعد موجودة.

رغم المنطق، بدأت أعصابها تختلج لذلك التطور الجديد؛ فبينما كانت تُقنع نفسها أنه من الواضح أن الآنسة فروي انتقلت لمقصورة أخرى، لم تكن الملابسات تشير إلى ذلك. فبداية، القطار مكتظ للغاية، وسيكون من الصعب أن تجد مكانًا شاغرًا غير محجوز.

على الجانب الآخر، ذكرت الآنسة فروي شيئًا حول حدوث لبس حول مقعدها. كان يحتمل أن يكون قد اتضح لها في نهاية المطاف أنه متوفر.

قالت آيريس بحسم: «كلا، لقد دفعت البارونة بالفعل فرق الثمن كي تسافر على الدرجة الأولى، وأنا واثقة من أنها لن تتركني دون أي توضيح؛ فقد قالت إنها ستُحضر لي وجبة العشاء، كما أني أدين لها بثمن الشاي. ببساطة يجب أن أجدها.»

نظرت إلى الركاب الآخرين، الذين ربما يحملون مفتاح ذلك اللغز. كانت الآن مشتَّتة الذهن لدرجة أنها لم تعد تعبأ بالمظاهر، وبذلت محاولة في التواصل معهم. كانت تشعر أن كلمة «إنجليزية» هي الكلمة التي ستُنير عتمتهم.

فسألت بالألمانية: “Wo ist die dame English?”

هزُّوا رءوسهم وأكتافهم تعبيرًا عن عدم الفهم؛ لذا حاولت مرةً ثانية بالفرنسية.

سألت قائلة: “Où est la dame English?”

لم ترتسم على وجوههم أي أمارات للفهم، فتحدَّثت إليهم بلغتها الإنجليزية.

سألت قائلة: «أين السيدة الإنجليزية؟»

لكن محاولاتها ذهبت سدًى؛ فلم تكن هي قادرة على الوصول إليهم، ولم يُظهروا هم أي رغبة في التواصل معها. فيما كانوا يُحدقون بها، اقشعرَّ بدنها من نظراتهم اللامبالية؛ إذ شعرت كأن حدود واجبات البشر المتحضرين تجاه بني جنسهم لم تعُد تشملها.

فجأةً تمكَّن منها اليأس، فأشارت إلى مقعد الآنسة فروي ثم رفعت حاجبيها على نحو مبالغ فيه كناية عن الاستفسار. تلك المرة، نجحت في أن تستثير قدرًا من المشاعر؛ فقد تبادل الرجل وزوجته نظرات مبتهجة، بينما برمت الشقراء شفتَيها امتعاضًا؛ ثم، وكأنما استشعرت حدوث أمر مُسلٍّ، فتحت الفتاة الصغيرة عينيها السوداوين، وبدأت تضحك ضحكات مكتومة ما لبثت أن قمعتها نظرة تحذيرية من أبيها.

آلمها استهزاؤهم بها، فنظرت إليهم بحنق بينما دنت من البارونة وهزَّت ذراعها قائلةً باستجداء:

«هلَّا استيقظت رجاءً؟»

سمعت صيحة اندهاش مكتومة من الركاب الآخرين، وكأنما انتهكت حرمة أحد المقدسات، لكنها كانت منفعلة للغاية، فلم يخطر لها أن تعتذر عندما فتحت البارونة جفنَيها وحدَّقت بها باستياء مهيب.

سألت آيريس: «أين الآنسة فروي؟»

ردَّدت البارونة: «الآنسة فروي؟ أنا لا أعرف أحدًا يحمل ذلك الاسم.»

أشارت آيريس إلى المقعد الذي تجلس فيه الفتاة الصغيرة.

وقالت: «لقد كانت تجلس هنا.»

هزَّت البارونة رأسها.

«أنت مخطئة. لم تجلس أي امرأة إنجليزية في ذلك المقعد.»

بدأ رأس آيريس يدور، وقالت بإصرار:

«لكنها كانت تجلس هنا بالفعل. لقد تحدَّثت معها، وذهبت لاحتساء الشاي برفقتها. أنت حتمًا تتذكرين ذلك.»

تحدَّثت البارونة بنبرة تأكيدية بطيئة. «لم يحدث شيء لأتذكره. أنا لا أفهم ما تعنينه على الإطلاق. أؤكد لكِ أنه لم تكن هناك أي سيدة إنجليزية في تلك المقصورة في أي وقت من الأوقات، سواكِ. أنت السيدة الإنجليزية الوحيدة هنا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠