الفصل الحادي عشر

إبرة في كومة قش

همَّت آيريس بالحديث لكنها أطبقت فمها مجددًا. إذ انتابها شعور عاجز بأن ثمة صوتًا يصم الآذان أخذ يصيح بها لإسكاتها؛ فقد أعطت البارونة تصريحًا تناقض بشدة مع شهادة حواسها، لكنه كان مدعومًا بقوة نفوذها الطاغي.

بينما كانت تنظر بثبات إلى عينَي الفتاة في تحدٍّ لإنكارها، أمعنت آيريس بدورها النظر إلى التجاعيد العميقة التي تمتد من أنفها وحتى ذقنها العريض المكابر. كانت شفتاها ملتويتين في عبوس ذكَّرها بقناع ميلبوميني إلهة إلهام المسرح المأساوي.

أدركت أنه لا فائدة من مواصلة الاحتجاج؛ فالبارونة ستبذل ما بوسعها لإحباط أي محاولة للمعارضة. لم يكن أمامها سوى أن تهزَّ كتفَيها اعترافًا بهزيمتها واستعلاءً على مواصلة الجدال.

كانت رباطة الجأش البادية عليها مجرد تمويه؛ إذ شعرت في داخلها بالارتباك البالغ وهي تسترخي في مقعدها. كانت بالكاد ترى لقطات من مشهد الغسق الذي يعرض خارج النافذة، أو الركاب الآخرين. ظهرت فجأةً من وسط الظلال قرية، ما لبث الظلام أن ابتلعها. رأت في لمحة خاطفة مجموعةَ أسقف داكنة ونهرًا صغيرًا بدا كلطخة بيضاء يمرُّ من تحت جسر مسقوف.

في اللحظة التالية، اختفى برج الكنيسة والبيوت الخشبية وراءهم بينما انطلق القطار السريع في طريقه إلى إنجلترا. كان يترنح ويصرُّ في تناغم مع أفكار آيريس.

«لا وجود للآنسة فروي؟ غير معقول. تلك المرأة مجنونة حتمًا. هل تظنني خرقاء؟ لمَ تقول ذلك؟ لمَ؟»

كان عدم وجود دافع هو أكثر ما يؤرقها؛ فالآنسة فروى شخصية ودودة غير مؤذية؛ لذا لا يوجد ما يدعو أحدًا لإسكاتها، وقد كانت على علاقة طيبة بالجميع.

لكن تظل حقيقة اختفائها قائمة، فآيريس قد صارت الآن متأكدة من أنها لن تعود إلى المقصورة. وفي نوبة مفاجئة من الانفعال، هبَّت واقفة.

قالت مجادلةً: «هي حتمًا في مكانٍ ما على متن القطار. سأعثر عليها.»

لم تُقرَّ بذلك لنفسها، لكن ثقتها كانت مشوبة بصعوبة إيجاد سبب لغياب الآنسة فروي. كانت قد اكتنفت آيريس برعايتها؛ لذا فإن انسحابها بغتةً ودون رجعة هكذا لا يتسق إطلاقًا مع شخصيتها الودودة الفضولية.

تساءلت: «هل تظن أنني مصابة بمرض مُعدٍ؟ ففي نهاية المطاف، هي تتوق بشدة للعودة إلى والدَيها العجوزين وكلبها، ولا تودُّ أن تُخاطر بحدوث ما يُعيق ذلك؛ لذا بطبيعة الحال، ستُضحي برفقتي.»

كان سيرها في ممرات القطار تجربةً مريرة للغاية. كان صعبًا بالفعل حينما كانت الآنسة فروي تلعب دور القاطرة وتُخلي الطريق لها. أما الآن وقد ملَّ الركاب الجلوس داخل المقصورات المكتظة وبدءوا يخرجون منها للتمشي أو التدخين، صار الممر يعجُّ بالركاب كما يعجُّ البطيخ باللب.

لم تعرف آيريس كيف تطلب منهم أن يُفسحوا لها الطريق، ولم تحب أن تتزاحم معهم. علاوة على ذلك، لم يفُت على بعض الرجال ملاحظة جمالها. كل مرة ينعطف القطار، كانت تندفع فترتطم برجل غريب متربص، كان يظن عادةً أنها تحاول التودد إليه.

رغم حنقها المتزايد، كان الشعور المسيطر عليها هو عدم الجدوى. لم يكن لديها أي أمل في إيجاد الآنسة فروي وسط تلك الفوضى. في كل مقصورة تمرُّ بها وتسترق النظر عبر نافذتها، كانت ترى الوجوه المبهمة نفسها.

ولأن الحمَّى كانت قد بدأت تتملك منها، بدت لها تلك الوجوه مطموسة ومشوشة وكأنما تراها في كابوس. شعرت بالارتياح عندما رأت القس وزوجته داخل إحدى المقصورات بينما كانت قد شقَّت طريقها في القطار أثناء بحثها غير المُجدي.

كانا يجلسان متقابلين. كانت عينا السيد بارنز مغمضتَين ووجهه متجهمًا. رغم أن الشمس لفحت بشرته، كان من الواضح أنه ليس على ما يُرام، وأنه يبذل قصارى جهده كي يُصارع أعراض الدوار.

وكانت زوجته تُراقبه باهتمام يشوبه الإرهاق. حمل وجهها الشاحب أمارات الأسى، وكأنما تُشاطره كل وخزة ألم في مخيلتها.

لم تبتسم لآيريس عندما دلفت بصعوبة إلى المقصورة وتحدَّثت إليها.

«آسفة على إزعاجك، لكني أبحث عن صديقتي.»

«حقًّا؟»

حمل صوت السيدة بارنز نبرة الابتهاج المتكلَّف المعهودة، لكن عينيها كانتا حزينتين.

قالت آيريس مشجعةً: «هل تتذكرينها؟ لقد أرسلت إليكما النادل بالشاي.»

دبَّت الحياة في القس.

قال: «لقد كان ذلك لطفًا منها. هلَّا بلَّغتِها شكري الخاص؟»

قالت آيريس واعدةً إياه: «سأفعل عندما أجدها. لقد غادرت المقصورة منذ مدة، ولم تعد.»

قالت السيدة بارنز: «أنا لم ألمحها تعبر من أمام النافذة. ربما ذهبت كي تغسل وجهها. على أي حال، لا يحتمل أن تكون قد ضلَّت الطريق.»

لاحظت آيريس أن تركيزها مُنصبٌّ على زوجها، وأنها ليست مهتمة بامرأة غريبة مجهولة.

قال القس بشهامة، وهو يجاهد للوقوف على قدمَيه: «هل تودين أن أبحث عنها بدلًا عنكِ؟»

جاء صوت زوجته حادًّا. «قطعًا لا. لا تكن سخيفًا يا كينيث؛ فأنت لا تعرف حتى كيف تبدو.»

«هذا صحيح. سأعيقك أكثر مما سأساعدك.»

جلس القس في مقعده مرةً أخرى مُمتنًّا، ونظر إلى آيريس بابتسامة مصطنعة وسألها:

«أليس أمرًا مخجلًا أن يكون المرء مسافرًا مثيرًا للشفقة إلى ذلك الحد؟»

قالت زوجته ناصحةً: «إن كنت مكانك، لكففت عن الحديث.»

فهمت آيريس التلميح وخرجت من المقصورة. كانت هي أيضًا ترى أن الوعكة الصحية التي يمرُّ بها القس نكبة كبيرة؛ فهي تراه رجلًا غير ذي مبادئ رفيعة فحسب، بل كانت واثقة أيضًا أنه يمتلك قدرة على التخيل وعلى التعاطف مع الغير، لكنها مع ذلك لا تستطيع أن تطلب منه المساعدة لأن الطبيعة أقعدته.

بدأت تخشى أنها ستفشل في مسعاها، فاشتدَّ إصرارها على إيجاد الآنسة فروي، فستقع على عاتقها مسئولية ثقيلة إن فشلت.

فمن بين ركاب القطار جميعًا، كانت هي الوحيدة التي تشعر بغياب الراكبة المفقودة.

أخافتها فكرة إيقاظ هؤلاء الغرباء الفظِّين من تبلُّدهم. أخذ الركاب الآخرون الذين يتزاحمون للمرور من جوارها يرتطمون بها، حينها شعرت أنها تمقتهم جميعًا. في خضم إنهاكها، لم تدرك أن أولئك الأشخاص ربما سيشعرون بالأمر نفسه إن وجدوا أنفسهم فجأةً داخل قطار أنفاق مزدحم بلندن أو نيويورك، يُزاحمهم بالمناكب غرباء غير عابئين.

عندما بلغت الجزء المحجوز من القطار، كانت الستائر لا تزال مُسدَلة على نافذة الزوجين تودهانتر، لكنها لمحت الأختين فلود-بورتر داخل إحدى المقصورات الخاصة. كانتا تجلسان على جانبَي المقصورة الصغيرة وقد بسطت كلٌّ منهما ساقيها على مقعدها. كانت الأخت الأكبر سنًّا ترتدي نظارةً ذات إطار قرني، وتُطالع أحد كتب مطبعة «توشنيتز»، بينما كانت الآنسة روز تُدخن سيجارة.

بدا عليهما الرضا البالغ بالحياة، ورغم طيبتهما كان وقوف الآخرين في الممرات يُعزز كثيرًا من تقديرهما لترفهما.

قالت آيريس في نفسها بأسًى: «مغرورتان!»

كانتا تجعلانها تدرك مكانتها. ذكَّرت نفسها أنها أيضًا كان يُفترض أن تجلس في إحدى تلك المقصورات المحجوزة، لا أن تزاحم الآخرين كي تقتحم خصوصية أشخاص غرباء.

تساءلت عندما التقت عيناها بعينَي السيدتين: «لمَ أصبر على ذلك؟» كانت نظرة الآنسة روز أكثر فتورًا بدرجة محسوسة، وكأنما تتدرب على تجاهلها تدريجيًّا تمهيدًا للتظاهر بعدم معرفتها في محطة فيكتوريا.

أخيرًا فرغت من تفتيش القطار بالكامل عدا عربة المطعم. والآن بعد أن انتهى وقت الشاي، كان يحتلها أولئك الراغبون في احتساء مشروب أو التدخين في سكون.

ظلَّت آيريس واقفة عند الباب كي تتأكد من أن الآنسة فروي ليست بالداخل تبحث عن توأم روحها الذي تحدَّثت عنه، وبينما هي كذلك لمس شابٌّ متطلع ذراعها. قال شيئًا لم تفهمه، لكنها ترجمته إلى دعوة لاحتساء مشروب منعش، ثم رمقها بنظرة خبيثة.

أثار تصرفه الفظ غضبها فصدَّته، وكانت على وشك المغادرة عندما ميَّزت أذناها وسط صخب أصوات الرجال الحروف المتحركة المميزة للكنة الأكسفوردية.

كانت تحاول أن تتبيَّن مصدرها عندما لمحت الطبيب ذا الذقن المدبَّب. ذكَّرها رأسه الأصلع المدبَّب وهو يظهر من وراء غمامة الدخان بقمر يسطع من وراء السحب. كان وجهه شاحبًا ذا عظام بارزة، وكانت عيناه تظهر متضخمتين من وراء نظارته السميكة.

بينما كان الحاضرون يرمقونها بنظرةٍ غير عابئة، شعرت أنهم يُصنفونها ضمن فئة معيَّنة من النساء.

وفجأة — ودون أي سبب — تذكَّرت الطبيب الذي ذكرته الآنسة فروي في قصتها المرعبة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠