الفصل السادس عشر

الشاهدة الرئيسية

بينما كانت آيريس تُحدق في وجه السيدة الغريبة، عاد الظلام الدامس ليغمر عقلها. كانت قد حسبت أنها خرجت منه إلى نور الصبح، وكان قلبها لا يزال يطرب فرحًا لنجاتها منه، لكنها انخدعت ببصيص من ضوء الشمس تسلَّل من فتحة بالسقف.

فالكابوس لا يزال مستمرًّا. كان الظلام يكتنفها؛ يخمد قواها العقلية ويُربك حواسها. شعرت بأنها أسيرة كابوس لن ينتهي إلا إن بذلت قصارى جهدها للفرار منه.

الآنسة فروي. يجب أن تتشبث بالآنسة فروي. في تلك اللحظة، تذكَّرت فجأةً وجهها الباهت بوضوح، ذلك الوجه الذي امتزج فيه النضوج والصبا الآسر، ذو العينين الواسعتين الزرقاوين، والملامح البسيطة التي جار عليها الزمن وأبهتها بعض الشيء.

كانت تقف أمامها محتالة، ترتدي حلية الآنسة فروي التويدية البيج. كان الوجه الذي يطل من تحت القبعة شاحبًا، والعينان السوداوان يخلوان جميعًا من أي تعبير. كان الوجه يبدو جامدًا، وكأنما لا يقدر على البكاء، ولم يعرف الابتسام يومًا.

استيقظت آيريس من كابوسها.

وقالت متحديةً إياها: «أنت لست الآنسة فروي.»

أجابت المرأة بالإنجليزية: «كلا، أنا لم أسمع هذا الاسم من قبل. أنا السيدة كومر، كما أخبرتك عندما احتسينا الشاي معًا.»

«تلك كذبة؛ فأنا لم أحتسِ الشاي برفقتك قط. أنت غريبة تمامًا عني.»

«بالطبع أنا غريبة عنك كأي شخص تُقابلينه في رحلة، لكننا تحدَّثنا معًا، لكن لم يطل حديثنا لأن رأسك كان يؤلمك.»

«أها!»

تعمَّد الطبيب أن يحمل تعجبه نبرة تأكيدية، جعلت آيريس ترتعد تخوفًا، مع أنها جعلتها تأخذ حذرها كذلك.

قالت في نفسها: «يجب ألا أدعهم يُثبطونني.» ثم التفتت للبروفيسور بيأس، وقالت بحدة:

«تلك ليست الآنسة فروي.»

قال البروفيسور بنفاد صبر: «لقد أخبرتنا السيدة بذلك بنفسها. في الواقع، لا يبدو أن أحدًا غيرك سمع الاسم «فروي» غير الشائع نوعًا ما.»

كان من الواضح أنه يعتقد أن الآنسة فروي تنتمي إلى شخصيات عالم الخيال.

قالت آيريس مُصرةً وهي تحاول أن تمنع صوتها من التذبذب: «لكنها ترتدي ملابسها. لمَ؟ لمَ؟ ماذا حدث للآنسة فروي؟ تلك مؤامرة، وأنا خائفة. هي تقول إننا احتسينا الشاي معًا، لكننا لم نفعل. النادل سيعرف. أرسل في طلبه.»

ارتاعت عندما وجدت أن هير لم ينطلق في مهمته مثل هِرْمس بشير الآلهة الإغريقية، بل لوى شفتَيه وبدا عليه الارتباك.

قال مقترحًا بنبرته الهادئة التي تُثير حنق آيريس: «لمَ لا نختتم ذلك اليوم وتحظين بقسط من الراحة؟»

لا أحد يُصدقها، وجعلتها قوة شكوكهم مجتمعةً تشكُّ في نفسها. كان الظلام قد بدأ يكتنفها مرةً أخرى عندما تذكَّرت الشاهدة التي دعمت شهادتها؛ زوجة القس.

قالت بصوت خافت: «السيدة بارنز.»

قال البروفيسور الذي كان يتوق لوضع نهاية لذلك المشهد متطوعًا: «سأذهب لأحضرها.»

مع أنه طيب القلب ومنصف للغاية — عندما يكون في بيئة مألوفة — كان متحيزًا ضد آيريس، بسبب واقعة مؤسفة أفسدت عليه نهاية الفصل الدراسي المنصرم؛ فقد خانت إحدى ألمع طالباته — شابة يافعة رزينة لا تتمتع بالجاذبية، كان متحمسًا للغاية من تقدمها الدراسي — نقضت العهد معه فجأة وورَّطته في مشهد عاطفي مزعج للغاية.

عندما حضرت إلى مكتبه كي تودعه، انهارت تمامًا وأكَّدت له أنها لم تكد إلا لإرضائه، وأنها لا تطيق فكرة فراقه.

ولما كان يُصر على إبقاء باب مكتبه مفتوحًا بدافع الحذر، تُدووِلت نسخة من تلك الواقعة؛ مما سبَّب له انزعاجًا شديدًا؛ لذا كان يندب حظه الذي جعله يتورط مع فتاة هيستيرية أخرى وهو يمر بالمقصورة الصغيرة التي تشغلها الأختان فلود-بورتر.

خلال الزجاج، رأى السيدة بارنز التي عادت لمتابعة دردشتها التي قُطعت، فدخل.

قال محذرًا إياها: «يؤسفني أن مزيدًا من المتاعب بانتظارك. تلك الشابة اليافعة المنفعلة للغاية تريدك أن تتعرفي على هوية شخص ما. هل تمانعين أن تُرافقيني إلى مقصورتها؟»

قالت إدنا بارنز: «بالطبع لا أمانع. هل هي تلك السيدة اللطيفة الضئيلة التي ترتدي حلة تويدية بلون فاتح مرقط بالبني، وتضع ريشة زرقاء في قبعتها؟»

«على الأرجح. أظن أني أذكر الريشة.» تطلَّع البروفيسور إلى وجهها المجهد وعينيها البنيتين وأضاف بلطف. «تبدين شاحبة. أرجو ألا تكوني مريضة.»

قالت السيدة بارنز بنبرة حملت ابتهاجًا زائدًا: «كلا. زوجي هو المريض، لكني أحمل عنه ألمه كي يتمكن من النوم.»

«العلاج بالإيحاء؟»

«شيء من هذا القبيل ربما. عندما يكون المرء متزوجًا — إن كان بينه وبين زوجه رابط حقيقي — فهو لا يُشاطره دخله فحسب.»

قاطعتها الآنسة روز قائلةً: «حسنًا، أنا أرى أن تلك حماقة؛ فهو يفوقك قوةً بكثير.»

لكن البروفيسور نظر إلى وجهها العذب وقد زاد احترامه لها.

قال: «لا أحب أن أزعجك بذلك الشأن. في رأيي، تلك الفتاة مهووسة ولا تريد إلا أن تكون محط الأنظار. هي الآن تدَّعي أن السيدة التي وجدناها ليست هي السيدة الأصلية، التي لا تزال مفقودة حسب زعمها.»

قالت الآنسة فلود-بورتر بهدوء معلقةً: «فلنأمل أن تكون هي السيدة المنشودة لمصلحتك. إن لم تكن، فستؤخرك في ترييستي، وستفوتك مواصلتك المتجهة إلى ميلان.»

وضعت السيدة بارنز يدها على عينيها وصاحت:

«أوه، آمل ألا يحدث ذلك؛ فزوجي يتوق لإنهاء تلك الرحلة اللعينة، لكن على المرء أن يقوم بما يُمليه عليه الواجب، أيًّا كانت العاقبة.»

عقَّبت الآنسة روز قائلةً: «لكن ذلك الأمر لا طائل منه على الإطلاق. حسب وصفك، فتلك المعلمة المفقودة ليست بالفتاة الساذجة، بل هي مسافرة محنَّكة، وهي إما أنها تتوارى عن الأنظار وتتملص من الفتاة لسبب وجيه يخصها، أو أن ذلك كله محض هراء.»

علَّق البروفيسور وهو يصطحب السيدة بارنز إلى الممر قائلًا: «هو بلا شك ذلك الأمر الأخير.»

في الممر قابلا القس الذي جاء يبحث عن زوجته.

صاحت السيدة بارنز وقد تهلَّلت أساريرها: «هذا هو زوجي. هل اعتقدت أني هجرتك يا كين؟»

بينما وقفوا يتجاذبون أطراف الحديث، جلست آيريس تنتظر عودة هير ومعه النادل. لم يكن لديها أمل حقيقي بخصوص ذلك؛ فقد بدأت تنظر إلى جميع الموظفين باعتبارهم عرائس تُحركها البارونة. هناك قوة غامضة تعمل على نطاق واسع، وهذا يربكها. والدليل على ذلك هو تلك المحتالة المريعة التي تجلس أمامها في زي الآنسة فروي. مع ذلك، لا يوجد تفسير لتلك الواقعة؛ إذ لا ترى أي دافع لتلك الحيلة غير المحكمة.

كل تفصيلة في هيئة المرأة تُناظر بدقةٍ الصورة التي تحتفظ بها للآنسة فروي في ذاكرتها، وبينما تُحملق في الأزرار الزرقاء المصنوعة من العظم المألوفة لها، بدأ الشك الحقيقي يتسلل إلى ثقتها. وتساءلت في نفسها إن كانت بالفعل قد وقعت ضحية للهلاوس. القصة التي رواها هير عن رؤيته للأمير تُثبت أن الهلاوس أمر ليس بالنادر.

كانت تشعر بإنهاك شديد جعلها ترى أن ذلك يكاد يكون هو أسهل حل لمشكلاتها. ففي النهاية، ستقصر جهدها على محاربة شبح المرض الذي يُهددها باستمرار، دون أن تدَّخر منه شيئًا للقلق الإضافي بشأن لغز الآنسة فروي الذي يصعب حله.

قالت في نفسها: «قريبًا أعرف.»

قال لآيريس: «قلت إنه الشاب ذو الشعر الفاتح. ها قد أتيتك بالنادل الأشقر الوحيد. بالمناسبة، هو يتباهى بتحدثه الإنجليزية.»

تذكَّرت آيريس الشاب اليافع فور أن رأت شعره الذي يُشبه القش في لونه والذي يُصففه بعناية، وجبهته المائلة. كان يرتدي نظارة ويبدو أشبه بطالب أو موظف إداري.

سألته: «هل تفهم حقًّا الإنجليزية؟»

أجابها بحماس: «بالطبع يا سيدتي؛ فمعي شهادة بإجادة النحو واجتياز اختبار المحادثة.»

«حسنًا، هل تذكر أنك قدَّمت لي الشاي؟ هل ذاكرتك يُعتمد عليها في تذكر الوجوه؟»

«أجل سيدتي.»

«إذن أريدك أن تنظر لتلك السيدة.» أشارت آيريس للسيدة كومر وأضافت قائلةً: «ليس إلى ملابسها، بل إلى وجهها. والآن أخبرني، هل تلك هي السيدة التي احتست الشاي معي؟»

تردَّد النادل قليلًا، بينما تلاشى التعبير من عينيه الفاتحتين للحظة، ثم أومأ برأسه حاسمًا أمره.

«أجل سيدتي.»

«هل أنت واثق؟»

«أجل سيدتي، أنا واثق تمامًا.»

لم تُعلق آيريس، فمنح هير بقشيشًا للشاب وتركه يذهب في طريقه. مع أن الاستجواب سار كما توقَّع، كان يشعر بضيق بالغ. نظر بضيق إلى البارونة والطبيب، لكن لم يبدُ على وجهيهما سوى الصبر المتكلف، بينما ينتظران بفارغ الصبر انتهاء الاستجواب.

فجأة، دوَّت صرخة مكتومة من العربة المجاورة، فهبَّ الطبيب من مقعده على الفور وأسرع عائدًا إلى مريضته.

كان الصوت غير بشري وغير ملفوظ بوضوح، ظل يُردد مكتومًا لكن منفعلًا: «مم-مم-مم.» فذكَّر آيريس بحيوان قُطِع لسانه، يحتج على معاناة لا يفهمها. كانت قد نسيت أمر المسكينة صاحبة الجسد المتكسر — التي ترقد مضمدة لا حول لها ولا قوة في العربة المجاورة — معتمدة تمامًا على سيدتين قاسيتين.

كانت تلك الذكرى كفيلة بأن توقظ مرةً أخرى ريبتها الشديدة في الطبيب، تلك الريبة التي كانت قد خبت. سألت نفسها ما المصير الذي ينتظر مريضته في نهاية الرحلة؟ هل خمَّنت أنه يسرع بها إلى عملية جراحية ما، محكوم عليها بالفشل، لكنه أوصى بها باعتبارها مجرد تجربة لإرضاء فضوله العلمي؟

كانت آيريس تملك ما يكفي من المنطق كي تدرك أنها تستغرق في وساوس وتكهنات مرضية فأسرعت تقطع حبل أفكارها. نبَّهها صوت مميَّز إلى قدوم البروفيسور، فأمالت ذقنها بتحدٍّ.

وقالت لهير: «لقد تذكَّرت السيدة بارنز الآنسة فروي عندما تظاهر الجميع بعدم تذكرها. أنا واثقة أنها ليس بوسعها أن تكذب؛ لذا لا أهتم بما يقوله سواها، فأنا أعتمد عليها هي.»

تقدَّمت إدنا بارنز مُتأبطةً ذراع زوجها وكأنما تستند إليه، لكن في الواقع، كان هو من يستند إليها بشدة؛ إذ كانت اهتزازات القطار تُسبب له الدوار. كان لا يزال متماسكًا، لكن وجهه كان يُفصح عن إنهاك فارس أوشكت فترة صحوه أن تنتهي.

قال لآيريس مُتوليًا زمام الأمر بحكم العادة: «أفهم أنك تريدين منا التعرف على صديقة لك.»

ثم نظر إلى زوجته.

وسألها: «عزيزتي إدنا، هل تلك هي السيدة؟»

على العكس من النادل، لم تتردد السيدة بارنز؛ إذ تعرَّفت عليها على الفور.

قالت: «أجل.»

تقدَّم القس باسطًا يده.

وقال لها: «أنا سعيد أن أتتني الفرصة لأشكرك على لطفك.»

قبِلت الآنسة كومر ببرودٍ الشكر الموجه للآنسة فروي، أم أنها هي الآنسة فروي فعلًا؟ شعرت آيريس بخفقان عنيف، وكأنما يُرفرف طائر بجناحيه داخل رأسها، وهي تسقط في ظلام دامس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠