الفصل الثاني عشر

الشهود

كانت آيريس تعي أنها جذبت اهتمام الموجودين، إلا أن قلقها الشديد جعلها لا تُبالي بذلك. رفعت صوتها وسألت سؤالًا عامًّا.

«رجاءً، هل منكم من يتحدث الإنجليزية هنا؟»

دفع منظر الفتاة الجميلة الواقعة في مأزق شابًّا لأن يهبَّ واقفًا. كان مظهره غير مهندم، وله وجه عادي ودود، وعينان عسليتان جريئتان.

سألها سريعًا: «هل يمكنني المساعدة؟»

كان صوته مألوفًا لآيريس؛ فقد سمعته في محطة القطار قبل أن تصيبها ضربة الشمس مباشرةً. كان ذلك هو الشاب الذي عارض نظام المحاكمة بواسطة هيئة محلِّفين. كان مظهره كما تخيَّلت بالضبط، حتى إنه كان له شعر نافر غير مشذَّب، من النوع الذي يستجيب للتصفيف مثل كلب مدرَّب، لكنه ما يلبث أن يتنافر مرةً أخرى فور أن تُغادره الفرشاة.

في ظروفٍ أخرى، كانت لتنجذب له غريزيًّا، لكن في خضم تلك الأزمة، شعرت أنه يفتقر إلى الرزانة.

قالت في نفسها بسرعة: «يبدو من النوع الذي يُغازل الساقيات، ويُعامل شرطيي المرور بوقاحة.»

قال الشاب: «حسنًا؟»

راعها أن اكتشفت أنه يصعب عليها التحكم في صوتها أو لملمة شتات أفكارها عندما حاولت أن تشرح له الوضع.

قالت بصوتٍ مرتعش: «الأمر كله معقد للغاية. أنا واقعة في مأزق، لكنه على الأقل لا يتعلق بي، لكني واثقةٌ أن هناك خطأً مريعًا وقع، كما أني لا أعرف كلمة واحدة من تلك اللغة البائسة.»

قال الشاب مشجعًا: «لا بأس، فأنا أتحدث اللغة. فقط أطلعيني على المشكلة.»

بينما تردَّدت آيريس، إذ لم تكن واثقة في اختيارها لمُنقذها، نهض رجلٌ طويل نحيل من كرسيه على مضض، وكأن الشهامة واجب تستثقله نفسه. في تلك الحالة، لم يكن مظهره الأكاديمي خادعًا؛ ففور أن تحدَّث تعرَّفت آيريس على صوت بروفيسور اللغات الحديثة.

سألها بأسلوب رسمي: «هل تقبلين بخدماتي مترجمًا فوريًّا؟»

تدخَّل الشاب قائلًا: «هو لن يُفيد بشيء، فهو لا يعرف سوى قواعد اللغة. أما أنا فأعرف كيف أسبُّ باللغة المحلية، وربما احتجنا لاستخدام بعض الألفاظ النابية.»

كتمت آيريس ضحكتها؛ إذ أدركت أنها على شفا نوبة هيستيرية.

قالت للبروفيسور: «لقد اختفت سيدة إنجليزية من على متن القطار. هي حقيقية، لكن البارونة تدَّعي …»

خانها صوتها فجأةً عندما لاحظت أن الطبيب ينظر إليها باهتمام بالغ، كما أن نظرة البروفيسور الباردة ذكَّرتها بأنها تجعل من نفسها أضحوكة.

سألها: «هلَّا جمعت رباطة جأشك وتحدَّثت بكلام مترابط؟»

كان لنبرة الفتور في صوته وقع شراب مُقوٍّ؛ فقد منحها القدر الكافي من القوة لأن تختصر شرح الموقف الفعلي أمامهم في كلمات وجيزة. تلك المرة، حرصت على ألا تشير إلى البارونة، بل اقتصرت في حديثها على عدم عودة الآنسة فروي إلى المقصورة، ثم تنفست الصعداء إذ بدا أن البروفيسور مبهور من كلامها؛ فقد داعب ذقنه الطويل مفكرًا بجدية.

سألها: «هل قلت إنها سيدة إنجليزية؟»

أجابته آيريس بحماسة: «أجل، الآنسة فروي. هي تعمل معلمة خاصة.»

«امم، أجل. هل أنت واثقة تمام الثقة أنها ليست في أي مكان على متن القطار؟»

«أجل واثقة. لقد بحثت في كل مكان.»

«امم. هي على الأرجح لم تكن لتترك مقعدها المحجوز إلا لسبب وجيه. متى غادرت المقصورة بالضبط؟»

«لا أعلم. لقد كنت نائمة، وعندما استيقظت لم أجدها.»

«إذن الخطوة الأولى هي استجواب الركاب الآخرين. إن لم تكن السيدة قد عادت حتى الآن، فقد أفكر في استدعاء الحرس وطلب إجراء تفتيش رسمي للقطار.»

غمز الشاب بعينه لآيريس كي يلفت انتباهها لكفاءة البروفيسور.

وقال: «تلك فرصة جيدة لك لتحسين معرفتك باللغة أيها البروفيسور.»

ذكَّرت ملاحظته تلك آيريس بأن معرفة البروفيسور باللغة هي معرفة أكاديمية، لكن الشاب على الأرجح أكثر دراية منه باللغة الدارجة. وهذا مهم؛ فقد بدأت تعتقد أن اللبس القائم حول الآنسة فروي نابع من عدم إتقان البارونة للغة الإنجليزية. كانت لكنتها جيدة، لكنها إن لم تكن تفهم جميع ما قيل، فلن تُقرَّ بجهلها أبدًا.

قرَّرت آيريس ألا تترك أي شيء للحظ، فنظرت إلى الشاب العابث باستعطاف.

وسألته: «هلَّا رافقتنا أنت أيضًا كي تسبَّ نيابة عنا؟»

رد: «مثل عصفور؛ أعني مثل ببغاء. من بعدك يا بروفيسور.»

ارتفعت معنويات آيريس أثناء سيرهم عائدين إلى المقصورة. كانت لا تزال قلقة بشأن الآنسة فروي، لكن مُرافقها أضفى حسًّا بالصحبة.

قال لها: «اسمي هير. هو اسم طويل يصعب أن تتذكريه. من الأفضل أن تُناديني ماكسميليان، أو ماكس إن أحببت. ما اسمك؟»

«آيريس كار.»

«سيدة؟»

«بل آنسة.»

«هذا جيد. أنا أعمل مهندسًا هنا. أبني سدًّا وسط بعض الجبال.»

«يبدو ذلك مُسليًا. أما أنا فنكرة.»

كانت تملؤها الثقة في رفيقيها من أبناء وطنها، فتهلَّلت أساريرها مع اقترابهم من مقصورتها. كان السائحون — الجالسون على حقائب سفرهم — يعيقون الطريق، والأطفال يُطارد أحدهم الآخر دون أي اعتبار لأصابع أقدام البالغين. كان هير يفوق الآنسة فروي مهارة في تمهيد الطريق؛ فبينما كانت هي تنعق لتنبيه الآخرين لمرورهم، كان هو يدفع الآخرين لإزاحتهم عن الطريق مثل كاسحة جليد.

تنحَّى البروفيسور جانبًا كي يسمح لآيريس بدخول المقصورة أولًا. لاحظت على الفور أن الطبيب ذا اللحية المدبَّبة كان جالسًا إلى جوار البارونة يتحدث إليها بنبرة خافتة سريعة. لا بد أنه غادر عربة الطعام على عجل.

جعل ذلك آيريس تشعر بشيء من التوتر.

قالت في نفسها: «إنه يسبقني بخطوة.»

كانت الأسرة تتشاطر كيسًا من النكتارين، ولم ينتبهوا إلى وجودها، بينما كانت الشقراء منهمكة في تجديد طلاء شفاهها ذي اللون القرمزي. كانت البارونة تجلس جامدة كتمثال رخامي أسود ضخم.

ظهرت التماعة في عينَي آيريس وهي تُعلن الأمر.

«لقد أتى رجلان إنجليزيان لإجراء بعض التحريات حول الآنسة فروي.»

رفعت البارونة رأسها ونظرت إليها شزرًا، لكنها لم تُعلِّق. كان يستحيل معرفة ما إذا كان ذلك الإعلان صادمًا بالنسبة لها.

سأل البروفيسور: «هلا سمحت لي بالدخول من فضلك؟»

كي تفسح مجالًا لإجراء التحقيق، خرجت آيريس إلى الممر. من حيث وقفت، كانت ترى مقصورة الفتاة القعيدة والممرضة التي تجلس بالقرب من النافذة. رغم انشغال بالها، لاحظت أن وجهها ليس مُنفرًا، بل متبلد فحسب.

تساءلت متوترةً: «هل أبالغ في كل شيء؟ ربما لست أهلًا للثقة بالفعل.»

مع أنها كانت مشفقة على المريضة البائسة، شعرت بارتياح كبير عندما ظهرت الممرضة الأصلية ذات القسمات القاسية عند الباب. اجتمعت غمامة الغموض مع الألم النابض في صدغيها فجعلاها تتشكك في نفسها.

ابتسمت عندما تحدَّث إليها هير.

قال: «سأتنصت عليهم؛ فالبروفيسور ربما يكون حجة في الجانب النظري، لكنه ربما يرتكب خطأً أثناء الممارسة العملية؛ لذا سأتحقق مما يقول.»

نظرت آيريس إلى ما وراء كتفه محاولةً أن تُتابع ما يحدث. بدا لها أن البروفيسور يُجري تحقيقه بدقة وصبر واعتزاز بالنفس؛ فمع أنه انحنى احترامًا للبارونة، قبل أن يبدأ في شرح الموقف، فقد كان يعطي انطباعًا بعظم شأنه.

أمالت البارونة رأسها وبدا أنها طرحت سؤالًا على باقي الركاب. لاحظت آيريس أنها أمعنت النظر في وجوههم جميعًا بنظرتها المتعجرفة، وأن صوتها حمل نبرة سلطوية.

حذا البروفيسور حذوها واستجوبهم واحدًا تلو الآخر، فلم يتلقَّ منهم سوى هزة الرأس الحتمية التي يبدو أنها اللغة الرسمية لذلك البلد. تذكَّرت آيريس التجربة التي مرَّت بها، فهمست لهير.

قالت: «ألا يستطيعون فهم ما نقول؟»

أجابها بإيماءة من رأسه استشفَّت منها أنه يُنصت بإمعان لما يُقال ولا يريد أن يزعجه أحد. اضطرَّت للاعتماد على نفسها، فبنت ملاحظتها الخاصة وأبهجها أن لاحظت أن البروفيسور — مع أنه يُحاضر لفصول دراسية من الجنسين — فقد كان يخشى النساء، وفيهم الطفلة الصغيرة.

فما لبث أن قصر أسئلته على رجل الأعمال الذي كان يُجيب ببطءٍ وتأنٍّ. كان من الواضح أنه يحاول بذلك مساعدة الرجل الأجنبي الذي ربما يواجه صعوبة في فهم كلامه. في النهاية، أبرز بطاقته وأعطاها البروفيسور، الذي بدوره قرأها ثم أعادها إليه مصحوبة بانحناءة رأس شاكرة.

رغم جو التهذيب السائد، فقدت آيريس صبرها فجذبت ذراع هير وسألته:

«هل عرف شيئًا عن الآنسة فروي؟»

أصابتها الدهشة والانزعاج عندما رأت الجدية التي ارتسمت على وجهه.

قال لها: «الأمر معقد للغاية. الحديث كله مبهم.»

بدأت ثقتها تتزعزع؛ إذ بدأت تستشعر أجواءً من العداوة. لم تنزع البارونة عينيها عن وجهها طوال حديثها المقتضب، الذي استمع إليه البروفيسور باحترام بالغ. في نهاية حديثها أشارت للطبيب، وكأنما تطلب منه أن يدعم شهادتها.

حتى تلك اللحظة، كان يتابع المشهد في صمت. جعله وجهه الفاتر وعيناه الجامدتان أشبه برجل خرج من قبره للتو، كي يحضر عرضًا مكررًا لمسرحية الحياة، يتكرر حتى هلاكها الأبدي.

لكن فور أن بدأ حديثه بأمر من سيدته، بدأ يظهر عليه الانفعال بل وحتى الحماسة؛ إذ كان يستخدم يديه لتوكيد كلامه.

عندما فرغ من حديثه، التفت البروفيسور نحو آيريس، وقال لها:

«يبدو أنك وقعت في خطأ جم؛ فلا أحد من ركاب تلك المقصورة يعرف أي شيء عن السيدة التي تزعمين أنها مفقودة.»

نظرت إليه آيريس باستنكار وسألته بحنق:

«هل تعني أنها من وحي خيالي؟»

«أنا لا أعرف ما الذي يتعين عليَّ اعتقاده.»

«إذن، سأخبرك. هؤلاء الأشخاص جميعًا يكذبون.»

حتى قبل أن تُنهي عبارتها، أدركت آيريس حماقة تلك التهمة؛ فهي تهمة عامة جدًّا، ولن يُصدق أي عاقل أن الركاب سيتَّحدون معًا ليُدلوا بشهادة كاذبة، بخاصةٍ الأسرة التي كانت تبدو أهلًا للثقة والاحترام؛ فقد كان الأب على الأرجح يمتهن مهنة مُحاميها الخاص.

كان البروفيسور يوافقها الرأي؛ إذ احتدَّت نبرته.

«هؤلاء الأشخاص الذين تتهمينهم بالكذب هم مُواطنون شرفاء، تعرفهم البارونة معرفةً شخصية، وتشهد بنزاهتهم. فذلك السيد المحترم ليس مدير مصرف معروف فحسب، بل هو كذلك مدير المصرف الذي تتعامل معه البارونة.» نظر سريعًا بحذر إلى الشقراء وتابع قائلًا: «وتلك الفتاة الشابة هي ابنة وكيل أعمالها.»

قالت آيريس محتجةً: «لا يعنيني ذلك. كل ما أعرفه هو أني مدينة للآنسة فروي بثمن الشاي الذي احتسيته؛ فقد دفعت هي ثمنه.»

قاطعهما هير: «يمكننا أن نتحقق من ذلك الأمر.» إن دفعت هي فسيكون ذلك في صالحك. فقط عُدِّي ما معك من النقود المعدنية.»

هزَّت آيريس رأسها نفيًا.

قالت معترفةً: «أنا لا أعلم كم كان معي من النقود؛ فأنا لست بارعة فيما يتعلق بحساب النقود. ودائمًا ما تُرَد شيكاتي لعدم كفاية الرصيد.»

مع أن العبوس ارتسم على شفتَي البروفيسور جرَّاء ذلك الاعتراف، لكنه تدخَّل إثباتًا لسعة صدره.

قال: «إن احتسيتما الشاي معًا، فسيتذكر النادل رفيقتك. سأستجوبه تاليًا إن أعطيتني أوصاف تلك السيدة.»

كانت آيريس تخشى تلك اللحظة لأنها لا تحتفظ بصورة واضحة للآنسة فروي. كانت تعلم أنها بالكاد نظرت إليها طوال الوقت الذي قضته برفقتها؛ فأثناء احتسائها للشاي كانت الشمس تُعميها تقريبًا، وعند عودتهما للمقصورة ظلَّت مغمضةً عينيها بسبب الصداع، وفي طريق ذهابهم إلى مقصورة المطعم وعودتهما منها، كانت تسير إما أمام رفيقتها أو خلفها.

قالت مترددةً: «لا أستطيع إخبارك بالكثير؛ فليس بها شيء مميَّز ليجذب انتباهي. هي امرأة في خريف عمرها، ومظهرها عادي، ووجهها شاحب.»

سألها هير مشجعًا: «أهي طويلة أم قصيرة؟ بدينة أم نحيلة؟ بشرتها سمراء أم فاتحة؟»

«بين هذا وذاك، لكنها ذكرت أن لها شعرًا مجعدًا فاتحًا.»

كرَّر البروفيسور: «ذكرت؟ ألم تُلاحظي ذلك بنفسك؟»

«لا، لكني أظن أنه بدا فاتحًا، لكني أتذكر أن عينيها زرقاوان.»

قال البروفيسور معلقًا: «هذا لا يفيد كثيرًا.»

سأل هير فجأةً: «ماذا كانت ترتدي؟»

«حلة من التويد، لونها بيج ومرقَّطة بالبُني، ومعطفًا طويلًا واسعًا تغطي أكمامه أصابعها، وله جيوب خارجية، وطرفا كميه مخيطان، وكذلك وشاحًا، كان طرفا الوشاح مربوطين بأزرار زرقاء مصنوعة من العظم، وقميصًا من الحرير الطبيعي مخيطًا بخيط أزرق — لكن بدرجة مختلفة — وتضع منديلًا صغيرًا أزرق اللون في جيب سترتها الأمامي. يؤسفني أنه فاتني ملاحظة الكثير من التفاصيل. كانت قبعتها مصنوعة من الخامة نفسها، ولها حافة مخيطة، وقمة على طراز «ريكامييه»، وتبرز من ريشة زرقاء زاهية تبدو مضحكة.»

قال هير آمرًا: «توقفي. ها وقد تذكَّرت القبعة، هلَّا قمت بمحاولة أخرى لتذكر الوجه الذي تحتها؟»

كان سعيدًا للغاية بنتيجة تجربته، فكانت خيبة أمله مثيرة للضحك عندما هزَّت آيريس رأسها نفيًا على الطريقة المعهودة المستفزة.

«كلا، أنا لا أذكر وجهها. كما تعلم لقد كنت أعاني صداعًا مريعًا.»

قال البروفيسور بأسلوبٍ جافٍّ: «بالضبط. يؤسفني أن ذلك هو السبب. لقد أخبرني الطبيب أنك تعرَّضت لضربة شمس خفيفة.»

وكأنما ينتظر إشارة للحديث، تحدَّث الطبيب — الذي كان يستمع بانتباه — إلى آيريس قائلًا بإنجليزية بتأكيد مُتأنٍّ: «ضربة الشمس تلك تُفسر كل شيء. لقد سبَّبت لك هلاوس، وجعلتك تتصورين امرأة لا وجود لها. بعد ذلك، نِمتِ وحلمتِ، ثم الآن استيقظت وقد تحسَّنت حالتك كثيرًا؛ لذا لم ترَي الآنسة فروي. هي ليست سوى تهيؤات، أو مجرد حلم.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠