الفصل السابع عشر

لم يكن ثمة آنسة فروي

كان التأثير الفوري لإغماء آيريس هو تهدئة أعصابها. عندما استعادت وعيها، لتجد شخصًا ما يدفع برأسها لتحت مستوى ركبتيها. شعرت بالخجل من ضعفها، لكن لم يكن في صوتها أي أثر للهلع وهي تعتذر.

«آسفة أن سبَّبت لكم ذلك الإزعاج الشديد. لقد صِرت بخير الآن.»

سألها السيد بارنز: «ألا تعتقدين أنه من الأفضل أن تستلقي. أنا واثق أن الآنستين فلود-بورتر سيسرُّهما أن يُعِيراكِ مقصورتهما الخاصة.»

لم تكن آيريس واثقة من أن السيدتين يرقيان لمعايير القس للإحسان، لكنها شعرت أنها بحاجة إلى مكان هادئ، يمكنها فيه أن تستجمع شتات عقلها.

قالت لهير: «أريد أن أتحدث معك.» ثم تركته يتولى الباقي.

كما توقَّعت، انتهز تلك الفرصة، وقال: «آسف لطردك يا بروفيسور، لكن مقصورتنا الخاصة محجوزة للنصف الساعة القادمة.»

تمتم البروفيسور بعبوس: «هذا من دواعي سروري.»

بعد أن احتست بعض البراندي من قنينة القس، جاهدت آيريس للنهوض من مقعدها. كانت ركبتاها ترتعدان وصدغاها لا يزالان باردين، لكن الفترة القصيرة التي غابت فيها عن الوعي خفَّفت الضغط عن قلبها، فجعلتها أفضل حالًا.

بينما سارت مترنحةً هي وهير في الممر — مُتأبطةً ذراعه؛ وهو ما تسبَّب في انزعاج عام — لاحظت أن أضواء القطار أُضيئت. شعرت أن هذا التغير المفاجئ من النهار إلى الليل هو بمثابة علامة فارقة في رحلتها. فالزمن يسير بسرعة مع القطار. كان المنظر الذي يمر سريعًا بالخارج مظلمًا كلوحة مبهمة رُسمت بالفحم، بينما دلَّت الأضواء المبعثرة على أنهم قد بلغوا منطقة حضرية، كانت البلدة الصغيرة البائسة هي أول أحيائها النائية.

الآن وقد حُجِب العالم الخارجي، بدت لها الأجواء داخل القطار السريع أكثر حرارة وتشبعًا بالأدخنة. في البداية، شعرت آيريس بشيء من رهاب الأماكن المغلقة عندما جلست بداخل المقصورة الخاصة الضيقة.

قالت وهي تلتقط أنفاسها: «افتح النافذة على مصراعيها.»

استجاب لها هير وهو يقول مُتبرمًا: «هناك هواء كافٍ يأتي من الفتحة العلوية. سيخنقك السخام ويغطيك حتى إن أمك لن تعرفك.»

قالت آيريس وهي تشعر فجأة بالأسف على حالها: «ليس لي أم، لكني لست هنا لأثير شفقتك. فهناك أمرٌ خطير وجِديٌّ للغاية على المحك. أريد أن أذكِّرك بشيء قلته هذا الصباح في محطة القطار. كنت تتناقش مع البروفيسور وسمعتك تقوله. قلت إن المحاكمة بواسطة هيئة محلفين غير عادلة؛ لأنها تعتمد على شهادة الشهود.»

قال هير: «بالفعل قلت ذلك، وأنا أعني كل كلمة.»

تابعت آيريس: «وحينها تحدَّث البروفيسور عن الشهادة التي يُعول عليها، وعقد مقارنة بين سيدتين؛ إحداهما سيدة إنجليزية من الأعيان، من النوع الذي يجمع جوزات الصنوبر ومثل تلك الأشياء عندما تذهب في نزهة على قدميها، والأخرى سمراء تضع رموشًا اصطناعية.»

«أذكرها. امرأة جميلة، كحبةِ كرز سوداء غضة.»

«لكن البروفيسور أدانها، وهذا هو ما يحدث الآن بالضبط. لقد أُدِنت أنا بأني شاهدة لا يُعتد بأقوالها، بينما تحيَّز لأولئك السيدات البريطانيات العجائز ومعلمات مدارس الأحد.»

«هذا لأنهن لا يتمتعن بالجمال، أما أنت فتملكين وجهًا من نوع آخر. شكرًا للرب على ذلك!»

فشلت محاولة هير في تهدئة آيريس، فقد استشاطت غضبًا.

«أنا أكره وجهي؛ فهو وجهٌ سخيف لا يُعبر عن شيء. بجانب ذلك، لمَ يحكمون عليَّ بالظاهر إن كان مظهري سيحكم ضدي؟ هذا ليس عدلًا. أنت قلت ذلك. أنت قلت للبروفيسور إن ذلك قد يؤدي إلى وقوع لبس كبير. لا يمكنك أن تخالف كلامك؛ لذا يجب أن تقف في صفي إلا إذا كنت رجلًا متقلب الأهواء.»

«حسنًا، سأقف في صفك. ماذا تريدين مني أن أفعل؟»

وضعت آيريس كفيها المتعرقتين على المقعد ذي الغطاء المخملي الذهبي القديم اللزج، ومالت للأمام لتلتقي عيناها بعينيه.

قالت له: «أنا أقول إن الآنسة فروي موجودة. يجب أن تُصدقني، لكن ذهني مشتَّت كسيركٍ كبير، وأفكاري مشوَّشة. هلَّا استعرضت الأمر معي خطوة بخطوة كي أستوضحه؟»

قال لها هير: «يسرُّني أن أسمع روايتك أنت.»

جلس يدخن مستغرقًا في التفكير بينما قصَّت عليه روايتها بداية من مقابلتها للآنسة فروي المزعومة، وحتى حادث اختفائها.

قال لها: «حسنًا، لقد ذكرت حقيقة واحدة مؤكدة. فما أخبرتك به تلك السيدة حول رب عملها صحيح، وأنا أستطيع أن أخمِّن بدقة من يكون. في الوقت الحالي، ثَمة رجل من الأعيان هو محط أنظار البلدة بسبب اتهامات له بالرشوة، والتلاعب بالعقود، وأعمال غير قانونية أخرى من هذا القبيل. آخر تهمة وُجهت إليه هي قتل محرر الصحيفة الثورية الرديئة الذي كان قد وجَّه له تلك الاتهامات.»

التقط صفحة صفراء رقيقة من صحيفة مطبوعة برداءة.

وقال مفسرًا: «هذا مذكور في عمود الأنباء العاجلة، لكن نظرًا لأنه كان في كوخ الصيد الذي يملكه وقت الجريمة، لم تدُم الضجة حول تلك التهمة الأخيرة، لكن أحدًا لن يهتم؛ فالنظام الإقطاعي لا يزال سائدًا بالفعل في تلك المقاطعات المتطرفة.»

صاحت آيريس بحماسة بالغة: «لكن هذا يُثبت أني مُحقة، فكيف سأعرف كل ذلك عن رب عمل الآنسة فروي إلا إن كانت هي من أخبرتني به؟ كما أن هناك أمرًا آخر. عندما أخبرت الآنسة فروي عن ضربة الشمس التي تعرَّضت لها، كانت البارونة تُصغي لكلامي. فلا يمكن أن تكون قد عرفت بذلك الأمر بأي طريقة أخرى. وهذا يعني أن الآنسة فروي كانت معي في المقصورة.»

بدا وجهها مُشرقًا للغاية حتى إن هير كره أن يُحطم ثقتها.

قال: «يؤسفني أن ذلك لا يُثبت إلا أن الآنسة كومر هي التي كانت معك في المقصورة، وأنها أخبرتك بشأن رب عملها، وربما بنبذة عن تاريخ أسرتها عندما احتسيت الشاي معها. وفيما بعدُ ذكرتِ لها أمر ضربة الشمس، إن كنت تذكرين، عندما صعدت على متن القطار بعد أن أفقت منها مباشرة، كنت تحسبين أن جميع الركاب أجانب. عندما نِمتِ ثم استيقظت مشوشة الذهن، ظهرت فجأةً الآنسة فروي.»

قالت آيريس محتجة: «لكنها كان لها عينان زرقاوان وضحكة فتاة صغيرة، كما أن هناك أمر والدَيها العجوزين وكلبها. وهؤلاء لا يمكن أن أكون قد اختلقتهم.»

«لمَ لا؟ ألا تحلمين قط؟»

بانكسار خاطر، فهمت آيريس ما يقصده.

«أفترض أني أفعل، أنت مُحق حتمًا.»

تابع هير قائلًا: «عليَّ أن أذكِّرك أن القس أكَّد أن الآنسة كومر هي السيدة التي أرسلت في طلب الشاي له ولزوجته. أنا لست محايدًا لأن جميع أعمامي وآبائي قسيسون، ولأني قابلتهما أثناء الإفطار، لكن كونه من رجال الكنيسة يعني ضمنيًّا أنه صاحب أخلاق رفيعة؛ فنحن نُصرُّ على أن يتحلى القسيسون بمعايير أخلاقية تفوق معاييرنا نحن، بل نمتحن ذلك فيهم بشدة، وأنت حتمًا لا تُنكرين أنهم غالبًا لا يُخيبون آمالنا فيهم.»

تمتمت آيريس: «هذا صحيح.»

«كما أن هذا القس يملك وجهًا نزيهًا للغاية. وجه رجل دين صالح.»

ثم قالت آيريس مذكرةً إياه: «لكنه لم يرَ الآنسة فروي قط. لقد كان يتكلم نيابة عن زوجته.»

انفجر هير ضحكًا وقال: «لقد أقنعتني. حسنًا، هذا يُبين كيف يمكن للمرء أن يزل؛ فقد تولَّى هو الحديث بحكم العادة، فجعلنا جميعًا نعتقد أنه هو الشاهد.»

قالت آيريس مقترحةً باستبشار: «إن أخطأت بشأن أمر، فمن الممكن أن تكون مخطئًا بشأن آخر.»

«هذا صحيح. لنراجع الأمر مرةً أخرى. أنت تقترحين أن البارونة تخلَّصت من الآنسة فروي — لا يهم كيف — وأن الركاب الآخرين يدعمونها؛ كَوْنهم من السكان المحليين وبدافع رهبتهم لتلك العائلة. أنت مُحقة حتى تلك النقطة؛ فهذا ما سيفعلونه.»

قالت آيريس: «لكنها تبدو خطة غير محكمة على الإطلاق؛ أن تلبس سيدة لا تُشبِه الآنسة فروي ملابسها، وتنتحل شخصيتها.»

قال هير مفسرًا: «لكن ذلك الجزء ارتُجل في اللحظة الأخيرة. لا تنسي أنك أفسدت خطتهم عندما اقتحمت المقصورة في اللحظة الأخيرة، وعندما أثرتِ ضجة بشأن الآنسة فروي. في البداية أنكروا وجودها، فلم تكوني سوى مجرد أجنبية لا يقيمون لها وزنًا؛ لذا ظنوا أن بإمكانهم الإفلات بفعلتهم، لكن عندما ذكرت أن ثمة إنجليزيين غيرك رأوها، اضطروا لأن يأتوا بمن تحل محلها، ويركنوا إلى الحظ في ألا يكون أصدقاؤك قد سمعوا بمدرسة بيلمان لتعزيز الذاكرة.»

كان يتحدث عن الآنسة فروي وكأن وجودها أمر واقعي، وكان ذلك أمرًا جديدًا على آيريس بعث على الراحة، فحادت أفكارها إلى مسار آخر.

سألته: «ألا تستطيع جعل خصلة الشعر تلك تستوي؟»

أجابها: «كلا، لم يُفلح معها اللين ولا الشدة. هي مصدر شقائي الخفي، لكن شكرًا لكِ؛ فتلك هي بادرة الاهتمام الأولى التي تُبدينها تجاهي.»

«ألا تجد أن الآنسة فروي كانت سببًا في زيادة القرب بيننا؟ ألا ترى أنك أنت أيضًا تعتقد بوجودها.»

«حسنًا، ليس إلى ذلك الحد، لكني وعدتك أن أصدقك — حتى إن كان موقفك كتلك الفتاة ذات الرموش الاصطناعية — وأن أقف في صفك ضد السيدات ذوات معاطف «بيربري» أمثال الآنستين فلود-بورتر. في تلك الحالة، يجب أن نقبل بوجود مؤامرة، خطَّط لها الرأس المُدبر، ونفَّذتها قريبته البارونة ومُتورط بها الطبيب، للتخلص من الآنسة فروي؛ لذا بطبيعة الحال، هذا يمحو كل الأدلة.»

قالت له آيريس: «أنت مدهش للغاية حقًّا.»

«لا تتسرعي في مدحي. لننتقل إلى الركاب الإنجليزيين. الأختان فلود-بورتر تبدوان لي تجسيدًا مثاليًّا للمواطن الإنجليزي التقليدي. كيف هما؟»

«لقد حظيتا بأفضل تعليم وتُخالطان نخبة المجتمع.»

«هل هما نزيهتان؟»

«أجل.»

«إذن ستقومان بما تُمليه عليهما النزاهة. يؤسفني أن تلك نقطة لا تُحتسب في صالح الآنسة فروي. والآن لنتخطَّ إلى الزوجين اللذين يقضيان شهر العسل — اللذين على الأرجح ليسا زوجين عاديين — ونأتي إلى زوجة القس. ماذا عنها؟»

«لا أعلم.»

«تذكَّري أنك أقسمتِ، وأني أصدقك.»

تردَّدت آيريس وقالت: «حسنًا، لا أظن أن بوسعها أن تكذب.»

«وأنا واثق من أنها لم تكن لتفعل. أنا أخالط أصحاب الحانات والعصاة ولا أعرف الكثير عن الصالحين، لكنها تبدو لي امرأة صالحة حقًّا، كما أنها دعمتك في المرة الأولى. وهذا يُبين أنها لا تملك دوافع خفية. وقد ذكرت أن الآنسة كومر هي السيدة التي رافقتك لاحتساء الشاي. ألا تظنين أننا يجب أن نصدقها؟»

«بلى، حسبما أظن.»

«حسنًا إذن، كفة الأدلة غير راجحة لصالح الآنسة فروي، لكن لأني ذكرت أني لا أثق بالأدلة — مهما بدت مقنعة — لذا سأزيحها جميعًا جانبًا. في ذهني، الأمر كله يتلخص في نقطة واحدة؛ الدافع.»

رأت آيريس الآنسة فروي تنمحي شيئًا فشيئًا فيما تابع هير تحقيقه.

«ما فهمته هو أن الآنسة فروي كانت سيدة وديعة للغاية. ألا يمكن أن تكون متورطة في مؤامرة ما؟»

أجابته آيريس: «كلا. لم تكن مساندة للشيوعية.»

«وهي لا تتمتع بالشباب ولا الجمال؟ لذا لمَ تختطفها جماعة القبعة الرسمية؟»

«لا تكن سخيفًا.»

«هل لديها أي أعداء؟»

«كلا، لقد كانت تتباهى بأنها على علاقة طيبة بالجميع.»

«مم! أعرف أن ذلك ليس بدافع للقتل، لكن هل تضايقت العائلة من أنها ستذهب للتدريس في المعسكر المضاد؟»

«كلا. لقد أخبرتني أن رب عملها صافحها عند وداعها وشكرها على خدماتها.»

«حسنًا، هل صِرت ترين الأمور بوضوح الآن؟ إذا لم تُريني دافعًا حقيقيًّا لمؤامرة يحيكها أحد الأعيان ضد الآنسة فروي الفقيرة النزيهة، فيؤسفني أن أخبرك بأنه لا وجود للآنسة فروي. ألا توافقينني؟»

ساد الصمت لفترة حاولت فيها آيريس أن تسبح ضد التيار الذي يحمل الآنسة فروي بعيدًا. أقنعت نفسها أنه لا يمكن لأشخاص كثيرين باهتمامات متفرقة أن يجتمعوا على كذبة. وكذلك، كما ذكر هير، ما الدافع؟

لم تجد طائلًا من مصارعة التيار أكثر من ذلك؛ لذا تركته يحملها معه.

قالت: «أنت مُحق حتمًا. لا يمكن للمرء أن يتجاهل الحقائق، لكنها مع ذلك بدت لي حقيقية للغاية، ووالداها العجوزان وكلبها بدوا حقيقيين كذلك.»

ثم أضافت قائلة وهي تشعر كأنها ذبحت طائرًا مفعمًا بالحيوية والبهجة، ظل يُرفرف ويُصارع متمسكًا بحياته: «لقد فزتَ. لا وجود للآنسة فروي.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤